«إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٠

الحديث رقم ١٠٠ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف يقبض العلم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من…

«إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

قَالَ الْفِرَبْرِيُّ : حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ.

سند حديث: ١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي…

١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ:

⦗٣٢⦘

حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من…

عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا يقبض العلم"، المراد به علم الكتاب والسنة وما يتعلق بهما، "انتزاعاً ينتزعه من الناس"، يعني: لا يقبض العلم من الناس بأن يرفعه من بينهم إلى السماء، "ولكن يقبض العلم"، أي: يرفعه، "بقبض العلماء"، أي: بموتهم ورفع أرواحهم، "حتى إذا لم يبق"، أي: الله، "عالماً"، بقبض روحه "اتخذ الناس رؤوساً"، أي: خليفة وقاضياً ومفتياً وإماماً وشيخاً، "جهالاً"، جمع جاهل أي: جهلة، "فسئلوا، فأفتوا"، أي: أجابوا وحكموا، "بغير علم، فضلوا" أي: صاروا ضالين، "وأضلوا"، أي: مضلين لغيرهم، فيعم الجهل العالم، ففي هذا الحديث إشارة إلى أن العلم سيقبض، ولا يبقى في الأرض عالم يرشد الناس إلى دين الله، فتتدهور الأمة وتضل بعد ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحث على طلب العلم، ليكثر العلماء، ويعم نفع الناس بهم.
  • موت العلماء مصيبة تحل بالأمة، وثَلْم في الإسلام.
  • الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم.
  • التحذير من استفتاء الجاهلين، أو الفتوى بغير علم.
  • الفتوى بالرأي سبيل الضلال والإضلال.
  • قلة العلم بالدين من علامات قرب القيامة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِثْلَكَ. وَمَا فِي قَوْلِهِ: لِمَا مَوْصُولَةٌ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفَضْلُ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) احْتِرَازٌ مِنَ الْمُشْرِكِ، وَالْمُرَادُ مَعَ قَوْلِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لَكِنْ قَدْ يُكْتَفَى بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلِمَتِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (خَالِصًا) احْتِرَازٌ مِنَ الْمُنَافِقِ، وَمَعْنَى أَفْعَلَ فِي قَوْلِهِ: أَسْعَدَ الْفِعْلُ لَا أَنَّهَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ أَيْ: سَعِيدُ النَّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهَا، وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَحْصُلُ لَهُ سَعْدٌ بِشَفَاعَتِهِ ; لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصَ أَكْثَرُ سَعَادَةً بِهَا، فَإِنَّهُ يَشْفَعُ فِي الْخَلْقِ لِإِرَاحَتِهِمْ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ، بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ كَمَا صَحَّ فِي حَقِّ أَبِي طَالِبٍ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ دَخَلُوهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ دُخُولِهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَوْجَبُوا دُخُولَهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِيهَا. فَظَهَرَ الِاشْتِرَاكُ فِي السَّعَادَةِ بِالشَّفَاعَةِ، وَأَنَّ أَسْعَدَهُمْ بِهَا الْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ قَالَ.

٣٤ - بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ.

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ. يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ

١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.

قَالَ الْفِرَبْرِيُّ:، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ.

[الحديث ١٠٠ - طرفه في: ٧٣٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ) أَيْ: كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيٌّ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ وَلِجَدِّهِ عَمْرٌو صُحْبَةٌ، وَلِأَبِيهِ مُحَمَّدٌ رُؤْيَةٌ، وَأَبُو بَكْرٍ تَابِعِيٌّ فَقِيهٌ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَقَضَائِهَا وَلِهَذَا كَتَبَ إِلَيْهِ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ سِوَى أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ. وَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ.

قَوْلُهُ: (انْظُرْ مَا كَانَ) أَيِ اجْمَعِ الَّذِي تَجِدُ. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ عِنْدَكَ أَيْ: فِي بَلَدِكِ.

قَوْلُهُ: (فَاكْتُبْهُ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ. وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْحِفْظِ، فَلَمَّا خَافَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ ذَهَابِ الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ رَأَى أَنَّ فِي تَدْوِينِهِ ضَبْطًا لَهُ وَإِبْقَاءً. وَقَدْ رَوَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ، المُتوفَّى سنة سبع وستِّين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) القرشيِّ المدنيِّ، مولى ابن (١) عمر (بِذَلِكَ، يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: محتملٌ أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر، أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرِّواية، والأوَّل أظهر، وبه صرَّح أبو نعيمٍ في «المُستخرَج» ولم أجده (٢) في مواضع كثيرةٍ إلَّا كذلك، وعلى هذا فبقيَّته من كلام المصنِّف أورده تلو كلام عمر، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر. انتهى.

١٠٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة والسِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ) أي: في حجَّة الوداع، كما عند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أبي أمامة: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ) من بين النَّاس (انْتِزَاعًا) بالنَّصب مفعولٌ مُطلَقٌ (يَنْتَزِعُهُ) وفي رواية: «ينزعه» (مِنَ العِبَادِ) بأن يرفعه إلى السَّماء أو يمحوَه من صدورهم (وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ)

أرواح (١) (العُلَمَاءِ) وموت حَمَلَته، وإنَّما عبَّر بالمُظْهَر في قوله: «يقبض العلم» موضع المُضمَر لزيادة تعظيم المُظْهَر كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر القاف؛ مِنَ الإبقاء، وفيه ضميرٌ يرجع إلى الله تعالى، أي: حتَّى إذا لم يُبْقِ الله تعالى (عَالِمًا) بالنَّصب على المفعوليَّة كذا في رواية الأَصيليِّ، ولغيره (٢): «يَبْقَ» بفتح حرف المضارعة والقاف، مِنَ البقاء الثُّلاثيِّ، و «عالمٌ» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى إذا لم يترك عالمًا» (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (رُؤُوْسًا) بضمِّ الرَّاء والهمزة والتَّنوين، جمع رأسٍ، ولأبي ذرٍّ أيضًا -كما في «الفتح» -: «رؤَساءَ» بفتح الهمزة وفي آخره همزةٌ أخرى مفتوحةٌ، جمع رئيسٍ (جُهَّالًا) بالضَّمِّ والتَّشديد والنَّصب صفةٌ للسَّابقة (٣) (فَسُئِلُوا) بضمِّ السِّين، أي: فسألهمُ السَّائل (فَأَفْتَوْا) له (بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا) أي: مِنَ الضَّلال، أي: في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) مِنَ: الإضلال، أي: أضلّوا السَّائلين، فإن قلت: الواقع بعد «حتَّى» هنا جملةٌ شرطيَّةٌ، فكيف وقعت غايةً؟ أُجِيب: بأنَّ التَّقدير: ولكن يُقبَض العلم بقبض العلماء، إلى أن يتَّخذ النَّاس رؤساءَ جُهَّالًا وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مُرتَّبًا على فعل الشَّرط. انتهى. واستدلَّ به الجمهور على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ خلافًا للحنابلة.

(قَالَ الفَِرَبْرِيِّ) أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطرٍ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بالمُوحَّدة والمُهمَلَة آخره، وفي روايةٍ بإسقاط «قال الفَِرَبْرِيِّ» (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أحد مشايخ المؤلِّف (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث مالكٍ السَّابق، وهذه (٥) من زيادات (٦)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من شَاءَ الله أَن يشفع. الرَّابِعَة: قوم دخلُوا النَّار من المذنبين فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْمَلَائِكَة والأنبياء والمؤمنون. الْخَامِسَة: الشَّفَاعَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا، وَهَذِه لَا تنكرهَا الْمُعْتَزلَة. وَقَالَ القَاضِي: عرف بالاستفاضة سُؤال السّلف الصَّالح الشَّفَاعَة، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ: يكره سؤالها لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا للمذنبين، فقد يكون لتخفيف الْحساب وَزِيَادَة الدَّرَجَات، ثمَّ كل عَاقل معترف بالتقصير مُشفق أَن يكون من الهالكين غير مُعْتَد بِعَمَلِهِ، وَيلْزم هَذَا الْقَائِل أَن لَا يَدْعُو بالمغفرة وَالرَّحْمَة لِأَنَّهَا لأَصْحَاب الذُّنُوب، وَهَذَا كُله خلاف مَا عرف من دُعَاء السّلف وَالْخلف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الشَّفَاعَة الأولى هِيَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى. قيل: وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود، والمختصة بنبينا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهِي الأولى وَالثَّانيَِة، وَيجوز أَن تكون الثَّالِثَة وَالْخَامِسَة أَيْضا. وَالله أعلم.

قَوْله: (اِسْعَدْ النَّاس) ، التَّقْيِيد بِالنَّاسِ لَا يُفِيد نفي السَّعَادَة عَن الْجِنّ وَالْملك، لِأَن مَفْهُوم اللقب لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (من قَالَ) فِيهِ دَلِيل على اشْتِرَاط النُّطْق بِكَلِمَة الشَّهَادَة. فَإِن قلت: هَل يَكْفِي مُجَرّد قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله، دون: مُحَمَّد رَسُول الله؟ قلت: لَا يَكْفِي، لَكِن جعل الْجُزْء الأول من كلمة الشَّهَادَة شعاراً لمجموعها، فَالْمُرَاد الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا. كَمَا تَقول: قَرَأت: {آلم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١ ٢) أَي: السُّورَة بِتَمَامِهَا. فَإِن قلت: الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي على الْأَصَح، وَقَول الْكَلِمَة لإجراء أَحْكَام الْإِيمَان عَلَيْهِ، فَلَو صدق بِالْقَلْبِ وَلم يقل الْكَلِمَة يسْعد بالشفاعة؟ قلت: نعم، لَو لم يكن مَعَ التَّصْدِيق منافٍ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالْقَوْل النفساني لَا اللساني، أَو ذكر على سَبِيل التغليب إِذْ الْغَالِب أَن من صدق بِالْقَلْبِ قَالَ بِاللِّسَانِ الْكَلِمَة. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز، وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مشرع، وَفِي الشَّرْع لَا يعْتَبر إلَاّ القَوْل اللساني، وَالْقَوْل النفساني يعْتَبر عِنْد اللَّه، وَهُوَ أَمر مبطن لَا يقف عَلَيْهِ إلَاّ الله تَعَالَى. قَوْله: (خَالِصا) وَفِي بعض النّسخ: مخلصاً، من الْإِخْلَاص، وَالْإِخْلَاص فِي الْإِيمَان ترك الشّرك وَفِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء. قَوْله: (من قلبه) ذكر للتَّأْكِيد، لِأَن الْإِخْلَاص معدنه الْقلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ آثم قلبه} (الْبَقَرَة: ٢٨٣) وَإسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْجَارِحَة الَّتِي تعْمل بهَا أبلغ. أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت التَّأْكِيد: أبصرته عَيْني وسمعته أُذُنِي! قَوْله: (أَو نَفسه) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من أبي هُرَيْرَة. قلت: التَّعْيِين غير لَازم لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد من الروَاة مِمَّن هم دونه، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الرقَاق: (خَالِصا من قبل نَفسه) .

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وَالْخَيْر، فَإِن الْحَرِيص يبلغ بحرصه إِلَى الْبَحْث عَن الغوامض ودقيق الْمعَانِي، لِأَن الظَّوَاهِر يَسْتَوِي النَّاس فِي السُّؤَال عَنْهَا لاعتراضها أفكارهم، وَمَا لطف من الْمعَانِي لَا يسْأَل عَنهُ إلَاّ الراسخ، فَيكون ذَلِك سَببا للفائدة. وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. الثَّانِي: فِيهِ تفرس الْعَالم فِي متعلمه، وتنبيهه على ذَلِك لكَونه أبْعث على اجْتِهَاده فِي الْعلم. الثَّالِث: فِيهِ سكُوت الْعَالم عَن الْعلم إِذا لم يسْأَل حَتَّى يسْأَل، وَلَا يكون ذَلِك كتماً، لِأَن على الطَّالِب السُّؤَال، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا تعين عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ السُّكُوت إلَاّ إِذا تعذر. الرَّابِع: فِيهِ أَن الشَّفَاعَة تكون لأهل التَّوْحِيد، كَمَا ذكرنَا. الْخَامِس: فِيهِ ثُبُوت الشَّفَاعَة، وَقد مر مفصلا. السَّادِس: فِيهِ فَضِيلَة أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْقسم للتَّأْكِيد. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الكنية عِنْد الْخطاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

٣٤ - (بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ)

أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْمعْنَى: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة قبض الْعلم، و: كَيفَ، يسْتَعْمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون شرطا، فَيَقْتَضِي فعلين متفقي اللَّفْظ وَالْمعْنَى غير مجزومين. نَحْو: كَيفَ تصنع أصنع. وَلَا يجوز: كَيفَ تجْلِس أذهب، بِاتِّفَاق، وَلَا: كَيفَ تجْلِس أَجْلِس الْجَزْم عِنْد الْبَصرِيين إلَاّ قطرباً. وَالْآخر: وَهُوَ الْغَالِب فِيهَا أَن تكون استفهاماً: إِمَّا حَقِيقِيًّا نَحْو: كَيفَ زيد؟ أَو غَيره، نَحْو: {كَيفَ تكفرون بِاللَّه} الْآيَة (الْبَقَرَة: ٢٨) ، فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب، وَالْقَبْض نقيض الْبسط، وَالْمرَاد مِنْهُ الرّفْع والانطواء، كَمَا يُرَاد من الْبسط الانتشار.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْحِرْص على الحَدِيث الَّذِي هُوَ من أشرف أَنْوَاع الْعُلُوم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ارْتِفَاع الْعُلُوم، فبينهما تقَابل فتناسقا من هَذِه الْجِهَة. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب السَّابِق تَنْبِيها على أَن يهتم بتحصيل الْعُلُوم مَعَ الْحِرْص عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فَوَاتهَا.

وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انْظَرْ مَا كانَ منْ حدَيثِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكْتُبْهُ، فأنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهابَ العُلماءِ، وَلَا يُقْبلُ إِلَاّ حَدِيثُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولْيُفْشُوا العِلْمَ وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فإنَ العَلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.

هَذَا تَعْلِيق لم يَقع وَصله عِنْد الْكشميهني وكريمة وَابْن عَسَاكِر، وَوَقع وَصله للْبُخَارِيّ عِنْد غَيرهم، وَهُوَ بقوله فِي بعض النّسخ: حَدثنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار ... إِلَى آخِره، على مَا يَأْتِي ذكره عَن قريب. وَقد روى أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) هَذِه الْقِصَّة بِلَفْظ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْآفَاق: انْظُرُوا حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاجمعوه.

أما عمر بن عبد الْعَزِيز فَهُوَ أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، وَقد مر فِي كتاب الْإِيمَان، وَأما أَبُو بكر بن حزم فَهُوَ: ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، ابْن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عَوْف بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. قَالَ الْخَطِيب: يُقَال: إِن اسْمه أَبُو بكر، وكنيته أَبُو مُحَمَّد، وَمثله: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن. قَالَ الْخَطِيب: لَا نَظِير لَهما. وَقد قيل فِي أبي بكر بن مُحَمَّد: لَا كنية لَهُ غير أبي بكر اسْمه. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: قيل: إِن اسْم أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن هَذَا: الْمُغيرَة، وَلَا يَصح. قلت: أَرَادَ الْخَطِيب قَوْله: لَا نَظِير لَهما، أَي: مِمَّن اسْمه أَبُو بكر وَله كنية، وَأما من اشْتهر بكنيته وَلم يعرف لَهُ اسْم غَيره فكثير، ذكر ابْن عبد الْبر مِنْهُم جمَاعَة، وَأَبُو بكر بن حزم ولي الْقَضَاء والإمرة والموسم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة ولى أَبَا بكر إمرة الْمَدِينَة، فاستقضى أَبُو بكر ابْن عَمه على الْقَضَاء، وَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويتولى أَمرهم، وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم، توفّي سنة عشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن أَربع وَثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ، سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيث عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، قَالَ: عرضت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مُرْسل.

قَوْله: (انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث) أَي: اجْمَعْ الَّذِي تَجِد، وَوَقع هُنَا للكشميهني: عنْدك، مَعْنَاهُ فِي بلدك. قَوْله: (فاكتبه) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ كَانَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانُوا قبل ذَلِك يعتمدون على الْحِفْظ، فَلَمَّا خَافَ عمر رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الأولى من ذهَاب الْعلم بِمَوْت الْعلمَاء، رأى أَن فِي تدوينه ضبطاً لَهُ وإبقاء. قَوْله: (فَإِنِّي) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (دروس الْعلم) بِضَم الدَّال، من: درس يدرس، من بَاب: نصر ينصر، دروساً أَي: عفى ودرست الْكتاب أدرسه وأدرسه من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب درساً ودراسة ودرس الْحِنْطَة درساً ودراساً أَي: داسها. قَوْله: (وَلَا يقبل) بِضَم الْيَاء أَعنِي حرف المضارعة. قَوْله: (وليفشوا) بِصِيغَة الْأَمر من الإفشاء، وَهُوَ الإشاعة. وَيجوز فِيهِ تسكين اللَّام كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات. وَقَوله: (الْعلم) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (وليجلسوا) بِصِيغَة الْأَمر أَيْضا من الْجُلُوس لَا من الإجلاس، وَيجوز فِي لامه التسكين أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم، أَعنِي بتَشْديد اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يعلم: بِفَتْح حرف المضارعة وَاللَّام من الْعلم. قَوْله: (من لَا يعلم) بِصِيغَة الْمَعْلُوم من الْعلم. وَكلمَة: من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل يعلم الَّذِي هُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَأما إِذا قرىء على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم فَتكون مَفْعُولا نَاب عَن الْفَاعِل. فَافْهَم. قَوْله: (لَا يهْلك) بِفَتْح حرف المضارعة وَكسر اللَّام، أَي: لَا يضيع. وَفتح اللَّام لُغَة. وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي إِسْحَاق: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} (الْبَقَرَة: ٢٥) بِفَتْح الْيَاء، وَاللَّام وَرفع الثَّاء. قَوْله: (حَتَّى يكون سرا) أَي: خُفْيَة، وَأَرَادَ بِهِ كتمان الْعلم.

وَقَالَ ابْن بطال: فِي أَمر عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِكِتَابَة حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاصَّة وَأَن لَا يقبل غَيره، الحض على اتِّبَاع السّنَن وضبطها، إِذْ هِيَ الْحجَّة عِنْد الِاخْتِلَاف. وَفِيه: يَنْبَغِي للْعَالم نشر الْعلم وإذاعته.

حدّثنا العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حدّثنا عبدُ العزِيز بنُ مُسُلْمٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ بِذلك، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيز، إِلَى قَولِهِ: ذَهابَ العُلماءِ.

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى أثر عمر بن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا، و: لَكِن: (إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء) فسر ذَلِك بقوله: يَعْنِي حَدِيث عمر بن

عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بذلك يَعْنِي بِجَمِيعِ مَا ذكر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: حَتَّى يكون سرا. ثمَّ قَالَ: وَفِي بعض النّسخ بعده: يَعْنِي بعد قَوْله بذلك يَعْنِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، ثمَّ قَالَ: وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَن الْعَلَاء روى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء فَقَط. قلت: أما بعد قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، يحْتَمل أَن يكون كَلَام عمر، وَلكنه لم يدْخل فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَيحْتَمل أَن لَا يكون من كَلَامه، وَهُوَ الْأَظْهر، وَبِه صرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أوردهُ عقيب كَلَام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه: أنبأني الشَّيْخ قطب الدّين عبد الْكَرِيم إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي جدي إجَازَة الْحَافِظ الثِّقَة الْعدْل قطب الدّين عبد الْكَرِيم، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنبأَنَا عبد الْعَزِيز بن باقاء الْبَغْدَادِيّ إجَازَة، أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت سَمَاعا، أَنبأَنَا ثَابت بن بنْدَار، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البرقاني، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ الْإِسْمَاعِيلِيّ، ثَنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن عبد اللَّه بن دِينَار، قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم ... فَذكره إِلَى قَوْله: وَذَهَاب الْعلمَاء. فَإِن قلت: لِمَ أخر إِسْنَاد كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز عَن كَلَامه، وَالْعَادَة تَقْدِيم الْإِسْنَاد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للْفرق بَين إِسْنَاد الْأَثر وَبَين إِسْنَاد الْخَبَر، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ غير مطرد، وَيحْتَمل أَن يكون قد ظهر بِإِسْنَادِهِ بعد وضع هَذَا الْكَلَام، فَالْحَقْهُ بالأخير، على أَنا قُلْنَا: إِن هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بموجود عِنْد جمَاعَة.

وَأما الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار فَهُوَ أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ الْعَطَّار الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، سكن مَكَّة، أخرج البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأبي الْهَيْثَم فِي الْعلم عَنهُ عَن عبد الْعَزِيز هَذَا الْأَثر وَلم يخرج عَنهُ غَيره، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة، توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي مَوْلَاهُم، أَخُو الْمُغيرَة بن مُسلم الْخُرَاسَانِي الْمروزِي نِسْبَة إِلَى القساملة، وَقيل لَهُم ذَلِك لأَنهم من ولد قسملة، واسْمه مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، وَلَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوفَة بالقسامل، وَقيل: نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير والذبائح وَكتاب المرضى وَغير مَوضِع عَن مُسلم بن إِسْمَاعِيل عَنهُ عَن عبد اللَّه بن دِينَار، وحصين وَالْأَعْمَش. وَأخرج لَهُ هَذَا الْأَثر عَن الْعَلَاء عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن إِسْحَاق: ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم، وَكَانَ من الأبدال. قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ ابْن مَاجَه. وَأما عبد اللَّه بن دِينَار الْقرشِي الْمدنِي، مولى ابْن عمر فقد مر فِي: بَاب أُمُور الْإِيمَان.

١٠٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بن العاصِي قَالَ: سمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (إنَّ الله لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فافْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا) .

(الحَدِيث ١٠٠ طرفه فِي: ٧٣٠٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن يقبض الْعلم) .

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم، وَمَالك هُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه فِي (الْمُوَطَّأ) إلَاّ معن بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ أَيْضا فِيهِ سُلَيْمَان بن برد، وَرَوَاهُ أَصْحَاب مَالك كَابْن وهب وَغَيره خَارج (الْمُوَطَّأ) ، وَقد اشْتهر هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَوَافَقَهُ على رِوَايَته عَن أَبِيه عُرْوَة أَبُو الْأسود الْمدنِي وَحَدِيثه فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَالزهْرِيّ وَحَدِيثه فِي النَّسَائِيّ، وَيحيى بن أبي كثير وَحَدِيثه فِي (صَحِيح أبي عوَانَة) ، وَوَافَقَ أَبَاهُ على رِوَايَته عَن عبد اللَّه بن عمر، وَعمر بن الحكم بن ثَوْبَان وَحَدِيثه فِي مُسلم.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن سعيد ابْن تليد عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَغَيره جَمِيعًا عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة عَن عُرْوَة نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن يحيى بن يحيى عَن عباد بن عباد وَأبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع، وَعَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَأبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير وَعَبدَة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد وَعَن أبي بكر

بن نَافِع عَن عمر ابْن عَليّ الْمقدمِي، وَعَن عبد بن حميد عَن يزِيد بن هَارُون عَن شُعْبَة، الثَّلَاثَة عشر كلهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن هَارُون بن إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عمر، وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل هَذَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. قَالَ عبد الْوَهَّاب: فَلَقِيت هشاماً فَحَدثني عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ، وَعَن أَبِيه مثله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَأبي مُعَاوِيَة وَعبد اللَّه بن نمير وَمُحَمّد بن بشر، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك وَعلي بن مسْهر وَحَفْص بن ميسرَة وَشُعَيْب بن إِسْحَاق، تسعتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، جملَة وَقعت حَالا، وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع حِكَايَة لحَال الْمَاضِي واستحضاراً لَهُ، وإلَاّ فَالْأَصْل أَن يُقَال: قَالَ: ليطابق: سَمِعت. قَوْله: (لَا يقبض الْعلم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (انتزاعاً) يجوز فِي نَصبه أوجه. الأول: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا عَن معنى يقبض، نَحْو: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقعد جُلُوسًا. الثَّانِي: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا مقدما على فعله، وَهُوَ: ينتزعه. وَيكون: ينتزعه، حَالا من الضَّمِير فِي: يقبض، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه ينتزعه انتزاعاً من الْعباد. الثَّالِث: أَن يكون حَالا من الْعلم بِمَعْنى: منتزعاً، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه منتزعاً. فَإِن قلت: على هَذَا مَا يَقع ينتزعه؟ قلت: قيل: يكون ينتزعه جَوَابا عَمَّا يُقَال: مِمَّن ينتزع الْعلم؟ وَفِيه نظر، والأصوب أَن يكون فِي مَحل النصب صفة، إِمَّا لانتزاعاً، أَو لمنتزعاً من الصِّفَات المبينة. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. وَقَوله: (يقبض الْعلم) من قبيل إِقَامَة الْمظهر مَوضِع الْمُضمر لزِيَادَة تَعْظِيم الْمُضمر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: ٢) بعد قَوْله: {قل هُوَ الله أحد} (الْإِخْلَاص: ١) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال: هُوَ الصَّمد، كَمَا أَن الْمُقْتَضى هُنَا: وَلَكِن يقبضهُ. قَوْله: (حَتَّى) ابتدائية دخلت على الْجُمْلَة، تدل على أَن ذَلِك وَاقع بالتدريج، كَمَا أَن إِذا تدل على أَنه وَاقع لَا محَالة، و: إِذا ظرفية، وَالْعَامِل فِيهَا: اتخذ، وَيحْتَمل أَن تكون شَرْطِيَّة. فَإِن قلت: إِذا للاستقبال وَلم لقلب الْمُضَارع مَاضِيا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: لما تَعَارضا تساقطا فَبَقيَ على أَصله وَهُوَ الْمُضَارع، أَو تعادلا فَيُفِيد الِاسْتِمْرَار. فَإِن قلت: إِذا كَانَت شَرْطِيَّة يلْزم من انْتِفَاء الشَّرْط انْتِفَاء الْمَشْرُوط، وَمن وجود الْمَشْرُوط وجود الشَّرْط، لكنه لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز حُصُول الاتخاذ مَعَ وجود الْعلم. قلت: ذَلِك فِي الشُّرُوط الْعَقْلِيَّة، أما فِي غَيرهَا فَلَا نسلم اطراد هَذِه الْقَاعِدَة، ثمَّ ذَلِك الاستلزام إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع لم يكن للشّرط بدل، فقد يكون لمشروط وَاحِد شُرُوط متعاقبة: كصحة الصَّلَاة بِدُونِ الْوضُوء عِنْد التَّيَمُّم، أَو المُرَاد بِالنَّاسِ جَمِيعهم، فَلَا يَصح أَن الْكل اتَّخذُوا رؤوساً جُهَّالًا إلَاّ عِنْد عدم بَقَاء الْعَالم مُطلقًا، وَذَلِكَ ظَاهر. قَوْله: (لم يبْق) بِفَتْح حرف المضارعة من الْبَقَاء. وَقَوله: (عَالم) بِالرَّفْع، فَاعله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لم يبْق عَالما) بِضَم حرف المضارعة من الْإِبْقَاء، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله، (وعالماً) : مَنْصُوب بِهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى إِذا لم يتْرك عَالما) . قَوْله: (اتخذ) أَصله: ائتخذ، فقلبت الْهمزَة ثمَّ ادغمت التَّاء فِي التَّاء، و: (النَّاس) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (رؤوساً) بِضَم الْهمزَة وبالتنوين جمع رَأس، قَالَ النَّوَوِيّ: ضبطناه بِضَم الْهمزَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (رُؤَسَاء) بِفَتْح الْهمزَة وَفِي آخِره همزَة أُخْرَى مَفْتُوحَة، جمع رَئِيس، وَالْأول أشهر. قَوْله: (جُهَّالًا) بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء الْمُشَدّدَة: جمع جَاهِل، صفة لرؤوساً. قَوْله: (فسئلوا) بِضَم السِّين وَالضَّمِير فِيهِ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، أَي: فَسَأَلَهُمْ السائلون فافتوا لَهُم. قَوْله: (فضلوا) عطف على: فافتوا، وَهُوَ من الضلال، و: (اضلوا) من الإضلال، يَعْنِي: فضلوا فِي أنفسهم وأضلوا السَّائِلين. فَإِن قلت: الضلال مُتَقَدم على الْإِفْتَاء، فَمَا معنى الْفَاء؟ قلت: الْمَجْمُوع الْمركب من الضلال والإضلال هُوَ متعقب على الْإِفْتَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الأول مقدما عَلَيْهِ إِذْ الضلال الَّذِي بعد الْإِفْتَاء غير الضلال الَّذِي قبله. فَإِن قلت: الإضلال ظَاهر، وَأما الضلال فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو عمل بِمَا افتى وَقد لَا يعْمل بِهِ، قلت: إِن إضلاله للْغَيْر ضلال لَهُ عمل بِمَا أفتى أَو لم يعْمل.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً) أَي: إِن الله لَا يقبض الْعلم من بَين النَّاس على سَبِيل أَن يرفعهُ من بَينهم إِلَى السَّمَاء، أَو يمحوه من صُدُورهمْ، بل يقبضهُ بِقَبض أَرْوَاح الْعلمَاء وَمَوْت حَملته. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَن الله لَا ينْزع

الْعلم من الْعباد بعد أَن يتفضل بِهِ عَلَيْهِم، وَلَا يسترجع مَا وهب لَهُم من الْعلم الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرفَته وَبث شَرِيعَته، وَإِنَّمَا يكون انْتِزَاعه بتضييعهم الْعلم فَلَا يُوجد من يخلف من مضى، فَأَنْذر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِقَبض الْخَيْر كُله، وَكَانَ تحديث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك فِي حجَّة الْوَدَاع، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (لما كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: خُذُوا الْعلم قبل أَن يقبض أَو يرفع، فَقَالَ أَعْرَابِي: كَيفَ يرفع؟ فَقَالَ: أَلا إِن ذهَاب الْعلم ذهَاب حَملته، ثَلَاث مَرَّات) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: محو الْعلم من الصُّدُور جَائِز فِي الْقُدْرَة، إلَاّ أَن هَذَا الحَدِيث دلّ على عدم وُقُوعه. قَوْله: (بِغَيْر علم) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود فِي الِاعْتِصَام عِنْد البُخَارِيّ: (فيفتون برأيهم) . قَوْله: (جُهَّالًا) فَإِن قلت: المُرَاد بِهَذَا الْجَهْل: الْجَهْل الْبَسِيط، وَهُوَ عدم الْعلم بالشَّيْء لَا مَعَ اعْتِقَاد الْعلم بِهِ، أم الْجَهْل الْمركب وَهُوَ عدم الْعلم بالشَّيْء مَعَ اعْتِقَاد الْعلم بِهِ؟ قلت: المُرَاد هُنَا الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا المتناول لَهما. فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بالمفتين، أم عَام للقضاة الْجَاهِلين؟ قلت: عَام، إِذْ الحكم بالشَّيْء مُسْتَلْزم للْفَتْوَى بِهِ.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة لِلْقَائِلين بِجَوَاز خلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد على مَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور خلافًا للحنابلة. الثَّانِي: فِيهِ التحذير عَن اتِّخَاذ الْجُهَّال رؤوساً. الثَّالِث: فِيهِ الْحَث على حفظ الْعلم والاشتغال بِهِ. الرَّابِع: فِيهِ أَن الْفَتْوَى هِيَ الرياسة الْحَقِيقِيَّة، وذم من يقدم عَلَيْهَا بِغَيْر علم. الْخَامِس: قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا الحَدِيث خرج مخرج الْعُمُوم. وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) . وَيُقَال هَذَا بعد إتْيَان أَمر الله تَعَالَى إِن لم يُفَسر إتْيَان الْأَمر بإتيان الْقِيَامَة، أَو عدم بَقَاء الْعلمَاء إِنَّمَا هُوَ فِي بعض الْمَوَاضِع كفي غير بَيت الْمُقَدّس مثلا إِن فسرناه بِهِ، فَيكون مَحْمُولا على التَّخْصِيص جمعا بَين الْأَدِلَّة.

قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حدّثنا عبَّاسٌ قالَ: حدّثنا قُتيْبَةُ، حدّثنا جَريرٌ عنْ هِشَامٍ نحْوَهُ.

هَذَا من زيادات الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ فِي بعض الْأَسَانِيد وَهِي قَليلَة. والفربري، بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا وَفتح الرَّاء وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى فربر، وَهِي قَرْيَة من قرى بُخَارى على طرف جيحون، وَهُوَ أَبُو عبد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر بن صَالح بن بشر. وَقَالَ الكلاباذي: كَانَ سَماع الْفربرِي من البُخَارِيّ (صَحِيحه) مرَّتَيْنِ: مرّة بفربر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَمرَّة ببخارى سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. ولد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَات سنة عشْرين وثلثمائة، سمع من قُتَيْبَة بن سعيد فشارك البُخَارِيّ فِي الرِّوَايَة عَنهُ، قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي (أَمَالِيهِ) : وَكَانَ ثِقَة ورعاً. وعباس: هُوَ ابْن الْفضل بن زَكَرِيَّا الْهَرَوِيّ أَبُو مَنْصُور الْبَصْرِيّ ثِقَة مَشْهُور من الثَّانِيَة عشر، بل من الَّتِي بعْدهَا ولد بعد موت ابْن مَاجَه، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلثمائة، من (اسماء الرِّجَال) لِابْنِ حجر. وقتيبة: هُوَ ابْن سعيد أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَقد تقدم. وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد الضَّبِّيّ، أَبُو عبد اللَّه الرَّازِيّ ثمَّ الْكُوفِي، ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَقد تقدم.

قَوْله: (نَحوه) ، أَي نَحْو حَدِيث مَالك، وَرِوَايَة الْفربرِي هَذِه أخرجهَا مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن جرير عَن هِشَام بِهِ.

٣٦ - (بابٌ هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّساءِ يَوْمٌ علَى حِدَةٍ فِي العِلْم)

أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَهل، للاستفهام: و: يَجْعَل، على صِيغَة الْمَجْهُول. و: وَيَوْم، بِالرَّفْع مفعول لَهُ نَاب عَن الْفَاعِل، وَهَذِه رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة؛ وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: يَجْعَل، على صِيغَة الْمَعْلُوم. أَي: يَجْعَل الإِمَام. و: يَوْمًا، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (على حِدة) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الدَّال، أَي: على انْفِرَاده، وَهُوَ على وزن الْعدة. قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول أعْط كل وَاحِد مِنْهُم على حِدة، أَي: على حياله، وَالْهَاء عوض من الْوَاو. قلت: لِأَنَّهُ من: وحد يحد وحوداً ووحودة ووحداً ووحدة وحدة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ كَيْفيَّة قبض الْعلم، وَمن فَوَائده الْحَث على حفظ الْعلم، وَمن فَوَائِد حَدِيث هَذَا الْبَاب أَيْضا الْحَث على حفظ الْعلم، وَذَلِكَ أَن النِّسَاء لما سألن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يَجْعَل لَهُنَّ يَوْمًا، ووعدهن يَوْمًا يَأْتِي إلَيْهِنَّ فِيهِ، أَتَاهُنَّ فِيهِ وحثهن على حفظ الْعلم، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي رِعَايَة الْمُنَاسبَة.

١٠١ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قالَ: حدّثني ابنُ الأصبْهَانِيِّ قالَ: سَمعْتُ أَبَا صالِحٍ ذَكْوان يَحُدِّثُ عنْ أبي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ: قالَتِ النِّساءُ للنِّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: غَلَبنا عَلَيْكَ الرِّجالُ فاجْعَلْ لنَا يَوْماً مِنْ نَفْسكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ. فَكانَ فِيما قالَ لَهُنَّ: (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِها إلَاّ كانَ لَها حِجاباً مِنَ النَّار) فَقالَتِ امْرَأَةٌ: واثنَيْنِ؟ قَالَ: (واثْنَيْنِ) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّه الْأَصْبَهَانِيّ الْكُوفِي، مولى لجديلة قيس، وهم بطن من قيس غيلَان، وهم فهم وعدوان ابْنا عَمْرو بن قيس، أمّهم جديلة، بِفَتْح الْجِيم، نسبوا إِلَيْهَا. أخرج البُخَارِيّ فِي الْعلم والمحضر وشهود الْمَلَائِكَة بَدْرًا عَن شُعْبَة وَأبي عوَانَة وَابْن عُيَيْنَة عَنهُ عَن عبد اللَّه بن معقل، وَأبي صَالح ذكْوَان أَصله من أَصْبَهَان خرج مِنْهَا حِين افتتحها أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ أَبُو بكر بن منجويه: توفّي فِي إِمَارَة خَالِد على الْعرَاق، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ النَّسَائِيّ، وأصبهان، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وبالباء وَالْفَاء، وَأهل الْمشرق يَقُولُونَ: أصفهان بِالْفَاءِ، وَأهل الْمغرب بِالْبَاء: وَهِي مَدِينَة بعراق الْعَجم عَظِيمَة، خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء والمحدثين. الرَّابِع: أَبُو صَالح ذكْوَان، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْكَاف غير منصرف، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وواسطي ومدني.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن آدم، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن بنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَفِي حَدِيث غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ، قَالَ: وَسمعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث) . وَقَالَ عقيب حَدِيث مُسلم بن إِبْرَاهِيم: وَقَالَ شريك عَن ابْن الْأَصْبَهَانِيّ: حَدثنِي أَبُو صَالح عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي كَامِل الجحدري عَن أبي عوَانَة، وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ، وَذكر الزِّيَادَة عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة، وَعَن عبيد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ، وَذكر الزِّيَادَة أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار بِهِ، وَعَن أَحْمد بن سلمَان عَن عبيد اللَّه بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَنهُ بِهِ نَحوه.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (قَالَ: قَالَ النِّسَاء) أَي: قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: قَالَ النِّسَاء. كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ، بتذكير الْفِعْل، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (قَالَت النِّسَاء) بالتأنيث، وَكِلَاهُمَا جَائِز فِي كل إِسْنَاد إِلَى ظَاهر الْجمع. قَوْله: (غلبنا) ، بِفَتْح الْبَاء جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول و: (الرِّجَال) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا) عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: انْظُر لنا فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا، وَنَحْو ذَلِك، و: اجْعَل، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، والجعل يسْتَعْمل مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد بِمَعْنى: فعل، وَإِلَى مفعولين بِمَعْنى: صير، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا لَازمه وَهُوَ التَّعْيِين، أَي: عين لنا يَوْمًا. و: يَوْمًا، مفعول بِهِ لَا لأَجله. وَلَا مفعول فِيهِ، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من نَفسك) ابتدائية تتَعَلَّق باجعل، يَعْنِي هَذَا الْجعل منشؤه اختيارك يَا رَسُول الله لَا اختيارنا، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من: وَقت نَفسك، بإضمار الْوَقْت، والظرف صفة ل (يَوْمًا) ، وَهُوَ ظرف مُسْتَقر على هَذَا الِاحْتِمَال، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: اجْعَل لنا يَوْمًا من أَيَّام نَفسك، يَعْنِي: الْيَوْم الَّذِي تتفرغ فِيهِ. قَوْله: (فوعدهن) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي يرجع إِلَى النِّسَاء. فَإِن قلت: كَيفَ يعْطف الْجُمْلَة الخبرية على الْجُمْلَة الإنشائية؟ قلت: هَذَا بَاب فِيهِ خلاف، فَمَنعه البيانيون وَابْن مَالك وَابْن عُصْفُور فِي (شرح الْإِيضَاح) ، وَنَقله عَن الْأَكْثَرين. واجازه الصفار وَجَمَاعَة مستدلين بقوله تَعَالَى: {وَبشر الَّذين آمنُوا} (يُونُس: ٢) وَاسْتدلَّ الصفار بقول الشَّاعِر:

(وقائلة خولان فانكح فَتَاتهمْ)

فَإِن تَقْدِيره: هَذِه خولان، هَكَذَا نقل عَن سِيبَوَيْهٍ، وَأَجَابُوا عَن الْآيَة بِمَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: لَيْسَ الْمُعْتَمد بالْعَطْف، الْأَمر حَتَّى يطْلب لَهُ مشاكل، بل المُرَاد عطف جملَة: ثَوَاب الْمُؤمنِينَ، على جملَة: عَذَاب الْكَافرين، كَقَوْلِك: زيد يُعَاقب بالقيد، وَبشر فلَانا بِالْإِطْلَاقِ. وَعَن الْبَيْت: إِنَّه ضَرُورَة، وَفِيه تعسف وَالأَصَح عدم الْجَوَاز. وَأما هَهُنَا فالعطف

لَيْسَ على قَوْله: (فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا) بل الْعَطف على جَمِيع الْجُمْلَة، أَعنِي من قَوْله: (غلبنا عَلَيْك الرِّجَال فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا من نَفسك) . قَوْله: (يَوْمًا) ، مفعول ثَان: لوعد. قَوْله: (لقيهن فِيهِ) أَي: فِي الْيَوْم الْمَوْعُود بِهِ، واللقاء فِيهِ إِمَّا بِمَعْنى الرُّؤْيَة، وَإِمَّا بِمَعْنى الْوُصُول، وَمحل الْجُمْلَة الْجُمْلَة النصب لِأَنَّهَا صفة: ليوماً. وَيحْتَمل أَن يكون استئنافاً. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ فصيحة لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَحْذُوف إِي: فوفى بوعدهن ولقيهن فوعظهن. وَقَوله: (وامرهن) عطف على: وعظهن، وَحذف الْمَأْمُور بِهِ لإِرَادَة التَّعْمِيم، وَالتَّقْدِير: فوعظهن بمواعظ، وأمرهن بِالصَّدَقَةِ أَو بِأُمُور دينية. وَيجوز أَن يكون: فوعظهن وأمرهن من تَتِمَّة الصّفة لليوم. قَوْله: (فَكَانَ) الْفَاء فِيهِ فصيحة. وَاسم: كَانَ، هُوَ قَوْله: (مَا مِنْكُن امْرَأَة) وَخَبره، قَوْله: (فِيمَا قَالَ لَهُنَّ) أَي: الَّذِي قَالَه لَهُنَّ. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (مَا مِنْكُن من امْرَأَة) ، وَكلمَة: من، زَائِدَة لفظا. وَقَوله: امْرَأَة، مُبْتَدأ. ومنكن، حَال مِنْهَا مقدم عَلَيْهَا، وَخبر الْمُبْتَدَأ الْجُمْلَة الَّتِي بعد آلَة الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مفرغ، إعرابه على حسب العوامل،. فَإِن قلت: كَيفَ يَقع الْفِعْل مُسْتَثْنى؟ قلت: على تَقْدِير الِاسْم، أَي: مَا امْرَأَة مُقَدّمَة إِلَّا كَائِنا لَهَا حجاب. وَقَوله: (تقدم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لامْرَأَة. وَقَوله: (ثَلَاثًا) مفعول مقدم، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. قلت: (حِجَابا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حجاب) ، بِالرَّفْع. أما وَجه النصب فعلى أَنه خبر لَكَانَ، وَاسم كَانَ التَّقْدِيم الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: تقدم. وَأما وَجه الرّفْع فعلى كَون: كَانَ، تَامَّة على معنى: إلَاّ وَقع لَهَا حجاب أَو حصل، أَو وجد وَنَحْو ذَلِك. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز: (إلَاّ كن لَهَا حِجَابا) على تَقْدِير الْأَنْفس الَّتِي تقدم، وَفِي الِاعْتِصَام: (إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابا) أَي: الْأَوْلَاد. قَوْله: (واثنين) ، وَهُوَ أَيْضا عطف على الْمَنْصُوب بالتقدير الْمَذْكُور، أَي: وَمن قدم اثْنَيْنِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَمثله يُسمى بالْعَطْف التلقيني، وَنَحْوه فِي الْقُرْآن: {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي} (الْبَقَرَة: ١٢٤) . قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن ذريتي، عطف على: الْكَاف، كَأَنَّهُ قَالَ: وجاعل بعض ذريتي، كَمَا يُقَال لَك: سأكرمك، فَتَقول: وزيداً، وَإِنَّمَا أورد هَذَا الْمِثَال إِشَارَة إِلَى جَوَاب عَمَّا يُقَال إِن: من ذريتي، مقول قَول إِبْرَاهِيم، و: جاعلك للنَّاس، مقول قَول الله تَعَالَى، فَكيف يعْطف أَحدهمَا على الآخر؟ فَكَأَنَّهُ أجَاب بإيراد الْمِثَال الْمَذْكُور أَنه عطف تلقين، كَأَنَّهُ قَالَ: قل وجاعل بعض ذريتي.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (غلبنا عَلَيْك الرِّجَال) مَعْنَاهُ: أَن الرِّجَال يلازمونك كل الْأَيَّام ويسمعون الْعلم وَأُمُور الدّين، وَنحن نسَاء ضعفة لَا نقدر على مزاحمتهم، فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا من الْأَيَّام نسْمع الْعلم ونتعلم أُمُور الدّين. قَوْله: (ثَلَاثَة) أَي: ثَلَاثَة أَوْلَاد. فَإِن قلت: الثَّلَاثَة مُذَكّر فَهَل يشْتَرط أَن يكون الْوَلَد الْمَيِّت ذكرا حَتَّى يحصل لَهَا الْحجاب؟ قلت: تذكيره بِالنّظرِ إِلَى لفظ الْوَلَد، وَالْولد يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَفِي بعض النّسخ: ثَلَاثًا بِدُونِ الْهَاء، فَإِن صَحَّ فَمَعْنَاه ثَلَاث نسمَة، والنسمة تطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (فَقَالَت امْرَأَة) هِيَ: أم سليم، وَقيل غَيرهَا وَالله أعلم. قَوْله: (قَالَ: واثنين) دَلِيل على أَن حكم الْإِثْنَيْنِ حكم الثَّلَاثَة لاحْتِمَال أَنه أُوحِي إِلَيْهِ فِي الْحِين بِأَن يُجيب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بذلك. وَلَا يمْتَنع أَن ينزل الْوَحْي. عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بذلك حِين السُّؤَال، وَلَا يمْتَنع أَن ينزل الْوَحْي على رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، طرفَة عين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيجوز أَن يكون أُوحِي إِلَيْهِ قبله. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ، وَغَيره: قد أخرج البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَا يدل على أَن الْوَاحِد كالاثنين، وَهُوَ قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَقُول تَعَالَى: (مَا لعبدي الْمُؤمن جَزَاء إِذا قبضت صفيّه من أهل الدُّنْيَا، ثمَّ احتسبه، إلَاّ الْجنَّة) . وَأي صفّي أعظم من الْوَلَد؟ قلت: قد جَاءَ فِي غير الصَّحِيح مَا يدل صَرِيحًا على أَن الْوَاحِد كالاثنين وَالثَّلَاثَة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قدم ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصناً حصيناً من النَّار. فَقَالَ أَبُو ذَر، رَضِي الله عَنهُ: قدمت اثْنَيْنِ. قَالَ: واثنين. قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قدمت وَاحِدًا. قَالَ: وواحداً) . قَالَ ابْن بطال وعياض وَغَيرهمَا فِي قَول الْمَرْأَة: (واثنين يَا رَسُول الله) ؟ وَهِي من أهل اللِّسَان دَلِيل على أَن تعلق الحكم بِعَدَد مَا لَا يدل من جِهَة دَلِيل الْخطاب على انتفائه عَن غَيره من الْعدَد، لَا أقل وَلَا أَكثر. فَإِن قلت: هَل للرجل مثل مَا للْمَرْأَة إِذا قدم الْوَلَد؟ قلت: نعم، لِأَن حكم الْمُكَلّفين على السوَاء إلَاّ إِذا دلّ دَلِيل على التَّخْصِيص.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ سُؤال النِّسَاء عَن أَمر دينهن وَجَوَاز كلامهن مَعَ الرِّجَال فِي ذَلِك، وَفِيمَا لَهُنَّ الْحَاجة إِلَيْهِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْوَعْد. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْأجر للثكلي. الرَّابِع: قَالَ الْمُهلب وَغَيره: فِيهِ دَلِيل على أَن أَوْلَاد الْمُسلمين

فِي الْجنَّة، لِأَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أَدخل الْآبَاء الْجنَّة بِفضل رَحمته للأبناء، فالأبناء أولى بِالرَّحْمَةِ. قَالَ الْمَازرِيّ: أما أَطْفَال الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فالإجماع مُنْعَقد على أَنهم فِي الْجنَّة، وَكَذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور فِي أَوْلَاد من سواهُم من الْمُؤمنِينَ، وَبَعْضهمْ لَا يَحْكِي خلافًا، بل يَحْكِي الْإِجْمَاع على دُخُولهمْ الْجنَّة، وَبَعض الْمُتَكَلِّمين يقف فيهم، وَلم يثبت الْإِجْمَاع عِنْدهم فَيُقَال بِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي مَوْضِعه من كتاب الْجَنَائِز إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٤٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ عَن ذكْوَان عَن أبي سعيد بن الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول أَن البُخَارِيّ قصد بِإِخْرَاج هَذَا فائدتين أَحدهمَا تَسْمِيَة ابْن الْأَصْبَهَانِيّ لِأَنَّهُ كَانَ مُبْهما فِي الحَدِيث الأول وَهَذِه الرِّوَايَة فسرته وَإِنَّمَا لم بصرح باسمه هُنَاكَ مُحَافظَة على لفظ الشُّيُوخ وَهُوَ من غَايَة احتياطه حَيْثُ وَضعه كَمَا سَمعه عَن شَيْخه وَالْأُخْرَى التَّنْبِيه على زِيَادَة فِي طَرِيق أَبُو هُرَيْرَة وَهِي قَوْله " لم يبلغُوا الْحِنْث ". النَّوْع الثَّانِي أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَوْصُولَة وَلَيْسَ بتعليق كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ عَن عبد الرَّحْمَن وَذَلِكَ لِأَن شُعْبَة يرويهِ عَن عبد الرَّحْمَن بِإِسْنَادَيْنِ لآن قَوْله وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني عطف على قَوْله أَولا عَن عبد الرَّحْمَن تَقْدِير الاسناد الأول حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني عَن ذكْوَان عَن أبي سعيد عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " مَا مِنْكُن امْرأ تَقْدِيم ثَلَاثَة من وَلَدهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابا من النَّار فَقَالَت امْرَأَة واثنين فَقَالَ واثنين " أَشَارَ إِلَى هَذَا بقوله بِهَذَا أَي بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور وَتَقْدِير الْإِسْنَاد الثَّانِي حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثا غنْدر قَالَ حَدثا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ " مَا مِنْكُن امْرَأَة تقدم ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث من وَلَدهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابا " الحَدِيث فَإِن قلت هَل فَائِدَة فِي تَقْدِيمه الحَدِيث الأول على الثَّانِي قلت نعم لِأَن الحَدِيث الأول أَعلَى دَرَجَة من الثَّانِي اذفيه بَين شُعْبَة وَالْبُخَارِيّ رجل وَاحِد وَهُوَ ابْن آدم بِخِلَاف الثَّانِي فَإِن بَينهمَا رجلَيْنِ وهما مُحَمَّد بن بشار وغندر النَّوْع الثَّالِث فِي رجال الاسنادين وهم ثَمَانِيَة وَقد مضى مِنْهُم ماخلا أَبُو حَازِم بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَهُوَ سُلَيْمَان الاشجعي الْكُوفِي مولى عزة بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَة وبالزاي الْمُشَدّدَة الاشجعية توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ قَالَ يحيى بن معِين هُوَ كُوفِي ثِقَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَرُبمَا يشْتَبه بِأبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الزَّاهِد فَإِنَّهَا تابعيان مشتركان فِي الكنية قَالَ أَبُو عَليّ الجياني أَبُو حَازِم رجلَانِ تابعيان يكنيان بِأبي حَازِم يرويان عَن الصَّحَابَة فَالْأول الاشعي اسْمه سُلَيْمَان يروي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ الْأَعْمَش وَمَنْصُور وفضيل بن غَزوَان وَالثَّانِي سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج يروي عَن سهل بن سعد روى عَنهُ مَالك وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَسليمَان ابْن بِلَال قلت وَمن الْفرق بَينهمَا أَن الأول توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّانِي توفّي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَالْأول لم يرو فِي البُخَارِيّ وَمُسلم إِلَّا عَن أبي هُرَيْرَة وَالثَّانِي لم يرو فِي الصَّحَابَة إِلَّا عَن سهل بن سعد وَكِلَاهُمَا ثقتان فَالْأول وثقة يحيى وَالثَّانِي وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم النَّوْع الرَّابِع قَوْله " لم يبلغُوا الْحِنْث " أَي الْإِثْم الْمَعْنى أَنهم مَاتُوا قبل بلوغهم التَّكْلِيف فَلم يكْتب عَلَيْهِم الآثام وَيُقَال مَعْنَاهُ لم يبلغُوا زمَان التَّكْلِيف وَسن الْعقل والحنث بِكَسْر الْحَاء الْإِثْم قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال بلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة وَقَالَ الصغاني وَبلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي بلغ مبلغا جرى عَلَيْهِ الْقَلَم بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة والحنث الزِّنَا أَيْضا والحنث فِي الْيَمين والحنث الْعدْل الْكَبِير الثقيل والحنث الْميل من بَاطِل إِلَى حق أَو من حق إِلَى بَاطِل يُقَال قد حنثت على أَي ملت إِلَى هُوَ أَن عَليّ فَإِن قلت لم خص الحكم باللذين لم يبلغُوا الْحِنْث وهم صغَار قلت لِأَن قلب الْوَالِدين على الصَّغِير ارْحَمْ واشفق دون الْكَبِير ن الْغَالِب على الْكَبِير عدم السَّلامَة من مُخَالفَة وَالدية وعقوقهم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِثْلَكَ. وَمَا فِي قَوْلِهِ: لِمَا مَوْصُولَةٌ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفَضْلُ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) احْتِرَازٌ مِنَ الْمُشْرِكِ، وَالْمُرَادُ مَعَ قَوْلِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لَكِنْ قَدْ يُكْتَفَى بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلِمَتِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (خَالِصًا) احْتِرَازٌ مِنَ الْمُنَافِقِ، وَمَعْنَى أَفْعَلَ فِي قَوْلِهِ: أَسْعَدَ الْفِعْلُ لَا أَنَّهَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ أَيْ: سَعِيدُ النَّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهَا، وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَحْصُلُ لَهُ سَعْدٌ بِشَفَاعَتِهِ ; لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصَ أَكْثَرُ سَعَادَةً بِهَا، فَإِنَّهُ يَشْفَعُ فِي الْخَلْقِ لِإِرَاحَتِهِمْ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ، بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ كَمَا صَحَّ فِي حَقِّ أَبِي طَالِبٍ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ دَخَلُوهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ دُخُولِهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَوْجَبُوا دُخُولَهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِيهَا. فَظَهَرَ الِاشْتِرَاكُ فِي السَّعَادَةِ بِالشَّفَاعَةِ، وَأَنَّ أَسْعَدَهُمْ بِهَا الْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ قَالَ.

٣٤ - بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ.

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ. يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ

١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.

قَالَ الْفِرَبْرِيُّ:، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ.

[الحديث ١٠٠ - طرفه في: ٧٣٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ) أَيْ: كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيٌّ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ وَلِجَدِّهِ عَمْرٌو صُحْبَةٌ، وَلِأَبِيهِ مُحَمَّدٌ رُؤْيَةٌ، وَأَبُو بَكْرٍ تَابِعِيٌّ فَقِيهٌ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَقَضَائِهَا وَلِهَذَا كَتَبَ إِلَيْهِ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ سِوَى أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ. وَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ.

قَوْلُهُ: (انْظُرْ مَا كَانَ) أَيِ اجْمَعِ الَّذِي تَجِدُ. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ عِنْدَكَ أَيْ: فِي بَلَدِكِ.

قَوْلُهُ: (فَاكْتُبْهُ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ. وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْحِفْظِ، فَلَمَّا خَافَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ ذَهَابِ الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ رَأَى أَنَّ فِي تَدْوِينِهِ ضَبْطًا لَهُ وَإِبْقَاءً. وَقَدْ رَوَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ، المُتوفَّى سنة سبع وستِّين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) القرشيِّ المدنيِّ، مولى ابن (١) عمر (بِذَلِكَ، يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: محتملٌ أن يكون ما بعده ليس من كلام عمر، أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرِّواية، والأوَّل أظهر، وبه صرَّح أبو نعيمٍ في «المُستخرَج» ولم أجده (٢) في مواضع كثيرةٍ إلَّا كذلك، وعلى هذا فبقيَّته من كلام المصنِّف أورده تلو كلام عمر، ثمَّ بيَّن أنَّ ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر. انتهى.

١٠٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة والسِّين المُهمَلَة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ) أي: في حجَّة الوداع، كما عند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أبي أمامة: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ) من بين النَّاس (انْتِزَاعًا) بالنَّصب مفعولٌ مُطلَقٌ (يَنْتَزِعُهُ) وفي رواية: «ينزعه» (مِنَ العِبَادِ) بأن يرفعه إلى السَّماء أو يمحوَه من صدورهم (وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ)

أرواح (١) (العُلَمَاءِ) وموت حَمَلَته، وإنَّما عبَّر بالمُظْهَر في قوله: «يقبض العلم» موضع المُضمَر لزيادة تعظيم المُظْهَر كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ (حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر القاف؛ مِنَ الإبقاء، وفيه ضميرٌ يرجع إلى الله تعالى، أي: حتَّى إذا لم يُبْقِ الله تعالى (عَالِمًا) بالنَّصب على المفعوليَّة كذا في رواية الأَصيليِّ، ولغيره (٢): «يَبْقَ» بفتح حرف المضارعة والقاف، مِنَ البقاء الثُّلاثيِّ، و «عالمٌ» بالرَّفع على الفاعليَّة، ولـ «مسلمٍ»: «حتَّى إذا لم يترك عالمًا» (اتَّخَذَ النَّاسُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (رُؤُوْسًا) بضمِّ الرَّاء والهمزة والتَّنوين، جمع رأسٍ، ولأبي ذرٍّ أيضًا -كما في «الفتح» -: «رؤَساءَ» بفتح الهمزة وفي آخره همزةٌ أخرى مفتوحةٌ، جمع رئيسٍ (جُهَّالًا) بالضَّمِّ والتَّشديد والنَّصب صفةٌ للسَّابقة (٣) (فَسُئِلُوا) بضمِّ السِّين، أي: فسألهمُ السَّائل (فَأَفْتَوْا) له (بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا) أي: مِنَ الضَّلال، أي: في أنفسهم (وَأَضَلُّوا) مِنَ: الإضلال، أي: أضلّوا السَّائلين، فإن قلت: الواقع بعد «حتَّى» هنا جملةٌ شرطيَّةٌ، فكيف وقعت غايةً؟ أُجِيب: بأنَّ التَّقدير: ولكن يُقبَض العلم بقبض العلماء، إلى أن يتَّخذ النَّاس رؤساءَ جُهَّالًا وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مُرتَّبًا على فعل الشَّرط. انتهى. واستدلَّ به الجمهور على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ خلافًا للحنابلة.

(قَالَ الفَِرَبْرِيِّ) أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطرٍ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بالمُوحَّدة والمُهمَلَة آخره، وفي روايةٍ بإسقاط «قال الفَِرَبْرِيِّ» (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أحد مشايخ المؤلِّف (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث مالكٍ السَّابق، وهذه (٥) من زيادات (٦)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من شَاءَ الله أَن يشفع. الرَّابِعَة: قوم دخلُوا النَّار من المذنبين فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْمَلَائِكَة والأنبياء والمؤمنون. الْخَامِسَة: الشَّفَاعَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا، وَهَذِه لَا تنكرهَا الْمُعْتَزلَة. وَقَالَ القَاضِي: عرف بالاستفاضة سُؤال السّلف الصَّالح الشَّفَاعَة، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من قَالَ: يكره سؤالها لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا للمذنبين، فقد يكون لتخفيف الْحساب وَزِيَادَة الدَّرَجَات، ثمَّ كل عَاقل معترف بالتقصير مُشفق أَن يكون من الهالكين غير مُعْتَد بِعَمَلِهِ، وَيلْزم هَذَا الْقَائِل أَن لَا يَدْعُو بالمغفرة وَالرَّحْمَة لِأَنَّهَا لأَصْحَاب الذُّنُوب، وَهَذَا كُله خلاف مَا عرف من دُعَاء السّلف وَالْخلف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الشَّفَاعَة الأولى هِيَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى. قيل: وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود، والمختصة بنبينا، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهِي الأولى وَالثَّانيَِة، وَيجوز أَن تكون الثَّالِثَة وَالْخَامِسَة أَيْضا. وَالله أعلم.

قَوْله: (اِسْعَدْ النَّاس) ، التَّقْيِيد بِالنَّاسِ لَا يُفِيد نفي السَّعَادَة عَن الْجِنّ وَالْملك، لِأَن مَفْهُوم اللقب لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (من قَالَ) فِيهِ دَلِيل على اشْتِرَاط النُّطْق بِكَلِمَة الشَّهَادَة. فَإِن قلت: هَل يَكْفِي مُجَرّد قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا الله، دون: مُحَمَّد رَسُول الله؟ قلت: لَا يَكْفِي، لَكِن جعل الْجُزْء الأول من كلمة الشَّهَادَة شعاراً لمجموعها، فَالْمُرَاد الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا. كَمَا تَقول: قَرَأت: {آلم ذَلِك الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١ ٢) أَي: السُّورَة بِتَمَامِهَا. فَإِن قلت: الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي على الْأَصَح، وَقَول الْكَلِمَة لإجراء أَحْكَام الْإِيمَان عَلَيْهِ، فَلَو صدق بِالْقَلْبِ وَلم يقل الْكَلِمَة يسْعد بالشفاعة؟ قلت: نعم، لَو لم يكن مَعَ التَّصْدِيق منافٍ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بالْقَوْل النفساني لَا اللساني، أَو ذكر على سَبِيل التغليب إِذْ الْغَالِب أَن من صدق بِالْقَلْبِ قَالَ بِاللِّسَانِ الْكَلِمَة. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ارْتِكَاب الْمجَاز، وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مشرع، وَفِي الشَّرْع لَا يعْتَبر إلَاّ القَوْل اللساني، وَالْقَوْل النفساني يعْتَبر عِنْد اللَّه، وَهُوَ أَمر مبطن لَا يقف عَلَيْهِ إلَاّ الله تَعَالَى. قَوْله: (خَالِصا) وَفِي بعض النّسخ: مخلصاً، من الْإِخْلَاص، وَالْإِخْلَاص فِي الْإِيمَان ترك الشّرك وَفِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء. قَوْله: (من قلبه) ذكر للتَّأْكِيد، لِأَن الْإِخْلَاص معدنه الْقلب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ آثم قلبه} (الْبَقَرَة: ٢٨٣) وَإسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْجَارِحَة الَّتِي تعْمل بهَا أبلغ. أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا أردْت التَّأْكِيد: أبصرته عَيْني وسمعته أُذُنِي! قَوْله: (أَو نَفسه) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: شكّ من أبي هُرَيْرَة. قلت: التَّعْيِين غير لَازم لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من أحد من الروَاة مِمَّن هم دونه، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الرقَاق: (خَالِصا من قبل نَفسه) .

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الْحِرْص على الْعلم وَالْخَيْر، فَإِن الْحَرِيص يبلغ بحرصه إِلَى الْبَحْث عَن الغوامض ودقيق الْمعَانِي، لِأَن الظَّوَاهِر يَسْتَوِي النَّاس فِي السُّؤَال عَنْهَا لاعتراضها أفكارهم، وَمَا لطف من الْمعَانِي لَا يسْأَل عَنهُ إلَاّ الراسخ، فَيكون ذَلِك سَببا للفائدة. وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. الثَّانِي: فِيهِ تفرس الْعَالم فِي متعلمه، وتنبيهه على ذَلِك لكَونه أبْعث على اجْتِهَاده فِي الْعلم. الثَّالِث: فِيهِ سكُوت الْعَالم عَن الْعلم إِذا لم يسْأَل حَتَّى يسْأَل، وَلَا يكون ذَلِك كتماً، لِأَن على الطَّالِب السُّؤَال، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا تعين عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ السُّكُوت إلَاّ إِذا تعذر. الرَّابِع: فِيهِ أَن الشَّفَاعَة تكون لأهل التَّوْحِيد، كَمَا ذكرنَا. الْخَامِس: فِيهِ ثُبُوت الشَّفَاعَة، وَقد مر مفصلا. السَّادِس: فِيهِ فَضِيلَة أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. السَّابِع: فِيهِ جَوَاز الْقسم للتَّأْكِيد. الثَّامِن: فِيهِ جَوَاز الكنية عِنْد الْخطاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

٣٤ - (بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ)

أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْمعْنَى: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة قبض الْعلم، و: كَيفَ، يسْتَعْمل فِي الْكَلَام على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون شرطا، فَيَقْتَضِي فعلين متفقي اللَّفْظ وَالْمعْنَى غير مجزومين. نَحْو: كَيفَ تصنع أصنع. وَلَا يجوز: كَيفَ تجْلِس أذهب، بِاتِّفَاق، وَلَا: كَيفَ تجْلِس أَجْلِس الْجَزْم عِنْد الْبَصرِيين إلَاّ قطرباً. وَالْآخر: وَهُوَ الْغَالِب فِيهَا أَن تكون استفهاماً: إِمَّا حَقِيقِيًّا نَحْو: كَيفَ زيد؟ أَو غَيره، نَحْو: {كَيفَ تكفرون بِاللَّه} الْآيَة (الْبَقَرَة: ٢٨) ، فَإِنَّهُ أخرج مخرج التَّعَجُّب، وَالْقَبْض نقيض الْبسط، وَالْمرَاد مِنْهُ الرّفْع والانطواء، كَمَا يُرَاد من الْبسط الانتشار.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْحِرْص على الحَدِيث الَّذِي هُوَ من أشرف أَنْوَاع الْعُلُوم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ارْتِفَاع الْعُلُوم، فبينهما تقَابل فتناسقا من هَذِه الْجِهَة. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب السَّابِق تَنْبِيها على أَن يهتم بتحصيل الْعُلُوم مَعَ الْحِرْص عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّا تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فَوَاتهَا.

وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انْظَرْ مَا كانَ منْ حدَيثِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأكْتُبْهُ، فأنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهابَ العُلماءِ، وَلَا يُقْبلُ إِلَاّ حَدِيثُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولْيُفْشُوا العِلْمَ وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فإنَ العَلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.

هَذَا تَعْلِيق لم يَقع وَصله عِنْد الْكشميهني وكريمة وَابْن عَسَاكِر، وَوَقع وَصله للْبُخَارِيّ عِنْد غَيرهم، وَهُوَ بقوله فِي بعض النّسخ: حَدثنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار ... إِلَى آخِره، على مَا يَأْتِي ذكره عَن قريب. وَقد روى أَبُو نعيم فِي (تَارِيخ أَصْبَهَان) هَذِه الْقِصَّة بِلَفْظ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، إِلَى الْآفَاق: انْظُرُوا حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاجمعوه.

أما عمر بن عبد الْعَزِيز فَهُوَ أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، وَقد مر فِي كتاب الْإِيمَان، وَأما أَبُو بكر بن حزم فَهُوَ: ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، ابْن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عَوْف بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي. قَالَ الْخَطِيب: يُقَال: إِن اسْمه أَبُو بكر، وكنيته أَبُو مُحَمَّد، وَمثله: أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن. قَالَ الْخَطِيب: لَا نَظِير لَهما. وَقد قيل فِي أبي بكر بن مُحَمَّد: لَا كنية لَهُ غير أبي بكر اسْمه. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: قيل: إِن اسْم أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن هَذَا: الْمُغيرَة، وَلَا يَصح. قلت: أَرَادَ الْخَطِيب قَوْله: لَا نَظِير لَهما، أَي: مِمَّن اسْمه أَبُو بكر وَله كنية، وَأما من اشْتهر بكنيته وَلم يعرف لَهُ اسْم غَيره فكثير، ذكر ابْن عبد الْبر مِنْهُم جمَاعَة، وَأَبُو بكر بن حزم ولي الْقَضَاء والإمرة والموسم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة ولى أَبَا بكر إمرة الْمَدِينَة، فاستقضى أَبُو بكر ابْن عَمه على الْقَضَاء، وَكَانَ أَبُو بكر هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويتولى أَمرهم، وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم، توفّي سنة عشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن أَربع وَثَمَانِينَ سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ، سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيث عُثْمَان بن حَكِيم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، قَالَ: عرضت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مُرْسل.

قَوْله: (انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث) أَي: اجْمَعْ الَّذِي تَجِد، وَوَقع هُنَا للكشميهني: عنْدك، مَعْنَاهُ فِي بلدك. قَوْله: (فاكتبه) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ كَانَ فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانُوا قبل ذَلِك يعتمدون على الْحِفْظ، فَلَمَّا خَافَ عمر رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ على رَأس الْمِائَة الأولى من ذهَاب الْعلم بِمَوْت الْعلمَاء، رأى أَن فِي تدوينه ضبطاً لَهُ وإبقاء. قَوْله: (فَإِنِّي) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (دروس الْعلم) بِضَم الدَّال، من: درس يدرس، من بَاب: نصر ينصر، دروساً أَي: عفى ودرست الْكتاب أدرسه وأدرسه من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب درساً ودراسة ودرس الْحِنْطَة درساً ودراساً أَي: داسها. قَوْله: (وَلَا يقبل) بِضَم الْيَاء أَعنِي حرف المضارعة. قَوْله: (وليفشوا) بِصِيغَة الْأَمر من الإفشاء، وَهُوَ الإشاعة. وَيجوز فِيهِ تسكين اللَّام كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات. وَقَوله: (الْعلم) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (وليجلسوا) بِصِيغَة الْأَمر أَيْضا من الْجُلُوس لَا من الإجلاس، وَيجوز فِي لامه التسكين أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم، أَعنِي بتَشْديد اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يعلم: بِفَتْح حرف المضارعة وَاللَّام من الْعلم. قَوْله: (من لَا يعلم) بِصِيغَة الْمَعْلُوم من الْعلم. وَكلمَة: من مَوْصُولَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل يعلم الَّذِي هُوَ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَأما إِذا قرىء على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّعْلِيم فَتكون مَفْعُولا نَاب عَن الْفَاعِل. فَافْهَم. قَوْله: (لَا يهْلك) بِفَتْح حرف المضارعة وَكسر اللَّام، أَي: لَا يضيع. وَفتح اللَّام لُغَة. وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي إِسْحَاق: {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} (الْبَقَرَة: ٢٥) بِفَتْح الْيَاء، وَاللَّام وَرفع الثَّاء. قَوْله: (حَتَّى يكون سرا) أَي: خُفْيَة، وَأَرَادَ بِهِ كتمان الْعلم.

وَقَالَ ابْن بطال: فِي أَمر عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِكِتَابَة حَدِيث النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاصَّة وَأَن لَا يقبل غَيره، الحض على اتِّبَاع السّنَن وضبطها، إِذْ هِيَ الْحجَّة عِنْد الِاخْتِلَاف. وَفِيه: يَنْبَغِي للْعَالم نشر الْعلم وإذاعته.

حدّثنا العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حدّثنا عبدُ العزِيز بنُ مُسُلْمٍ عَن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ بِذلك، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيز، إِلَى قَولِهِ: ذَهابَ العُلماءِ.

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى أثر عمر بن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا، و: لَكِن: (إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء) فسر ذَلِك بقوله: يَعْنِي حَدِيث عمر بن

عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله ذهَاب الْعلمَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله بذلك يَعْنِي بِجَمِيعِ مَا ذكر، يَعْنِي: إِلَى قَوْله: حَتَّى يكون سرا. ثمَّ قَالَ: وَفِي بعض النّسخ بعده: يَعْنِي بعد قَوْله بذلك يَعْنِي حَدِيث عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، ثمَّ قَالَ: وَالْمَقْصُود مِنْهُ أَن الْعَلَاء روى كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء فَقَط. قلت: أما بعد قَوْله: ذهَاب الْعلمَاء، يحْتَمل أَن يكون كَلَام عمر، وَلكنه لم يدْخل فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَيحْتَمل أَن لَا يكون من كَلَامه، وَهُوَ الْأَظْهر، وَبِه صرح أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ أوردهُ عقيب كَلَام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه: أنبأني الشَّيْخ قطب الدّين عبد الْكَرِيم إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي جدي إجَازَة الْحَافِظ الثِّقَة الْعدْل قطب الدّين عبد الْكَرِيم، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنبأَنَا عبد الْعَزِيز بن باقاء الْبَغْدَادِيّ إجَازَة، أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت سَمَاعا، أَنبأَنَا ثَابت بن بنْدَار، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب البرقاني، أَنبأَنَا الإِمَام الْحَافِظ الْإِسْمَاعِيلِيّ، ثَنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم عَن عبد اللَّه بن دِينَار، قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن حزم ... فَذكره إِلَى قَوْله: وَذَهَاب الْعلمَاء. فَإِن قلت: لِمَ أخر إِسْنَاد كَلَام عمر بن عبد الْعَزِيز عَن كَلَامه، وَالْعَادَة تَقْدِيم الْإِسْنَاد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: للْفرق بَين إِسْنَاد الْأَثر وَبَين إِسْنَاد الْخَبَر، وَفِيه نظر لِأَنَّهُ غير مطرد، وَيحْتَمل أَن يكون قد ظهر بِإِسْنَادِهِ بعد وضع هَذَا الْكَلَام، فَالْحَقْهُ بالأخير، على أَنا قُلْنَا: إِن هَذَا الْإِسْنَاد لَيْسَ بموجود عِنْد جمَاعَة.

وَأما الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار فَهُوَ أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ الْعَطَّار الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم، سكن مَكَّة، أخرج البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأبي الْهَيْثَم فِي الْعلم عَنهُ عَن عبد الْعَزِيز هَذَا الْأَثر وَلم يخرج عَنهُ غَيره، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة، توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَلم يخرج لَهُ مُسلم شَيْئا. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي مَوْلَاهُم، أَخُو الْمُغيرَة بن مُسلم الْخُرَاسَانِي الْمروزِي نِسْبَة إِلَى القساملة، وَقيل لَهُم ذَلِك لأَنهم من ولد قسملة، واسْمه مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، وَلَهُم محلّة بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوفَة بالقسامل، وَقيل: نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي التَّعْبِير والذبائح وَكتاب المرضى وَغير مَوضِع عَن مُسلم بن إِسْمَاعِيل عَنهُ عَن عبد اللَّه بن دِينَار، وحصين وَالْأَعْمَش. وَأخرج لَهُ هَذَا الْأَثر عَن الْعَلَاء عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ يحيى بن إِسْحَاق: ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم، وَكَانَ من الأبدال. قَالَ عَمْرو بن عَليّ: مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ ابْن مَاجَه. وَأما عبد اللَّه بن دِينَار الْقرشِي الْمدنِي، مولى ابْن عمر فقد مر فِي: بَاب أُمُور الْإِيمَان.

١٠٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بن العاصِي قَالَ: سمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (إنَّ الله لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فافْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا) .

(الحَدِيث ١٠٠ طرفه فِي: ٧٣٠٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن يقبض الْعلم) .

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم، وَمَالك هُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الْمُوَطَّأ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يروه فِي (الْمُوَطَّأ) إلَاّ معن بن عِيسَى، وَقَالَ أَبُو عمر: رَوَاهُ أَيْضا فِيهِ سُلَيْمَان بن برد، وَرَوَاهُ أَصْحَاب مَالك كَابْن وهب وَغَيره خَارج (الْمُوَطَّأ) ، وَقد اشْتهر هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَوَافَقَهُ على رِوَايَته عَن أَبِيه عُرْوَة أَبُو الْأسود الْمدنِي وَحَدِيثه فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، وَالزهْرِيّ وَحَدِيثه فِي النَّسَائِيّ، وَيحيى بن أبي كثير وَحَدِيثه فِي (صَحِيح أبي عوَانَة) ، وَوَافَقَ أَبَاهُ على رِوَايَته عَن عبد اللَّه بن عمر، وَعمر بن الحكم بن ثَوْبَان وَحَدِيثه فِي مُسلم.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن سعيد ابْن تليد عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَغَيره جَمِيعًا عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة عَن عُرْوَة نَحوه. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن قُتَيْبَة عَن جرير وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن يحيى بن يحيى عَن عباد بن عباد وَأبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع، وَعَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَأبي أُسَامَة وَعبد الله بن نمير وَعَبدَة بن سُلَيْمَان، وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد وَعَن أبي بكر

بن نَافِع عَن عمر ابْن عَليّ الْمقدمِي، وَعَن عبد بن حميد عَن يزِيد بن هَارُون عَن شُعْبَة، الثَّلَاثَة عشر كلهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن هَارُون بن إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن عَبدة بن سُلَيْمَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عبد الله بن عمر، وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل هَذَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ بِهِ، وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، كِلَاهُمَا عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. قَالَ عبد الْوَهَّاب: فَلَقِيت هشاماً فَحَدثني عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ، وَعَن أَبِيه مثله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن أبي كريب عَن عبد اللَّه بن إِدْرِيس وَعَبدَة بن سُلَيْمَان وَأبي مُعَاوِيَة وَعبد اللَّه بن نمير وَمُحَمّد بن بشر، وَعَن سُوَيْد بن سعيد عَن مَالك وَعلي بن مسْهر وَحَفْص بن ميسرَة وَشُعَيْب بن إِسْحَاق، تسعتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يَقُول) ، جملَة وَقعت حَالا، وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْمُضَارع حِكَايَة لحَال الْمَاضِي واستحضاراً لَهُ، وإلَاّ فَالْأَصْل أَن يُقَال: قَالَ: ليطابق: سَمِعت. قَوْله: (لَا يقبض الْعلم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (انتزاعاً) يجوز فِي نَصبه أوجه. الأول: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا عَن معنى يقبض، نَحْو: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقعد جُلُوسًا. الثَّانِي: أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا مقدما على فعله، وَهُوَ: ينتزعه. وَيكون: ينتزعه، حَالا من الضَّمِير فِي: يقبض، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه ينتزعه انتزاعاً من الْعباد. الثَّالِث: أَن يكون حَالا من الْعلم بِمَعْنى: منتزعاً، تَقْدِيره: إِن الله لَا يقبض الْعلم حَال كَونه منتزعاً. فَإِن قلت: على هَذَا مَا يَقع ينتزعه؟ قلت: قيل: يكون ينتزعه جَوَابا عَمَّا يُقَال: مِمَّن ينتزع الْعلم؟ وَفِيه نظر، والأصوب أَن يكون فِي مَحل النصب صفة، إِمَّا لانتزاعاً، أَو لمنتزعاً من الصِّفَات المبينة. قَوْله: (وَلَكِن) للاستدراك. وَقَوله: (يقبض الْعلم) من قبيل إِقَامَة الْمظهر مَوضِع الْمُضمر لزِيَادَة تَعْظِيم الْمُضمر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {الله الصَّمد} (الْإِخْلَاص: ٢) بعد قَوْله: {قل هُوَ الله أحد} (الْإِخْلَاص: ١) وَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال: هُوَ الصَّمد، كَمَا أَن الْمُقْتَضى هُنَا: وَلَكِن يقبضهُ. قَوْله: (حَتَّى) ابتدائية دخلت على الْجُمْلَة، تدل على أَن ذَلِك وَاقع بالتدريج، كَمَا أَن إِذا تدل على أَنه وَاقع لَا محَالة، و: إِذا ظرفية، وَالْعَامِل فِيهَا: اتخذ، وَيحْتَمل أَن تكون شَرْطِيَّة. فَإِن قلت: إِذا للاستقبال وَلم لقلب الْمُضَارع مَاضِيا، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: لما تَعَارضا تساقطا فَبَقيَ على أَصله وَهُوَ الْمُضَارع، أَو تعادلا فَيُفِيد الِاسْتِمْرَار. فَإِن قلت: إِذا كَانَت شَرْطِيَّة يلْزم من انْتِفَاء الشَّرْط انْتِفَاء الْمَشْرُوط، وَمن وجود الْمَشْرُوط وجود الشَّرْط، لكنه لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز حُصُول الاتخاذ مَعَ وجود الْعلم. قلت: ذَلِك فِي الشُّرُوط الْعَقْلِيَّة، أما فِي غَيرهَا فَلَا نسلم اطراد هَذِه الْقَاعِدَة، ثمَّ ذَلِك الاستلزام إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع لم يكن للشّرط بدل، فقد يكون لمشروط وَاحِد شُرُوط متعاقبة: كصحة الصَّلَاة بِدُونِ الْوضُوء عِنْد التَّيَمُّم، أَو المُرَاد بِالنَّاسِ جَمِيعهم، فَلَا يَصح أَن الْكل اتَّخذُوا رؤوساً جُهَّالًا إلَاّ عِنْد عدم بَقَاء الْعَالم مُطلقًا، وَذَلِكَ ظَاهر. قَوْله: (لم يبْق) بِفَتْح حرف المضارعة من الْبَقَاء. وَقَوله: (عَالم) بِالرَّفْع، فَاعله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لم يبْق عَالما) بِضَم حرف المضارعة من الْإِبْقَاء، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الله، (وعالماً) : مَنْصُوب بِهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى إِذا لم يتْرك عَالما) . قَوْله: (اتخذ) أَصله: ائتخذ، فقلبت الْهمزَة ثمَّ ادغمت التَّاء فِي التَّاء، و: (النَّاس) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (رؤوساً) بِضَم الْهمزَة وبالتنوين جمع رَأس، قَالَ النَّوَوِيّ: ضبطناه بِضَم الْهمزَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (رُؤَسَاء) بِفَتْح الْهمزَة وَفِي آخِره همزَة أُخْرَى مَفْتُوحَة، جمع رَئِيس، وَالْأول أشهر. قَوْله: (جُهَّالًا) بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء الْمُشَدّدَة: جمع جَاهِل، صفة لرؤوساً. قَوْله: (فسئلوا) بِضَم السِّين وَالضَّمِير فِيهِ، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، أَي: فَسَأَلَهُمْ السائلون فافتوا لَهُم. قَوْله: (فضلوا) عطف على: فافتوا، وَهُوَ من الضلال، و: (اضلوا) من الإضلال، يَعْنِي: فضلوا فِي أنفسهم وأضلوا السَّائِلين. فَإِن قلت: الضلال مُتَقَدم على الْإِفْتَاء، فَمَا معنى الْفَاء؟ قلت: الْمَجْمُوع الْمركب من الضلال والإضلال هُوَ متعقب على الْإِفْتَاء وَإِن كَانَ الْجُزْء الأول مقدما عَلَيْهِ إِذْ الضلال الَّذِي بعد الْإِفْتَاء غير الضلال الَّذِي قبله. فَإِن قلت: الإضلال ظَاهر، وَأما الضلال فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو عمل بِمَا افتى وَقد لَا يعْمل بِهِ، قلت: إِن إضلاله للْغَيْر ضلال لَهُ عمل بِمَا أفتى أَو لم يعْمل.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً) أَي: إِن الله لَا يقبض الْعلم من بَين النَّاس على سَبِيل أَن يرفعهُ من بَينهم إِلَى السَّمَاء، أَو يمحوه من صُدُورهمْ، بل يقبضهُ بِقَبض أَرْوَاح الْعلمَاء وَمَوْت حَملته. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ أَن الله لَا ينْزع

الْعلم من الْعباد بعد أَن يتفضل بِهِ عَلَيْهِم، وَلَا يسترجع مَا وهب لَهُم من الْعلم الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرفَته وَبث شَرِيعَته، وَإِنَّمَا يكون انْتِزَاعه بتضييعهم الْعلم فَلَا يُوجد من يخلف من مضى، فَأَنْذر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِقَبض الْخَيْر كُله، وَكَانَ تحديث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك فِي حجَّة الْوَدَاع، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (لما كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: خُذُوا الْعلم قبل أَن يقبض أَو يرفع، فَقَالَ أَعْرَابِي: كَيفَ يرفع؟ فَقَالَ: أَلا إِن ذهَاب الْعلم ذهَاب حَملته، ثَلَاث مَرَّات) وَقَالَ ابْن الْمُنِير: محو الْعلم من الصُّدُور جَائِز فِي الْقُدْرَة، إلَاّ أَن هَذَا الحَدِيث دلّ على عدم وُقُوعه. قَوْله: (بِغَيْر علم) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود فِي الِاعْتِصَام عِنْد البُخَارِيّ: (فيفتون برأيهم) . قَوْله: (جُهَّالًا) فَإِن قلت: المُرَاد بِهَذَا الْجَهْل: الْجَهْل الْبَسِيط، وَهُوَ عدم الْعلم بالشَّيْء لَا مَعَ اعْتِقَاد الْعلم بِهِ، أم الْجَهْل الْمركب وَهُوَ عدم الْعلم بالشَّيْء مَعَ اعْتِقَاد الْعلم بِهِ؟ قلت: المُرَاد هُنَا الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا المتناول لَهما. فَإِن قلت: أَهَذا مُخْتَصّ بالمفتين، أم عَام للقضاة الْجَاهِلين؟ قلت: عَام، إِذْ الحكم بالشَّيْء مُسْتَلْزم للْفَتْوَى بِهِ.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة لِلْقَائِلين بِجَوَاز خلو الزَّمَان عَن الْمُجْتَهد على مَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور خلافًا للحنابلة. الثَّانِي: فِيهِ التحذير عَن اتِّخَاذ الْجُهَّال رؤوساً. الثَّالِث: فِيهِ الْحَث على حفظ الْعلم والاشتغال بِهِ. الرَّابِع: فِيهِ أَن الْفَتْوَى هِيَ الرياسة الْحَقِيقِيَّة، وذم من يقدم عَلَيْهَا بِغَيْر علم. الْخَامِس: قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا الحَدِيث خرج مخرج الْعُمُوم. وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله) . وَيُقَال هَذَا بعد إتْيَان أَمر الله تَعَالَى إِن لم يُفَسر إتْيَان الْأَمر بإتيان الْقِيَامَة، أَو عدم بَقَاء الْعلمَاء إِنَّمَا هُوَ فِي بعض الْمَوَاضِع كفي غير بَيت الْمُقَدّس مثلا إِن فسرناه بِهِ، فَيكون مَحْمُولا على التَّخْصِيص جمعا بَين الْأَدِلَّة.

قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حدّثنا عبَّاسٌ قالَ: حدّثنا قُتيْبَةُ، حدّثنا جَريرٌ عنْ هِشَامٍ نحْوَهُ.

هَذَا من زيادات الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ فِي بعض الْأَسَانِيد وَهِي قَليلَة. والفربري، بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا وَفتح الرَّاء وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى فربر، وَهِي قَرْيَة من قرى بُخَارى على طرف جيحون، وَهُوَ أَبُو عبد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر بن صَالح بن بشر. وَقَالَ الكلاباذي: كَانَ سَماع الْفربرِي من البُخَارِيّ (صَحِيحه) مرَّتَيْنِ: مرّة بفربر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَمرَّة ببخارى سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. ولد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَات سنة عشْرين وثلثمائة، سمع من قُتَيْبَة بن سعيد فشارك البُخَارِيّ فِي الرِّوَايَة عَنهُ، قَالَ السَّمْعَانِيّ فِي (أَمَالِيهِ) : وَكَانَ ثِقَة ورعاً. وعباس: هُوَ ابْن الْفضل بن زَكَرِيَّا الْهَرَوِيّ أَبُو مَنْصُور الْبَصْرِيّ ثِقَة مَشْهُور من الثَّانِيَة عشر، بل من الَّتِي بعْدهَا ولد بعد موت ابْن مَاجَه، وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلثمائة، من (اسماء الرِّجَال) لِابْنِ حجر. وقتيبة: هُوَ ابْن سعيد أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَقد تقدم. وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد الضَّبِّيّ، أَبُو عبد اللَّه الرَّازِيّ ثمَّ الْكُوفِي، ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَقد تقدم.

قَوْله: (نَحوه) ، أَي نَحْو حَدِيث مَالك، وَرِوَايَة الْفربرِي هَذِه أخرجهَا مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن جرير عَن هِشَام بِهِ.

٣٦ - (بابٌ هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّساءِ يَوْمٌ علَى حِدَةٍ فِي العِلْم)

أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَهل، للاستفهام: و: يَجْعَل، على صِيغَة الْمَجْهُول. و: وَيَوْم، بِالرَّفْع مفعول لَهُ نَاب عَن الْفَاعِل، وَهَذِه رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة؛ وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: يَجْعَل، على صِيغَة الْمَعْلُوم. أَي: يَجْعَل الإِمَام. و: يَوْمًا، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (على حِدة) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الدَّال، أَي: على انْفِرَاده، وَهُوَ على وزن الْعدة. قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول أعْط كل وَاحِد مِنْهُم على حِدة، أَي: على حياله، وَالْهَاء عوض من الْوَاو. قلت: لِأَنَّهُ من: وحد يحد وحوداً ووحودة ووحداً ووحدة وحدة.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ كَيْفيَّة قبض الْعلم، وَمن فَوَائده الْحَث على حفظ الْعلم، وَمن فَوَائِد حَدِيث هَذَا الْبَاب أَيْضا الْحَث على حفظ الْعلم، وَذَلِكَ أَن النِّسَاء لما سألن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يَجْعَل لَهُنَّ يَوْمًا، ووعدهن يَوْمًا يَأْتِي إلَيْهِنَّ فِيهِ، أَتَاهُنَّ فِيهِ وحثهن على حفظ الْعلم، وَهَذَا الْقدر كافٍ فِي رِعَايَة الْمُنَاسبَة.

١٠١ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ قالَ: حدّثني ابنُ الأصبْهَانِيِّ قالَ: سَمعْتُ أَبَا صالِحٍ ذَكْوان يَحُدِّثُ عنْ أبي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ: قالَتِ النِّساءُ للنِّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: غَلَبنا عَلَيْكَ الرِّجالُ فاجْعَلْ لنَا يَوْماً مِنْ نَفْسكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ. فَكانَ فِيما قالَ لَهُنَّ: (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِها إلَاّ كانَ لَها حِجاباً مِنَ النَّار) فَقالَتِ امْرَأَةٌ: واثنَيْنِ؟ قَالَ: (واثْنَيْنِ) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: آدم بن أبي إِيَاس. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّه الْأَصْبَهَانِيّ الْكُوفِي، مولى لجديلة قيس، وهم بطن من قيس غيلَان، وهم فهم وعدوان ابْنا عَمْرو بن قيس، أمّهم جديلة، بِفَتْح الْجِيم، نسبوا إِلَيْهَا. أخرج البُخَارِيّ فِي الْعلم والمحضر وشهود الْمَلَائِكَة بَدْرًا عَن شُعْبَة وَأبي عوَانَة وَابْن عُيَيْنَة عَنهُ عَن عبد اللَّه بن معقل، وَأبي صَالح ذكْوَان أَصله من أَصْبَهَان خرج مِنْهَا حِين افتتحها أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ أَبُو بكر بن منجويه: توفّي فِي إِمَارَة خَالِد على الْعرَاق، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ النَّسَائِيّ، وأصبهان، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وبالباء وَالْفَاء، وَأهل الْمشرق يَقُولُونَ: أصفهان بِالْفَاءِ، وَأهل الْمغرب بِالْبَاء: وَهِي مَدِينَة بعراق الْعَجم عَظِيمَة، خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء والمحدثين. الرَّابِع: أَبُو صَالح ذكْوَان، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْكَاف غير منصرف، وَقد تقدم. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وواسطي ومدني.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن آدم، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْعلم أَيْضا عَن بنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة، وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ، وَفِي حَدِيث غنْدر عَن شُعْبَة عَنهُ، قَالَ: وَسمعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث) . وَقَالَ عقيب حَدِيث مُسلم بن إِبْرَاهِيم: وَقَالَ شريك عَن ابْن الْأَصْبَهَانِيّ: حَدثنِي أَبُو صَالح عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي كَامِل الجحدري عَن أبي عوَانَة، وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ، وَذكر الزِّيَادَة عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة، وَعَن عبيد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة بِهِ، وَذكر الزِّيَادَة أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار بِهِ، وَعَن أَحْمد بن سلمَان عَن عبيد اللَّه بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَنهُ بِهِ نَحوه.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (قَالَ: قَالَ النِّسَاء) أَي: قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: قَالَ النِّسَاء. كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ، بتذكير الْفِعْل، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (قَالَت النِّسَاء) بالتأنيث، وَكِلَاهُمَا جَائِز فِي كل إِسْنَاد إِلَى ظَاهر الْجمع. قَوْله: (غلبنا) ، بِفَتْح الْبَاء جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول و: (الرِّجَال) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا) عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: انْظُر لنا فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا، وَنَحْو ذَلِك، و: اجْعَل، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، والجعل يسْتَعْمل مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد بِمَعْنى: فعل، وَإِلَى مفعولين بِمَعْنى: صير، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا لَازمه وَهُوَ التَّعْيِين، أَي: عين لنا يَوْمًا. و: يَوْمًا، مفعول بِهِ لَا لأَجله. وَلَا مفعول فِيهِ، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: (من نَفسك) ابتدائية تتَعَلَّق باجعل، يَعْنِي هَذَا الْجعل منشؤه اختيارك يَا رَسُول الله لَا اختيارنا، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من: وَقت نَفسك، بإضمار الْوَقْت، والظرف صفة ل (يَوْمًا) ، وَهُوَ ظرف مُسْتَقر على هَذَا الِاحْتِمَال، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: اجْعَل لنا يَوْمًا من أَيَّام نَفسك، يَعْنِي: الْيَوْم الَّذِي تتفرغ فِيهِ. قَوْله: (فوعدهن) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب الَّذِي يرجع إِلَى النِّسَاء. فَإِن قلت: كَيفَ يعْطف الْجُمْلَة الخبرية على الْجُمْلَة الإنشائية؟ قلت: هَذَا بَاب فِيهِ خلاف، فَمَنعه البيانيون وَابْن مَالك وَابْن عُصْفُور فِي (شرح الْإِيضَاح) ، وَنَقله عَن الْأَكْثَرين. واجازه الصفار وَجَمَاعَة مستدلين بقوله تَعَالَى: {وَبشر الَّذين آمنُوا} (يُونُس: ٢) وَاسْتدلَّ الصفار بقول الشَّاعِر:

(وقائلة خولان فانكح فَتَاتهمْ)

فَإِن تَقْدِيره: هَذِه خولان، هَكَذَا نقل عَن سِيبَوَيْهٍ، وَأَجَابُوا عَن الْآيَة بِمَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: لَيْسَ الْمُعْتَمد بالْعَطْف، الْأَمر حَتَّى يطْلب لَهُ مشاكل، بل المُرَاد عطف جملَة: ثَوَاب الْمُؤمنِينَ، على جملَة: عَذَاب الْكَافرين، كَقَوْلِك: زيد يُعَاقب بالقيد، وَبشر فلَانا بِالْإِطْلَاقِ. وَعَن الْبَيْت: إِنَّه ضَرُورَة، وَفِيه تعسف وَالأَصَح عدم الْجَوَاز. وَأما هَهُنَا فالعطف

لَيْسَ على قَوْله: (فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا) بل الْعَطف على جَمِيع الْجُمْلَة، أَعنِي من قَوْله: (غلبنا عَلَيْك الرِّجَال فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا من نَفسك) . قَوْله: (يَوْمًا) ، مفعول ثَان: لوعد. قَوْله: (لقيهن فِيهِ) أَي: فِي الْيَوْم الْمَوْعُود بِهِ، واللقاء فِيهِ إِمَّا بِمَعْنى الرُّؤْيَة، وَإِمَّا بِمَعْنى الْوُصُول، وَمحل الْجُمْلَة الْجُمْلَة النصب لِأَنَّهَا صفة: ليوماً. وَيحْتَمل أَن يكون استئنافاً. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ فصيحة لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَحْذُوف إِي: فوفى بوعدهن ولقيهن فوعظهن. وَقَوله: (وامرهن) عطف على: وعظهن، وَحذف الْمَأْمُور بِهِ لإِرَادَة التَّعْمِيم، وَالتَّقْدِير: فوعظهن بمواعظ، وأمرهن بِالصَّدَقَةِ أَو بِأُمُور دينية. وَيجوز أَن يكون: فوعظهن وأمرهن من تَتِمَّة الصّفة لليوم. قَوْله: (فَكَانَ) الْفَاء فِيهِ فصيحة. وَاسم: كَانَ، هُوَ قَوْله: (مَا مِنْكُن امْرَأَة) وَخَبره، قَوْله: (فِيمَا قَالَ لَهُنَّ) أَي: الَّذِي قَالَه لَهُنَّ. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (مَا مِنْكُن من امْرَأَة) ، وَكلمَة: من، زَائِدَة لفظا. وَقَوله: امْرَأَة، مُبْتَدأ. ومنكن، حَال مِنْهَا مقدم عَلَيْهَا، وَخبر الْمُبْتَدَأ الْجُمْلَة الَّتِي بعد آلَة الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مفرغ، إعرابه على حسب العوامل،. فَإِن قلت: كَيفَ يَقع الْفِعْل مُسْتَثْنى؟ قلت: على تَقْدِير الِاسْم، أَي: مَا امْرَأَة مُقَدّمَة إِلَّا كَائِنا لَهَا حجاب. وَقَوله: (تقدم) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لامْرَأَة. وَقَوله: (ثَلَاثًا) مفعول مقدم، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. قلت: (حِجَابا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حجاب) ، بِالرَّفْع. أما وَجه النصب فعلى أَنه خبر لَكَانَ، وَاسم كَانَ التَّقْدِيم الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: تقدم. وَأما وَجه الرّفْع فعلى كَون: كَانَ، تَامَّة على معنى: إلَاّ وَقع لَهَا حجاب أَو حصل، أَو وجد وَنَحْو ذَلِك. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز: (إلَاّ كن لَهَا حِجَابا) على تَقْدِير الْأَنْفس الَّتِي تقدم، وَفِي الِاعْتِصَام: (إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابا) أَي: الْأَوْلَاد. قَوْله: (واثنين) ، وَهُوَ أَيْضا عطف على الْمَنْصُوب بالتقدير الْمَذْكُور، أَي: وَمن قدم اثْنَيْنِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَمثله يُسمى بالْعَطْف التلقيني، وَنَحْوه فِي الْقُرْآن: {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي} (الْبَقَرَة: ١٢٤) . قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن ذريتي، عطف على: الْكَاف، كَأَنَّهُ قَالَ: وجاعل بعض ذريتي، كَمَا يُقَال لَك: سأكرمك، فَتَقول: وزيداً، وَإِنَّمَا أورد هَذَا الْمِثَال إِشَارَة إِلَى جَوَاب عَمَّا يُقَال إِن: من ذريتي، مقول قَول إِبْرَاهِيم، و: جاعلك للنَّاس، مقول قَول الله تَعَالَى، فَكيف يعْطف أَحدهمَا على الآخر؟ فَكَأَنَّهُ أجَاب بإيراد الْمِثَال الْمَذْكُور أَنه عطف تلقين، كَأَنَّهُ قَالَ: قل وجاعل بعض ذريتي.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (غلبنا عَلَيْك الرِّجَال) مَعْنَاهُ: أَن الرِّجَال يلازمونك كل الْأَيَّام ويسمعون الْعلم وَأُمُور الدّين، وَنحن نسَاء ضعفة لَا نقدر على مزاحمتهم، فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا من الْأَيَّام نسْمع الْعلم ونتعلم أُمُور الدّين. قَوْله: (ثَلَاثَة) أَي: ثَلَاثَة أَوْلَاد. فَإِن قلت: الثَّلَاثَة مُذَكّر فَهَل يشْتَرط أَن يكون الْوَلَد الْمَيِّت ذكرا حَتَّى يحصل لَهَا الْحجاب؟ قلت: تذكيره بِالنّظرِ إِلَى لفظ الْوَلَد، وَالْولد يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَفِي بعض النّسخ: ثَلَاثًا بِدُونِ الْهَاء، فَإِن صَحَّ فَمَعْنَاه ثَلَاث نسمَة، والنسمة تطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (فَقَالَت امْرَأَة) هِيَ: أم سليم، وَقيل غَيرهَا وَالله أعلم. قَوْله: (قَالَ: واثنين) دَلِيل على أَن حكم الْإِثْنَيْنِ حكم الثَّلَاثَة لاحْتِمَال أَنه أُوحِي إِلَيْهِ فِي الْحِين بِأَن يُجيب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بذلك. وَلَا يمْتَنع أَن ينزل الْوَحْي. عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بذلك حِين السُّؤَال، وَلَا يمْتَنع أَن ينزل الْوَحْي على رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، طرفَة عين. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيجوز أَن يكون أُوحِي إِلَيْهِ قبله. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ، وَغَيره: قد أخرج البُخَارِيّ فِي كتاب الرقَاق من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَا يدل على أَن الْوَاحِد كالاثنين، وَهُوَ قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَقُول تَعَالَى: (مَا لعبدي الْمُؤمن جَزَاء إِذا قبضت صفيّه من أهل الدُّنْيَا، ثمَّ احتسبه، إلَاّ الْجنَّة) . وَأي صفّي أعظم من الْوَلَد؟ قلت: قد جَاءَ فِي غير الصَّحِيح مَا يدل صَرِيحًا على أَن الْوَاحِد كالاثنين وَالثَّلَاثَة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قدم ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصناً حصيناً من النَّار. فَقَالَ أَبُو ذَر، رَضِي الله عَنهُ: قدمت اثْنَيْنِ. قَالَ: واثنين. قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قدمت وَاحِدًا. قَالَ: وواحداً) . قَالَ ابْن بطال وعياض وَغَيرهمَا فِي قَول الْمَرْأَة: (واثنين يَا رَسُول الله) ؟ وَهِي من أهل اللِّسَان دَلِيل على أَن تعلق الحكم بِعَدَد مَا لَا يدل من جِهَة دَلِيل الْخطاب على انتفائه عَن غَيره من الْعدَد، لَا أقل وَلَا أَكثر. فَإِن قلت: هَل للرجل مثل مَا للْمَرْأَة إِذا قدم الْوَلَد؟ قلت: نعم، لِأَن حكم الْمُكَلّفين على السوَاء إلَاّ إِذا دلّ دَلِيل على التَّخْصِيص.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ سُؤال النِّسَاء عَن أَمر دينهن وَجَوَاز كلامهن مَعَ الرِّجَال فِي ذَلِك، وَفِيمَا لَهُنَّ الْحَاجة إِلَيْهِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْوَعْد. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز الْأجر للثكلي. الرَّابِع: قَالَ الْمُهلب وَغَيره: فِيهِ دَلِيل على أَن أَوْلَاد الْمُسلمين

فِي الْجنَّة، لِأَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أَدخل الْآبَاء الْجنَّة بِفضل رَحمته للأبناء، فالأبناء أولى بِالرَّحْمَةِ. قَالَ الْمَازرِيّ: أما أَطْفَال الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فالإجماع مُنْعَقد على أَنهم فِي الْجنَّة، وَكَذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور فِي أَوْلَاد من سواهُم من الْمُؤمنِينَ، وَبَعْضهمْ لَا يَحْكِي خلافًا، بل يَحْكِي الْإِجْمَاع على دُخُولهمْ الْجنَّة، وَبَعض الْمُتَكَلِّمين يقف فيهم، وَلم يثبت الْإِجْمَاع عِنْدهم فَيُقَال بِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي مَوْضِعه من كتاب الْجَنَائِز إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٤٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ عَن ذكْوَان عَن أبي سعيد بن الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث) الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول أَن البُخَارِيّ قصد بِإِخْرَاج هَذَا فائدتين أَحدهمَا تَسْمِيَة ابْن الْأَصْبَهَانِيّ لِأَنَّهُ كَانَ مُبْهما فِي الحَدِيث الأول وَهَذِه الرِّوَايَة فسرته وَإِنَّمَا لم بصرح باسمه هُنَاكَ مُحَافظَة على لفظ الشُّيُوخ وَهُوَ من غَايَة احتياطه حَيْثُ وَضعه كَمَا سَمعه عَن شَيْخه وَالْأُخْرَى التَّنْبِيه على زِيَادَة فِي طَرِيق أَبُو هُرَيْرَة وَهِي قَوْله " لم يبلغُوا الْحِنْث ". النَّوْع الثَّانِي أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَوْصُولَة وَلَيْسَ بتعليق كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ عَن عبد الرَّحْمَن وَذَلِكَ لِأَن شُعْبَة يرويهِ عَن عبد الرَّحْمَن بِإِسْنَادَيْنِ لآن قَوْله وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني عطف على قَوْله أَولا عَن عبد الرَّحْمَن تَقْدِير الاسناد الأول حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا غنْدر قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني عَن ذكْوَان عَن أبي سعيد عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام " مَا مِنْكُن امْرأ تَقْدِيم ثَلَاثَة من وَلَدهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابا من النَّار فَقَالَت امْرَأَة واثنين فَقَالَ واثنين " أَشَارَ إِلَى هَذَا بقوله بِهَذَا أَي بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور وَتَقْدِير الْإِسْنَاد الثَّانِي حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثا غنْدر قَالَ حَدثا شُعْبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الاصبهاني قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ " مَا مِنْكُن امْرَأَة تقدم ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث من وَلَدهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابا " الحَدِيث فَإِن قلت هَل فَائِدَة فِي تَقْدِيمه الحَدِيث الأول على الثَّانِي قلت نعم لِأَن الحَدِيث الأول أَعلَى دَرَجَة من الثَّانِي اذفيه بَين شُعْبَة وَالْبُخَارِيّ رجل وَاحِد وَهُوَ ابْن آدم بِخِلَاف الثَّانِي فَإِن بَينهمَا رجلَيْنِ وهما مُحَمَّد بن بشار وغندر النَّوْع الثَّالِث فِي رجال الاسنادين وهم ثَمَانِيَة وَقد مضى مِنْهُم ماخلا أَبُو حَازِم بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَهُوَ سُلَيْمَان الاشجعي الْكُوفِي مولى عزة بِالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَة وبالزاي الْمُشَدّدَة الاشجعية توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ قَالَ يحيى بن معِين هُوَ كُوفِي ثِقَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَرُبمَا يشْتَبه بِأبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار الزَّاهِد فَإِنَّهَا تابعيان مشتركان فِي الكنية قَالَ أَبُو عَليّ الجياني أَبُو حَازِم رجلَانِ تابعيان يكنيان بِأبي حَازِم يرويان عَن الصَّحَابَة فَالْأول الاشعي اسْمه سُلَيْمَان يروي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ الْأَعْمَش وَمَنْصُور وفضيل بن غَزوَان وَالثَّانِي سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج يروي عَن سهل بن سعد روى عَنهُ مَالك وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَسليمَان ابْن بِلَال قلت وَمن الْفرق بَينهمَا أَن الأول توفّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّانِي توفّي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَالْأول لم يرو فِي البُخَارِيّ وَمُسلم إِلَّا عَن أبي هُرَيْرَة وَالثَّانِي لم يرو فِي الصَّحَابَة إِلَّا عَن سهل بن سعد وَكِلَاهُمَا ثقتان فَالْأول وثقة يحيى وَالثَّانِي وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم النَّوْع الرَّابِع قَوْله " لم يبلغُوا الْحِنْث " أَي الْإِثْم الْمَعْنى أَنهم مَاتُوا قبل بلوغهم التَّكْلِيف فَلم يكْتب عَلَيْهِم الآثام وَيُقَال مَعْنَاهُ لم يبلغُوا زمَان التَّكْلِيف وَسن الْعقل والحنث بِكَسْر الْحَاء الْإِثْم قَالَ الْجَوْهَرِي يُقَال بلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي الْمعْصِيَة وَالطَّاعَة وَقَالَ الصغاني وَبلغ الْغُلَام الْحِنْث أَي بلغ مبلغا جرى عَلَيْهِ الْقَلَم بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة والحنث الزِّنَا أَيْضا والحنث فِي الْيَمين والحنث الْعدْل الْكَبِير الثقيل والحنث الْميل من بَاطِل إِلَى حق أَو من حق إِلَى بَاطِل يُقَال قد حنثت على أَي ملت إِلَى هُوَ أَن عَليّ فَإِن قلت لم خص الحكم باللذين لم يبلغُوا الْحِنْث وهم صغَار قلت لِأَن قلب الْوَالِدين على الصَّغِير ارْحَمْ واشفق دون الْكَبِير ن الْغَالِب على الْكَبِير عدم السَّلامَة من مُخَالفَة وَالدية وعقوقهم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله