الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٨٢
الحديث رقم ١٠٨٢ من كتاب «أبواب تقصير الصلاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الصلاة بمنى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي
⦗٤٣⦘
نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خَرَجَ مِنْهَا لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا هَذَا.
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ إِقَامَةٌ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَوَاضِعُ النُّسُكِ وَهِيَ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ بِالْأَصَالَةِ لَا يَتَّجِهُ سِوَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَسْبِقْ إِلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَصِيرُ بِنِيَّةِ إِقَامَتِهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مُقِيمًا، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ نَحْوَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
٢ - بَاب الصَّلَاةِ بِمِنًى
١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا.
[الحديث ١٠٨٢٢ - طرفه في: ١٦٥٥]
١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ "
[الحديث ١٠٨٣ - طرفه في: ١٦٥٦]
١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ "
[الحديث ١٠٨٤ - طرفه في ١٦٥٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنًى) أَيْ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهَا، وَخَصَّ مِنًى بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا الْمَحَلُّ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا ذَلِكَ قَدِيمًا. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُقِيمِ بِمِنًى هَلْ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ بِهَا لِلسَّفَرِ أَوْ لِلنُّسُكِ؟ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ مَالِكٌ، وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَهْلُ مِنًى يُتِمُّونَ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْقَصْرُ بِمِنًى لَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَتِمُّوا، وَلَيْسَ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَصَرُوا لِلنُّسُكِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا؛ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ. وَكَأَنَّهُ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ بِمِنًى اسْتِغْنَاءً بِمَا تَقَدَّمَ بِمَكَّةَ. قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ فَالْقِصَّةُ كَانَتْ فِي الْفَتْحِ، وَقِصَّةُ مِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْدِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَصْلَ الْبَحْثِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى لَا يُقْصَرُ فِيهَا، وَهُوَ مِنْ مُحَالِ الْخِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (بِمِنًى) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِمِنًى وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَمَّهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ
صَلَّى أَرْبَعًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِتْمَامِ عُثْمَانَ بِمِنًى فِي بَابِ يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) كَذَا هُوَ بِلَفْظِ الْإِنْبَاءِ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ وَهَذَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) زَادَ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (آمَنَ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْأَمْنِ.
قَوْلُهُ: (مَا كَانَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ كَانَتْ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا آمَنَ أَوْقَاتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ، خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ، لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَلُ يَكُونُ جَمْعًا، وَالْمَعْنَى صَلَّى بِنَا وَالْحَالُ أَنَّا أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ أَمْنًا. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِمِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ وَكَلِمَةُ قَطُّ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَنَحْنُ مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا أَكْثَرَ أَمْنًا. وَهَذَا يَسْتَدْرِكُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: اسْتِعْمَالُ قَطُّ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِالنَّفْيِ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِدُونِ النَّفْيِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: وَآمَنُهُ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِأَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا وَفَاعِلُهُ اللَّهُ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ النَّبِيُّ ﷺ، وَالتَّقْدِيرُ: وَآمَنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَئِذٍ.
وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْإِعْرَابِ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالْخَوْفِ، وَالَّذِي قَالَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَلَمْ يَأْخُذِ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ، فَقِيلَ لِأَنَّ شَرْطَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي شُرِعَ الْحُكْمُ فِيهَا بِسَبَبٍ ثُمَّ زَالَ السَّبَبُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَصْرِ فِي الْآيَةِ: قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ إِلَى رَكْعَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: إِنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا لَا قَصْرَهَا فِي الْخَوْفِ خَاصَّةً. وَفِي جَوَابِ عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي. وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ وَهُوَ الْحَذَّاءُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَنَحْنُ آمِنُونَ، فَقَالَ: سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ. وَهَذَا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ لَا التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِي حَالِ إِقَامَتِهِ بِمِنًى لِلرَّمْيِ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ فَقِيلَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَرْجَعَ) أَيْ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ) زَادَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ) لَمْ يَقُلْ الْأَصِيلِيُّ رَكَعَاتٍ، وَمِنْ لِلْبَدَلِيَّةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْإِتْمَامَ جَائِزًا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْأَرْبَعِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ فَاسِدَةً كُلَّهَا، وَإِنَّمَا اسْتَرْجَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوْلَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا. فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: إِنِّي لَأَكْرَهُ الْخِلَافَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للسُّنَّة، وإلَّا فليس ثَمَّ مسافة قصرٍ، فيتمُّ أهل مِنى بها، ويقصُرون (١) بعرفة ومزدلفة (٢)، وضابطه عندهم: أنَّ أهل كلِّ مكانٍ يتمُّون به، ويقصرون (٣) فيما سواه، وأُجِيبَ بحديث أنَّه ﵊، كان يصلِّي بمكَّة ركعتين، ويقول: «يا أهل مكَّة أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» رواه التِّرمذيُّ، فكأنَّه ترك إعلامهم بذلك بمِنى استغناءً بما تقدَّم بمكَّة، وأُجِيبَ بأنَّ الحديث ضعيفٌ لأنَّه من رواية عليِّ بن زيد (٤) بن جُدْعان، سلَّمنا صحَّته لكنَّ القصَّة كانت في الفتح، ومِنى كانت في حجَّة الوداع، فكان لا بدَّ من بيان ذلك لبُعْد (٥) العهد (٦).
١٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفصٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن عبد الله بن عمر ﵄» (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى) أي: وغيره، كما عند مسلمٍ من رواية سالمٍ عن أبيه، الرُّباعيَّة (رَكْعَتَيْنِ) للسَّفر (وَ) كذا مع (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرَ) الفاروق (وَمَعَ عُثْمَانَ) ذي النُّورين ﵃ (صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) بكسر الهمزة، أي: من أوَّل خلافته، وكانت مدَّتها ثمان سنين، أو ستَّ سنين (ثُمَّ أَتَمَّهَا) بعد ذلك لأنَّ الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لِمَا فيه من المشقَّة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خَرَجَ مِنْهَا لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا هَذَا.
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ إِقَامَةٌ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَوَاضِعُ النُّسُكِ وَهِيَ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ بِالْأَصَالَةِ لَا يَتَّجِهُ سِوَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَسْبِقْ إِلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَصِيرُ بِنِيَّةِ إِقَامَتِهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مُقِيمًا، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ نَحْوَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
٢ - بَاب الصَّلَاةِ بِمِنًى
١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا.
[الحديث ١٠٨٢٢ - طرفه في: ١٦٥٥]
١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ "
[الحديث ١٠٨٣ - طرفه في: ١٦٥٦]
١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ "
[الحديث ١٠٨٤ - طرفه في ١٦٥٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنًى) أَيْ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهَا، وَخَصَّ مِنًى بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا الْمَحَلُّ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا ذَلِكَ قَدِيمًا. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُقِيمِ بِمِنًى هَلْ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ بِهَا لِلسَّفَرِ أَوْ لِلنُّسُكِ؟ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ مَالِكٌ، وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَهْلُ مِنًى يُتِمُّونَ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْقَصْرُ بِمِنًى لَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَتِمُّوا، وَلَيْسَ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَصَرُوا لِلنُّسُكِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا؛ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ. وَكَأَنَّهُ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ بِمِنًى اسْتِغْنَاءً بِمَا تَقَدَّمَ بِمَكَّةَ. قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ فَالْقِصَّةُ كَانَتْ فِي الْفَتْحِ، وَقِصَّةُ مِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ لِبُعْدِ الْعَهْدِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَصْلَ الْبَحْثِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى لَا يُقْصَرُ فِيهَا، وَهُوَ مِنْ مُحَالِ الْخِلَافِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: (بِمِنًى) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِمِنًى وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَمَّهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ
صَلَّى أَرْبَعًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ فِي إِتْمَامِ عُثْمَانَ بِمِنًى فِي بَابِ يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) كَذَا هُوَ بِلَفْظِ الْإِنْبَاءِ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ وَهَذَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) زَادَ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (آمَنَ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْأَمْنِ.
قَوْلُهُ: (مَا كَانَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ كَانَتْ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا آمَنَ أَوْقَاتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ، خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ، لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَلُ يَكُونُ جَمْعًا، وَالْمَعْنَى صَلَّى بِنَا وَالْحَالُ أَنَّا أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ أَمْنًا. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِمِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ وَكَلِمَةُ قَطُّ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَنَحْنُ مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا أَكْثَرَ أَمْنًا. وَهَذَا يَسْتَدْرِكُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: اسْتِعْمَالُ قَطُّ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِالنَّفْيِ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِدُونِ النَّفْيِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: وَآمَنُهُ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِأَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا وَفَاعِلُهُ اللَّهُ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ النَّبِيُّ ﷺ، وَالتَّقْدِيرُ: وَآمَنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَئِذٍ.
وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْإِعْرَابِ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَصْرَ مُخْتَصٌّ بِالْخَوْفِ، وَالَّذِي قَالَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَلَمْ يَأْخُذِ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ، فَقِيلَ لِأَنَّ شَرْطَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي شُرِعَ الْحُكْمُ فِيهَا بِسَبَبٍ ثُمَّ زَالَ السَّبَبُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقَصْرِ فِي الْآيَةِ: قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ إِلَى رَكْعَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: إِنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا لَا قَصْرَهَا فِي الْخَوْفِ خَاصَّةً. وَفِي جَوَابِ عُمَرَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي. وَرَوَى السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ وَهُوَ الْحَذَّاءُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَنَحْنُ آمِنُونَ، فَقَالَ: سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ. وَهَذَا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ لَا التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِي حَالِ إِقَامَتِهِ بِمِنًى لِلرَّمْيِ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ فَقِيلَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَرْجَعَ) أَيْ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ) زَادَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ) لَمْ يَقُلْ الْأَصِيلِيُّ رَكَعَاتٍ، وَمِنْ لِلْبَدَلِيَّةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْإِتْمَامَ جَائِزًا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْأَرْبَعِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ فَاسِدَةً كُلَّهَا، وَإِنَّمَا اسْتَرْجَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوْلَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا. فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: إِنِّي لَأَكْرَهُ الْخِلَافَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للسُّنَّة، وإلَّا فليس ثَمَّ مسافة قصرٍ، فيتمُّ أهل مِنى بها، ويقصُرون (١) بعرفة ومزدلفة (٢)، وضابطه عندهم: أنَّ أهل كلِّ مكانٍ يتمُّون به، ويقصرون (٣) فيما سواه، وأُجِيبَ بحديث أنَّه ﵊، كان يصلِّي بمكَّة ركعتين، ويقول: «يا أهل مكَّة أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» رواه التِّرمذيُّ، فكأنَّه ترك إعلامهم بذلك بمِنى استغناءً بما تقدَّم بمكَّة، وأُجِيبَ بأنَّ الحديث ضعيفٌ لأنَّه من رواية عليِّ بن زيد (٤) بن جُدْعان، سلَّمنا صحَّته لكنَّ القصَّة كانت في الفتح، ومِنى كانت في حجَّة الوداع، فكان لا بدَّ من بيان ذلك لبُعْد (٥) العهد (٦).
١٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفصٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن عبد الله بن عمر ﵄» (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى) أي: وغيره، كما عند مسلمٍ من رواية سالمٍ عن أبيه، الرُّباعيَّة (رَكْعَتَيْنِ) للسَّفر (وَ) كذا مع (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرَ) الفاروق (وَمَعَ عُثْمَانَ) ذي النُّورين ﵃ (صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) بكسر الهمزة، أي: من أوَّل خلافته، وكانت مدَّتها ثمان سنين، أو ستَّ سنين (ثُمَّ أَتَمَّهَا) بعد ذلك لأنَّ الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لِمَا فيه من المشقَّة.