«يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٩٢

الحديث رقم ١٣٩٢ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين…

«يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى: عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا، لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا، ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ، أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ

⦗١٠٤⦘

لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ.»

سند حديث: ١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين…

أخبر حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه كان مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق مكة أثناء سفرٍ، فصلى الظهر ركعتين قصرًا، ثم انطلق وانطلق من كان معه حتى جاء إلى مكان نزوله، وجلس فجلسوا معه، فالتفت وتوجه إلى جهة المكان الذي صلى فيه الظهر، فرأى أشخاصًا قائمين يصلون، فسأل عن ما يفعلونه؟ فقال حفص بن عاصم: يصلون النافلة، فذكر أنه لو كان سيصلي النافلة لأتم الفريضة ولم يقصر؛ لأن حكمة القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة، ولا يُتِم، وقال: يا ابن أخي، وهذا نداء لحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، إني رافقتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى توفاه الله، والمقصود بالركعتين في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يعترض على كلامه بالمغرب، حيث لا تصلى ركعتين إجماعًا.
ورافقت أبا بكر الصديق رضي الله عنه فاقتصر ركعتين أيضًا حتى توفاه الله، ورافقت عمر بن الخطاب فاقتصر ركعتين، حتى توفاه الله، ثم رافقت عثمان بن عفان رضي الله عنه فلم يزد على ركعتين أيضًا، حتى قبضه الله، رافقهم جميعًا في السفر، فلم يكونوا يُتمون ولا يصلون الراتبة، وإنما ذكر ابن عمر رضي الله عنهما الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع؛ ليبين أن العمل استمر على ذلك، ولم يتطرق إليه نسخ، ولا معارض.
والمراد في هذه الرواية أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير مكة، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بها خاصة، لا في كل أسفاره.
ثم ذكر ابن عمر رضي الله عنهما دليلًا على أن الأولى بالمسلم الحريص على دينه أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيفعل ما فعله، ويترك ما تركه، ومن جملته ترك السنن الرواتب في السفر، فقال: وقد قال الله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي قدوة صالحة.
وقد روُي عن النبي صلى الله عليه وسلم التنفل بغير الرواتب في السفر، على راحلته وبالأرض ليلًا ونهارًا، كالوتر والضحى، وقوله إن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء كانوا يصلون ركعتين لا يزيدون، هو محمول على أنهم ما كانوا يتنفلون رواتب الفرائض في السفر لا قبل الفرض ولا بعده، وأما في غير ذلك فقد روُي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفل في السفر ليلًا ونهارًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب ترك السنن الرواتب في السفر.
  • بيان ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتم في السفر حتى توفاه الله تعالى، وكذا الخلفاء رضي الله عنهم بعده، ففيه الرد على من قال: بأن الإتمام أفضل من القصر.
  • الإنكار على من خالف السنة، وإلم تكن واجبة.
  • فضل ابن عمر رضي الله عنهما، حيث كان شديد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، في جميع أفعاله.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ "رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلأوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلَا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنْ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنْ الْقَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ"

[الحديث ١٣٩٢ - أطرافه في: ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: قَبْرُ النَّبِيِّ . الْمَصْدَرُ مِنْ قَبَرْتُهُ قَبْرًا، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْمَ، وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ صِفَتِهِ مِنْ كَوْنِهِ مُسَنَّمًا أَوْ غَيْرَ مُسَنَّمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الْآيَةِ: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾؛ أَيْ: جَعَلَهُ مِمَّنْ يُقْبَرُ، لَا مِمَّنْ يُلْقَى حَتَّى تَأْكُلَهُ الْكِلَابُ مَثَلًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ أَقْبَرَهُ أَمَرَ بِأَنْ يُقْبَرَ.

قَوْلُهُ: (أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ) قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي: يُقَالُ: أَقْبَرَهُ جَعَلَهُ مَقْبُورًا، وَقَبَرَهُ دَفَنَهُ.

قَوْلُهُ: (كِفَاتًا إِلَخْ) رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ قَالَ: يَكُونُونَ فِيهَا مَا أَرَادُوا ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِيهَا.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ:

أَوَّلَهَا حَدِيثَ عَائِشَةَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ. وَقَدْ ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: يَتَمَنَّعُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بِالْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: يَسْأَلُ عَنْ قَدْرِ مَا بَقِيَ إِلَى يَوْمِهَا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ يَجِدُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِهِ مِنَ الْأُنْسِ مَا لَا يَجِدُ عِنْدَ بَعْضٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي بَعْدَهُ فِي بَابِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمَقْصُودُ مِنَ إِيرَادِهِمَا هُنَا بَيَانُ أَنَّهُ دُفِنَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ.

وتَقَدَّمَ ثَانِيهِمَا فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ عَلَى الْمَسَاجِدِ مِنْ طَرِيقِ هِلَالٍ الْمَذْكُورِ، وَفِي بَابِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ. مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ هِلَالٍ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أَيِ: الَّذِي

رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَاخْتُلِفَ فِي كُنْيَةِ هِلَالٍ: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَبُو عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبُو أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: أَبُو الْجَهْمِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: ابْنُ زِيَادٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عُصْفُرِيٌّ كُوفِيٌّ. وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ لَحِقَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ صَحَابِيٍّ.

قَوْلُهُ: (مُسَنَّمًا) أَيْ: مُرْتَفِعًا، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَسْنِيمُ الْقُبُورِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَالْمُزَنِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُدَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ اسْتَحَبُّوا التَّسْطِيحَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَوْلُ سُفْيَانَ التَّمَّارِ لَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ قَبْرَهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِ مُسَنَّمًا، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّةُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. زَادَ الْحَاكِمُ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مُقَدَّمًا، وَأَبَا بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ ، وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلَيِ النَّبِيِّ . وَهَذَا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ مُسَطَّحَةً، ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَارُ الْقَبْرِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَةً.

وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ صِفَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ابْنِ بِنْتِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ بِسْطَامٍ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُهُ مُرْتَفِعًا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَرَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَرَاءَ قَبْرِهِ، وَرَأَيْتُ قَبْرَ عُمَرَ وَرَاءَ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ أَسْفَلَ مِنْهُ. ثُمَّ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ لَا فِي أَصْلِ الْجَوَازِ، وَرَجَّحَ الْمُزَنِيُّ التَّسْنِيمَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الْمُسَطَّحَ يُشْبِهُ مَا يُصْنَعُ لِلْجُلُوسِ بِخِلَافِ الْمُسَنَّمِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَهُوَ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَكَانَ التَّسْنِيمُ أَوْلَى. وَيُرَجِّحُ التَّسْطِيحَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، وَعَلِيٌّ هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْحَائِطُ) أَيْ: حَائِطُ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ عَنْهُمْ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ إِلَى الْقَبْرِ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرُفِعَ حَتَّى لَا يُصَلِّيَ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا هُدِمَ بَدَتْ قَدَمٌ بِسَاقٍ وَرُكْبَةٍ، فَفَزِعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَتَاهُ عُرْوَةُ، فَقَالَ: هَذَا سَاقُ عُمَرَ وَرُكْبَتُهُ، فَسُرِّيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَرَوَى الْآجُرِّيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَكَانَ قَدِ اشْتَرَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ أَنِ اهْدِمْهَا وَوَسِّعْ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَقَعَدَ عُمَرُ فِي نَاحِيَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَدْمِهَا، فَمَا رَأَيْتُهُ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ. ثُمَّ بَنَاهُ كَمَا أَرَادَ. فَلَمَّا أَنْ بَنَى الْبَيْتَ عَلَى الْقَبْرِ وَهَدَمَ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ ظَهَرَتِ الْقُبُورُ الثَّلَاثَةُ، وَكَانَ الرَّمْلُ الَّذِي عَلَيْهَا قَدِ انْهَارَ، فَفَزِعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَيُسَوِّيَهَا بِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّكَ إِنْ قُمْتَ قَامَ النَّاسُ مَعَكَ، فَلَوْ أَمَرْتَ رَجُلًا أَنْ يُصْلِحَهَا، وَرَجَوْتُ أَنَّهُ يَأْمُرُنِي بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا مُزَاحِمُ - يَعْنِي مَوْلَاهُ - قُمْ فَأَصْلِحْهَا. قَالَ رَجَاءٌ: وَكَانَ قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ وَسَطِ النَّبِيِّ ، وَعُمَرَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، رَأْسُهُ عِنْدَ وَسَطِهِ.

وَهَذَا ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقَاسِمِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ، وَإِلَّا فَحَدِيثُ الْقَاسِمِ أَصَحُّ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِهِ. فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قبرها (لَا أُزَكَّى) بضمِّ الهمزة وفتح الزَّاي والكاف مبنيًا للمفعول، أي: لا يُثنَى عليَّ (بِهِ) أي: بسبب الدَّفن معهم (أَبَدًا) حتَّى (١) يكون لي بذلك مزيَّةٌ وفضلٌ، وأنا في نفس الأمر يحتمل ألَّا أكون كذلك.

وهذا الحديث من قوله: «وعن هشام» إلى آخر قوله: «أبدًا» ضُبِّب عليه في «اليونينيَّة (٢)»، وثبت في غيرها (٣).

١٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن قُرْطٍ، بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره طاءٌ مهملةٌ، الضَّبِّيُّ الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ

عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَمِيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين (الأَوْدِيِّ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ) لابنه بعد أن طعنه أبو لؤلؤة العِلْج بالسِّكين الطَّعنة الَّتي مات بها: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ) بفتح الموحَّدة وتشديد الياء، مع النَّبيِّ وأبي بكرٍ ، زاد في «مناقب عثمان» [خ¦٣٧٠٠]: فسلَّم واستأذن ثمَّ دخل عليها، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطَّاب السَّلام، ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه (قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ) أي: الدَّفن معهما (لِنَفْسِي) فإن قلت: قولها: «كنت أريده لنفسي» يدلُّ على أنَّه لم يبق إلَّا ما يسع موضع (١) قبرٍ واحدٍ؛ فهو يغاير قولها السَّابق لابن الزُّبير: «لا تدفني معهم» [خ¦١٣٩١] فإنَّه يُشعر بأنَّه بقي من الحجرة موضعٌ واحدٌ (٢) للدَّفن، أُجِيبَ بأنَّها كانت أوَّلًا تظنُّ أنَّها كانت لا تسع إلَّا قبرًا واحدًا، فلمَّا دُفِنَ ظهر لها أنَّ هناك وسعًا لقبرٍ آخر (فَلأُوثِرَنَّهُ) بالثَّاء المثلَّثة، أي: فلأختاره (اليَوْمَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عَلَى نَفْسِي) فإن قيل: قد ورد أنَّ الحظوظ الدِّينيَّة لا إيثار فيها؛ كالصَّفِّ الأوَّل ونحوه، فكيف آثرت عائشة ؟ أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ الحظوظ المستحقَّة بالسَّوابق ينبغي فيها إيثار أهل الفضل، فلمَّا علمت عائشة فضل عمر آثرته، كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولًا أن يؤثر بفضل الإمامةَ من هو أفضلُ منه إذا حضر منزلَه وإن كان الحقُّ لصاحب المنزل. انتهى. (فَلَمَّا أَقْبَلَ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]: قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء،

قال: ارفعوني، فأسنده رجلٌ إليه (قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟) أي: ما عندك من الخبر (قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ) بالدَّفن مع صاحبيك (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]: الحمد لله (مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَِعِ) بفتح الجيم وكسرها في «اليونينيَّة» (فَإِذَا قُبِضْتُ) بضم القاف، مبنيًّا للمفعول (فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ): يا ابن عمر (يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي) بهمزة وصلٍ وكسر الفاء (وَإِلَّا) أي: وإن لم تأذن (فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ) جوَّز عمر أن تكون رجعت عن إذنها، واستُنبِطَ منه أنَّ من وعد بعِدَةٍ له الرُّجوع فيها، ولا يُقضى عليه بالوفاء؛ لأنَّ عمر لو علم لزوم ذلك لها (١) لم يستأذن ثانيًا، وأجاب مَن قال بلزوم العِدَة بحمل ذلك من عمر على الاحتياط والمبالغة في الورع؛ ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه أوَّلًا؛ ليضاجع أكمل الخلق على أكمل الوجوه. انتهى. وهذا كلُّه بناءً على القول بأنَّ عائشة كانت تملك أصل رقبة البيت، والواقع بخلافه؛ لأنَّها إنَّما كانت تملك المنفعة بالسُّكنى والإسكان فيه، ولا يورَث عنها، وحكم أزواجه كالمعتدَّات؛ لأنهنَّ لا يتزوَّجن بعده ، ودخل الرِّجال على عمر ، فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، فقال: (إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ) أمر الخلافة (مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) جملة حاليَّةٌ (فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا) أي: من استخلفه هؤلاء النَّفر (بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ) المستحقُّ لها (فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى) ستَّةً من النَّفر الَّذين تُوفِّي رسول الله وهو عنهم راضٍ: (عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولم يذكر: أبا عبيدة؛ لأنَّه كان قد مات، ولا سعيدَ بن زيدٍ؛ لأنَّه كان غائبًا، وقال في «فتح الباري»: لأنَّه كان ابن عمِّ عمر، فلم يذكره مبالغةً في التَّبرِّي من الأمر، نعم في رواية المدائنيِّ: أنَّ عمر عدَّه فيمن تُوفِّي

النَّبيُّ وهو عنهم راضٍ، إلَّا أنَّه استثناه من أهل الشُّورى لقرابته منه (وَوَلَجَ عَلَيْهِ) أي: دخل على عمر (شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ) روى ابن سعدٍ من رواية سماك الحنفيِّ: أنَّ ابن عبَّاسٍ أثنى على عمر، وأنَّه قال نحوًا ممَّا يأتي من مقالة الشَّابِّ (١)، فلولا قوله هنا: «إنَّه (٢) من الأنصار» لساغ أن يفسَّر المبهم بابن عبَّاسٍ، لكن لا مانع من تعدُّد المثْنِين عليه مع اتِّحاد جواب عمر لهم (فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) بفتح القاف من «القدَم» (٣)، أي: سابقة خيرٍ ومنزلةٌ رفيعةٌ، وسمِّيت قَدَمًا؛ لأنَّ السَّبق بها؛ كما سُمِّيت النِّعمة يدًا؛ لأنَّها تعطَى باليد، وللحَمُّويي والمُستملي كما في الفرع: «من القِدم» بكسر القاف بمعنى المفتوح، قال في «القاموس»: القَدَم محرَّكةً: السَّابقة في الأمر، كالقُدْمة بالضَّمِّ وكعِنَب، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بالفتح بمعنى الفضل، وبالكسر بمعنى السَّبق. انتهى. وقال البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ: ولو صحَّ روايته (٤) بالكسر لكان المعنى صحيحًا أيضًا. انتهى. فقد صحَّت الرِّواية عن الحَمُّويي والمُستملي كما ترى؛ وهو مفهوم قول الحافظ (٥) ابن حجرٍ السَّابق (ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ) بضمِّ التَّاء الأولى وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول (فَعَدَلْتَ) في الرَّعيَّة (ثُمَّ) حصلت لك (الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ) أي: بقتل فيروز أبي لؤلؤة غلام المغيرة له، بسبب أنَّه سأل عمر أن يكلِّم مولاه أن يضع عنه من خراجه، فقال له (٦) عمر : كم خراجك؟ قال: دينارٌ، فقال: ما أرى أن أفعل إنَّك عاملٌ محسنٌ، وما هذا بكثيرٍ (٧)، فغضب، فلمَّا خرج عمر لصلاة الصُّبح طعنه بسكِّينٍ مسمومةٍ ذات طرفين، فمات منها شهيدًا وإن لم يكن في معركة الكفَّار؛ لأنَّه قُتِل ظلمًا، وقد ورد (٨): «من قُتِل دون دينه؛ فهو شهيدٌ» (فَقَالَ) عمر

للشَّابِّ: (لَيْتَنِي يَا بْنَ أَخِي، وَذَلِكَ) إشارةٌ إلى الخلافة (كَفَافًا) بالنَّصب: خبر «كان» مقدَّرةً (١)، ولأبي ذَرٍّ: «كفافٌ» بالرَّفع خبر «ذلك» (٢) (لَا) عقاب (عَلَيَّ وَلَا) ثواب (لِي) فيه، والجملة خبر «ليتني»، وجملة: «وذلك كفافٌ» اعتراضٌ بين ليت وخبرها (أُوصِي) أنا (الخَلِيفَةَ) بضمِّ الهمزة مِن «أُوصي» (مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الَّذين هاجروا قبل بيعة الرِّضوان، أو الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو الَّذين شهدوا بدرًا (خَيْرًا؛ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ) بفتح الهمزة في الموضعين، تفسيرٌ لقوله: «خيرًا» أو بيانٌ له (وَأُوصِيهِ) أنا أيضًا (بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) صفةٌ لـ «لأنصار»، ولا يضرُّ فصله بـ «خيرًا»؛ لأنَّه ليس أجنبيًّا من الكلام، أي: جعلوا الإيمان مستقرًّا لهم؛ كما جعلوا المدينة كذلك، أي: لزموا المدينة (٣) والإيمان، وتمكَّنوا فيهما، أو عامله (٤) نصبٌ (٥) محذوف (٦)، أي: وأخلصوا الإيمانَ (أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) بفتح الهمزة وضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، بيانٌ لقوله: «خيرًا» (وَيُعْفَى) مبنيًّا للمفعول (عَنْ مُسِيئِهِمْ) ما دون الحدود، وحقوق العباد (وَأُوصِيهِ) أيضًا (بِذِمَّةِ اللهِ) أي: بعهد الله (وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ) والمراد: أهل الكتاب (أَنْ يُوفَِّى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ) بضمِّ أوَّل (٧) «يوفَّى» وفتح ثالثه مشدَّدًا ومخفَّفًا (وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ) بضمِّ أوَّل «يُقاتل» وفتح التَّاء، و «مِنْ» بكسر الميم، أي: مِن (٨) خلفهم، وقد يجيء بمعنى: قدَّام (وَأَلَا يُكَلَّفُوا) بضمِّ أوَّله وفتح اللَّام المشدَّدة (فَوْقَ طَاقَتِهِمْ) فلا يُزاد عليهم على مقدار الجزية.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «مناقب عثمان» [خ¦٣٧٠٠] ، حيث

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يُرِيد: تبوأوا الدَّار وَأَجَابُوا إِلَى الْإِيمَان من قبل أَن يهاجروا إِلَيْهِم. قَوْله: (أَن يقبل) بدل من قَوْله: (خيرا) . وَمَعْنَاهُ: يفعل بهم من التلطف وَالْبر مَا كَانَ يَفْعَله الرَّسُول والخليفتان بعده. قَوْله: (ويُعفَى عَن مسيئهم) ، يَعْنِي: مَا دون الْحُدُود وَحُقُوق النَّاس. قَوْله: (بِذِمَّة الله) ، أَي: بعهده وبذمة رَسُوله، وَيُقَال: بِذِمَّة الله، يَعْنِي بِأَهْل ذمَّة الله، وهم عَامَّة الْمُؤمنِينَ، لِأَن كلهم فِي ذمتهما، وَهَذَا تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (من ورائهم) ، الوراء بِمَعْنى الْخلف، وَقد يكون بِمَعْنى القدام وَهُوَ من الأضداد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْحِرْص على مجاورة الصَّالِحين فِي الْقُبُور طَمَعا فِي إِصَابَة الرَّحْمَة إِذا نزلت عَلَيْهِم، وَفِي دُعَاء من يزورهم من أهل الْخَيْر. وَفِيه: أَن من وعد عدَّة جَازَ لَهُ الرُّجُوع فِيهَا وَلَا يلْزم بِالْوَفَاءِ. وَفِيه: أَن من بعث رَسُولا فِي حَاجَة مهمة أَن لَهُ أَن يسْأَل الرَّسُول قبل وُصُوله إِلَيْهِ، وَلَا يعد ذَلِك من قلَّة الصَّبْر، بل من الْحِرْص على الْخَيْر. وَفِيه: أَن الْخلَافَة بعد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، شُورَى. وَفِيه: التَّعْزِيَة لمن يحضرهُ الْمَوْت بِمَا يذكر من صَالح عمله.

٧٩ - (بابُ مَا يُنْهِى مِنْ سَبِّ الأمْوَاتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من سبّ الْأَمْوَات، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة. أَي: بَاب النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات، يَعْنِي: شتمهم من السب، وَهُوَ الْقطع. وَقيل: من السبة، وَهِي خلقَة الدبر كَأَنَّهَا على القَوْل الأول قطع المسبوب عَن الْخَيْر وَالْفضل، وعَلى الثَّانِي كشف الْعَوْرَة وَمَا يَنْبَغِي أَن يستر.

١٤٨ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد فأفضوا إِلَى مَا قدمُوا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الحَدِيث نهى عَن سبّ الْأَمْوَات والترجمة كَذَلِك قيل لفظ التَّرْجَمَة يشْعر بانقسام السب إِلَى مَنْهِيّ وَغير مَنْهِيّ وَلَفظ الْخَبَر مضمونه النَّهْي عَن السب مُطلقًا أجَاب بَعضهم أَن عُمُومه مَخْصُوص بِحَدِيث أنس حَيْثُ قَالَ " أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض " وَذَلِكَ عِنْد ثنائهم بِالْخَيرِ وَالشَّر وَلم يُنكر عَلَيْهِم (قلت) لَا نسلم أشعار التَّرْجَمَة إِلَى الانقسام الْمَذْكُور لِأَن قد ذكرنَا أَن كلمة مَا فِي التَّرْجَمَة مَصْدَرِيَّة فَلَا تَقْتَضِي الانقسام بل هِيَ للْعُمُوم وَأورد على البُخَارِيّ أَنه غفل عَن حَدِيث وَجَبت وَجَبت لِأَن فِيهِ تَفْصِيلًا وَقد أطلق هُنَا (قلت) لَا يرد عَلَيْهِ شَيْء لِأَن الثَّنَاء بِالشَّرِّ على الْمَيِّت لَا يُسمى سبا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثني بِالشَّرِّ أما فِي حق الْفَاسِق أَو الْمُنَافِق أَو الْكَافِر وَلَيْسَ هَذَا بداخل فِي معنى حَدِيث الْبَاب. وَرِجَاله قد ذكرُوا وآدَم وَابْن أبي إِيَاس وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل عَن شُعْبَة بِهِ قَوْله " الْأَمْوَات " الْألف وَاللَّام للْعهد أَي أموات الْمُسلمين وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساويهم " وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي كتاب الْأَدَب من سنَنه وَلَا حرج فِي ذكر مساوي الْكفَّار وَلَا يَأْمر بِذكر محَاسِن إِن كَانَت لَهُم من صَدَقَة وإعتاق وإطعام طَعَام وَنَحْو ذَلِك اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتَأَذَّى بذلك مُسلم من ذُريَّته فيجتنب ذَلِك حِينَئِذٍ كَمَا ورد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أَحْمد وَالنَّسَائِيّ " أَن رجلا من الْأَنْصَار وَقع فِي أبي الْعَبَّاس كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَطَمَهُ الْعَبَّاس فَجَاءَهُ قومه فَقَالُوا وَالله لنلطمنه كَمَا لطمه فلبسوا السِّلَاح فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَصَعدَ الْمِنْبَر فَقَالَ أَيهَا النَّاس أَي أهل الأَرْض أكْرم عِنْد الله قَالُوا أَنْت قَالَ فَإِن الْعَبَّاس مني وَأَنا مِنْهُ فَلَا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا فجَاء الْقَوْم فَقَالُوا يَا رَسُول الله نَعُوذ بِاللَّه من غضبك " وَفِي كتاب الصمت لِابْنِ أبي الدُّنْيَا فِي حَدِيث مُرْسل صَحِيح الْإِسْنَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ الباقر قَالَ " نهى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن يسب قَتْلَى بدر من الْمُشْركين وَقَالَ لَا تسبوا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ لَا يخلص إِلَيْهِم شَيْء مِمَّا تَقولُونَ وتؤذون الْأَحْيَاء إِلَّا أَن الْبذاء لؤم " وَقَالَ ابْن بطال ذكر شرار الْمَوْتَى من أهل الشّرك خَاصَّة جَائِز لِأَنَّهُ لَا شكّ أَنهم فِي النَّار وَقَالَ سبّ الْأَمْوَات يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فَإِن كَانَ أغلب أَحْوَال الْمَرْء الْخَيْر وَقد تكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالاغتياب لَهُ مَمْنُوع وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة لَهُ فَكَذَلِك الْمَيِّت قَوْله " فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا " أَي قد وصلوا إِلَى جَزَاء أَعْمَالهم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ "رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقُلْ يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلأوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلَا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنْ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنْ الْقَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ"

[الحديث ١٣٩٢ - أطرافه في: ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: قَبْرُ النَّبِيِّ . الْمَصْدَرُ مِنْ قَبَرْتُهُ قَبْرًا، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْمَ، وَمَقْصُودُهُ بَيَانُ صِفَتِهِ مِنْ كَوْنِهِ مُسَنَّمًا أَوْ غَيْرَ مُسَنَّمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ يُرِيدُ تَفْسِيرَ الْآيَةِ: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾؛ أَيْ: جَعَلَهُ مِمَّنْ يُقْبَرُ، لَا مِمَّنْ يُلْقَى حَتَّى تَأْكُلَهُ الْكِلَابُ مَثَلًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ أَقْبَرَهُ أَمَرَ بِأَنْ يُقْبَرَ.

قَوْلُهُ: (أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ) قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي: يُقَالُ: أَقْبَرَهُ جَعَلَهُ مَقْبُورًا، وَقَبَرَهُ دَفَنَهُ.

قَوْلُهُ: (كِفَاتًا إِلَخْ) رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ قَالَ: يَكُونُونَ فِيهَا مَا أَرَادُوا ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِيهَا.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ:

أَوَّلَهَا حَدِيثَ عَائِشَةَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ. وَقَدْ ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: يَتَمَنَّعُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بِالْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: يَسْأَلُ عَنْ قَدْرِ مَا بَقِيَ إِلَى يَوْمِهَا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ يَجِدُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِهِ مِنَ الْأُنْسِ مَا لَا يَجِدُ عِنْدَ بَعْضٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي بَعْدَهُ فِي بَابِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمَقْصُودُ مِنَ إِيرَادِهِمَا هُنَا بَيَانُ أَنَّهُ دُفِنَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ.

وتَقَدَّمَ ثَانِيهِمَا فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ عَلَى الْمَسَاجِدِ مِنْ طَرِيقِ هِلَالٍ الْمَذْكُورِ، وَفِي بَابِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ. مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ هِلَالٍ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أَيِ: الَّذِي

رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَاخْتُلِفَ فِي كُنْيَةِ هِلَالٍ: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَبُو عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبُو أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: أَبُو الْجَهْمِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: ابْنُ زِيَادٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عُصْفُرِيٌّ كُوفِيٌّ. وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ لَحِقَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ صَحَابِيٍّ.

قَوْلُهُ: (مُسَنَّمًا) أَيْ: مُرْتَفِعًا، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَسْنِيمُ الْقُبُورِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَالْمُزَنِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُدَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ اسْتَحَبُّوا التَّسْطِيحَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَوْلُ سُفْيَانَ التَّمَّارِ لَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ قَبْرَهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِ مُسَنَّمًا، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّةُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. زَادَ الْحَاكِمُ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مُقَدَّمًا، وَأَبَا بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ ، وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلَيِ النَّبِيِّ . وَهَذَا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ مُسَطَّحَةً، ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَارُ الْقَبْرِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَةً.

وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ صِفَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ابْنِ بِنْتِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ بِسْطَامٍ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُهُ مُرْتَفِعًا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَرَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَرَاءَ قَبْرِهِ، وَرَأَيْتُ قَبْرَ عُمَرَ وَرَاءَ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ أَسْفَلَ مِنْهُ. ثُمَّ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ لَا فِي أَصْلِ الْجَوَازِ، وَرَجَّحَ الْمُزَنِيُّ التَّسْنِيمَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الْمُسَطَّحَ يُشْبِهُ مَا يُصْنَعُ لِلْجُلُوسِ بِخِلَافِ الْمُسَنَّمِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَهُوَ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَكَانَ التَّسْنِيمُ أَوْلَى. وَيُرَجِّحُ التَّسْطِيحَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، وَعَلِيٌّ هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْحَائِطُ) أَيْ: حَائِطُ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ عَنْهُمْ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ إِلَى الْقَبْرِ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرُفِعَ حَتَّى لَا يُصَلِّيَ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا هُدِمَ بَدَتْ قَدَمٌ بِسَاقٍ وَرُكْبَةٍ، فَفَزِعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَتَاهُ عُرْوَةُ، فَقَالَ: هَذَا سَاقُ عُمَرَ وَرُكْبَتُهُ، فَسُرِّيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَرَوَى الْآجُرِّيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَكَانَ قَدِ اشْتَرَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ أَنِ اهْدِمْهَا وَوَسِّعْ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَقَعَدَ عُمَرُ فِي نَاحِيَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَدْمِهَا، فَمَا رَأَيْتُهُ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ. ثُمَّ بَنَاهُ كَمَا أَرَادَ. فَلَمَّا أَنْ بَنَى الْبَيْتَ عَلَى الْقَبْرِ وَهَدَمَ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ ظَهَرَتِ الْقُبُورُ الثَّلَاثَةُ، وَكَانَ الرَّمْلُ الَّذِي عَلَيْهَا قَدِ انْهَارَ، فَفَزِعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَيُسَوِّيَهَا بِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّكَ إِنْ قُمْتَ قَامَ النَّاسُ مَعَكَ، فَلَوْ أَمَرْتَ رَجُلًا أَنْ يُصْلِحَهَا، وَرَجَوْتُ أَنَّهُ يَأْمُرُنِي بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا مُزَاحِمُ - يَعْنِي مَوْلَاهُ - قُمْ فَأَصْلِحْهَا. قَالَ رَجَاءٌ: وَكَانَ قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ وَسَطِ النَّبِيِّ ، وَعُمَرَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، رَأْسُهُ عِنْدَ وَسَطِهِ.

وَهَذَا ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقَاسِمِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ، وَإِلَّا فَحَدِيثُ الْقَاسِمِ أَصَحُّ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِهِ. فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قبرها (لَا أُزَكَّى) بضمِّ الهمزة وفتح الزَّاي والكاف مبنيًا للمفعول، أي: لا يُثنَى عليَّ (بِهِ) أي: بسبب الدَّفن معهم (أَبَدًا) حتَّى (١) يكون لي بذلك مزيَّةٌ وفضلٌ، وأنا في نفس الأمر يحتمل ألَّا أكون كذلك.

وهذا الحديث من قوله: «وعن هشام» إلى آخر قوله: «أبدًا» ضُبِّب عليه في «اليونينيَّة (٢)»، وثبت في غيرها (٣).

١٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن قُرْطٍ، بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره طاءٌ مهملةٌ، الضَّبِّيُّ الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ

عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَمِيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين (الأَوْدِيِّ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ) لابنه بعد أن طعنه أبو لؤلؤة العِلْج بالسِّكين الطَّعنة الَّتي مات بها: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ) بفتح الموحَّدة وتشديد الياء، مع النَّبيِّ وأبي بكرٍ ، زاد في «مناقب عثمان» [خ¦٣٧٠٠]: فسلَّم واستأذن ثمَّ دخل عليها، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطَّاب السَّلام، ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه (قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ) أي: الدَّفن معهما (لِنَفْسِي) فإن قلت: قولها: «كنت أريده لنفسي» يدلُّ على أنَّه لم يبق إلَّا ما يسع موضع (١) قبرٍ واحدٍ؛ فهو يغاير قولها السَّابق لابن الزُّبير: «لا تدفني معهم» [خ¦١٣٩١] فإنَّه يُشعر بأنَّه بقي من الحجرة موضعٌ واحدٌ (٢) للدَّفن، أُجِيبَ بأنَّها كانت أوَّلًا تظنُّ أنَّها كانت لا تسع إلَّا قبرًا واحدًا، فلمَّا دُفِنَ ظهر لها أنَّ هناك وسعًا لقبرٍ آخر (فَلأُوثِرَنَّهُ) بالثَّاء المثلَّثة، أي: فلأختاره (اليَوْمَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عَلَى نَفْسِي) فإن قيل: قد ورد أنَّ الحظوظ الدِّينيَّة لا إيثار فيها؛ كالصَّفِّ الأوَّل ونحوه، فكيف آثرت عائشة ؟ أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ الحظوظ المستحقَّة بالسَّوابق ينبغي فيها إيثار أهل الفضل، فلمَّا علمت عائشة فضل عمر آثرته، كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولًا أن يؤثر بفضل الإمامةَ من هو أفضلُ منه إذا حضر منزلَه وإن كان الحقُّ لصاحب المنزل. انتهى. (فَلَمَّا أَقْبَلَ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]: قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء،

قال: ارفعوني، فأسنده رجلٌ إليه (قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟) أي: ما عندك من الخبر (قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ) بالدَّفن مع صاحبيك (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]: الحمد لله (مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَِعِ) بفتح الجيم وكسرها في «اليونينيَّة» (فَإِذَا قُبِضْتُ) بضم القاف، مبنيًّا للمفعول (فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ): يا ابن عمر (يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي) بهمزة وصلٍ وكسر الفاء (وَإِلَّا) أي: وإن لم تأذن (فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ) جوَّز عمر أن تكون رجعت عن إذنها، واستُنبِطَ منه أنَّ من وعد بعِدَةٍ له الرُّجوع فيها، ولا يُقضى عليه بالوفاء؛ لأنَّ عمر لو علم لزوم ذلك لها (١) لم يستأذن ثانيًا، وأجاب مَن قال بلزوم العِدَة بحمل ذلك من عمر على الاحتياط والمبالغة في الورع؛ ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه أوَّلًا؛ ليضاجع أكمل الخلق على أكمل الوجوه. انتهى. وهذا كلُّه بناءً على القول بأنَّ عائشة كانت تملك أصل رقبة البيت، والواقع بخلافه؛ لأنَّها إنَّما كانت تملك المنفعة بالسُّكنى والإسكان فيه، ولا يورَث عنها، وحكم أزواجه كالمعتدَّات؛ لأنهنَّ لا يتزوَّجن بعده ، ودخل الرِّجال على عمر ، فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، فقال: (إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ) أمر الخلافة (مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) جملة حاليَّةٌ (فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا) أي: من استخلفه هؤلاء النَّفر (بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ) المستحقُّ لها (فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى) ستَّةً من النَّفر الَّذين تُوفِّي رسول الله وهو عنهم راضٍ: (عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولم يذكر: أبا عبيدة؛ لأنَّه كان قد مات، ولا سعيدَ بن زيدٍ؛ لأنَّه كان غائبًا، وقال في «فتح الباري»: لأنَّه كان ابن عمِّ عمر، فلم يذكره مبالغةً في التَّبرِّي من الأمر، نعم في رواية المدائنيِّ: أنَّ عمر عدَّه فيمن تُوفِّي

النَّبيُّ وهو عنهم راضٍ، إلَّا أنَّه استثناه من أهل الشُّورى لقرابته منه (وَوَلَجَ عَلَيْهِ) أي: دخل على عمر (شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ) روى ابن سعدٍ من رواية سماك الحنفيِّ: أنَّ ابن عبَّاسٍ أثنى على عمر، وأنَّه قال نحوًا ممَّا يأتي من مقالة الشَّابِّ (١)، فلولا قوله هنا: «إنَّه (٢) من الأنصار» لساغ أن يفسَّر المبهم بابن عبَّاسٍ، لكن لا مانع من تعدُّد المثْنِين عليه مع اتِّحاد جواب عمر لهم (فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) بفتح القاف من «القدَم» (٣)، أي: سابقة خيرٍ ومنزلةٌ رفيعةٌ، وسمِّيت قَدَمًا؛ لأنَّ السَّبق بها؛ كما سُمِّيت النِّعمة يدًا؛ لأنَّها تعطَى باليد، وللحَمُّويي والمُستملي كما في الفرع: «من القِدم» بكسر القاف بمعنى المفتوح، قال في «القاموس»: القَدَم محرَّكةً: السَّابقة في الأمر، كالقُدْمة بالضَّمِّ وكعِنَب، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بالفتح بمعنى الفضل، وبالكسر بمعنى السَّبق. انتهى. وقال البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ: ولو صحَّ روايته (٤) بالكسر لكان المعنى صحيحًا أيضًا. انتهى. فقد صحَّت الرِّواية عن الحَمُّويي والمُستملي كما ترى؛ وهو مفهوم قول الحافظ (٥) ابن حجرٍ السَّابق (ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ) بضمِّ التَّاء الأولى وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول (فَعَدَلْتَ) في الرَّعيَّة (ثُمَّ) حصلت لك (الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ) أي: بقتل فيروز أبي لؤلؤة غلام المغيرة له، بسبب أنَّه سأل عمر أن يكلِّم مولاه أن يضع عنه من خراجه، فقال له (٦) عمر : كم خراجك؟ قال: دينارٌ، فقال: ما أرى أن أفعل إنَّك عاملٌ محسنٌ، وما هذا بكثيرٍ (٧)، فغضب، فلمَّا خرج عمر لصلاة الصُّبح طعنه بسكِّينٍ مسمومةٍ ذات طرفين، فمات منها شهيدًا وإن لم يكن في معركة الكفَّار؛ لأنَّه قُتِل ظلمًا، وقد ورد (٨): «من قُتِل دون دينه؛ فهو شهيدٌ» (فَقَالَ) عمر

للشَّابِّ: (لَيْتَنِي يَا بْنَ أَخِي، وَذَلِكَ) إشارةٌ إلى الخلافة (كَفَافًا) بالنَّصب: خبر «كان» مقدَّرةً (١)، ولأبي ذَرٍّ: «كفافٌ» بالرَّفع خبر «ذلك» (٢) (لَا) عقاب (عَلَيَّ وَلَا) ثواب (لِي) فيه، والجملة خبر «ليتني»، وجملة: «وذلك كفافٌ» اعتراضٌ بين ليت وخبرها (أُوصِي) أنا (الخَلِيفَةَ) بضمِّ الهمزة مِن «أُوصي» (مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الَّذين هاجروا قبل بيعة الرِّضوان، أو الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو الَّذين شهدوا بدرًا (خَيْرًا؛ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ) بفتح الهمزة في الموضعين، تفسيرٌ لقوله: «خيرًا» أو بيانٌ له (وَأُوصِيهِ) أنا أيضًا (بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) صفةٌ لـ «لأنصار»، ولا يضرُّ فصله بـ «خيرًا»؛ لأنَّه ليس أجنبيًّا من الكلام، أي: جعلوا الإيمان مستقرًّا لهم؛ كما جعلوا المدينة كذلك، أي: لزموا المدينة (٣) والإيمان، وتمكَّنوا فيهما، أو عامله (٤) نصبٌ (٥) محذوف (٦)، أي: وأخلصوا الإيمانَ (أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) بفتح الهمزة وضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، بيانٌ لقوله: «خيرًا» (وَيُعْفَى) مبنيًّا للمفعول (عَنْ مُسِيئِهِمْ) ما دون الحدود، وحقوق العباد (وَأُوصِيهِ) أيضًا (بِذِمَّةِ اللهِ) أي: بعهد الله (وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ) والمراد: أهل الكتاب (أَنْ يُوفَِّى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ) بضمِّ أوَّل (٧) «يوفَّى» وفتح ثالثه مشدَّدًا ومخفَّفًا (وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ) بضمِّ أوَّل «يُقاتل» وفتح التَّاء، و «مِنْ» بكسر الميم، أي: مِن (٨) خلفهم، وقد يجيء بمعنى: قدَّام (وَأَلَا يُكَلَّفُوا) بضمِّ أوَّله وفتح اللَّام المشدَّدة (فَوْقَ طَاقَتِهِمْ) فلا يُزاد عليهم على مقدار الجزية.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «مناقب عثمان» [خ¦٣٧٠٠] ، حيث

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يُرِيد: تبوأوا الدَّار وَأَجَابُوا إِلَى الْإِيمَان من قبل أَن يهاجروا إِلَيْهِم. قَوْله: (أَن يقبل) بدل من قَوْله: (خيرا) . وَمَعْنَاهُ: يفعل بهم من التلطف وَالْبر مَا كَانَ يَفْعَله الرَّسُول والخليفتان بعده. قَوْله: (ويُعفَى عَن مسيئهم) ، يَعْنِي: مَا دون الْحُدُود وَحُقُوق النَّاس. قَوْله: (بِذِمَّة الله) ، أَي: بعهده وبذمة رَسُوله، وَيُقَال: بِذِمَّة الله، يَعْنِي بِأَهْل ذمَّة الله، وهم عَامَّة الْمُؤمنِينَ، لِأَن كلهم فِي ذمتهما، وَهَذَا تَعْمِيم بعد تَخْصِيص. قَوْله: (من ورائهم) ، الوراء بِمَعْنى الْخلف، وَقد يكون بِمَعْنى القدام وَهُوَ من الأضداد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الْحِرْص على مجاورة الصَّالِحين فِي الْقُبُور طَمَعا فِي إِصَابَة الرَّحْمَة إِذا نزلت عَلَيْهِم، وَفِي دُعَاء من يزورهم من أهل الْخَيْر. وَفِيه: أَن من وعد عدَّة جَازَ لَهُ الرُّجُوع فِيهَا وَلَا يلْزم بِالْوَفَاءِ. وَفِيه: أَن من بعث رَسُولا فِي حَاجَة مهمة أَن لَهُ أَن يسْأَل الرَّسُول قبل وُصُوله إِلَيْهِ، وَلَا يعد ذَلِك من قلَّة الصَّبْر، بل من الْحِرْص على الْخَيْر. وَفِيه: أَن الْخلَافَة بعد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، شُورَى. وَفِيه: التَّعْزِيَة لمن يحضرهُ الْمَوْت بِمَا يذكر من صَالح عمله.

٧٩ - (بابُ مَا يُنْهِى مِنْ سَبِّ الأمْوَاتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى من سبّ الْأَمْوَات، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة. أَي: بَاب النَّهْي عَن سبّ الْأَمْوَات، يَعْنِي: شتمهم من السب، وَهُوَ الْقطع. وَقيل: من السبة، وَهِي خلقَة الدبر كَأَنَّهَا على القَوْل الأول قطع المسبوب عَن الْخَيْر وَالْفضل، وعَلى الثَّانِي كشف الْعَوْرَة وَمَا يَنْبَغِي أَن يستر.

١٤٨ - (حَدثنَا آدم قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم قد فأفضوا إِلَى مَا قدمُوا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الحَدِيث نهى عَن سبّ الْأَمْوَات والترجمة كَذَلِك قيل لفظ التَّرْجَمَة يشْعر بانقسام السب إِلَى مَنْهِيّ وَغير مَنْهِيّ وَلَفظ الْخَبَر مضمونه النَّهْي عَن السب مُطلقًا أجَاب بَعضهم أَن عُمُومه مَخْصُوص بِحَدِيث أنس حَيْثُ قَالَ " أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض " وَذَلِكَ عِنْد ثنائهم بِالْخَيرِ وَالشَّر وَلم يُنكر عَلَيْهِم (قلت) لَا نسلم أشعار التَّرْجَمَة إِلَى الانقسام الْمَذْكُور لِأَن قد ذكرنَا أَن كلمة مَا فِي التَّرْجَمَة مَصْدَرِيَّة فَلَا تَقْتَضِي الانقسام بل هِيَ للْعُمُوم وَأورد على البُخَارِيّ أَنه غفل عَن حَدِيث وَجَبت وَجَبت لِأَن فِيهِ تَفْصِيلًا وَقد أطلق هُنَا (قلت) لَا يرد عَلَيْهِ شَيْء لِأَن الثَّنَاء بِالشَّرِّ على الْمَيِّت لَا يُسمى سبا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثني بِالشَّرِّ أما فِي حق الْفَاسِق أَو الْمُنَافِق أَو الْكَافِر وَلَيْسَ هَذَا بداخل فِي معنى حَدِيث الْبَاب. وَرِجَاله قد ذكرُوا وآدَم وَابْن أبي إِيَاس وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز أَيْضا عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل عَن شُعْبَة بِهِ قَوْله " الْأَمْوَات " الْألف وَاللَّام للْعهد أَي أموات الْمُسلمين وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساويهم " وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي كتاب الْأَدَب من سنَنه وَلَا حرج فِي ذكر مساوي الْكفَّار وَلَا يَأْمر بِذكر محَاسِن إِن كَانَت لَهُم من صَدَقَة وإعتاق وإطعام طَعَام وَنَحْو ذَلِك اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتَأَذَّى بذلك مُسلم من ذُريَّته فيجتنب ذَلِك حِينَئِذٍ كَمَا ورد فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد أَحْمد وَالنَّسَائِيّ " أَن رجلا من الْأَنْصَار وَقع فِي أبي الْعَبَّاس كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَطَمَهُ الْعَبَّاس فَجَاءَهُ قومه فَقَالُوا وَالله لنلطمنه كَمَا لطمه فلبسوا السِّلَاح فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَصَعدَ الْمِنْبَر فَقَالَ أَيهَا النَّاس أَي أهل الأَرْض أكْرم عِنْد الله قَالُوا أَنْت قَالَ فَإِن الْعَبَّاس مني وَأَنا مِنْهُ فَلَا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا فجَاء الْقَوْم فَقَالُوا يَا رَسُول الله نَعُوذ بِاللَّه من غضبك " وَفِي كتاب الصمت لِابْنِ أبي الدُّنْيَا فِي حَدِيث مُرْسل صَحِيح الْإِسْنَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ الباقر قَالَ " نهى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن يسب قَتْلَى بدر من الْمُشْركين وَقَالَ لَا تسبوا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ لَا يخلص إِلَيْهِم شَيْء مِمَّا تَقولُونَ وتؤذون الْأَحْيَاء إِلَّا أَن الْبذاء لؤم " وَقَالَ ابْن بطال ذكر شرار الْمَوْتَى من أهل الشّرك خَاصَّة جَائِز لِأَنَّهُ لَا شكّ أَنهم فِي النَّار وَقَالَ سبّ الْأَمْوَات يجْرِي مجْرى الْغَيْبَة فَإِن كَانَ أغلب أَحْوَال الْمَرْء الْخَيْر وَقد تكون مِنْهُ الْغَلَبَة فالاغتياب لَهُ مَمْنُوع وَإِن كَانَ فَاسِقًا مُعْلنا فَلَا غيبَة لَهُ فَكَذَلِك الْمَيِّت قَوْله " فَإِنَّهُم قد أفضوا إِلَى مَا قدمُوا " أَي قد وصلوا إِلَى جَزَاء أَعْمَالهم

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد