الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٢٩
الحديث رقم ١٩٢٩ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القبلة للصائم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّهَا ﵄ قَالَتْ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولابن عساكر: «حدَّثني» (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(ح): للتَّحويل: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) «إن»: مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، دخلت على الجملة الفعليَّة فيجب إهمالها، واللَّام في قوله: (لَيُقَبِّلُ) للتَّأكيد، وهي مفتوحةٌ (بَعْضَ أَزْوَاجِهِ) هي (١) عائشة نفسها كما في «مسلمٍ»، أو أمُّ سلمة كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٢] (وَهُوَ صَائِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (ثُمَّ ضَحِكَتْ) تنبيهًا على أنَّها صاحبة القصَّة ليكون ذلك أبلغ في الثِّقة بها، أو تعجُّبًا ممَّن خالفها في ذلك، أو تعجَّبت من نفسها إذ حدَّثت بمثل هذا ممَّا يُستحيَا من ذكر النِّساء مثله للرِّجال، ولكنَّها ألجأتها الضَّرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، أو سرورًا (٢) بمكانها من الرَّسول (٣) ﷺ ومحبَّته لها، وقد روى ابن أبي شيبة عن شريكٍ عن هشامٍ: فضحكت، وظنَّنا أنَّها هي.
١٩٢٩ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) سَنْبَرٍ-بمهملةٍ مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ (٥) وزن «جَعْفَرٍ» - الدَّسْتَُوائيِّ، أي: بفتح الدَّال وسكون السِّين المهملتين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة ممدودًا، قال:
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ) الصَّحابيَّة (عَنْ أُمِّهَا) أمِّ سلمة هند بنت أبي أميَّة، أمِّ المؤمنين (﵄ قَالَتْ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ) بفتح الخاء المعجمة: ثوبٌ من صوفٍ له علمٌ (إِذْ حِضْتُ) جواب «بينما» (فَانْسَلَلْتُ) ذهبت في خفيةٍ لئلَّا يصيبه ﵊ شيءٌ من دمها، أو تقذَّرت نفسها أن تضاجعه وهي بهذه الحالة (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المشهور، أي: ثيابي التي أعددتها (١) لألبسها حالة الحيض (فَقَالَ) ﵊: (مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟) بفتح النُّون، ولأبي ذرٍّ: «أنُفِسْتِ» بضمِّها، أي: أحضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) حضت، زاد في «باب من سمَّى النِّفاس حيضًا» [خ¦٢٩٨] من «كتاب الحيض»: فدعاني (فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) وكلاهما جنبٌ (وَكَانَ) ﵊ (يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) لأنَّ ذلك لا يؤثِّر فيه لشدَّة تقواه وورعه، فكلُّ من أمن على نفسه الإنزال أو الجماع كان في معناه، فيلتحق به في حكمه، ومن ليس في معناه فهو مغايرٌ له في هذا الحكم، وهذا أرجح الأقوال، وقد أجمع العلماء: على أنَّ من كره القبلة لم يكرهها لنفسها، وإنَّما كرهها خشية ما تؤول إليه من الإنزال، ومن بديع ما رُوِي في ذلك: حديث عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: هَشَشْتُ فقبَّلت وأنا صائمٌ، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلت (٢) وأنا صائمٌ، قال: «أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائمٌ؟» قلت: لا بأسَ، قال: «فَمَهْ؟» رواه أبو داود والنَّسائيُّ، قال النَّسائيُّ: مُنكَرٌ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، قال المازريُّ: فأشار إلى فقهٍ بديعٍ وذلك أنَّ (٣) المضمضة لا تنقض الصَّوم وهي أوَّل الشُّرب ومفتاحه كما أنَّ القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشُّرب يفسد الصَّوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشُّرب لا تفسد (٤) الصِّيام (٥) فكذلك أوائل الجماع، ولو قبَّل فأمذى -بالذَّال المعجمة- لم يكن عليه
شيءٌ عند (١) الشَّافعية والحنفيَّة، وقال مالكٌ: عليه القضاء، وقال متأخِّرو (٢) أصحابه البغداديُّون: القضاء هنا استحبابٌ، وحكى ابن قدامة: الفطر فيه عن أحمد، ثمَّ (٣) إنَّ (٤) المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، لكن قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: سواءٌ قبَّل الفم أو الخدَّ أو غيرهما.
وهذا الحديث قد سبق في «باب من سمَّى النِّفاس حيضًا» [خ¦٢٩٨].
(٢٥) (بَابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ، وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄) فيما رواه ابن أبي شيبة (ثَوْبًا) بالماء (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأُلقِي عليه» مبنيًّا للمفعول، وكأنَّه أمر غيره فألقاه عليه، ووجه المطابقة: أنَّ الثَّوب المبلول إذا أُلقِي على البدن بَلَّهُ، فيشبه ما إذا صبَّ عليه الماء.
(وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (الحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ) رواه ابن أبي شيبة موصولًا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ) بكسر القاف: ما يُطبَخ فيه، أي: من طعام القدر (أَوِ الشَّيْءَ) من المطعومات، فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، وهذا وصله ابن أبي شيبة ورواه البيهقيُّ، ووجه مطابقته (٥) من حيث إنَّ التَّطعُّم من الشَّيء الذي هو إدخال الطَّعام في الفم من
غير بلعٍ لا يضرُّ الصَّوم، فإيصال الماء إلى البشرة بالطَّريق الأَولى ألَّا يضرَّ (١).
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ بِالمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ) قال العينيُّ: مطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المضمضة جزءٌ من الغسل، وقال في «فتح الباري»: وصله عبد الرَّزَّاق بمعناه (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ) ولأبي ذرٍّ: «إذا كان يوم صوم» (أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا) أي: مدهونًا، «فعيلًا» بمعنى: «مفعولٍ» (مُتَرَجِّلًا) من التَّرجُّل؛ وهو تسريح الشَّعر وتنظيفه، وقول الحافظ ابن حجرٍ: في وجه المطابقة هي أنَّ المانع من الاغتسال لعلَّه سلك به مسلك استحباب التَّقشُّف في الصِّيام كما ورد مثله في الحجِّ، فالادِّهان والتَّرجُّل في مخالفة التَّقشُّف كالاغتسال، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ التَّرجمة في جواز الاغتسال لا في منعه، وكذلك أثر ابن مسعودٍ في الجواز لا في المنع، فكيف يُجعَل الجواز مناسبًا للمنع (٢). انتهى. وقال ابن المُنيِّر الكبير: أراد البخاريُّ الرَّدَّ على من كره الاغتسال للصَّائم لأنَّه إن كرهه خشية وصول الماء حَلْقَه فالعلَّة باطلةٌ بالمضمضة والسِّواك وبذوق القدر ونحو ذلك، وإن كرهه للرَّفاهية فقد استحبَّ السَّلف للصَّائم التَّرفُّه والتَّجمُّل بالتَّرجُّل (٣) والادِّهان والكحل ونحو ذلك ولذلك ساق هذه الآثار (٤)، قال العينيُّ: وهذا أقرب إلى القبول.
(وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ ﵁، ممَّا وصله قاسم بن ثابتٍ في «غريب الحديث» له: (إِنَّ لِي أَبْزَنًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزَّاي آخره نونٌ، وقال عياضٌ: بكسر الهمزة أيضًا وفي «القاموس»: بتثليثها، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها بقصر الهمزة، قال البرماويُّ: وهو يدلُّ على أنَّه بالمدِّ والقصر منصوبٌ على أنَّه اسم «إنَّ»، ولأبي ذرٍّ: «أبزنٌ» بالرفع، قال الزَّركشيُّ: على أنَّ اسم «إنَّ» ضمير الشَّأن، والجملة بعدها مبتدأٌ وخبرٌ في موضع رفعٍ على أنَّها (٥) خبر «إنَّ»، وضعَّفه في «المصابيح»، والرِّوايتان في الفرع: مُنوَّنتان (٦)، وفي غيره: بغير تنوينٍ لأنَّه فارسيٌّ فلذا (٧) لم
يصرف، قال الكِرمانيُّ: هي (١) كلمةٌ مركَّبةٌ من «أب»؛ وهو الماء، ومن «زن» وهو المرأة لأنَّ ذلك تتَّخذه النِّساء غالبًا، وحيث عُرِّب أُعرِب، قال في «القاموس»: هو حوضٌ يغتسل فيه وقد يُتَّخذ من نحاسٍ. انتهى. (أَتَقَحَّمُ) بفتح الهمزة والفوقيَّة والمهملة المُشدَّدة بعدها ميمٌ، أي: ألقي نفسي (فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ) إذا وجدت الحرِّ أتبرَّد بذلك (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ) رواه أبو داود وغيره من حديث عامر بن ربيعة عن أبيه، وحسَّنه التِّرمذيُّ، لكن قال النَّوويُّ في «الخلاصة»: مداره على عاصم بن عبيد الله، وقد ضعَّفه الجمهور، فلعلَّه اعتُضِد، ومطابقة الحديث للتَّرجمة: قيل: من حيث إنَّ السِّواك مطهرةٌ للفم كما أنَّ الاغتسال مطهِّرٌ (٢) للبدن. وسقط قوله: «ويُذكَر .... » إلى آخره عند ابن عساكر.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يَسْتَاكُ) الصَّائم (أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ) ولأبي ذرٍّ -ونسبه في «الفتح» لنسخة الصَّغانيِّ-: «ولا يبلع ريقه» وهو ساقطٌ عند ابن عساكر (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح: (إِنِ ازْدَرَدَ) أي: ابتلع (رِيقَهُ لَا أَقُولُ: يُفْطِرُ) به، إذا كان طاهرًا صِرْفًا ولم ينفصل من معدنه؛ لعسر التَّحرُّز عنه، وخرج بالطَّاهر: النَّجسُ؛ كما لو دميت لثَته وإن صفا، وبالصِّرف: المخلوطُ بغيره وإن كان طاهرًا، فلو نزل معه، أي: مع ريقه الطَّاهر شيءٌ من بين أسنانه إلى جوفه بطل صومه إن أمكنه مجُّه لكونه غير صِرْفٍ، وقال الحنفيَّة: إذا ابتلع قدرًا يسيرًا من الطَّعام من بين أسنانه ذاكرًا لصومه لا يفسد عندنا لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه عادةً، فصار بمنزلة ريقه، والكثير يمكن الاحتراز عنه، وسقط قوله: «وقال عطاءٌ … » إلى آخره في رواية ابن عساكر.
(وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (لَا بَأْسَ) أن يتسوَّك (بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ، قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ؟ قَالَ) ابن سيرين: (وَالمَاءُ لَهُ طَعْمٌ، وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ) فاكَ؛ بضمِّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قلَابَة (عَن مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلت عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ: مَا يحل للرجل من امْرَأَته صَائِما؟ فَقَالَ: (كل شَيْء إلَاّ الْجِمَاع) ، وَأَبُو مرّة اسْمه: يزِيد مولى عقيل بن أبي طَالب، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَحَكِيم بن عقال الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان.
٤٢ - (بابُ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقبْلَة للصَّائِم.
وَقَالَ جابِرُ بنُ زَيْدٍ إنْ نَظَرَ فأمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ
جَابر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ، وَقد تقدم، وَهَذَا الْأَثر وَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر فِي آخر الْبَاب السَّابِق، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن هرم، سُئِلَ جَابر بن زيد فَذكره.
٨٢٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرنِي أبِي عنْ عائِشةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامٍ عَن أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أزْوَاجِهِ وهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ليقبل بعض أَزوَاجه وَهُوَ صَائِم) ، وَهَذَا الْفِعْل هُوَ الْمُبَاشرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد.
قَوْله:
(إِن كَانَ) ، كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة فَتدخل على الجملتين، فَإِن دخلت على الإسمية جَازَ إعمالها خلافًا للكوفيين، وَإِن دخلت على الفعلية وَجب إعمالها، وَالْأَكْثَر كَون الْفِعْل مَاضِيا نَاسِخا، وَهنا كَذَلِك. قَوْله: (ليقبل) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة حَالية. قَوْله: (ثمَّ ضحِكت) قيل: كَانَ ضحكها تَنْبِيها على أَنَّهَا صَاحِبَة الْقَضِيَّة ليَكُون أبلغ فِي الثِّقَة بحديثها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يحْتَمل ضحكها التَّعَجُّب مِمَّا خَالفه فِيهِ أَو من نَفسهَا حَيْثُ جَاءَت بِمثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي يستحي من ذكره، لَا سِيمَا حَدِيث الْمَرْأَة عَن نَفسهَا للرِّجَال: لَكِنَّهَا اضطرت إِلَى ذكره لتبليغ الحَدِيث، فتعجبت من ضَرُورَة الْحَال المضطرة لَهَا إِلَى ذَلِك، وَقيل: ضحِكت سُرُورًا بتذكر مَكَانهَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحالها مَعَه.
ذكر بَيَان الْخلاف فِي هَذَا الْبَاب: ذهب شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو قلَابَة وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة ومسروق ابْن الأجدع وَعبد الله بن شبْرمَة إِلَى أَنه لَيْسَ للصَّائِم أَن يُبَاشر الْقبْلَة فَإِن قبل فقد أفطر وَعَلِيهِ أَن يقْضِي يَوْمًا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا الْفضل بن دُكَيْن عَن إِسْرَائِيل عَن زيد بن جُبَير عَن أبي يزِيد الضني (عَن مَيْمُونَة، مولاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رجل قبل امْرَأَته وهما صائمان؟ قَالَ: قد أفطرا) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَلَفظه: (عَن مَيْمُونَة بنت سعد قَالَت: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْقبْلَة للصَّائِم؟ فَقَالَ: أفطرا جَمِيعًا) . وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو يزِيد الضني، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة: نِسْبَة إِلَى ضنة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَقَالَ ابْن حزم: مَجْهُول، ومَيْمُونَة بنت سعد، وَقيل: سعيد، خَادِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرجه ابْن حزم وَلَفظه: عَن مَيْمُونَة بنت عقبَة مولاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يثبت هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا قَالَ السُّهيْلي وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ يَعْنِي البُخَارِيّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أحدث بِهِ، وَأَبُو يزِيد لَا أعرف اسْمه وَهُوَ رجل مَجْهُول. قَوْله: (قد أفطرا) ، أَي: المقبِّل والمقبَّل كِلَاهُمَا أفطرا، يَعْنِي: انْتقض صومهما، وَقَالَ أَبُو عمر: وَمِمَّنْ كره الْقبْلَة للصَّائِم عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعُرْوَة بن الزبير، وَقد رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِن عروق الخصيتين معلقَة بالأنف، فَإِذا وجد الرّيح تحرّك، وَإِذا تحرّك دعِي إِلَى مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، وَالشَّيْخ أملك لأربه، وَكره مَالك الْقبْلَة للصَّائِم فِي رَمَضَان للشَّيْخ والشاب، وَعَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه أرخص فِيهَا للشَّيْخ، وكرهها للشاب. وَقَالَ عِيَاض: مِنْهُم من أَبَاحَهَا على الْإِطْلَاق، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد من الْفُقَهَاء، وَمِنْهُم من كرهها على الْإِطْلَاق وَهُوَ مَشْهُور قَول مَالك، وَمِنْهُم من كرهها للشاب وأباحها للشَّيْخ وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَحَكَاهُ الْخطابِيّ عَن مَالك، وَمِنْهُم من أَبَاحَهَا فِي النَّفْل ومنعها فِي الْفَرْض، وَهِي رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن حركت الْقبْلَة الشَّهْوَة فَهِيَ حرَام على الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا، وَقيل: مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِي فروعهم: لَا بَأْس بالقبلة والمعانقة إِذا أَمن على نَفسه أَو كَانَ شَيخا كَبِيرا، وَيكرهُ لَهُ مس فرجهَا، وَعَن أبي حنيفَة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الْفَاحِشَة بِلَا ثوب والتقبيل الْفَاحِش مَكْرُوه وَهُوَ أَن يمضغ شفتيها، قَالَه مُحَمَّد. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من طَرِيق مصدع أبي يحيى (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبلهَا ويمص لسانها) . قلت: كلمة: ويمص، لسانها غير مَحْفُوظَة، وَإِسْنَاده ضَعِيف، والآفة من مُحَمَّد بن دِينَار عَن سعد بن أَوْس عَن مصدع، وَتفرد بِهِ أَبُو دَاوُد، وَحكى ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَعَن يحيى بن مُحَمَّد بن دِينَار: وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ تغير قبل أَن يَمُوت، وَسعد بن أَوْس ضعفه يحيى أَيْضا. قيل: على تَقْدِير صِحَة الحَدِيث يجوز أَن يكون التَّقْبِيل وَهُوَ صَائِم فِي وَقت، والمص فِي وَقت آخر، وَيجوز أَن يمصه وَلَا يبتلعه، وَلِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق انْفِصَال مَا على لسانها من البلل، وَفِيه نظر لَا يخفى. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِن قبَّل فأمنى أفطر بِلَا خلاف، فَإِن أمذى أفطر عندنَا وَعند مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يفْطر، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، واللمس بِشَهْوَة كالقبلة، فَإِن كَانَ بِغَيْر شَهْوَة فَلَيْسَ مَكْرُوها بِحَال.
وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَائِشَة من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقبل فِي شهر الصَّوْم) ، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَحَفْصَة وَأبي سعيد وَأم سَلمَة
وَابْن عَبَّاس وَأنس وَأبي هُرَيْرَة. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَأم حَبِيبَة ومَيْمُونَة زَوجي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ومَيْمُونَة بنت سعد مولاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرجل من الْأَنْصَار عَن امْرَأَته.
أما حَدِيث عَائِشَة فَروِيَ من طرق عديدة حَتَّى إِن الطَّحَاوِيّ أخرجه من عشْرين طَرِيقا. وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: (قَالَ عمر ابْن الْخطاب: هششت فَقبلت وَأَنا صَائِم، فَقلت: يَا رَسُول الله صنعت الْيَوْم أمرا عَظِيما {قبلت وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو مضمضت من المَاء وَأَنت صَائِم؟ قلت: لَا بَأْس} قَالَ: فَمه) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث حَفْصَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة، قَالَت: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: (رخص رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة عبد ربه بن سعيد عَن عبد الله بن كَعْب الْحِمْيَرِي (عَن عمر بن أبي سَلمَة، أَنه قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيقبل الصَّائِم؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سل هَذِه لأم سَلمَة فَأَخْبَرته أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يصنع ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله {قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما وَالله إِنِّي لأتقاكم لله وأخشاكم لَهُ) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) وروى البُخَارِيّ عَنْهَا أَيْضا على مَا سَيَأْتِي. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ القَاضِي يُوسُف بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن حَرْب، حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، قَالَ: حَدثنِي رجل من بني سدوس، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصِيب من الرؤوس وَهُوَ صَائِم، يَعْنِي الْقبل) . وروينا هَذَا الحَدِيث عَن شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ أَبُو المظفر مُحَمَّد بن يحيى الْقرشِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ: أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن يُوسُف ابْن الْمعلم أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد الْمُؤَدب أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن كيسَان أخبرنَا يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيقبل الصَّائِم؟ قَالَ: وَمَا بَأْس ذَلِك؟ رَيْحَانَة يشمها) . وَرِجَاله ثِقَات. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي العنبس عَن الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل حَدِيث قبله، وَأَبُو العنبس اسْمه محَارب بن عبيد بن كَعْب.
وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (كتاب الْعِلَل) فَقَالَ: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ قيس بن حَفْص بن قيس بن الْقَعْقَاع الدَّارمِيّ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شيتر بن شكل (عَن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) ثمَّ قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) فِي تَرْجَمَة غَالب بن عبد الله الْجَزرِي (عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم وَلَا يُعِيد الْوضُوء) ، وغالب الْجَزرِي ضَعِيف. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء شَاب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله} أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فجَاء شيخ فَقَالَ: أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم. قَالَ فَنظر بَعْضنَا إِلَى بعض، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قد علمت لم نظر بَعْضكُم إِلَى بعض، إِن الشَّيْخ يملك نَفسه) . وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. وَأما حَدِيث أم حَبِيبَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنْهَا: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) قَالَ النَّسَائِيّ: الصَّوَاب عَن حَفْصَة. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبِّل وَهُوَ صَائِم) . قَالَ أَبُو زرْعَة: رَوَاهُ هَكَذَا عَمْرو بن أبي قيس وَهُوَ خطأ، وَرَوَاهُ الثَّوْريّ وَآخَرُونَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة مولاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث الرجل الْأنْصَارِيّ عَن امْرَأَته، فَأخْرجهُ أَحْمد مطولا، وَفِيه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفعل ذَلِك) .
فَإِن قلت: قَوْله: (يقبل وَهُوَ صَائِم) ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: كَانَ يقبل فِي شهر
الصَّوْم، وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان، لِأَنَّهُ شهر الصَّوْم، وَقد جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يقبل فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: لَا يلْزم من قَوْله: (فِي رَمَضَان) ، أَن يكون بِالنَّهَارِ؟ قلت: فِي رِوَايَة عَن عَائِشَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) (كَانَ يقبل ويباشر وَهُوَ صَائِم) ، فَبين أَن ذَلِك فِي حَالَة الصّيام.
٩٢٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامِ بنِ أبِي عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عنْ أُمِّهَا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ بَيْنَمَا أنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَمِيلَةِ إذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ فأخَذْتُ ثَيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ مَا لَكِ أنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ وكانَتْ هِيَ ورسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ وكانَ يُقَبِّلُها وهُوَ صَائِمٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم) ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب من سمى النّفاس حيضا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام ... إِلَى آخِره، وَزَاد هُنَا، قَوْله: (وَكَانَت هِيَ) إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ: (بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُضْطَجِعَة فِي خميصة) ، وَهنا: (فَدخلت مَعَه فِي الخميلة) ، وَهُنَاكَ: (فاضطجعت مَعَه فِي الخميلة) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والخميلة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: ثوب من صوف لَهُ علم. قَوْله: (حيضتي) بِكَسْر الْحَاء، قَوْله: (أنفست؟) الصَّحِيح فِيهِ أَنه بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء: مَعْنَاهُ أحضتِ؟ وَبَقِيَّة المباحث مرت هُنَاكَ.
٥٢ - (بابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاغْتِسَال للصَّائِم وَهُوَ جَوَازه، قيل: إِنَّمَا أطلق الِاغْتِسَال ليشْمل جَمِيع أَنْوَاعه من الْفَرْض وَالسّنة وَغَيرهمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضعف مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من النَّهْي عَن دُخُول الصَّائِم الْحمام، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة فكرهوا الِاغْتِسَال للصَّائِم. انْتهى. قلت: قَوْله: كَأَنَّهُ يُشِير، كَلَام كَاد أَن يكون عَبَثا، لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يُرَاد بِالْإِشَارَةِ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَلَا مَعْنَاهَا الاصطلاحي، وَقَوله: وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح على إِطْلَاقه، لِأَن قَوْله: كَرهُوا الِاغْتِسَال للصَّائِم، رِوَايَة عَن أبي حنيفَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا، وَالْمذهب الْمُخْتَار أَنه لَا يكره، ذكره الْحسن عَن أبي حنيفَة، نبه عَلَيْهِ صَاحب (الْوَاقِعَات) وَذكر فِي (الرَّوْضَة) و (جَوَامِع الْفِقْه) : لَا يكره الِاغْتِسَال وبل الثَّوْب وصب المَاء على الرَّأْس للْحرّ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لقد رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعرج يصب على رَأسه المَاء وَهُوَ صَائِم من الْحر، أَو من الْعَطش) . وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا أَزْهَر عَن ابْن عون: كَانَ ابْن سِيرِين لَا يرى بَأْسا أَن يبل الثَّوْب، ثمَّ يلقيه على وَجهه، وَحدثنَا يحيى ابْن سعيد عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أَنه كَانَ يصب عَلَيْهِ المَاء وَيروح عَنهُ وَهُوَ صَائِم.
وبَلَّ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَوْبا فألْقَاهُ عَلَيْهِ وهُوَ صَائِمٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الثَّوْب المبلول إِذا ألقِي على الْبدن بل الْبدن، فَيُشبه الْبدن الَّذِي سكب عَلَيْهِ المَاء. قَوْله: (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ) ، رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فألقي عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، فَكَأَنَّهُ أَمر غَيره وألقاه عَلَيْهِ. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة وَقعت حَالا. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الله بن أبي عُثْمَان، (قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يبل الثَّوْب ثمَّ يلقيه عَلَيْهِ) ، وَقَالَ بَعضهم: وَأَرَادَ البُخَارِيّ بأثر ابْن عمر هَذَا مُعَارضَة مَا جَاءَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بأقوى مِنْهُ، فَإِن وكيعا روى عَن الْحسن بن صَالح عَن مغيره عَنهُ أَنه كَانَ يكره للصَّائِم بل الثِّيَاب. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل فَأَنَّهُ اعْترف أَن الَّذِي رَوَاهُ إِبْرَاهِيم أقوى من الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، فَكيف تصح الْمُعَارضَة حِينَئِذٍ؟ بل الَّذِي يُقَال: إِنَّه أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا روى عَن ابْن عمر من فعله ذَلِك، فَافْهَم.
ودَخَلَ الشَّعْبِيُّ الحَمَّامَ وهُوَ صَائِمٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: رَأَيْت الشّعبِيّ يدْخل الْحمام وَهُوَ صَائِم.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأسَ أنْ يتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أوِ الشَّيءَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التطعم من الشَّيْء الَّذِي هُوَ إِدْخَال الطَّعَام فِي الْفَم من غير بلغ لَا يضر الصَّوْم، فإيصال المَاء إِلَى الْبشرَة بِالطَّرِيقِ الأولى أَن لَا يضر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَهْ عَنهُ بِلَفْظ: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الْقدر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْعمريّ أَنبأَنَا عبد الله الشريحي أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدثنَا عَليّ بن الجدع أَنبأَنَا شريك عَن سُلَيْمَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَلَفظه: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم بالشَّيْء) ، يَعْنِي المرقة وَنَحْوهَا.
قَوْله: (أَن يتطعم الْقدر) ، بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ الظّرْف الَّذِي يطْبخ فِيهِ الطَّعَام، وَالتَّقْدِير: من طَعَام الْقدر، وَأَرَادَ بقوله: أَو الشَّيْء أَي شَيْء كَانَ من المطعومات، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن إِسْرَائِيل عَن جَابر عَن عَطاء عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يَذُوق الْخلّ أَو الشَّيْء مَا لم يدْخل حلقه وَهُوَ صَائِم، وَعَن الْحسن: لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم الْعَسَل وَالسمن وَنَحْوه ويمجه، وَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء: لَا بَأْس أَن يتطعم الطَّعَام من الْقدر، وَعَن الحكم نَحوه، وَفعله عُرْوَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يحْتَرز عَن ذوق الطَّعَام خوف الْوُصُول إِلَى حلقه. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا لم يدْخل حلقه لَا يفْطر وصومه تَامّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: أكرهه وَلَا يفطره إِن لم يدْخل حلقه، وَهُوَ مثل قَوْلنَا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا بَأْس أَن تمضغ الصائمة لصبيها الطَّعَام، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَكَرِهَهُ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون إلَاّ لمن لم يجد بدا من ذَلِك، وَبِه صرح أَصْحَابنَا. وَفِي (الْمُحِيط) : وَيكرهُ الذَّوْق للصَّائِم وَلَا يفطره، وَفِيه: لَا بَأْس أَن يَذُوق الصَّائِم الْعَسَل أَو الطَّعَام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كَيْلا يغبن فِيهِ مَتى لم يذقه، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَلَا بَأْس للْمَرْأَة أَن تمضغ الطَّعَام لصبيها إِذا لم تَجِد مِنْهُ بدا.
وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالمَضْمَضَةِ والتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمَضْمَضَة جُزْء للْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق بِمَعْنَاهُ قلت: لم يبين ذَلِك، بل روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة خلاف ذَلِك، فَقَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن أَنه كَانَ يكره أَن يمضمض الرجل إِذا أفطر وَإِذا أَرَادَ أَن يشرب. قَوْله: (والتبرد) أَعم من أَن يكون فِي سَائِر جسده أَو فِي بعضه، مثل مَا إِذا تبرد بِالْمَاءِ على وَجهه أَو على رجلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ إذَا كانَ صَوْمُ أحَدِكُمْ فَلْيْصْبحْ دَهِينا مُتَرَجِّلاً
ذكر فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وُجُوه: الأول: أَن الإدهان من اللَّيْل يَقْتَضِي اسْتِصْحَاب أَثَره فِي النَّهَار، وَهُوَ مِمَّا يرطب الدِّمَاغ وَيُقَوِّي النَّفس، فَهُوَ أبلغ من الِاسْتِعَانَة بِبرد الِاغْتِسَال لَحْظَة من النَّهَار، ثمَّ يذهب أَثَره. قلت: هَذَا بعيد جدا، لِأَن الادهان فِي نَفسهَا مُتَفَاوِتَة، وَمَا كل دهن يرطب الدِّمَاغ، بل فِيهَا مَا يضرّهُ، يعرفهُ من ينظر فِي علم الطِّبّ. وَقَوله: أبلغ من الِاسْتِعَانَة ... إِلَى آخِره، غير مُسلم لِأَن الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ لتَحْصِيل الْبُرُودَة والدهن يُقَوي الْحَرَارَة، وَهُوَ ضد ذَاك، فَكيف يَقُول: هُوَ أبلغ ... ؟ إِلَى آخِره. الْوَجْه الثَّانِي: قَالَه بَعضهم: إِن الْمَانِع من الِاغْتِسَال لَعَلَّه سلك بِهِ مَسْلَك اسْتِحْبَاب التقشف فِي الصّيام، كَمَا ورد مثله فِي الْحَج، والادهان والترجل فِي مُخَالفَة التقشف كالاغتسال قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي جَوَاز الِاغْتِسَال لَا فِي مَنعه، وَكَذَلِكَ أثر ابْن مَسْعُود فِي الْجَوَاز لَا فِي الْمَنْع، فَكيف يَجْعَل الْجَوَاز مناسبا للْمَنْع؟ الْوَجْه الثَّالِث مَا قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على من كره الِاغْتِسَال للصَّائِم، لِأَنَّهُ إِن كرهه خشيَة وُصُول المَاء إِلَى حلقه فالعلة بَاطِلَة بالمضمضة وبالسواك وبذوق الْقدر، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن كرهه للرفاهية فقد اسْتحبَّ السّلف للصَّائِم الترفه والتجمل والادهان والكحل وَنَحْو ذَلِك؟ قلت: هَذَا أقرب إِلَى الْقبُول، وَلَكِن تَحْقِيقه أَن يُقَال: إِن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصَّائِم، وَهُوَ فِي ضِيَافَة الله تَعَالَى ينْتَظر الْمَائِدَة، وَمن حَاله هَذِه يحسن لَهُ التطهر والتنظف
والتطيب، وَهَذِه تحصل بالاغتسال والادهان والترجل.
قَوْله: (دهينا) ، على وزن: فعيل، بِمَعْنى مفعول أَي: مدهونا. قَوْله: (مترجلاً) ، من التَّرَجُّل، وَهُوَ تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه، وَكَذَلِكَ الترجيل وَمِنْه أَخذ الْمرجل وَهُوَ الْمشْط، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: يسْتَحبّ للصَّائِم أَن يدهن حَتَّى يذهب عَنهُ غبرة الصَّوْم، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس أَن يدهن الصَّائِم شَاربه، وَمِمَّنْ أجَاز الدّهن للصَّائِم: مطرف وَابْن عبد الحكم وإصبغ، ذكره ابْن حبيب، وَكَرِهَهُ ابْن أبي ليلى.
وَقَالَ أنَسٌ إنَّ لِي أبْزَنا أتَقَحَّمُ فِيه وأنَا صَائِمً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الدُّخُول فِي الإبزَنِ فَوق الِاغْتِسَال، والإبزن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الزَّاي وَفِي آخِره نون: وَهُوَ الْحَوْض. وَقَالَ ابْن قرقول: مثل الْحَوْض الصَّغِير من فخار، وَنَحْوه، وَقيل: هُوَ حجر منقور كالحوض، وَقَالَ أَبُو ذَر: كالقدر يسخن فِيهِ المَاء، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَلذَلِك لَا يصرف. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ شَيْء يتَّخذ من الضفر للْمَاء، لَهُ جَوف. وَفِي كتاب (لُغَة المنصوري) لِابْنِ الحشا، وَمن خطه: أبزن، ضَبطه، بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَهُوَ مستنقع يكون أَكثر ذَلِك فِي الْحمام، وَقد يكون فِي غَيره، ويتخذ من صفر وَمن خشب. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الَّذِي قرأته على جمَاعَة من فضلاء الْأَطِبَّاء، وعد جمَاعَة: أبزن، بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (اتقحم فِيهِ) ، أَي: أَدخل، ومادته: قَاف وحاء مُهْملَة وَمِيم. قَوْله: (وَأَنا صَائِم) جملَة حَالية، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله قَاسم بن ثَابت فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، من طَرِيق عِيسَى بن طهْمَان: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: إِن لي إبزن إِذا وجدت الْحر تقحمت فِيهِ وَأَنا صَائِم.
ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ اسْتَاكَ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يحصل بِهِ تَطْهِير الْفَم، كَمَا ورد فِي الحَدِيث: (السِّوَاك مطهرة للفم) كَمَا يحصل الطهير للبدن بالاغتسال، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تحصل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث الَّذِي ذكره بِصِيغَة التمريض. فَإِن قلت: فِي استنان الصَّائِم إِزَالَة الخلوف الَّذِي هُوَ أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك؟ قلت: إِنَّمَا مدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الخلوف نهيا للنَّاس عَن تعزز مكالمة الصائمين بِسَبَب الخلوف، لَا نهيا للصوام عَن السِّوَاك، وَالله غَنِي عَن وُصُول الرَّائِحَة الطّيبَة إِلَيْهِ، فَعلمنَا يَقِينا أَنه لم يرد بِالنَّهْي اسْتِبْقَاء الرَّائِحَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ نهي النَّاس عَن كراهتها، وروى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم بن عبيد الله (عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ: رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَا أحصي يتَسَوَّك وَهُوَ صَائِم) ، ثمَّ قَالَ: حَدِيث عَامر بن ربيعَة حَدِيث حسن، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن شريك وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان، كِلَاهُمَا عَن عَاصِم، وَلَفظه: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستاك وَهُوَ صَائِم) ، زَاد فِي رِوَايَة: (مَا لَا أعد وَلَا أحصي) . قَالَ صَاحب (الإِمَام) : ومداره على عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) بعد أَن حكى عَن التِّرْمِذِيّ أَنه حسنه: لَكِن مَدَاره على عَاصِم بن عبيد الله وَقد ضعفه الْجُمْهُور، فَلَعَلَّهُ اعتضد. انْتهى. وَقَالَ الْمزي: وَأحسن مَا قيل فِيهِ قَول الْعجلِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَقَول ابْن عدي: هُوَ مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، بعد تَخْرِيجه: عَاصِم بن عبيد الله لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَامر بن ربيعَة قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قلت: حَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب، واسْمه إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان: عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من خير خِصَال الصَّائِم السِّوَاك) ، ومجالد بن سعيد ضعفه الْجُمْهُور، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ.
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أنس وحبان بن الْمُنْذر وخباب بن الْأَرَت وَأبي هُرَيْرَة. فَحَدِيث أنس رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْخَوَارِزْمِيّ، قَاضِي خوارزم، قَالَ: سَأَلت عَاصِمًا الْأَحول، فَقلت: أيستاك الصَّائِم؟ فَقَالَ: نعم، فَقلت: برطب السِّوَاك ويابسة؟ قَالَ: نعم قلت: أول النَّهَار وَآخره؟ قَالَ: نعم. قلت: عَمَّن؟ قَالَ: عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَبُو إِسْحَاق الْخَوَارِزْمِيّ ضَعِيف يبلغ عَن عَاصِم الْأَحول بِالْمَنَاكِيرِ، لَا يحْتَج بِهِ. انْتهى.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي كتاب (الْأَسْمَاء والكنى) فِي تَرْجَمَة أبي إِسْحَاق، وَقَالَ: اسْمه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، مُنكر الحَدِيث. وَحَدِيث حبَان بن الْمُنْذر رَوَاهُ أَبُو بكر الْخَطِيب نَحْو حَدِيث خباب بن الْأَرَت. وَحَدِيث خباب بن الْأَرَت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه من رِوَايَة كيسَان أبي عمر القصاب عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن عَن خباب عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا صمتم فاستاكوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تستاكوا بالْعَشي، فَإِنَّهُ لَيْسَ من صَائِم تيبس شفتاه بالْعَشي إلَاّ كَانَتَا نورا بَين عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كيسَان أَبُو عمر لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد ضعفه يحيى بن معِين والساجي. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عمر بن قيس عَن عَطاء (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: لَك السِّوَاك إِلَى الْعَصْر، فَإِذا صليت الْعَصْر فألقه فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: خلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) . وَعمر بن قيس هُوَ الملقب بِسَنَد مكي مَتْرُوك، قَالَه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا، وَلَكِن الحَدِيث الْمَرْفُوع مِنْهُ صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة.
وَأما اسْتِدْلَال أبي هُرَيْرَة بِهِ على السِّوَاك فَلَيْسَ فِي الصَّحِيح، وَأما حكم السِّوَاك للصَّائِم فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على سِتَّة أَقْوَال: الأول: أَنه لَا بَأْس بِهِ للصَّائِم مُطلقًا قبل الزَّوَال وَبعده، ويروى عَن عَليّ وَابْن عمر أَنه: لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب للصَّائِم، وَرَوَاهُ ذَلِك أَيْضا عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن علية، وَرويت الرُّخْصَة فِي السِّوَاك للصَّائِم عَن عمر وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن علية: السِّوَاك سنة للصَّائِم والمفطر وَالرّطب واليابس سَوَاء. الثَّانِي: كراهيته للصَّائِم بعد الزَّوَال واستحبابه قبله برطب أَو يَابِس، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي أصح قوليه، وَأبي ثَوْر، وَقد رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَرَاهَة السِّوَاك بعد الزَّوَال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. الثَّالِث: كَرَاهَته للصَّائِم بعد الْعَصْر فَقَط، ويروى عَن أبي هُرَيْرَة. الرَّابِع: التَّفْرِقَة بَين صَوْم الْفَرْض وَصَوْم النَّفْل، فَيكْرَه فِي الْفَرْض بعد الزَّوَال وَلَا يكره فِي النَّفْل، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء، حَكَاهُ المَسْعُودِيّ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَحَكَاهُ صَاحب الْمُعْتَمد من الشَّافِعِيَّة عَن القَاضِي حُسَيْن. الْخَامِس: أَنه يكره السِّوَاك للصَّائِم بِالسِّوَاكِ الرطب دون غَيره، سَوَاء أول النَّهَار وَآخره، وَهُوَ قَول مَالك وَأَصْحَابه، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ كَرَاهَة السِّوَاك الرطب للصَّائِم الشّعبِيّ وَزِيَاد بن حدير وَأَبُو ميسرَة وَالْحكم ابْن عتيبة وَقَتَادَة. السَّادِس: كَرَاهَته للصَّائِم بعد الزَّوَال مُطلقًا، وَكَرَاهَة الرطب للصَّائِم مُطلقًا، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ يَسْتَاكُ أوَّلَ النَّهَارِ وآخِرَهُ ولَا يَبْلَعُ رِيقَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا التَّعْلِيق روى مَعْنَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن عبيد الله بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، بِلَفْظ: (كَانَ يستاك إِذا أَرَادَ أَن يروح إِلَى الظّهْر وَهُوَ صَائِم) .
وَقَالَ عَطَاءٌ إِن ازْدَرَدَ رِيقَهُ لَا أقُولُ يُفْطِرُ
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح فِي أثر ابْن عمر الْمَذْكُور: إِن ازدرد، أَي: إِن ابتلع رِيقه بعد التسوك لَا يفْطر، وأصل: ازدرد: ازترد لِأَنَّهُ من: زرد، إِذا بلع فَنقل إِلَى بَاب الافتعال: فَصَارَ: ازترد، ثمَّ قلبت: التَّاء دَالا، فَصَارَ: ازدرد.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ لَا بَأسَ بالسِّوَاكِ الرَّطْبِ قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قَالَ والمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وأنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ
ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبيد بن سهل الفداني عَن عقبَة بن أبي حَمْزَة الْمَازِني، قَالَ: أَتَى مُحَمَّد بن سِيرِين رجل فَقَالَ: مَا ترى فِي السِّوَاك للصَّائِم؟ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ: إِنَّه جَرِيدَة وَله طعم، قَالَ: المَاء لَهُ طعم وَأَنت تمضمض بِهِ. فَإِن قلت: لَا طعم للْمَاء لِأَنَّهُ تفه. قلت: قَالَ الله تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ منى} (الْبَقَرَة: ٩٤٢) . وَقَالَ صَاحب (الْمُجْمل) : الطَّعَام يَقع على كل مَا يُطعم حَتَّى المَاء.
وَلم يَرع أنَسٌ والحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ بالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأسا
أنس هُوَ ابْن مَالك الصَّحَابِيّ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَمَسْأَلَة الْكحل للصَّائِم وَقعت هُنَا اسْتِطْرَادًا لَا قصدا، فَلذَلِك لَا تطلب فِيهَا الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.
أما التَّعْلِيق عَن أنس فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (السّنَن) من طَرِيق عبيد الله أبي بكر بن أنس (عَن أنس: أَنه كَانَ يكتحل وَهُوَ صَائِم) ، وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي عَاتِكَة (عَن أنس: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: اشتكت عَيْني أفأكتحل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْبَاب شَيْء، وَأَبُو عَاتِكَة اسْمه: طريف بن سُلَيْمَان، وَقيل: سُلَيْمَان. وَقيل: اسْمه سلمَان بن طريف. قَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مُنكر الحَدِيث وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: ذَاهِب الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة، وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح لَا بَأْس بِهِ (عَن عَائِشَة، قَالَت: اكتحل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ صَائِم) ، وَفِي (كتاب الصّيام) لِابْنِ أبي عَاصِم بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ من حَدِيث نَافِع (عَن ابْن عمر: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَيناهُ مملوءتان من الإثمد فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبد الرَّحْمَن بن النُّعْمَان بن معبد بن هودة عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَمر بالإثمد المروح عِنْد النّوم، وَقَالَ: ليتَّقِهِ الصَّائِم قلت: قَالَ أَبُو أَبُو دَاوُد: قَالَ لي يحيى بن معِين: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقَالَ الْأَثْرَم عَن أَحْمد) هَذَا حَدِيث مُنكر فَلَا مُعَارضَة حِينَئِذٍ، وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة حبَان بن عَليّ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم، وَمُحَمّد هَذَا قَالَ فِيهِ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء، وروى الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْحَاق: حَدثنَا سعيد بن زيد عَن عَمْرو بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَعَن حبيب بن ثَابت عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: انتظرنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يخرج فِي رَمَضَان إِلَيْنَا، فَخرج من بَيت أم سَلمَة وَقد كحلته وملأت عَيْنَيْهِ كحلاً) . وَلَيْسَ هَذَانِ الحديثان صريحين فِي الْكحل للصَّائِم إِنَّمَا ذكر فيهمَا رَمَضَان فَقَط، وَلَعَلَّه كَانَ فِي رَمَضَان فِي اللَّيْل، وَالله أعلم. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من اكتحل بالإثمد يَوْم عَاشُورَاء لم يرمد أبدا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده ضَعِيف. وَفِيه: روى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، وَالضَّحَّاك لم يلق ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب (فَضَائِل الشُّهُور) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ: صِيَام عَاشُورَاء والاكتحال فِيهِ، قَالَ ابْن نَاصِر: هَذَا حَدِيث حسن عَزِيز، رِجَاله ثِقَات وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح، وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) ، وَقَالَ شَيخنَا: وَالْحق مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، وَأَنه حَدِيث مَوْضُوع. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث بَرِيرَة (قَالَت: رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم) .
وَأما أثر الْحسن فوصله عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ: (لَا بَأْس بالكحل للصَّائِم) .
وَأما أثر إِبْرَاهِيم فَاخْتلف عَنهُ، فروى سعيد بن مَنْصُور عَن جرير (عَن الْقَعْقَاع بن يزِيد: سَأَلت إِبْرَاهِيم: أيكتحل الصَّائِم؟ قَالَ: نعم، قلت: أجد طعم الصَّبْر فِي حلقي؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء) ، وروى عَن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: لَا بَأْس بالكحل للصَّائِم مَا لم يجد طعمه.
وَأما حكم الْمَسْأَلَة فقد اخْتلفُوا فِي الْكحل للصَّائِم فَلم يَرَ الشَّافِعِي بِهِ بَأْسا سَوَاء وجد طعم الْكحل فِي الْحلق أم لَا، وَاخْتلف قَول مَالك فِيهِ فِي الْجَوَاز وَالْكَرَاهَة، قَالَ فِي (الْمُدَوَّنَة) : يفْطر مَا وصل إِلَى الْحلق من الْعين، وَقَالَ أَبُو مُصعب: لَا يفْطر، وَذهب الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى كَرَاهَة الْكحل للصَّائِم، وَحكى عَن أَحْمد أَنه إِذا وجد طعمه فِي الْحلق أفطر، وَعَن عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأبي ثَوْر: يجوز بِلَا كَرَاهَة، وَأَنه لَا يفْطر بِهِ سَوَاء وجد طعمه أم لَا. وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى أَنهم قَالُوا: يبطل صَوْمه. وَقَالَ ابْن قَتَادَة: يجوز بالإثمد، وَيكرهُ بِالصبرِ، وَفِي (سنَن) أبي دَاوُد عَن الْأَعْمَش قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا من أَصْحَابنَا يكره الْكحل للصَّائِم.
٣٨ - (حَدثنَا أَحْمد بن صَالح قَالَ حَدثنَا ابْن وهب قَالَ حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَأبي بكر قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُدْرِكهُ الْفجْر //
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ولابن عساكر: «حدَّثني» (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(ح): للتَّحويل: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) «إن»: مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، دخلت على الجملة الفعليَّة فيجب إهمالها، واللَّام في قوله: (لَيُقَبِّلُ) للتَّأكيد، وهي مفتوحةٌ (بَعْضَ أَزْوَاجِهِ) هي (١) عائشة نفسها كما في «مسلمٍ»، أو أمُّ سلمة كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٢] (وَهُوَ صَائِمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (ثُمَّ ضَحِكَتْ) تنبيهًا على أنَّها صاحبة القصَّة ليكون ذلك أبلغ في الثِّقة بها، أو تعجُّبًا ممَّن خالفها في ذلك، أو تعجَّبت من نفسها إذ حدَّثت بمثل هذا ممَّا يُستحيَا من ذكر النِّساء مثله للرِّجال، ولكنَّها ألجأتها الضَّرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، أو سرورًا (٢) بمكانها من الرَّسول (٣) ﷺ ومحبَّته لها، وقد روى ابن أبي شيبة عن شريكٍ عن هشامٍ: فضحكت، وظنَّنا أنَّها هي.
١٩٢٩ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) سَنْبَرٍ-بمهملةٍ مفتوحةٍ فنونٍ ساكنةٍ فمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ (٥) وزن «جَعْفَرٍ» - الدَّسْتَُوائيِّ، أي: بفتح الدَّال وسكون السِّين المهملتين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة ممدودًا، قال:
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ) الصَّحابيَّة (عَنْ أُمِّهَا) أمِّ سلمة هند بنت أبي أميَّة، أمِّ المؤمنين (﵄ قَالَتْ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ) بفتح الخاء المعجمة: ثوبٌ من صوفٍ له علمٌ (إِذْ حِضْتُ) جواب «بينما» (فَانْسَلَلْتُ) ذهبت في خفيةٍ لئلَّا يصيبه ﵊ شيءٌ من دمها، أو تقذَّرت نفسها أن تضاجعه وهي بهذه الحالة (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المشهور، أي: ثيابي التي أعددتها (١) لألبسها حالة الحيض (فَقَالَ) ﵊: (مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟) بفتح النُّون، ولأبي ذرٍّ: «أنُفِسْتِ» بضمِّها، أي: أحضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) حضت، زاد في «باب من سمَّى النِّفاس حيضًا» [خ¦٢٩٨] من «كتاب الحيض»: فدعاني (فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) وكلاهما جنبٌ (وَكَانَ) ﵊ (يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) لأنَّ ذلك لا يؤثِّر فيه لشدَّة تقواه وورعه، فكلُّ من أمن على نفسه الإنزال أو الجماع كان في معناه، فيلتحق به في حكمه، ومن ليس في معناه فهو مغايرٌ له في هذا الحكم، وهذا أرجح الأقوال، وقد أجمع العلماء: على أنَّ من كره القبلة لم يكرهها لنفسها، وإنَّما كرهها خشية ما تؤول إليه من الإنزال، ومن بديع ما رُوِي في ذلك: حديث عمر بن الخطَّاب أنَّه قال: هَشَشْتُ فقبَّلت وأنا صائمٌ، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبَّلت (٢) وأنا صائمٌ، قال: «أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائمٌ؟» قلت: لا بأسَ، قال: «فَمَهْ؟» رواه أبو داود والنَّسائيُّ، قال النَّسائيُّ: مُنكَرٌ، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم، قال المازريُّ: فأشار إلى فقهٍ بديعٍ وذلك أنَّ (٣) المضمضة لا تنقض الصَّوم وهي أوَّل الشُّرب ومفتاحه كما أنَّ القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشُّرب يفسد الصَّوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشُّرب لا تفسد (٤) الصِّيام (٥) فكذلك أوائل الجماع، ولو قبَّل فأمذى -بالذَّال المعجمة- لم يكن عليه
شيءٌ عند (١) الشَّافعية والحنفيَّة، وقال مالكٌ: عليه القضاء، وقال متأخِّرو (٢) أصحابه البغداديُّون: القضاء هنا استحبابٌ، وحكى ابن قدامة: الفطر فيه عن أحمد، ثمَّ (٣) إنَّ (٤) المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، لكن قال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: سواءٌ قبَّل الفم أو الخدَّ أو غيرهما.
وهذا الحديث قد سبق في «باب من سمَّى النِّفاس حيضًا» [خ¦٢٩٨].
(٢٥) (بَابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ، وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄) فيما رواه ابن أبي شيبة (ثَوْبًا) بالماء (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأُلقِي عليه» مبنيًّا للمفعول، وكأنَّه أمر غيره فألقاه عليه، ووجه المطابقة: أنَّ الثَّوب المبلول إذا أُلقِي على البدن بَلَّهُ، فيشبه ما إذا صبَّ عليه الماء.
(وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (الحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ) رواه ابن أبي شيبة موصولًا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ) بكسر القاف: ما يُطبَخ فيه، أي: من طعام القدر (أَوِ الشَّيْءَ) من المطعومات، فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، وهذا وصله ابن أبي شيبة ورواه البيهقيُّ، ووجه مطابقته (٥) من حيث إنَّ التَّطعُّم من الشَّيء الذي هو إدخال الطَّعام في الفم من
غير بلعٍ لا يضرُّ الصَّوم، فإيصال الماء إلى البشرة بالطَّريق الأَولى ألَّا يضرَّ (١).
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ بِالمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ) قال العينيُّ: مطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ المضمضة جزءٌ من الغسل، وقال في «فتح الباري»: وصله عبد الرَّزَّاق بمعناه (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ) ولأبي ذرٍّ: «إذا كان يوم صوم» (أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا) أي: مدهونًا، «فعيلًا» بمعنى: «مفعولٍ» (مُتَرَجِّلًا) من التَّرجُّل؛ وهو تسريح الشَّعر وتنظيفه، وقول الحافظ ابن حجرٍ: في وجه المطابقة هي أنَّ المانع من الاغتسال لعلَّه سلك به مسلك استحباب التَّقشُّف في الصِّيام كما ورد مثله في الحجِّ، فالادِّهان والتَّرجُّل في مخالفة التَّقشُّف كالاغتسال، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ التَّرجمة في جواز الاغتسال لا في منعه، وكذلك أثر ابن مسعودٍ في الجواز لا في المنع، فكيف يُجعَل الجواز مناسبًا للمنع (٢). انتهى. وقال ابن المُنيِّر الكبير: أراد البخاريُّ الرَّدَّ على من كره الاغتسال للصَّائم لأنَّه إن كرهه خشية وصول الماء حَلْقَه فالعلَّة باطلةٌ بالمضمضة والسِّواك وبذوق القدر ونحو ذلك، وإن كرهه للرَّفاهية فقد استحبَّ السَّلف للصَّائم التَّرفُّه والتَّجمُّل بالتَّرجُّل (٣) والادِّهان والكحل ونحو ذلك ولذلك ساق هذه الآثار (٤)، قال العينيُّ: وهذا أقرب إلى القبول.
(وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ ﵁، ممَّا وصله قاسم بن ثابتٍ في «غريب الحديث» له: (إِنَّ لِي أَبْزَنًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الزَّاي آخره نونٌ، وقال عياضٌ: بكسر الهمزة أيضًا وفي «القاموس»: بتثليثها، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها بقصر الهمزة، قال البرماويُّ: وهو يدلُّ على أنَّه بالمدِّ والقصر منصوبٌ على أنَّه اسم «إنَّ»، ولأبي ذرٍّ: «أبزنٌ» بالرفع، قال الزَّركشيُّ: على أنَّ اسم «إنَّ» ضمير الشَّأن، والجملة بعدها مبتدأٌ وخبرٌ في موضع رفعٍ على أنَّها (٥) خبر «إنَّ»، وضعَّفه في «المصابيح»، والرِّوايتان في الفرع: مُنوَّنتان (٦)، وفي غيره: بغير تنوينٍ لأنَّه فارسيٌّ فلذا (٧) لم
يصرف، قال الكِرمانيُّ: هي (١) كلمةٌ مركَّبةٌ من «أب»؛ وهو الماء، ومن «زن» وهو المرأة لأنَّ ذلك تتَّخذه النِّساء غالبًا، وحيث عُرِّب أُعرِب، قال في «القاموس»: هو حوضٌ يغتسل فيه وقد يُتَّخذ من نحاسٍ. انتهى. (أَتَقَحَّمُ) بفتح الهمزة والفوقيَّة والمهملة المُشدَّدة بعدها ميمٌ، أي: ألقي نفسي (فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ) إذا وجدت الحرِّ أتبرَّد بذلك (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ) رواه أبو داود وغيره من حديث عامر بن ربيعة عن أبيه، وحسَّنه التِّرمذيُّ، لكن قال النَّوويُّ في «الخلاصة»: مداره على عاصم بن عبيد الله، وقد ضعَّفه الجمهور، فلعلَّه اعتُضِد، ومطابقة الحديث للتَّرجمة: قيل: من حيث إنَّ السِّواك مطهرةٌ للفم كما أنَّ الاغتسال مطهِّرٌ (٢) للبدن. وسقط قوله: «ويُذكَر .... » إلى آخره عند ابن عساكر.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يَسْتَاكُ) الصَّائم (أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ) ولأبي ذرٍّ -ونسبه في «الفتح» لنسخة الصَّغانيِّ-: «ولا يبلع ريقه» وهو ساقطٌ عند ابن عساكر (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح: (إِنِ ازْدَرَدَ) أي: ابتلع (رِيقَهُ لَا أَقُولُ: يُفْطِرُ) به، إذا كان طاهرًا صِرْفًا ولم ينفصل من معدنه؛ لعسر التَّحرُّز عنه، وخرج بالطَّاهر: النَّجسُ؛ كما لو دميت لثَته وإن صفا، وبالصِّرف: المخلوطُ بغيره وإن كان طاهرًا، فلو نزل معه، أي: مع ريقه الطَّاهر شيءٌ من بين أسنانه إلى جوفه بطل صومه إن أمكنه مجُّه لكونه غير صِرْفٍ، وقال الحنفيَّة: إذا ابتلع قدرًا يسيرًا من الطَّعام من بين أسنانه ذاكرًا لصومه لا يفسد عندنا لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه عادةً، فصار بمنزلة ريقه، والكثير يمكن الاحتراز عنه، وسقط قوله: «وقال عطاءٌ … » إلى آخره في رواية ابن عساكر.
(وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (لَا بَأْسَ) أن يتسوَّك (بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ، قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ؟ قَالَ) ابن سيرين: (وَالمَاءُ لَهُ طَعْمٌ، وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ) فاكَ؛ بضمِّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قلَابَة (عَن مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلت عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ: مَا يحل للرجل من امْرَأَته صَائِما؟ فَقَالَ: (كل شَيْء إلَاّ الْجِمَاع) ، وَأَبُو مرّة اسْمه: يزِيد مولى عقيل بن أبي طَالب، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَحَكِيم بن عقال الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان.
٤٢ - (بابُ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقبْلَة للصَّائِم.
وَقَالَ جابِرُ بنُ زَيْدٍ إنْ نَظَرَ فأمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ
جَابر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ، وَقد تقدم، وَهَذَا الْأَثر وَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر فِي آخر الْبَاب السَّابِق، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَمْرو بن هرم، سُئِلَ جَابر بن زيد فَذكره.
٨٢٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرنِي أبِي عنْ عائِشةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامٍ عَن أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أزْوَاجِهِ وهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِكَتْ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ليقبل بعض أَزوَاجه وَهُوَ صَائِم) ، وَهَذَا الْفِعْل هُوَ الْمُبَاشرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد.
قَوْله:
(إِن كَانَ) ، كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة فَتدخل على الجملتين، فَإِن دخلت على الإسمية جَازَ إعمالها خلافًا للكوفيين، وَإِن دخلت على الفعلية وَجب إعمالها، وَالْأَكْثَر كَون الْفِعْل مَاضِيا نَاسِخا، وَهنا كَذَلِك. قَوْله: (ليقبل) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة حَالية. قَوْله: (ثمَّ ضحِكت) قيل: كَانَ ضحكها تَنْبِيها على أَنَّهَا صَاحِبَة الْقَضِيَّة ليَكُون أبلغ فِي الثِّقَة بحديثها. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: يحْتَمل ضحكها التَّعَجُّب مِمَّا خَالفه فِيهِ أَو من نَفسهَا حَيْثُ جَاءَت بِمثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي يستحي من ذكره، لَا سِيمَا حَدِيث الْمَرْأَة عَن نَفسهَا للرِّجَال: لَكِنَّهَا اضطرت إِلَى ذكره لتبليغ الحَدِيث، فتعجبت من ضَرُورَة الْحَال المضطرة لَهَا إِلَى ذَلِك، وَقيل: ضحِكت سُرُورًا بتذكر مَكَانهَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحالها مَعَه.
ذكر بَيَان الْخلاف فِي هَذَا الْبَاب: ذهب شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو قلَابَة وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة ومسروق ابْن الأجدع وَعبد الله بن شبْرمَة إِلَى أَنه لَيْسَ للصَّائِم أَن يُبَاشر الْقبْلَة فَإِن قبل فقد أفطر وَعَلِيهِ أَن يقْضِي يَوْمًا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا الْفضل بن دُكَيْن عَن إِسْرَائِيل عَن زيد بن جُبَير عَن أبي يزِيد الضني (عَن مَيْمُونَة، مولاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رجل قبل امْرَأَته وهما صائمان؟ قَالَ: قد أفطرا) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَلَفظه: (عَن مَيْمُونَة بنت سعد قَالَت: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْقبْلَة للصَّائِم؟ فَقَالَ: أفطرا جَمِيعًا) . وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو يزِيد الضني، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة: نِسْبَة إِلَى ضنة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَقَالَ ابْن حزم: مَجْهُول، ومَيْمُونَة بنت سعد، وَقيل: سعيد، خَادِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرجه ابْن حزم وَلَفظه: عَن مَيْمُونَة بنت عقبَة مولاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يثبت هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا قَالَ السُّهيْلي وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ يَعْنِي البُخَارِيّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أحدث بِهِ، وَأَبُو يزِيد لَا أعرف اسْمه وَهُوَ رجل مَجْهُول. قَوْله: (قد أفطرا) ، أَي: المقبِّل والمقبَّل كِلَاهُمَا أفطرا، يَعْنِي: انْتقض صومهما، وَقَالَ أَبُو عمر: وَمِمَّنْ كره الْقبْلَة للصَّائِم عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَعُرْوَة بن الزبير، وَقد رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِن عروق الخصيتين معلقَة بالأنف، فَإِذا وجد الرّيح تحرّك، وَإِذا تحرّك دعِي إِلَى مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، وَالشَّيْخ أملك لأربه، وَكره مَالك الْقبْلَة للصَّائِم فِي رَمَضَان للشَّيْخ والشاب، وَعَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه أرخص فِيهَا للشَّيْخ، وكرهها للشاب. وَقَالَ عِيَاض: مِنْهُم من أَبَاحَهَا على الْإِطْلَاق، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد من الْفُقَهَاء، وَمِنْهُم من كرهها على الْإِطْلَاق وَهُوَ مَشْهُور قَول مَالك، وَمِنْهُم من كرهها للشاب وأباحها للشَّيْخ وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَحَكَاهُ الْخطابِيّ عَن مَالك، وَمِنْهُم من أَبَاحَهَا فِي النَّفْل ومنعها فِي الْفَرْض، وَهِي رِوَايَة ابْن وهب عَن مَالك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن حركت الْقبْلَة الشَّهْوَة فَهِيَ حرَام على الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا، وَقيل: مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِي فروعهم: لَا بَأْس بالقبلة والمعانقة إِذا أَمن على نَفسه أَو كَانَ شَيخا كَبِيرا، وَيكرهُ لَهُ مس فرجهَا، وَعَن أبي حنيفَة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الْفَاحِشَة بِلَا ثوب والتقبيل الْفَاحِش مَكْرُوه وَهُوَ أَن يمضغ شفتيها، قَالَه مُحَمَّد. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من طَرِيق مصدع أبي يحيى (عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبلهَا ويمص لسانها) . قلت: كلمة: ويمص، لسانها غير مَحْفُوظَة، وَإِسْنَاده ضَعِيف، والآفة من مُحَمَّد بن دِينَار عَن سعد بن أَوْس عَن مصدع، وَتفرد بِهِ أَبُو دَاوُد، وَحكى ابْن الْأَعرَابِي عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَعَن يحيى بن مُحَمَّد بن دِينَار: وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ تغير قبل أَن يَمُوت، وَسعد بن أَوْس ضعفه يحيى أَيْضا. قيل: على تَقْدِير صِحَة الحَدِيث يجوز أَن يكون التَّقْبِيل وَهُوَ صَائِم فِي وَقت، والمص فِي وَقت آخر، وَيجوز أَن يمصه وَلَا يبتلعه، وَلِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق انْفِصَال مَا على لسانها من البلل، وَفِيه نظر لَا يخفى. وَقَالَ ابْن قدامَة: إِن قبَّل فأمنى أفطر بِلَا خلاف، فَإِن أمذى أفطر عندنَا وَعند مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا يفْطر، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، واللمس بِشَهْوَة كالقبلة، فَإِن كَانَ بِغَيْر شَهْوَة فَلَيْسَ مَكْرُوها بِحَال.
وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَائِشَة من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يقبل فِي شهر الصَّوْم) ، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب وَحَفْصَة وَأبي سعيد وَأم سَلمَة
وَابْن عَبَّاس وَأنس وَأبي هُرَيْرَة. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَأم حَبِيبَة ومَيْمُونَة زَوجي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ومَيْمُونَة بنت سعد مولاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرجل من الْأَنْصَار عَن امْرَأَته.
أما حَدِيث عَائِشَة فَروِيَ من طرق عديدة حَتَّى إِن الطَّحَاوِيّ أخرجه من عشْرين طَرِيقا. وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: (قَالَ عمر ابْن الْخطاب: هششت فَقبلت وَأَنا صَائِم، فَقلت: يَا رَسُول الله صنعت الْيَوْم أمرا عَظِيما {قبلت وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو مضمضت من المَاء وَأَنت صَائِم؟ قلت: لَا بَأْس} قَالَ: فَمه) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ) صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث حَفْصَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة، قَالَت: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ قَالَ: (رخص رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث أم سَلمَة فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة عبد ربه بن سعيد عَن عبد الله بن كَعْب الْحِمْيَرِي (عَن عمر بن أبي سَلمَة، أَنه قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيقبل الصَّائِم؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سل هَذِه لأم سَلمَة فَأَخْبَرته أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يصنع ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله {قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما وَالله إِنِّي لأتقاكم لله وأخشاكم لَهُ) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) وروى البُخَارِيّ عَنْهَا أَيْضا على مَا سَيَأْتِي. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ القَاضِي يُوسُف بن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن حَرْب، حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، قَالَ: حَدثنِي رجل من بني سدوس، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصِيب من الرؤوس وَهُوَ صَائِم، يَعْنِي الْقبل) . وروينا هَذَا الحَدِيث عَن شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله، قَالَ: أَخْبرنِي بِهِ أَبُو المظفر مُحَمَّد بن يحيى الْقرشِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ: أخبرنَا عبد الرَّحِيم بن يُوسُف ابْن الْمعلم أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد الْمُؤَدب أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ أخبرنَا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن كيسَان أخبرنَا يُوسُف بن يَعْقُوب القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث أنس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه قَالَ: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيقبل الصَّائِم؟ قَالَ: وَمَا بَأْس ذَلِك؟ رَيْحَانَة يشمها) . وَرِجَاله ثِقَات. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي العنبس عَن الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل حَدِيث قبله، وَأَبُو العنبس اسْمه محَارب بن عبيد بن كَعْب.
وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (كتاب الْعِلَل) فَقَالَ: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ قيس بن حَفْص بن قيس بن الْقَعْقَاع الدَّارمِيّ: حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد حَدثنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شيتر بن شكل (عَن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) ثمَّ قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى عَن شُتَيْر بن شكل عَن حَفْصَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) فِي تَرْجَمَة غَالب بن عبد الله الْجَزرِي (عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم وَلَا يُعِيد الْوضُوء) ، وغالب الْجَزرِي ضَعِيف. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء شَاب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله} أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فجَاء شيخ فَقَالَ: أقبل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم. قَالَ فَنظر بَعْضنَا إِلَى بعض، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قد علمت لم نظر بَعْضكُم إِلَى بعض، إِن الشَّيْخ يملك نَفسه) . وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. وَأما حَدِيث أم حَبِيبَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنْهَا: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم) قَالَ النَّسَائِيّ: الصَّوَاب عَن حَفْصَة. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبِّل وَهُوَ صَائِم) . قَالَ أَبُو زرْعَة: رَوَاهُ هَكَذَا عَمْرو بن أبي قيس وَهُوَ خطأ، وَرَوَاهُ الثَّوْريّ وَآخَرُونَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأما حَدِيث مَيْمُونَة مولاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه وَقد ذَكرْنَاهُ. وَأما حَدِيث الرجل الْأنْصَارِيّ عَن امْرَأَته، فَأخْرجهُ أَحْمد مطولا، وَفِيه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفعل ذَلِك) .
فَإِن قلت: قَوْله: (يقبل وَهُوَ صَائِم) ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: كَانَ يقبل فِي شهر
الصَّوْم، وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون فِي رَمَضَان، لِأَنَّهُ شهر الصَّوْم، وَقد جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة مُسلم: (كَانَ يقبل فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: لَا يلْزم من قَوْله: (فِي رَمَضَان) ، أَن يكون بِالنَّهَارِ؟ قلت: فِي رِوَايَة عَن عَائِشَة فِي (الصَّحِيحَيْنِ) (كَانَ يقبل ويباشر وَهُوَ صَائِم) ، فَبين أَن ذَلِك فِي حَالَة الصّيام.
٩٢٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ هِشَامِ بنِ أبِي عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عنْ أُمِّهَا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ بَيْنَمَا أنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَمِيلَةِ إذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ فأخَذْتُ ثَيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ مَا لَكِ أنَفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ فدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ وكانَتْ هِيَ ورسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ وكانَ يُقَبِّلُها وهُوَ صَائِمٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم) ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب من سمى النّفاس حيضا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مكي بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام ... إِلَى آخِره، وَزَاد هُنَا، قَوْله: (وَكَانَت هِيَ) إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ: (بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُضْطَجِعَة فِي خميصة) ، وَهنا: (فَدخلت مَعَه فِي الخميلة) ، وَهُنَاكَ: (فاضطجعت مَعَه فِي الخميلة) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والخميلة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: ثوب من صوف لَهُ علم. قَوْله: (حيضتي) بِكَسْر الْحَاء، قَوْله: (أنفست؟) الصَّحِيح فِيهِ أَنه بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء: مَعْنَاهُ أحضتِ؟ وَبَقِيَّة المباحث مرت هُنَاكَ.
٥٢ - (بابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاغْتِسَال للصَّائِم وَهُوَ جَوَازه، قيل: إِنَّمَا أطلق الِاغْتِسَال ليشْمل جَمِيع أَنْوَاعه من الْفَرْض وَالسّنة وَغَيرهمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضعف مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من النَّهْي عَن دُخُول الصَّائِم الْحمام، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وَفِي إِسْنَاده ضعف، وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة فكرهوا الِاغْتِسَال للصَّائِم. انْتهى. قلت: قَوْله: كَأَنَّهُ يُشِير، كَلَام كَاد أَن يكون عَبَثا، لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يُرَاد بِالْإِشَارَةِ مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَلَا مَعْنَاهَا الاصطلاحي، وَقَوله: وَاعْتَمدهُ الْحَنَفِيَّة، غير صَحِيح على إِطْلَاقه، لِأَن قَوْله: كَرهُوا الِاغْتِسَال للصَّائِم، رِوَايَة عَن أبي حنيفَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا، وَالْمذهب الْمُخْتَار أَنه لَا يكره، ذكره الْحسن عَن أبي حنيفَة، نبه عَلَيْهِ صَاحب (الْوَاقِعَات) وَذكر فِي (الرَّوْضَة) و (جَوَامِع الْفِقْه) : لَا يكره الِاغْتِسَال وبل الثَّوْب وصب المَاء على الرَّأْس للْحرّ، وروى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لقد رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالعرج يصب على رَأسه المَاء وَهُوَ صَائِم من الْحر، أَو من الْعَطش) . وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا أَزْهَر عَن ابْن عون: كَانَ ابْن سِيرِين لَا يرى بَأْسا أَن يبل الثَّوْب، ثمَّ يلقيه على وَجهه، وَحدثنَا يحيى ابْن سعيد عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ أَنه كَانَ يصب عَلَيْهِ المَاء وَيروح عَنهُ وَهُوَ صَائِم.
وبَلَّ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَوْبا فألْقَاهُ عَلَيْهِ وهُوَ صَائِمٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الثَّوْب المبلول إِذا ألقِي على الْبدن بل الْبدن، فَيُشبه الْبدن الَّذِي سكب عَلَيْهِ المَاء. قَوْله: (فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ) ، رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (فألقي عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، فَكَأَنَّهُ أَمر غَيره وألقاه عَلَيْهِ. قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) جملَة وَقعت حَالا. هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الله بن أبي عُثْمَان، (قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يبل الثَّوْب ثمَّ يلقيه عَلَيْهِ) ، وَقَالَ بَعضهم: وَأَرَادَ البُخَارِيّ بأثر ابْن عمر هَذَا مُعَارضَة مَا جَاءَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بأقوى مِنْهُ، فَإِن وكيعا روى عَن الْحسن بن صَالح عَن مغيره عَنهُ أَنه كَانَ يكره للصَّائِم بل الثِّيَاب. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير تَأمل فَأَنَّهُ اعْترف أَن الَّذِي رَوَاهُ إِبْرَاهِيم أقوى من الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا، فَكيف تصح الْمُعَارضَة حِينَئِذٍ؟ بل الَّذِي يُقَال: إِنَّه أَرَادَ بِهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا روى عَن ابْن عمر من فعله ذَلِك، فَافْهَم.
ودَخَلَ الشَّعْبِيُّ الحَمَّامَ وهُوَ صَائِمٌ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: رَأَيْت الشّعبِيّ يدْخل الْحمام وَهُوَ صَائِم.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأسَ أنْ يتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أوِ الشَّيءَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التطعم من الشَّيْء الَّذِي هُوَ إِدْخَال الطَّعَام فِي الْفَم من غير بلغ لَا يضر الصَّوْم، فإيصال المَاء إِلَى الْبشرَة بِالطَّرِيقِ الأولى أَن لَا يضر، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَهْ عَنهُ بِلَفْظ: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الْقدر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْعمريّ أَنبأَنَا عبد الله الشريحي أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدثنَا عَليّ بن الجدع أَنبأَنَا شريك عَن سُلَيْمَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَلَفظه: (لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم بالشَّيْء) ، يَعْنِي المرقة وَنَحْوهَا.
قَوْله: (أَن يتطعم الْقدر) ، بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ الظّرْف الَّذِي يطْبخ فِيهِ الطَّعَام، وَالتَّقْدِير: من طَعَام الْقدر، وَأَرَادَ بقوله: أَو الشَّيْء أَي شَيْء كَانَ من المطعومات، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن إِسْرَائِيل عَن جَابر عَن عَطاء عَنهُ قَالَ: لَا بَأْس أَن يَذُوق الْخلّ أَو الشَّيْء مَا لم يدْخل حلقه وَهُوَ صَائِم، وَعَن الْحسن: لَا بَأْس أَن يتطاعم الصَّائِم الْعَسَل وَالسمن وَنَحْوه ويمجه، وَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء: لَا بَأْس أَن يتطعم الطَّعَام من الْقدر، وَعَن الحكم نَحوه، وَفعله عُرْوَة. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يحْتَرز عَن ذوق الطَّعَام خوف الْوُصُول إِلَى حلقه. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا لم يدْخل حلقه لَا يفْطر وصومه تَامّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ مَالك: أكرهه وَلَا يفطره إِن لم يدْخل حلقه، وَهُوَ مثل قَوْلنَا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا بَأْس أَن تمضغ الصائمة لصبيها الطَّعَام، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَكَرِهَهُ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون إلَاّ لمن لم يجد بدا من ذَلِك، وَبِه صرح أَصْحَابنَا. وَفِي (الْمُحِيط) : وَيكرهُ الذَّوْق للصَّائِم وَلَا يفطره، وَفِيه: لَا بَأْس أَن يَذُوق الصَّائِم الْعَسَل أَو الطَّعَام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كَيْلا يغبن فِيهِ مَتى لم يذقه، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَلَا بَأْس للْمَرْأَة أَن تمضغ الطَّعَام لصبيها إِذا لم تَجِد مِنْهُ بدا.
وَقَالَ الحَسَنُ لَا بأسَ بالمَضْمَضَةِ والتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمَضْمَضَة جُزْء للْغسْل، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق بِمَعْنَاهُ قلت: لم يبين ذَلِك، بل روى عَنهُ ابْن أبي شيبَة خلاف ذَلِك، فَقَالَ: حَدثنِي عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن أَنه كَانَ يكره أَن يمضمض الرجل إِذا أفطر وَإِذا أَرَادَ أَن يشرب. قَوْله: (والتبرد) أَعم من أَن يكون فِي سَائِر جسده أَو فِي بعضه، مثل مَا إِذا تبرد بِالْمَاءِ على وَجهه أَو على رجلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ إذَا كانَ صَوْمُ أحَدِكُمْ فَلْيْصْبحْ دَهِينا مُتَرَجِّلاً
ذكر فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وُجُوه: الأول: أَن الإدهان من اللَّيْل يَقْتَضِي اسْتِصْحَاب أَثَره فِي النَّهَار، وَهُوَ مِمَّا يرطب الدِّمَاغ وَيُقَوِّي النَّفس، فَهُوَ أبلغ من الِاسْتِعَانَة بِبرد الِاغْتِسَال لَحْظَة من النَّهَار، ثمَّ يذهب أَثَره. قلت: هَذَا بعيد جدا، لِأَن الادهان فِي نَفسهَا مُتَفَاوِتَة، وَمَا كل دهن يرطب الدِّمَاغ، بل فِيهَا مَا يضرّهُ، يعرفهُ من ينظر فِي علم الطِّبّ. وَقَوله: أبلغ من الِاسْتِعَانَة ... إِلَى آخِره، غير مُسلم لِأَن الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ لتَحْصِيل الْبُرُودَة والدهن يُقَوي الْحَرَارَة، وَهُوَ ضد ذَاك، فَكيف يَقُول: هُوَ أبلغ ... ؟ إِلَى آخِره. الْوَجْه الثَّانِي: قَالَه بَعضهم: إِن الْمَانِع من الِاغْتِسَال لَعَلَّه سلك بِهِ مَسْلَك اسْتِحْبَاب التقشف فِي الصّيام، كَمَا ورد مثله فِي الْحَج، والادهان والترجل فِي مُخَالفَة التقشف كالاغتسال قلت: هَذَا أبعد من الأول، لِأَن التَّرْجَمَة فِي جَوَاز الِاغْتِسَال لَا فِي مَنعه، وَكَذَلِكَ أثر ابْن مَسْعُود فِي الْجَوَاز لَا فِي الْمَنْع، فَكيف يَجْعَل الْجَوَاز مناسبا للْمَنْع؟ الْوَجْه الثَّالِث مَا قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على من كره الِاغْتِسَال للصَّائِم، لِأَنَّهُ إِن كرهه خشيَة وُصُول المَاء إِلَى حلقه فالعلة بَاطِلَة بالمضمضة وبالسواك وبذوق الْقدر، وَنَحْو ذَلِك، وَإِن كرهه للرفاهية فقد اسْتحبَّ السّلف للصَّائِم الترفه والتجمل والادهان والكحل وَنَحْو ذَلِك؟ قلت: هَذَا أقرب إِلَى الْقبُول، وَلَكِن تَحْقِيقه أَن يُقَال: إِن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصَّائِم، وَهُوَ فِي ضِيَافَة الله تَعَالَى ينْتَظر الْمَائِدَة، وَمن حَاله هَذِه يحسن لَهُ التطهر والتنظف
والتطيب، وَهَذِه تحصل بالاغتسال والادهان والترجل.
قَوْله: (دهينا) ، على وزن: فعيل، بِمَعْنى مفعول أَي: مدهونا. قَوْله: (مترجلاً) ، من التَّرَجُّل، وَهُوَ تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه، وَكَذَلِكَ الترجيل وَمِنْه أَخذ الْمرجل وَهُوَ الْمشْط، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: يسْتَحبّ للصَّائِم أَن يدهن حَتَّى يذهب عَنهُ غبرة الصَّوْم، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس أَن يدهن الصَّائِم شَاربه، وَمِمَّنْ أجَاز الدّهن للصَّائِم: مطرف وَابْن عبد الحكم وإصبغ، ذكره ابْن حبيب، وَكَرِهَهُ ابْن أبي ليلى.
وَقَالَ أنَسٌ إنَّ لِي أبْزَنا أتَقَحَّمُ فِيه وأنَا صَائِمً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الدُّخُول فِي الإبزَنِ فَوق الِاغْتِسَال، والإبزن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الزَّاي وَفِي آخِره نون: وَهُوَ الْحَوْض. وَقَالَ ابْن قرقول: مثل الْحَوْض الصَّغِير من فخار، وَنَحْوه، وَقيل: هُوَ حجر منقور كالحوض، وَقَالَ أَبُو ذَر: كالقدر يسخن فِيهِ المَاء، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَلذَلِك لَا يصرف. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ شَيْء يتَّخذ من الضفر للْمَاء، لَهُ جَوف. وَفِي كتاب (لُغَة المنصوري) لِابْنِ الحشا، وَمن خطه: أبزن، ضَبطه، بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَهُوَ مستنقع يكون أَكثر ذَلِك فِي الْحمام، وَقد يكون فِي غَيره، ويتخذ من صفر وَمن خشب. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : الَّذِي قرأته على جمَاعَة من فضلاء الْأَطِبَّاء، وعد جمَاعَة: أبزن، بِضَم الْهمزَة. قَوْله: (اتقحم فِيهِ) ، أَي: أَدخل، ومادته: قَاف وحاء مُهْملَة وَمِيم. قَوْله: (وَأَنا صَائِم) جملَة حَالية، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله قَاسم بن ثَابت فِي (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ، من طَرِيق عِيسَى بن طهْمَان: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: إِن لي إبزن إِذا وجدت الْحر تقحمت فِيهِ وَأَنا صَائِم.
ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ اسْتَاكَ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يحصل بِهِ تَطْهِير الْفَم، كَمَا ورد فِي الحَدِيث: (السِّوَاك مطهرة للفم) كَمَا يحصل الطهير للبدن بالاغتسال، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تحصل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين الحَدِيث الَّذِي ذكره بِصِيغَة التمريض. فَإِن قلت: فِي استنان الصَّائِم إِزَالَة الخلوف الَّذِي هُوَ أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك؟ قلت: إِنَّمَا مدح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الخلوف نهيا للنَّاس عَن تعزز مكالمة الصائمين بِسَبَب الخلوف، لَا نهيا للصوام عَن السِّوَاك، وَالله غَنِي عَن وُصُول الرَّائِحَة الطّيبَة إِلَيْهِ، فَعلمنَا يَقِينا أَنه لم يرد بِالنَّهْي اسْتِبْقَاء الرَّائِحَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ نهي النَّاس عَن كراهتها، وروى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم بن عبيد الله (عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ: رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لَا أحصي يتَسَوَّك وَهُوَ صَائِم) ، ثمَّ قَالَ: حَدِيث عَامر بن ربيعَة حَدِيث حسن، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن شريك وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان، كِلَاهُمَا عَن عَاصِم، وَلَفظه: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستاك وَهُوَ صَائِم) ، زَاد فِي رِوَايَة: (مَا لَا أعد وَلَا أحصي) . قَالَ صَاحب (الإِمَام) : ومداره على عَاصِم بن عبيد الله، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الْخُلَاصَة) بعد أَن حكى عَن التِّرْمِذِيّ أَنه حسنه: لَكِن مَدَاره على عَاصِم بن عبيد الله وَقد ضعفه الْجُمْهُور، فَلَعَلَّهُ اعتضد. انْتهى. وَقَالَ الْمزي: وَأحسن مَا قيل فِيهِ قَول الْعجلِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَقَول ابْن عدي: هُوَ مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، بعد تَخْرِيجه: عَاصِم بن عبيد الله لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَامر بن ربيعَة قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قلت: حَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب، واسْمه إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان: عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من خير خِصَال الصَّائِم السِّوَاك) ، ومجالد بن سعيد ضعفه الْجُمْهُور، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ.
قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أنس وحبان بن الْمُنْذر وخباب بن الْأَرَت وَأبي هُرَيْرَة. فَحَدِيث أنس رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْخَوَارِزْمِيّ، قَاضِي خوارزم، قَالَ: سَأَلت عَاصِمًا الْأَحول، فَقلت: أيستاك الصَّائِم؟ فَقَالَ: نعم، فَقلت: برطب السِّوَاك ويابسة؟ قَالَ: نعم قلت: أول النَّهَار وَآخره؟ قَالَ: نعم. قلت: عَمَّن؟ قَالَ: عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أَبُو إِسْحَاق الْخَوَارِزْمِيّ ضَعِيف يبلغ عَن عَاصِم الْأَحول بِالْمَنَاكِيرِ، لَا يحْتَج بِهِ. انْتهى.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي كتاب (الْأَسْمَاء والكنى) فِي تَرْجَمَة أبي إِسْحَاق، وَقَالَ: اسْمه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، مُنكر الحَدِيث. وَحَدِيث حبَان بن الْمُنْذر رَوَاهُ أَبُو بكر الْخَطِيب نَحْو حَدِيث خباب بن الْأَرَت. وَحَدِيث خباب بن الْأَرَت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه من رِوَايَة كيسَان أبي عمر القصاب عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن عَن خباب عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا صمتم فاستاكوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تستاكوا بالْعَشي، فَإِنَّهُ لَيْسَ من صَائِم تيبس شفتاه بالْعَشي إلَاّ كَانَتَا نورا بَين عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كيسَان أَبُو عمر لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد ضعفه يحيى بن معِين والساجي. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عمر بن قيس عَن عَطاء (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: لَك السِّوَاك إِلَى الْعَصْر، فَإِذا صليت الْعَصْر فألقه فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: خلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) . وَعمر بن قيس هُوَ الملقب بِسَنَد مكي مَتْرُوك، قَالَه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا، وَلَكِن الحَدِيث الْمَرْفُوع مِنْهُ صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة.
وَأما اسْتِدْلَال أبي هُرَيْرَة بِهِ على السِّوَاك فَلَيْسَ فِي الصَّحِيح، وَأما حكم السِّوَاك للصَّائِم فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ على سِتَّة أَقْوَال: الأول: أَنه لَا بَأْس بِهِ للصَّائِم مُطلقًا قبل الزَّوَال وَبعده، ويروى عَن عَليّ وَابْن عمر أَنه: لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب للصَّائِم، وَرَوَاهُ ذَلِك أَيْضا عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن علية، وَرويت الرُّخْصَة فِي السِّوَاك للصَّائِم عَن عمر وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن علية: السِّوَاك سنة للصَّائِم والمفطر وَالرّطب واليابس سَوَاء. الثَّانِي: كراهيته للصَّائِم بعد الزَّوَال واستحبابه قبله برطب أَو يَابِس، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي أصح قوليه، وَأبي ثَوْر، وَقد رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَرَاهَة السِّوَاك بعد الزَّوَال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. الثَّالِث: كَرَاهَته للصَّائِم بعد الْعَصْر فَقَط، ويروى عَن أبي هُرَيْرَة. الرَّابِع: التَّفْرِقَة بَين صَوْم الْفَرْض وَصَوْم النَّفْل، فَيكْرَه فِي الْفَرْض بعد الزَّوَال وَلَا يكره فِي النَّفْل، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء، حَكَاهُ المَسْعُودِيّ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَحَكَاهُ صَاحب الْمُعْتَمد من الشَّافِعِيَّة عَن القَاضِي حُسَيْن. الْخَامِس: أَنه يكره السِّوَاك للصَّائِم بِالسِّوَاكِ الرطب دون غَيره، سَوَاء أول النَّهَار وَآخره، وَهُوَ قَول مَالك وَأَصْحَابه، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ كَرَاهَة السِّوَاك الرطب للصَّائِم الشّعبِيّ وَزِيَاد بن حدير وَأَبُو ميسرَة وَالْحكم ابْن عتيبة وَقَتَادَة. السَّادِس: كَرَاهَته للصَّائِم بعد الزَّوَال مُطلقًا، وَكَرَاهَة الرطب للصَّائِم مُطلقًا، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ يَسْتَاكُ أوَّلَ النَّهَارِ وآخِرَهُ ولَا يَبْلَعُ رِيقَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَهَذَا التَّعْلِيق روى مَعْنَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن عبيد الله بن نَافِع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، بِلَفْظ: (كَانَ يستاك إِذا أَرَادَ أَن يروح إِلَى الظّهْر وَهُوَ صَائِم) .
وَقَالَ عَطَاءٌ إِن ازْدَرَدَ رِيقَهُ لَا أقُولُ يُفْطِرُ
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح فِي أثر ابْن عمر الْمَذْكُور: إِن ازدرد، أَي: إِن ابتلع رِيقه بعد التسوك لَا يفْطر، وأصل: ازدرد: ازترد لِأَنَّهُ من: زرد، إِذا بلع فَنقل إِلَى بَاب الافتعال: فَصَارَ: ازترد، ثمَّ قلبت: التَّاء دَالا، فَصَارَ: ازدرد.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ لَا بَأسَ بالسِّوَاكِ الرَّطْبِ قِيلَ لَهُ طَعْمٌ قَالَ والمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وأنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ
ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبيد بن سهل الفداني عَن عقبَة بن أبي حَمْزَة الْمَازِني، قَالَ: أَتَى مُحَمَّد بن سِيرِين رجل فَقَالَ: مَا ترى فِي السِّوَاك للصَّائِم؟ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ: إِنَّه جَرِيدَة وَله طعم، قَالَ: المَاء لَهُ طعم وَأَنت تمضمض بِهِ. فَإِن قلت: لَا طعم للْمَاء لِأَنَّهُ تفه. قلت: قَالَ الله تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ منى} (الْبَقَرَة: ٩٤٢) . وَقَالَ صَاحب (الْمُجْمل) : الطَّعَام يَقع على كل مَا يُطعم حَتَّى المَاء.
وَلم يَرع أنَسٌ والحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ بالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأسا
أنس هُوَ ابْن مَالك الصَّحَابِيّ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَمَسْأَلَة الْكحل للصَّائِم وَقعت هُنَا اسْتِطْرَادًا لَا قصدا، فَلذَلِك لَا تطلب فِيهَا الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.
أما التَّعْلِيق عَن أنس فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (السّنَن) من طَرِيق عبيد الله أبي بكر بن أنس (عَن أنس: أَنه كَانَ يكتحل وَهُوَ صَائِم) ، وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي عَاتِكَة (عَن أنس: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: اشتكت عَيْني أفأكتحل وَأَنا صَائِم؟ قَالَ: نعم) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْبَاب شَيْء، وَأَبُو عَاتِكَة اسْمه: طريف بن سُلَيْمَان، وَقيل: سُلَيْمَان. وَقيل: اسْمه سلمَان بن طريف. قَالَ البُخَارِيّ: هُوَ مُنكر الحَدِيث وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: ذَاهِب الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة، وروى ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح لَا بَأْس بِهِ (عَن عَائِشَة، قَالَت: اكتحل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ صَائِم) ، وَفِي (كتاب الصّيام) لِابْنِ أبي عَاصِم بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ من حَدِيث نَافِع (عَن ابْن عمر: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَيناهُ مملوءتان من الإثمد فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم) . فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبد الرَّحْمَن بن النُّعْمَان بن معبد بن هودة عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَمر بالإثمد المروح عِنْد النّوم، وَقَالَ: ليتَّقِهِ الصَّائِم قلت: قَالَ أَبُو أَبُو دَاوُد: قَالَ لي يحيى بن معِين: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَقَالَ الْأَثْرَم عَن أَحْمد) هَذَا حَدِيث مُنكر فَلَا مُعَارضَة حِينَئِذٍ، وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة حبَان بن عَليّ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم، وَمُحَمّد هَذَا قَالَ فِيهِ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء، وروى الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْحَاق: حَدثنَا سعيد بن زيد عَن عَمْرو بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَعَن حبيب بن ثَابت عَن نَافِع (عَن ابْن عمر، قَالَ: انتظرنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يخرج فِي رَمَضَان إِلَيْنَا، فَخرج من بَيت أم سَلمَة وَقد كحلته وملأت عَيْنَيْهِ كحلاً) . وَلَيْسَ هَذَانِ الحديثان صريحين فِي الْكحل للصَّائِم إِنَّمَا ذكر فيهمَا رَمَضَان فَقَط، وَلَعَلَّه كَانَ فِي رَمَضَان فِي اللَّيْل، وَالله أعلم. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من اكتحل بالإثمد يَوْم عَاشُورَاء لم يرمد أبدا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده ضَعِيف. وَفِيه: روى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، وَالضَّحَّاك لم يلق ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب (فَضَائِل الشُّهُور) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ: صِيَام عَاشُورَاء والاكتحال فِيهِ، قَالَ ابْن نَاصِر: هَذَا حَدِيث حسن عَزِيز، رِجَاله ثِقَات وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح، وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) ، وَقَالَ شَيخنَا: وَالْحق مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، وَأَنه حَدِيث مَوْضُوع. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث بَرِيرَة (قَالَت: رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم) .
وَأما أثر الْحسن فوصله عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ: (لَا بَأْس بالكحل للصَّائِم) .
وَأما أثر إِبْرَاهِيم فَاخْتلف عَنهُ، فروى سعيد بن مَنْصُور عَن جرير (عَن الْقَعْقَاع بن يزِيد: سَأَلت إِبْرَاهِيم: أيكتحل الصَّائِم؟ قَالَ: نعم، قلت: أجد طعم الصَّبْر فِي حلقي؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء) ، وروى عَن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: لَا بَأْس بالكحل للصَّائِم مَا لم يجد طعمه.
وَأما حكم الْمَسْأَلَة فقد اخْتلفُوا فِي الْكحل للصَّائِم فَلم يَرَ الشَّافِعِي بِهِ بَأْسا سَوَاء وجد طعم الْكحل فِي الْحلق أم لَا، وَاخْتلف قَول مَالك فِيهِ فِي الْجَوَاز وَالْكَرَاهَة، قَالَ فِي (الْمُدَوَّنَة) : يفْطر مَا وصل إِلَى الْحلق من الْعين، وَقَالَ أَبُو مُصعب: لَا يفْطر، وَذهب الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى كَرَاهَة الْكحل للصَّائِم، وَحكى عَن أَحْمد أَنه إِذا وجد طعمه فِي الْحلق أفطر، وَعَن عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأبي ثَوْر: يجوز بِلَا كَرَاهَة، وَأَنه لَا يفْطر بِهِ سَوَاء وجد طعمه أم لَا. وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى أَنهم قَالُوا: يبطل صَوْمه. وَقَالَ ابْن قَتَادَة: يجوز بالإثمد، وَيكرهُ بِالصبرِ، وَفِي (سنَن) أبي دَاوُد عَن الْأَعْمَش قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا من أَصْحَابنَا يكره الْكحل للصَّائِم.
٣٨ - (حَدثنَا أَحْمد بن صَالح قَالَ حَدثنَا ابْن وهب قَالَ حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَأبي بكر قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُدْرِكهُ الْفجْر //