الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦٤
الحديث رقم ١٩٦٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوصال ومن قال ليس في الليل صيام.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٩٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الْوِصَالِ رحمة بهم وإشفاقاً عليهم، ولكن الصحابة لمحبتهم للفضل وحرصهم على ما يقرب من الله رغبوا في الْوِصَالِ تأسياً بالنبي في كونه يواصل وقالوا: إنك تواصل، فأخبرهم بأنه له مُطعِم يطعمه وساق يسقيه بما يعوضه عن الطعام والشراب، ولكن من أراد منكم الوصال، فله أن يواصل إلى السَّحَرِ.
فالشريعة الإسلامية سمحة مُيَسَّرة لا عَنَتَ فيها ولا مشقة، ولا غٌلُوُّ ولا تعمق؛ لأن في ذلك تعذيباً للنفس وإرهاقاً لها، واللَه لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ولأن التيسير والتسهيل أبقى للعمل وأسلم من السأم والملل، وفيه العدل الذي وضعه الله في الأرض، وهو إعطاء الله ما طلبه من العبادة، وإعطاء النفس حاجتها من مقوماتها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«العمدة» فعزاه له، وإنَّما هو من أفراد البخاريِّ كما قاله عبد الحقِّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، وكذا صاحب «المنتقى» (١) وصاحب الضِّياء في «المختارة»، بل والحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ في «عمدته الكبرى» عزا ذلك للبخاريِّ فقط، فلعلَّه وقع له في «عمدته الصُّغرى» سبقُ قلمٍ، والله أعلم.
١٩٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد، وفي نسخةٍ: «أخبرنا» (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (وَمُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَامٍ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ) نُصِب على التَّعليل، أي: لأجل الرَّحمة، وتمسَّك به من قال: النَّهي ليس للتَّحريم كنهيه لهم عن قيام اللَّيل خشية أن يُفرَض عليهم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن الزُّبير: أنَّه كان يواصل خمسة عشر يومًا، ويأتي في الباب التَّالي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٩٦٥] أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النَّهي، فلو كان النَّهيُ (٢) للتَّحريم لَمَا أقرَّهم عليه، فعُلِم أنَّه أراد بالنَّهي الرَّحمة لهم والتَّخفيف عنهم كما صرَّحت به عائشة، وأُجيب بأنَّ قوله: «رحمةً لهم» لا يمنع التَّحريم، فإنَّ من رحمته لهم أنْ حرَّمه عليهم، وأمَّا مواصلته بهم (٣) بعد نهيه فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل ذلك لأجل مصلحة النَّهي في تأكيد زجرهم لأنَّهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النَّهي، فكان ذلك أدعى إلى قبولهم لِمَا يترتَّب عليه من الملل في العبادة، والتَّقصير فيما هو أهمُّ منه وأرجح من وظائف
الصَّلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشَّديد ينافي ذلك، وفرَّق بعضهم بين من يشقُّ عليه فيحرم، وبين من لم يشقَّ عليه فيُباح (فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وإثباتها -كما مرَّ- والياء في: «يُطعمني» بالضَّمِّ، وفي (١): «يَسقين» بالفتح، والصَّحيح: أنَّ هذا ليس على ظاهره لأنَّه لو كان على الحقيقة لم يكن مواصلًا، وقيل: إنَّه كان يُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ في النَّوم فيستيقظ وهو يجد الرَّيَّ والشِّبع، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: معناه: محبَّة الله تشغلني عن الطَّعام والشَّراب (٢)، والحبُّ البالغ يشغل عنهما، وآثر اسم الرَّبِّ دون اسم الذَّات المُقدَّسة في قوله: «يطعمني ربِّي» دون أن يقول: «يطعمني الله»؛ لأنَّ التَّجلِّيَ باسم الرُّبوبيَّة أقرب إلى العباد من الألوهيَّة؛ لأنَّها تجلِّي عظمةٍ لا طاقةَ للبشر بها، وتجلِّي الرُّبوبيَّة تجلِّي رحمةٍ وشفقةٍ، وهي أليق بهذا المقام.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ؛ كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما: (لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة في الحديث المذكور قوله: (رَحْمَةً لَهُمْ) فدلَّ على أنَّها من رواية محمَّد بن سلامٍ وحده، وأخرجه مسلمٌ عن إسحاق بن رَاهُوْيَه وعثمان ابن أبي شيبة جميعًا، وفيه: رحمةً لهم، ولم يبيِّن أنَّها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في «مسنديهما» عن عثمان، وليس فيه: «رحمةً لهم»، وأخرجه الجوزقيُّ من طريق محمَّد بن حاتمٍ عن عثمان، وفيه: «رحمةً لهم» (٣)، فيحتمل أن يكون عثمان تارةً يذكرها، وتارةً يحذفها، وقد رواها الإسماعيليُّ عن جعفرٍ الفريابيِّ عن عثمان، فجعل ذلك من قول النَّبيِّ ﷺ، ولفظه: قالوا: إنَّك تواصل! قال: «إنَّما هي رحمةٌ رحمكم الله بها؛ إنِّي لست كهيئتكم» قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإيمان» [خ¦٢٠]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.
(٤٩) (بابُ التَّنْكِيلِ) من النَّكال، أي: العقوبة من النَّبيِّ ﷺ (لِمَنْ أَكْثَرَ الوِصَالَ) في صومه (رَوَاهُ) أي: التَّنكيل (أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) ممَّا وصله في «كتاب التَّمنِّي» [خ¦٧٢٤١].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أخرجه أَبُو يعلى وَالْحسن بن سُفْيَان فِي مسنديهما عَن عُثْمَان وَلَيْسَ فِيهِ: (رَحْمَة لَهُم) . وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا كَذَلِك. وَأخرجه الجوزقي من طَرِيق مُحَمَّد بن حَاتِم عَن عُثْمَان، وَفِيه: (رَحْمَة لَهُم) ، فَدلَّ هَذَا على أَن عُثْمَان كَانَ تَارَة يذكرهَا وَتارَة يحفظها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن جَعْفَر الْفرْيَابِيّ عَن عُثْمَان، فَجعل ذَلِك من قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَفظه: (قَالُوا إِنَّك تواصل؟ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَحْمَة رحمكم الله بهَا إِنِّي لست كهيئتكم) الحَدِيث، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت البُخَارِيّ قد أخرج حَدِيث الْوِصَال عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة، وهم أنس وَعبد الله بن عمر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعَائِشَة وَأَبُو هُرَيْرَة، وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَجَابِر وَبشير بن الخصاصية وَعبد الله بن ذَر.
فَحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وسلمّ: (لَا مُوَاصلَة) ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَنهُ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يواصل من السحر إِلَى السحر) . وَحَدِيث جَابر رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا مُوَاصلَة فِي الصّيام) وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَحَدِيث بشير رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْهَا، (قَالَت: كنت أَصوم فأواصل، فنهاني بشير، وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهاني عَن هدا، قَالَ: إِنَّمَا يفعل ذَلِك النَّصَارَى، وَلَكِن صومي كَمَا أَمر الله تَعَالَى، ثمَّ أتمي الصّيام إِلَى اللَّيْل فَإِذا كَانَ اللَّيْل فأفطري) . وَحَدِيث عبد الله بن ذَر رَوَاهُ الْبَغَوِيّ وَابْن قَانِع فِي (معجميهما) عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاصل بَين يَوْمَيْنِ وَلَيْلَة، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: قبلت مواصلتك وَلَا تحل لأمتك) ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن الْوِصَال من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى أَن غَيره مَمْنُوع مِنْهُ إلَاّ مَا وَقع فِيهِ الترخيص من الْإِذْن فِيهِ إِلَى السحر.
٩٤ - (بابُ التَّنْكِيلِ لِمَنْ أكْثَرَ الوِصَالَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تنكيل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمن أَكثر الْوِصَال فِي صَوْمه، والتنكيل من النكال وَهُوَ الْعقُوبَة الَّتِي تنكل النَّاس عَن فعل جعلت لَهُ جَزَاء، وَقد نكل بِهِ تنكيلاً وَنكل بِهِ إِذا جعله عِبْرَة لغيره، وَقيد الأكثرية يقْضِي عدم النكال فِي الْقَلِيل، وَلَكِن لَا يلْزم من عدم النكال الْجَوَاز.
رَوَاهُ أنَس عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: روى التنكيل لمن أَكثر الْوِصَال أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب التَّمَنِّي فِي: بَاب مَا يجوز من اللوم، من طَرِيق حميد بن ثَابت (عَن أنس قَالَ: وَاصل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آخر الشَّهْر وواصل أنَاس من النَّاس، فَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لَو مد بِي الشَّهْر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إِنِّي لست مثلكُمْ، إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) . وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: وَاصل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي أول شهر رَمَضَان، فواصل نَاس من الْمُسلمين، فَبَلغهُ ذَلِك، فَقَالَ: لَو مد لنا الشَّهْر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إِنَّكُم لَسْتُم مثلي، أَو قَالَ: إِنِّي لست مثلكُمْ إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) .
٥٦٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ وأيُّكُمْ مِثْلِي إنَّي أبيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي فَلَمَّا أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا عنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْما ثُمَّ يَوْما ثُمَّ رَأوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كالتَّنْكِيل لَهُمْ حِينَ أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو تَأَخّر لزدتكم. .) إِلَى آخِره، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم أَيْضا عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن أَبِيه عَن شُعَيْب بِهِ. قَوْله: (حَدثنِي أَبُو سَلمَة) ، ويروى: (أَخْبرنِي) ، هَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْب
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«العمدة» فعزاه له، وإنَّما هو من أفراد البخاريِّ كما قاله عبد الحقِّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، وكذا صاحب «المنتقى» (١) وصاحب الضِّياء في «المختارة»، بل والحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ في «عمدته الكبرى» عزا ذلك للبخاريِّ فقط، فلعلَّه وقع له في «عمدته الصُّغرى» سبقُ قلمٍ، والله أعلم.
١٩٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد، وفي نسخةٍ: «أخبرنا» (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (وَمُحَمَّدٌ) هو ابن سَلَامٍ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ) نُصِب على التَّعليل، أي: لأجل الرَّحمة، وتمسَّك به من قال: النَّهي ليس للتَّحريم كنهيه لهم عن قيام اللَّيل خشية أن يُفرَض عليهم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن الزُّبير: أنَّه كان يواصل خمسة عشر يومًا، ويأتي في الباب التَّالي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٩٦٥] أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النَّهي، فلو كان النَّهيُ (٢) للتَّحريم لَمَا أقرَّهم عليه، فعُلِم أنَّه أراد بالنَّهي الرَّحمة لهم والتَّخفيف عنهم كما صرَّحت به عائشة، وأُجيب بأنَّ قوله: «رحمةً لهم» لا يمنع التَّحريم، فإنَّ من رحمته لهم أنْ حرَّمه عليهم، وأمَّا مواصلته بهم (٣) بعد نهيه فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل ذلك لأجل مصلحة النَّهي في تأكيد زجرهم لأنَّهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النَّهي، فكان ذلك أدعى إلى قبولهم لِمَا يترتَّب عليه من الملل في العبادة، والتَّقصير فيما هو أهمُّ منه وأرجح من وظائف
الصَّلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشَّديد ينافي ذلك، وفرَّق بعضهم بين من يشقُّ عليه فيحرم، وبين من لم يشقَّ عليه فيُباح (فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) بحذف الياء وإثباتها -كما مرَّ- والياء في: «يُطعمني» بالضَّمِّ، وفي (١): «يَسقين» بالفتح، والصَّحيح: أنَّ هذا ليس على ظاهره لأنَّه لو كان على الحقيقة لم يكن مواصلًا، وقيل: إنَّه كان يُؤتَى بطعامٍ وشرابٍ في النَّوم فيستيقظ وهو يجد الرَّيَّ والشِّبع، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: معناه: محبَّة الله تشغلني عن الطَّعام والشَّراب (٢)، والحبُّ البالغ يشغل عنهما، وآثر اسم الرَّبِّ دون اسم الذَّات المُقدَّسة في قوله: «يطعمني ربِّي» دون أن يقول: «يطعمني الله»؛ لأنَّ التَّجلِّيَ باسم الرُّبوبيَّة أقرب إلى العباد من الألوهيَّة؛ لأنَّها تجلِّي عظمةٍ لا طاقةَ للبشر بها، وتجلِّي الرُّبوبيَّة تجلِّي رحمةٍ وشفقةٍ، وهي أليق بهذا المقام.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ؛ كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما: (لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة في الحديث المذكور قوله: (رَحْمَةً لَهُمْ) فدلَّ على أنَّها من رواية محمَّد بن سلامٍ وحده، وأخرجه مسلمٌ عن إسحاق بن رَاهُوْيَه وعثمان ابن أبي شيبة جميعًا، وفيه: رحمةً لهم، ولم يبيِّن أنَّها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في «مسنديهما» عن عثمان، وليس فيه: «رحمةً لهم»، وأخرجه الجوزقيُّ من طريق محمَّد بن حاتمٍ عن عثمان، وفيه: «رحمةً لهم» (٣)، فيحتمل أن يكون عثمان تارةً يذكرها، وتارةً يحذفها، وقد رواها الإسماعيليُّ عن جعفرٍ الفريابيِّ عن عثمان، فجعل ذلك من قول النَّبيِّ ﷺ، ولفظه: قالوا: إنَّك تواصل! قال: «إنَّما هي رحمةٌ رحمكم الله بها؛ إنِّي لست كهيئتكم» قاله في «فتح الباري».
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإيمان» [خ¦٢٠]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.
(٤٩) (بابُ التَّنْكِيلِ) من النَّكال، أي: العقوبة من النَّبيِّ ﷺ (لِمَنْ أَكْثَرَ الوِصَالَ) في صومه (رَوَاهُ) أي: التَّنكيل (أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) ممَّا وصله في «كتاب التَّمنِّي» [خ¦٧٢٤١].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أخرجه أَبُو يعلى وَالْحسن بن سُفْيَان فِي مسنديهما عَن عُثْمَان وَلَيْسَ فِيهِ: (رَحْمَة لَهُم) . وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْهُمَا كَذَلِك. وَأخرجه الجوزقي من طَرِيق مُحَمَّد بن حَاتِم عَن عُثْمَان، وَفِيه: (رَحْمَة لَهُم) ، فَدلَّ هَذَا على أَن عُثْمَان كَانَ تَارَة يذكرهَا وَتارَة يحفظها، وَقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن جَعْفَر الْفرْيَابِيّ عَن عُثْمَان، فَجعل ذَلِك من قَول النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَفظه: (قَالُوا إِنَّك تواصل؟ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَحْمَة رحمكم الله بهَا إِنِّي لست كهيئتكم) الحَدِيث، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت البُخَارِيّ قد أخرج حَدِيث الْوِصَال عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة، وهم أنس وَعبد الله بن عمر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعَائِشَة وَأَبُو هُرَيْرَة، وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَجَابِر وَبشير بن الخصاصية وَعبد الله بن ذَر.
فَحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وسلمّ: (لَا مُوَاصلَة) ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَنهُ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يواصل من السحر إِلَى السحر) . وَحَدِيث جَابر رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا مُوَاصلَة فِي الصّيام) وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَحَدِيث بشير رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْهَا، (قَالَت: كنت أَصوم فأواصل، فنهاني بشير، وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهاني عَن هدا، قَالَ: إِنَّمَا يفعل ذَلِك النَّصَارَى، وَلَكِن صومي كَمَا أَمر الله تَعَالَى، ثمَّ أتمي الصّيام إِلَى اللَّيْل فَإِذا كَانَ اللَّيْل فأفطري) . وَحَدِيث عبد الله بن ذَر رَوَاهُ الْبَغَوِيّ وَابْن قَانِع فِي (معجميهما) عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاصل بَين يَوْمَيْنِ وَلَيْلَة، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: قبلت مواصلتك وَلَا تحل لأمتك) ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن الْوِصَال من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى أَن غَيره مَمْنُوع مِنْهُ إلَاّ مَا وَقع فِيهِ الترخيص من الْإِذْن فِيهِ إِلَى السحر.
٩٤ - (بابُ التَّنْكِيلِ لِمَنْ أكْثَرَ الوِصَالَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تنكيل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمن أَكثر الْوِصَال فِي صَوْمه، والتنكيل من النكال وَهُوَ الْعقُوبَة الَّتِي تنكل النَّاس عَن فعل جعلت لَهُ جَزَاء، وَقد نكل بِهِ تنكيلاً وَنكل بِهِ إِذا جعله عِبْرَة لغيره، وَقيد الأكثرية يقْضِي عدم النكال فِي الْقَلِيل، وَلَكِن لَا يلْزم من عدم النكال الْجَوَاز.
رَوَاهُ أنَس عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: روى التنكيل لمن أَكثر الْوِصَال أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب التَّمَنِّي فِي: بَاب مَا يجوز من اللوم، من طَرِيق حميد بن ثَابت (عَن أنس قَالَ: وَاصل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آخر الشَّهْر وواصل أنَاس من النَّاس، فَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لَو مد بِي الشَّهْر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إِنِّي لست مثلكُمْ، إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) . وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: وَاصل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي أول شهر رَمَضَان، فواصل نَاس من الْمُسلمين، فَبَلغهُ ذَلِك، فَقَالَ: لَو مد لنا الشَّهْر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إِنَّكُم لَسْتُم مثلي، أَو قَالَ: إِنِّي لست مثلكُمْ إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني) .
٥٦٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ وأيُّكُمْ مِثْلِي إنَّي أبيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي فَلَمَّا أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا عنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْما ثُمَّ يَوْما ثُمَّ رَأوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كالتَّنْكِيل لَهُمْ حِينَ أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو تَأَخّر لزدتكم. .) إِلَى آخِره، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم أَيْضا عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن أَبِيه عَن شُعَيْب بِهِ. قَوْله: (حَدثنِي أَبُو سَلمَة) ، ويروى: (أَخْبرنِي) ، هَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْب