الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٦٢
الحديث رقم ٢٧٦٢ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الإشهاد في الوقف والصدقة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى: أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ اسْتَفْتَى، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ سَعْدٍ، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ، فَتَعَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرِّوَايَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: لَمْ تَقْضِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ: أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بَيَانَ مَا هُوَ النَّذْرُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَذَرَتْ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكُونَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَفْتَى فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَالْعِتْقُ أَعْلَى كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى وَالِدَةِ سَعْدٍ صِيَامٌ، وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّوْمِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ: جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِوُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنَ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ هَلْ تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ.
وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا قَدْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهَا وَسَقَطَ عَنْهَا التَّكْلِيفُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُنْكَرًا لِيَتَّعِظَ غَيْرُهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ، فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَفِيهِ الْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ التَّحَمُّلِ، وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا، وَهُوَ عِنْدَ اغْتِنَامِ صِدْقِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَأَنَّ لِلْحَاكِمِ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، نَبَّهَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَكَلَامُهُ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
٢٠ - بَاب الْإِشْهَادِ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى) بن مسلم، المكِّيُّ البصريُّ الأصل (أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا) أي: أخبرنا (ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ) أي: واحدًا منهم، أي: أنَّه أنصاريٌّ ساعديٌّ (تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ) عمرةُ (وَهْوَ غَائِبٌ) زاد أبو ذرٍّ: «عنها» أي: مع النَّبيِّ ﷺ في غزوة دومة الجندل سنة خمسٍ (فَأَتَى) سعدٌ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ) أي: بشيءٍ (عَنْهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) ينفعها (قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي) بستاني (المِخْرَافَ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، آخره فاءٌ، اسمٌ للبستان (١) أو وصفٌ له، أي: المثمر (٢)، وسُمِّي بذلك لما يُخرَف منه، أي: يُجنى من الثَّمرة، تقول: شجرةٌ مخرافٌ ومثمارٌ، قاله الخطَّابيُّ، وفي رواية عبد الرَّزَّاق: «المخرف» بغير ألفٍ (صَدَقَةٌ عَلَيْهَا) أي: مصروفةٌ على مصلحتها، وسقط قوله: «قال» من قوله: «قال (٣): فإنِّي أشهدك» للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أشهدك أنَّ حائطي صدقةٌ» وألحق الوقف بالصَّدقة، وعُورِض: بأنَّ قوله: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر أو الإعلام، واستدلَّ له المهلَّب بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّه إذا أمر بالإشهاد في البيع الَّذي له عوضٌ؛ فلأن يشرع في الوقف الَّذي لا عوض له أَولى.
وهذا الحديث سبق (١) قبل ثلاثة أبواب [خ¦٢٧٥٦].
(٢١) (بابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿وَآتُواْ﴾) وأعطوا (﴿الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾) إليهم إذا بلغوا الحلم كاملةً موفرةً (﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ﴾) من أموالهم الحرام عليكم (﴿بِالطَّيِّبِ﴾) الحلال من أموالكم، وقال سعيد بن جُبَير (٢) والزُّهريُّ: لا تعطوا هزيلًا وتأخذوا سمينًا، وقال السُّدِّيُّ: كان أحدهم يأخذ الشَّاة السَّمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشَّاة المهزولة، ويقول: شاةٌ بشاةٍ، ويأخذ الدَّراهم الجيِّدة ويطرح مكانها الزَّائف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ، فنُهوا عن ذلك (﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾) أي: مع أموالكم (﴿إِنَّهُ﴾) أي: أكل أموالهم (﴿كَانَ حُوبًا﴾) إثمًا (﴿كَبِيرًا﴾) عظيمًا (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا (﴿فِي﴾) نكاح (﴿فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ﴾) حلَّ (٣) (﴿لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢ - ٣]) سواهُنَّ (٤)، وفي رواية أبي ذرٍّ: بعد قوله: «﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم﴾».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ اسْتَفْتَى، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ سَعْدٍ، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ، فَتَعَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرِّوَايَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: لَمْ تَقْضِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ: أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بَيَانَ مَا هُوَ النَّذْرُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَذَرَتْ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكُونَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَفْتَى فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَالْعِتْقُ أَعْلَى كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى وَالِدَةِ سَعْدٍ صِيَامٌ، وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّوْمِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ: جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِوُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنَ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ هَلْ تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ.
وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا قَدْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهَا وَسَقَطَ عَنْهَا التَّكْلِيفُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُنْكَرًا لِيَتَّعِظَ غَيْرُهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ، فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَفِيهِ الْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ التَّحَمُّلِ، وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا، وَهُوَ عِنْدَ اغْتِنَامِ صِدْقِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَأَنَّ لِلْحَاكِمِ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، نَبَّهَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَكَلَامُهُ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
٢٠ - بَاب الْإِشْهَادِ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى) بن مسلم، المكِّيُّ البصريُّ الأصل (أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا) أي: أخبرنا (ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ) أي: واحدًا منهم، أي: أنَّه أنصاريٌّ ساعديٌّ (تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ) عمرةُ (وَهْوَ غَائِبٌ) زاد أبو ذرٍّ: «عنها» أي: مع النَّبيِّ ﷺ في غزوة دومة الجندل سنة خمسٍ (فَأَتَى) سعدٌ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ) أي: بشيءٍ (عَنْهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) ينفعها (قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي) بستاني (المِخْرَافَ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، آخره فاءٌ، اسمٌ للبستان (١) أو وصفٌ له، أي: المثمر (٢)، وسُمِّي بذلك لما يُخرَف منه، أي: يُجنى من الثَّمرة، تقول: شجرةٌ مخرافٌ ومثمارٌ، قاله الخطَّابيُّ، وفي رواية عبد الرَّزَّاق: «المخرف» بغير ألفٍ (صَدَقَةٌ عَلَيْهَا) أي: مصروفةٌ على مصلحتها، وسقط قوله: «قال» من قوله: «قال (٣): فإنِّي أشهدك» للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أشهدك أنَّ حائطي صدقةٌ» وألحق الوقف بالصَّدقة، وعُورِض: بأنَّ قوله: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر أو الإعلام، واستدلَّ له المهلَّب بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّه إذا أمر بالإشهاد في البيع الَّذي له عوضٌ؛ فلأن يشرع في الوقف الَّذي لا عوض له أَولى.
وهذا الحديث سبق (١) قبل ثلاثة أبواب [خ¦٢٧٥٦].
(٢١) (بابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿وَآتُواْ﴾) وأعطوا (﴿الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾) إليهم إذا بلغوا الحلم كاملةً موفرةً (﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ﴾) من أموالهم الحرام عليكم (﴿بِالطَّيِّبِ﴾) الحلال من أموالكم، وقال سعيد بن جُبَير (٢) والزُّهريُّ: لا تعطوا هزيلًا وتأخذوا سمينًا، وقال السُّدِّيُّ: كان أحدهم يأخذ الشَّاة السَّمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشَّاة المهزولة، ويقول: شاةٌ بشاةٍ، ويأخذ الدَّراهم الجيِّدة ويطرح مكانها الزَّائف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ، فنُهوا عن ذلك (﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾) أي: مع أموالكم (﴿إِنَّهُ﴾) أي: أكل أموالهم (﴿كَانَ حُوبًا﴾) إثمًا (﴿كَبِيرًا﴾) عظيمًا (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا (﴿فِي﴾) نكاح (﴿فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ﴾) حلَّ (٣) (﴿لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢ - ٣]) سواهُنَّ (٤)، وفي رواية أبي ذرٍّ: بعد قوله: «﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم﴾».