«أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵃ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٦٢

الحديث رقم ٢٧٦٢ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الإشهاد في الوقف والصدقة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن سعد بن عبادة ﵃ أخا بني ساعدة توفيت أمه…

«أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.»

سند حديث: ٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى…

٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى: أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن سعد بن عبادة ﵃ أخا بني ساعدة توفيت أمه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ اسْتَفْتَى، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ سَعْدٍ، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ، فَتَعَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرِّوَايَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: لَمْ تَقْضِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ: أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بَيَانَ مَا هُوَ النَّذْرُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَذَرَتْ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكُونَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَفْتَى فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَالْعِتْقُ أَعْلَى كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا.

وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى وَالِدَةِ سَعْدٍ صِيَامٌ، وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّوْمِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ: جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِوُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنَ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ هَلْ تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ.

وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا قَدْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهَا وَسَقَطَ عَنْهَا التَّكْلِيفُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُنْكَرًا لِيَتَّعِظَ غَيْرُهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ، فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِشَارَةِ النَّبِيِّ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَفِيهِ الْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ التَّحَمُّلِ، وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا، وَهُوَ عِنْدَ اغْتِنَامِ صِدْقِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَأَنَّ لِلْحَاكِمِ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، نَبَّهَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَكَلَامُهُ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

٢٠ - بَاب الْإِشْهَادِ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ

٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى) بن مسلم، المكِّيُّ البصريُّ الأصل (أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا) أي: أخبرنا (ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ) أي: واحدًا منهم، أي: أنَّه أنصاريٌّ ساعديٌّ (تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ) عمرةُ (وَهْوَ غَائِبٌ) زاد أبو ذرٍّ: «عنها» أي: مع النَّبيِّ في غزوة دومة الجندل سنة خمسٍ (فَأَتَى) سعدٌ (النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ) أي: بشيءٍ (عَنْهَا؟ قَالَ) : (نَعَمْ) ينفعها (قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي) بستاني (المِخْرَافَ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، آخره فاءٌ، اسمٌ للبستان (١) أو وصفٌ له، أي: المثمر (٢)، وسُمِّي بذلك لما يُخرَف منه، أي: يُجنى من الثَّمرة، تقول: شجرةٌ مخرافٌ ومثمارٌ، قاله الخطَّابيُّ، وفي رواية عبد الرَّزَّاق: «المخرف» بغير ألفٍ (صَدَقَةٌ عَلَيْهَا) أي: مصروفةٌ على مصلحتها، وسقط قوله: «قال» من قوله: «قال (٣): فإنِّي أشهدك» للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أشهدك أنَّ حائطي صدقةٌ» وألحق الوقف بالصَّدقة، وعُورِض: بأنَّ قوله: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر أو الإعلام، واستدلَّ له المهلَّب بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّه إذا أمر بالإشهاد في البيع الَّذي له عوضٌ؛ فلأن يشرع في الوقف الَّذي لا عوض له أَولى.

وهذا الحديث سبق (١) قبل ثلاثة أبواب [خ¦٢٧٥٦].

(٢١) (بابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿وَآتُواْ﴾) وأعطوا (﴿الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾) إليهم إذا بلغوا الحلم كاملةً موفرةً (﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ﴾) من أموالهم الحرام عليكم (﴿بِالطَّيِّبِ﴾) الحلال من أموالكم، وقال سعيد بن جُبَير (٢) والزُّهريُّ: لا تعطوا هزيلًا وتأخذوا سمينًا، وقال السُّدِّيُّ: كان أحدهم يأخذ الشَّاة السَّمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشَّاة المهزولة، ويقول: شاةٌ بشاةٍ، ويأخذ الدَّراهم الجيِّدة ويطرح مكانها الزَّائف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ، فنُهوا عن ذلك (﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾) أي: مع أموالكم (﴿إِنَّهُ﴾) أي: أكل أموالهم (﴿كَانَ حُوبًا﴾) إثمًا (﴿كَبِيرًا﴾) عظيمًا (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا (﴿فِي﴾) نكاح (﴿فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ﴾) حلَّ (٣) (﴿لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢ - ٣]) سواهُنَّ (٤)، وفي رواية أبي ذرٍّ: بعد قوله: «﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم﴾».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِالنَّفَقَةِ، وَهِي مَال، فَكَذَا الْعتْق. وَفرق غَيره بَينهمَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أجزناها للْأَخْبَار الثَّابِتَة، وَالْعِتْق لَا خير فِيهِ، بل فِي قَوْله: (الْوَلَاء لمن أعتق) ، دلَالَة على مَنعه، لِأَن الْحَيّ هُوَ الْمُعْتق بِغَيْر أَمر الْمَيِّت، فَلهُ الْوَلَاء إِذا ثَبت لَهُ الْوَلَاء، فَلَيْسَ للْمَيت مِنْهُ شَيْء، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي حَدِيث سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن أُمِّي هَلَكت فَهَل ينفعها أَن أعتق عَنْهَا؟ قَالَ: نعم) . فَدلَّ على أَن الْعتْق ينفع الْمَيِّت، وَيشْهد لذَلِك فعل عَائِشَة الَّذِي سبق.

١٦٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبْدِ الله عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتَفْتَى رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إنَّ أمِّي ماتَتْ وعلَيْهَا نَذْرٌ فقَالَ اقْضهِ عَنْها.

مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن عبد الله الْعمريّ. قَوْله: (عَن ابْن عَبَّاس ان سعد بن عبَادَة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مَالك، وَتَابعه اللَّيْث وَبكر بن وَائِل وَغَيرهمَا عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ سُلَيْمَان بن كثير عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن سعد بن عبَادَة: أَنه استفتى، فَجعله من مُسْند سعد، أخرجه النَّسَائِيّ قيل: هَذَا أرجح، لِأَن ابْن عَبَّاس لم يدْرك الْقِصَّة. كَمَا ذكرا عَن قريب، وَيكون ابْن عَبَّاس قد أَخذه عَنهُ. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَخذه عَن غَيره، كَمَا هُوَ عَادَته فِي أَحَادِيث كَثِيرَة. قَوْله: (وَعَلَيْهَا نذر) ، قد اخْتلفت الْآثَار فِي النّذر الَّذِي على أم سعد، فَقيل: كَانَ الْعتْق، وَقد مر الْآن، وَقيل: كَانَ الصّيام. فروى فِي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا، قَالَ: يَا رَسُول الله: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وَقيل: كَانَ النّذر بِالصَّدَقَةِ. وَالله أعلم.

٠٢ - (بابُ الإشْهَادِ فِي الوَقْفِ والصَّدَقَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْإِشْهَاد فِي الْوَقْف وَالصَّدَََقَة.

٢٦٧٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي يَعْلَى أنَّهُ سَمِعَ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ أنْبَأَنَا ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ أخَا بَنِي ساعِدَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وهْوَ غائِبٌ فأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنا غَائِبٌ عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعُها إنْ تَصَدَّقْتُ بهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فإنِّي أُشْهِدُكَ أنَّ حائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.

(انْظُر الحَدِيث ٦٥٧٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: وَالصَّدَََقَة ظَاهِرَة (صُورَة) ، وَكَذَلِكَ يُطَابق قَوْله فِي الْوَقْف معنى، لِأَن الصَّدَقَة عَلَيْهَا تكون بطرِيق الْوَقْف، وَقد تكلم الشُّرَّاح فِيهِ بالتعسف مَا لَا يُفِيد.

والْحَدِيث مضى قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أخابني سَاعِدَة) أَي: وَاحِدًا مِنْهُم، وَالْغَرَض أَنه أَيْضا أَنْصَارِي ساعدي.

وَفِيه: مطلوبية الْإِشْهَاد، وَإِذا أَمر بِالْإِشْهَادِ فِي البيع وَهُوَ خُرُوج ملك من ملك بعوَض، فالوقف أولى بذلك، لِأَن الْخُرُوج عَنهُ بِغَيْر عوض. وَقَالَ ابْن بطال الْإِشْهَاد وَاجِب فِي الْوَقْف، وَلَا يتم إلَاّ بِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: إِذا لم يبين الْحُدُود فِي الْوَقْف، إِنَّمَا يجوز إِذا كَانَت الأَرْض مَعْلُومَة يَقع عَلَيْهَا، وَيتَعَيَّن بِهِ كَمَا كَانَ بيرحاء وكالمخراف معينا عِنْد من أشهده، وعَلى هَذَا الْوَجْه تصح التَّرْجَمَة، وَأما إِذا لم يكن الْوَقْف معينا، وَكَانَت لَهُ مخاريف وأموال كَثِيرَة فَلَا يجوز الْوَقْف إلَاّ بالتحديد وَالتَّعْيِين، وَلَا خلاف فِي هَذَا.

١٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وآتُوا اليَتَامَى أمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ وَلَا تأكُلُوا أمْوَالَهُمْ إِلَى أمْوَالِكُمْ إنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً وإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فانْكِكُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ} (النِّسَاء: ٢١، ٣١)

هَذَا الْبَاب، وَثَلَاثَة أَبْوَاب بعده مترجمة بآيَات من الْقُرْآن أدخلها بَين أَبْوَاب الْوَقْف الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْوَصَايَا، وَلَيْسَ لذكرها فِيهَا وَجه كَمَا يَنْبَغِي، وَلَكِن من حَيْثُ إِن الْأَمر فِي الْأَوْقَاف وَالنَّظَر فِيهَا جعل إِلَى من يَليهَا، كَمَا جعل أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَى من يَلِي أَمرهم وَينظر فيهم، فالنظر فِي الْأَوْقَاف كالنظر لِلْيَتَامَى فِي رِعَايَة الْمصَالح، والمباشرة بالأمانات، وَإِبَاحَة تنَاول الْجعَالَة للنظار بِالْمَعْرُوفِ كإباحتها للأوصياء بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا مِمَّا فتح لي من الْقَبْض الإلهي زادنا الله بَصِيرَة فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية. قَوْله: عز وَجل {وَآتوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: أعْطوا أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَيْهِم إِذا بلغُوا الْحلم كَامِلَة موفرة. قَوْله: {وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: الْحَرَام بالحلال، وَلَا تجْعَلُوا الزيف بدل الْجيد والمهزول بدل السمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ: لَا تعط مهزولاً وَلَا تَأْخُذ سميناً. وَقَالَ السّديّ: كَانَ أحدهم يَأْخُذ الشَّاة السمينة من غنم الْيَتِيم وَيجْعَل فِيهَا مَكَانهَا الشَّاة المهزولة، يَقُول: شَاة بِشَاة، وَيَأْخُذ الدِّرْهَم الْجيد ويطرح مَكَانَهُ الزيف، وَيَقُول: دِرْهَم بدرهم. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أبي صَالح: لَا تعجل بالرزق الْحَرَام قبل أَن يَأْتِيك الرزق الْحَلَال. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تبدل الْحَرَام من أَمْوَال النَّاس بالحلال من أَمْوَالكُم. قَوْله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَالسُّديّ وسُفْيَان بن حُسَيْن، أَي: لَا تخلطوها فتأكلوها جَمِيعًا. وَقيل: إِلَى، بِمَعْنى: مَعَ، والأجود أَن يكون موضعهَا، وَيكون الْمَعْنى: وَلَا تضموا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم. قَوْله: إِنَّه كَانَ حوباً كَبِيرا} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ ابْن عَبَّاس أَي: إِثْمًا كَبِيرا عَظِيما. وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَآخَرين، وروى ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصل مولى ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن سِيرِين عَن ابْن عَبَّاس أَن أَبَا أَيُّوب طلق امْرَأَته، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَا أَبَا أَيُّوب! إِن طَلَاق أم أَيُّوب كَانَ حوباً) . وَقَالَ ابْن سِيرِين: الْحُوب الْإِثْم. قَوْله: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: إِن خِفْتُمْ أَن لَا تعدلوا فِي نِكَاح الْيَتَامَى، فَحذف لفظ: النِّكَاح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَمَا خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فخافوا مثل ذَلِك فِي سَائِر النِّسَاء، وَانْكِحُوا مَا طَابَ لكم مِنْهُنَّ، وَقيل: مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت تَحت حجر أحدكُم يتيمة وَخَافَ أَن لَا يُعْطِيهَا مهر مثلهَا فليعدل إِلَى مَا سواهَا من النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كثير، وَلم يضيق الله عَلَيْهِ، وَقيل: كَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة يكثرون التَّزْوِيج بِلَا حصر، فَإِذا كثرت عَلَيْهِم الْمُؤَن وَقل مَا بِأَيْدِيهِم أكلُوا مَا عِنْدهم من أَمْوَال الْيَتَامَى، فَقيل لَهُم: إِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا إِلَى الْأَرْبَع. قَوْله: {مَا طَابَ لكم} أَي: من طَابَ لكم.

٣٦٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمان قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ كانَ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا {وإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ هِيَ لِلْيَتِيمَة فِي حجْرِ ولِيِّها فيَرْغَبُ فِي جَمالِهَا ومالِها ويُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا بأدْنى مِنْ سُنَّةِ نِسائِها فنُهُوا عنْ نِكَاحِهِنَّ إلَاّ أنْ يُقُسِطُوا لَهُنَّ فِي إكْمَالِ الصَّدَّاق وأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ قالَتْ عائِشَةُ ثُمَّ اسْتَفْتَى الناسُ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعْدُ فأنْزَلَ الله عزَّ وَجلَّ {ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} (النِّسَاء: ٧٢١) . قالَتْ فبَيَّنَ الله فِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَتِيمَةَ إذَا كانَتْ ذَاتَ جَمالٍ ومالٍ رغِبُوا فِي نِكَاحِهَا ولَمْ يُلْحِقُوها بِسُنَّتِها بإكْمَالِ الصَّدَّاقِ فإذَا كانَتْ مَرْغُوبَةً عنْها فِي قِلَّةِ المالِ والجَمالِ تَرَكُوهَا والْتَمَسُوا غَيْرَهَا منَ النِّسَاءِ قَالَ فَكَمَا يَتْرُكونها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَلَيْسَ لَهُمْ أنْ يَنْكِحُوها إذَا رَغِبُوا فيهَا إلَاّ أنْ يُقُسِطُوا لَها الأوْفى مِنَ الصَّدَاقِ ويُعْطُوهَا حَقَّها.

.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ اسْتَفْتَى، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ سَعْدٍ، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ، فَتَعَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الرِّوَايَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: لَمْ تَقْضِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ: أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بَيَانَ مَا هُوَ النَّذْرُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَذَرَتْ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكُونَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَفْتَى فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَالْعِتْقُ أَعْلَى كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْهَا.

وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّذْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى وَالِدَةِ سَعْدٍ صِيَامٌ، وَاسْتَنَدَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّوْمِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ: جَوَازُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِوُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنَ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ هَلْ تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ.

وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا قَدْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهَا وَسَقَطَ عَنْهَا التَّكْلِيفُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُنْكَرًا لِيَتَّعِظَ غَيْرُهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ، فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِشَارَةِ النَّبِيِّ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَفِيهِ الْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ التَّحَمُّلِ، وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا، وَهُوَ عِنْدَ اغْتِنَامِ صِدْقِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَأَنَّ لِلْحَاكِمِ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، نَبَّهَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَكَلَامُهُ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

٢٠ - بَاب الْإِشْهَادِ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ

٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ - تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَعْلَى) بن مسلم، المكِّيُّ البصريُّ الأصل (أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا) أي: أخبرنا (ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ) أي: واحدًا منهم، أي: أنَّه أنصاريٌّ ساعديٌّ (تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ) عمرةُ (وَهْوَ غَائِبٌ) زاد أبو ذرٍّ: «عنها» أي: مع النَّبيِّ في غزوة دومة الجندل سنة خمسٍ (فَأَتَى) سعدٌ (النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ) أي: بشيءٍ (عَنْهَا؟ قَالَ) : (نَعَمْ) ينفعها (قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي) بستاني (المِخْرَافَ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، آخره فاءٌ، اسمٌ للبستان (١) أو وصفٌ له، أي: المثمر (٢)، وسُمِّي بذلك لما يُخرَف منه، أي: يُجنى من الثَّمرة، تقول: شجرةٌ مخرافٌ ومثمارٌ، قاله الخطَّابيُّ، وفي رواية عبد الرَّزَّاق: «المخرف» بغير ألفٍ (صَدَقَةٌ عَلَيْهَا) أي: مصروفةٌ على مصلحتها، وسقط قوله: «قال» من قوله: «قال (٣): فإنِّي أشهدك» للحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أشهدك أنَّ حائطي صدقةٌ» وألحق الوقف بالصَّدقة، وعُورِض: بأنَّ قوله: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر أو الإعلام، واستدلَّ له المهلَّب بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّه إذا أمر بالإشهاد في البيع الَّذي له عوضٌ؛ فلأن يشرع في الوقف الَّذي لا عوض له أَولى.

وهذا الحديث سبق (١) قبل ثلاثة أبواب [خ¦٢٧٥٦].

(٢١) (بابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿» بدل قوله «تعالى»: (﴿وَآتُواْ﴾) وأعطوا (﴿الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾) إليهم إذا بلغوا الحلم كاملةً موفرةً (﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ﴾) من أموالهم الحرام عليكم (﴿بِالطَّيِّبِ﴾) الحلال من أموالكم، وقال سعيد بن جُبَير (٢) والزُّهريُّ: لا تعطوا هزيلًا وتأخذوا سمينًا، وقال السُّدِّيُّ: كان أحدهم يأخذ الشَّاة السَّمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشَّاة المهزولة، ويقول: شاةٌ بشاةٍ، ويأخذ الدَّراهم الجيِّدة ويطرح مكانها الزَّائف، ويقول: درهمٌ بدرهمٍ، فنُهوا عن ذلك (﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾) أي: مع أموالكم (﴿إِنَّهُ﴾) أي: أكل أموالهم (﴿كَانَ حُوبًا﴾) إثمًا (﴿كَبِيرًا﴾) عظيمًا (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾) ألَّا تعدلوا (﴿فِي﴾) نكاح (﴿فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ﴾) حلَّ (٣) (﴿لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢ - ٣]) سواهُنَّ (٤)، وفي رواية أبي ذرٍّ: بعد قوله: «﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم﴾».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِالنَّفَقَةِ، وَهِي مَال، فَكَذَا الْعتْق. وَفرق غَيره بَينهمَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أجزناها للْأَخْبَار الثَّابِتَة، وَالْعِتْق لَا خير فِيهِ، بل فِي قَوْله: (الْوَلَاء لمن أعتق) ، دلَالَة على مَنعه، لِأَن الْحَيّ هُوَ الْمُعْتق بِغَيْر أَمر الْمَيِّت، فَلهُ الْوَلَاء إِذا ثَبت لَهُ الْوَلَاء، فَلَيْسَ للْمَيت مِنْهُ شَيْء، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي حَدِيث سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن أُمِّي هَلَكت فَهَل ينفعها أَن أعتق عَنْهَا؟ قَالَ: نعم) . فَدلَّ على أَن الْعتْق ينفع الْمَيِّت، وَيشْهد لذَلِك فعل عَائِشَة الَّذِي سبق.

١٦٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبْدِ الله عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتَفْتَى رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إنَّ أمِّي ماتَتْ وعلَيْهَا نَذْرٌ فقَالَ اقْضهِ عَنْها.

مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن عبد الله الْعمريّ. قَوْله: (عَن ابْن عَبَّاس ان سعد بن عبَادَة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مَالك، وَتَابعه اللَّيْث وَبكر بن وَائِل وَغَيرهمَا عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ سُلَيْمَان بن كثير عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن سعد بن عبَادَة: أَنه استفتى، فَجعله من مُسْند سعد، أخرجه النَّسَائِيّ قيل: هَذَا أرجح، لِأَن ابْن عَبَّاس لم يدْرك الْقِصَّة. كَمَا ذكرا عَن قريب، وَيكون ابْن عَبَّاس قد أَخذه عَنهُ. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَخذه عَن غَيره، كَمَا هُوَ عَادَته فِي أَحَادِيث كَثِيرَة. قَوْله: (وَعَلَيْهَا نذر) ، قد اخْتلفت الْآثَار فِي النّذر الَّذِي على أم سعد، فَقيل: كَانَ الْعتْق، وَقد مر الْآن، وَقيل: كَانَ الصّيام. فروى فِي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا، قَالَ: يَا رَسُول الله: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وَقيل: كَانَ النّذر بِالصَّدَقَةِ. وَالله أعلم.

٠٢ - (بابُ الإشْهَادِ فِي الوَقْفِ والصَّدَقَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْإِشْهَاد فِي الْوَقْف وَالصَّدَََقَة.

٢٦٧٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي يَعْلَى أنَّهُ سَمِعَ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ أنْبَأَنَا ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ أخَا بَنِي ساعِدَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وهْوَ غائِبٌ فأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنا غَائِبٌ عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعُها إنْ تَصَدَّقْتُ بهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فإنِّي أُشْهِدُكَ أنَّ حائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا.

(انْظُر الحَدِيث ٦٥٧٢ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: وَالصَّدَََقَة ظَاهِرَة (صُورَة) ، وَكَذَلِكَ يُطَابق قَوْله فِي الْوَقْف معنى، لِأَن الصَّدَقَة عَلَيْهَا تكون بطرِيق الْوَقْف، وَقد تكلم الشُّرَّاح فِيهِ بالتعسف مَا لَا يُفِيد.

والْحَدِيث مضى قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (أخابني سَاعِدَة) أَي: وَاحِدًا مِنْهُم، وَالْغَرَض أَنه أَيْضا أَنْصَارِي ساعدي.

وَفِيه: مطلوبية الْإِشْهَاد، وَإِذا أَمر بِالْإِشْهَادِ فِي البيع وَهُوَ خُرُوج ملك من ملك بعوَض، فالوقف أولى بذلك، لِأَن الْخُرُوج عَنهُ بِغَيْر عوض. وَقَالَ ابْن بطال الْإِشْهَاد وَاجِب فِي الْوَقْف، وَلَا يتم إلَاّ بِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: إِذا لم يبين الْحُدُود فِي الْوَقْف، إِنَّمَا يجوز إِذا كَانَت الأَرْض مَعْلُومَة يَقع عَلَيْهَا، وَيتَعَيَّن بِهِ كَمَا كَانَ بيرحاء وكالمخراف معينا عِنْد من أشهده، وعَلى هَذَا الْوَجْه تصح التَّرْجَمَة، وَأما إِذا لم يكن الْوَقْف معينا، وَكَانَت لَهُ مخاريف وأموال كَثِيرَة فَلَا يجوز الْوَقْف إلَاّ بالتحديد وَالتَّعْيِين، وَلَا خلاف فِي هَذَا.

١٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وآتُوا اليَتَامَى أمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ وَلَا تأكُلُوا أمْوَالَهُمْ إِلَى أمْوَالِكُمْ إنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً وإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فانْكِكُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ} (النِّسَاء: ٢١، ٣١)

هَذَا الْبَاب، وَثَلَاثَة أَبْوَاب بعده مترجمة بآيَات من الْقُرْآن أدخلها بَين أَبْوَاب الْوَقْف الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْوَصَايَا، وَلَيْسَ لذكرها فِيهَا وَجه كَمَا يَنْبَغِي، وَلَكِن من حَيْثُ إِن الْأَمر فِي الْأَوْقَاف وَالنَّظَر فِيهَا جعل إِلَى من يَليهَا، كَمَا جعل أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَى من يَلِي أَمرهم وَينظر فيهم، فالنظر فِي الْأَوْقَاف كالنظر لِلْيَتَامَى فِي رِعَايَة الْمصَالح، والمباشرة بالأمانات، وَإِبَاحَة تنَاول الْجعَالَة للنظار بِالْمَعْرُوفِ كإباحتها للأوصياء بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا مِمَّا فتح لي من الْقَبْض الإلهي زادنا الله بَصِيرَة فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية. قَوْله: عز وَجل {وَآتوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: أعْطوا أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَيْهِم إِذا بلغُوا الْحلم كَامِلَة موفرة. قَوْله: {وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: الْحَرَام بالحلال، وَلَا تجْعَلُوا الزيف بدل الْجيد والمهزول بدل السمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ: لَا تعط مهزولاً وَلَا تَأْخُذ سميناً. وَقَالَ السّديّ: كَانَ أحدهم يَأْخُذ الشَّاة السمينة من غنم الْيَتِيم وَيجْعَل فِيهَا مَكَانهَا الشَّاة المهزولة، يَقُول: شَاة بِشَاة، وَيَأْخُذ الدِّرْهَم الْجيد ويطرح مَكَانَهُ الزيف، وَيَقُول: دِرْهَم بدرهم. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أبي صَالح: لَا تعجل بالرزق الْحَرَام قبل أَن يَأْتِيك الرزق الْحَلَال. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تبدل الْحَرَام من أَمْوَال النَّاس بالحلال من أَمْوَالكُم. قَوْله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَالسُّديّ وسُفْيَان بن حُسَيْن، أَي: لَا تخلطوها فتأكلوها جَمِيعًا. وَقيل: إِلَى، بِمَعْنى: مَعَ، والأجود أَن يكون موضعهَا، وَيكون الْمَعْنى: وَلَا تضموا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم. قَوْله: إِنَّه كَانَ حوباً كَبِيرا} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ ابْن عَبَّاس أَي: إِثْمًا كَبِيرا عَظِيما. وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَآخَرين، وروى ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصل مولى ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن سِيرِين عَن ابْن عَبَّاس أَن أَبَا أَيُّوب طلق امْرَأَته، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَا أَبَا أَيُّوب! إِن طَلَاق أم أَيُّوب كَانَ حوباً) . وَقَالَ ابْن سِيرِين: الْحُوب الْإِثْم. قَوْله: {وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: إِن خِفْتُمْ أَن لَا تعدلوا فِي نِكَاح الْيَتَامَى، فَحذف لفظ: النِّكَاح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَمَا خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فخافوا مثل ذَلِك فِي سَائِر النِّسَاء، وَانْكِحُوا مَا طَابَ لكم مِنْهُنَّ، وَقيل: مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت تَحت حجر أحدكُم يتيمة وَخَافَ أَن لَا يُعْطِيهَا مهر مثلهَا فليعدل إِلَى مَا سواهَا من النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كثير، وَلم يضيق الله عَلَيْهِ، وَقيل: كَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة يكثرون التَّزْوِيج بِلَا حصر، فَإِذا كثرت عَلَيْهِم الْمُؤَن وَقل مَا بِأَيْدِيهِم أكلُوا مَا عِنْدهم من أَمْوَال الْيَتَامَى، فَقيل لَهُم: إِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا إِلَى الْأَرْبَع. قَوْله: {مَا طَابَ لكم} أَي: من طَابَ لكم.

٣٦٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمان قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ كانَ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا {وإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ هِيَ لِلْيَتِيمَة فِي حجْرِ ولِيِّها فيَرْغَبُ فِي جَمالِهَا ومالِها ويُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا بأدْنى مِنْ سُنَّةِ نِسائِها فنُهُوا عنْ نِكَاحِهِنَّ إلَاّ أنْ يُقُسِطُوا لَهُنَّ فِي إكْمَالِ الصَّدَّاق وأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ قالَتْ عائِشَةُ ثُمَّ اسْتَفْتَى الناسُ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعْدُ فأنْزَلَ الله عزَّ وَجلَّ {ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} (النِّسَاء: ٧٢١) . قالَتْ فبَيَّنَ الله فِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَتِيمَةَ إذَا كانَتْ ذَاتَ جَمالٍ ومالٍ رغِبُوا فِي نِكَاحِهَا ولَمْ يُلْحِقُوها بِسُنَّتِها بإكْمَالِ الصَّدَّاقِ فإذَا كانَتْ مَرْغُوبَةً عنْها فِي قِلَّةِ المالِ والجَمالِ تَرَكُوهَا والْتَمَسُوا غَيْرَهَا منَ النِّسَاءِ قَالَ فَكَمَا يَتْرُكونها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَلَيْسَ لَهُمْ أنْ يَنْكِحُوها إذَا رَغِبُوا فيهَا إلَاّ أنْ يُقُسِطُوا لَها الأوْفى مِنَ الصَّدَاقِ ويُعْطُوهَا حَقَّها.

.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده