«لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٧٦

الحديث رقم ٢٧٧٦ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نفقة القيم للوقف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة…

«لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ.»

سند حديث: ٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة…

أفاد الحديث أن ورثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتسمون -بعد موته- دينارًا ولا درهمًا من ماله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم من الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا؛ لأنهم لم يكونوا يجمعون للدنيا وإنما كانت رسالتهم هداية الخلق، فإذا وُجد له مال بعد موته فإنما هو لنفقة زوجاته، وللخليفة بعده، أو لأي قائم على أعمال المسلمين بعده، وما زاد عن ذلك فهو صدقة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الأنبياء لا يورثون، وما تركوه صدقة.
  • مشروعية جعل أجرة العامل على الوقف.
  • أن كل قيم بأمر من أمور المسلمين مما يعمهم نفعه له المئونة والكفاية في بيت مال المسلمين ما دام مشتغلا به، وذلك كالعلماء والقضاة والأمراء وسائر أهل الشغل بمنافع الإسلام.
  • جواز اتخاذ الأموال واقتنائها؛ طلبا للاستغناء بها عن الحاجة إلى الناس، وصونًا للوجه والنفس.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الَّذِي حَصَرَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالصَّامِتِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، بَلْ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالصَّامِتِ بِطَرِيقِ الِارْتِفَاقِ بِأَنْ يَحْبِسَ مَثَلًا مِنْهُ مَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمَرْأَةِ فَيَصِحَّ بِأَنْ يَحْبِسَ أَصْلَهُ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ النِّسَاءُ بِاللُّبْسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٢ - بَاب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ

٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا مَا تَرَكْتُ - بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي - فَهُوَ صَدَقَةٌ.

[الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩]

٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ وَيُؤْكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ نَفَقَةِ بَقِيَّةِ الْوَقْفِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.

فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أُجْرَةِ الْعَامِلِ عَلَى الْوَقْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَامِلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقَيِّمُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَجِيرُ وَنَحْوُهُمَا أَوِ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُجْرَةُ حَافِرِ قَبْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي. بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ، وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يَخْلُفُ إِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَفَ، وَقَوْلُهُ وَرَثَتِي سَمَّاهُمْ وَرَثَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ، لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ. وَسَيَأْتِي شَرْحُهٌ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي وَقْفِ عُمَرَ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَبْلُ بِبَابٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادٍ. قُلْتُ: لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْهُ، وَقُتَيْبَةُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَوَصَلَهُ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ مُطَوَّلًا، وَوَصَلَهُ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى طَرِيقِ قُتَيْبَةَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ.

٣٣ - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا أَوِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَقَفَ أَنَسٌ دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نَزَلَهَا، وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنْ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ، وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ.

٢٧٧٨ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ، وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَجَهَّزْتُهُ؟ قَالَ فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهُوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا، أَوِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِمَنْ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ مِنْ وَقْفِهِ مَنْفَعَةً، وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْجَوَازَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ عَامَّةً كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَوَقَفَ أَنَسٌ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ (دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نَزَلَهَا). وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَنْصَارِيِّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ وَقَفَ دَارًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ دَارَهُ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ الدَّارَ، وَيَسْتَثْنِيَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا بَيْتًا.

قَوْلُهُ: (وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ جَعَلَ دُورَهُ صَدَقَةً عَلَى بَنِيهِ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، وَأَنَّ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ نِسَائِهِ، وَصَوَّبَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَوَهَمَ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ بِخِلَافِهَا، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا بِكَسْرِ الضَّادِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ: أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِدَارِهِ مَحْبُوسَةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدَانُ … إِلَخْ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدَانَ بِلَا رِوَايَةٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ عَبْدَانَ بِتَمَامِهِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ السُّلَمَيُّ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُثْمَانُ وَالِدُ عَبْدَانَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ؛ فَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْهُ كَهَذِهِ الرِّوَايَةِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُثْمَانَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَتَابَعَهُ أَبُو قَطَنٍ، عَنْ يُونُسَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. قُلْتُ: وَتَفَرُّدُ عُثْمَانَ وَالِدِ عَبْدَانَ لَا يَضُرُّهُ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ، وَاتِّفَاقُ شُعْبَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا أَرْجَحُ مِنِ انْفِرَادِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّ آلَ الرَّجُلِ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَتَعَارَضُ التَّرْجِيحُ فَلَعَلَّ لِأَبِي إِسْحَاقَ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُثْمَانَ) أَيِ ابْنَ عَفَّانَ.

قَوْلُهُ: (حَيْثُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (حِينَ حُوصِرَ) أَيْ لَمَّا حَاصَرَهُ الْمِصْرِيُّونَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ تَوْلِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ فِي دَارِهِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ قَامَ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ، عَنِ النَّسَائِيِّ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. زَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ، عَنْ عُثْمَانَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَفَرَ رُومَةَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَاهَا لَا أَنَّهُ حَفَرَهَا. قُلْتُ: هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِيهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْ مَائِهَا إِلَّا بِثَمَنٍ. لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْوَهَمُ؛ فَقَدْ رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا الْمَاءَ وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: رُومَةَ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا الْقِرْبَةَ

بِمُدٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ تَبِيعُنِيهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي غَيْرُهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: أَتَجْعَلُ لِي فِيهَا مَا جَعَلْتَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا عَيْنًا فَلَا مَانِعَ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا عُثْمَانُ بِئْرًا، وَلَعَلَّ الْعَيْنَ كَانَتْ تَجْرِي إِلَى بِئْرٍ فَوَسَّعَهَا وَطَوَاهَا فَنُسِبَ حَفْرُهَا إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ) فِي رِوَايَةِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: أَرْسَلَ عُثْمَانُ وَهُوَ مَحْصُورٌ إِلَى عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ: احْضُرُوا غَدًا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، أَخْرَجَهُ سِيفٌ فِي الْفُتُوحِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ بِذَلِكَ هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، أَيْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حِرَاءً حِينَ انْتَفَضَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اثْبُتْ حِرَاءُ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَسَيَأْتِي هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ أَيْضًا ذِكْرُ رُومَةَ: لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْهَا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَابْتَعْتُهَا فَجَعَلْتُهَا لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ، عَنْ عُثْمَانَ. فَقَالَ: اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَجْرُهَا لَكَ. وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا: وَأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا فَمِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْمَذْكُورَةِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا، وَنَحْوُهُ لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ فِي قِصَّةِ مَقْتَلِهِ مُطَوَّلًا، وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَزَادَ فِي ذِكْرِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالًا وَلَا خِطَامًا. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبَّابٍ السُّلَمَيِّ أَنَّهُ جَهَّزَهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّهُ جَاءَ بِأَلِفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ : مَا عَلَى عُثْمَانَ مِنْ عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ. وَأَخْرَجَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ حَمَلَ عُثْمَانُ عَلَى أَلْفِ بَعِيرٍ وَسَبْعِينَ فَرَسًا فِي الْعُسْرَةِ.

وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ فَجَاءَ عُثْمَانُ بِسَبْعِمِائَةِ أُوقِيَّةِ ذَهَبٍ، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَعَانَ عُثْمَانَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَاءَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَتُوَافِقُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ مِنْ صَرْفِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. وَمِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَقُولُ: هَذِهِ يَدُ اللَّهِ وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمِنْهَا: مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ زَوَّجَنِي ابْنَتَيْهِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى رَضِيَ بِي وَرَضِيَ عَنِّي؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ. قَالَ: أَشْرَفَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا طَلْحَةُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: هَذَا جَلِيسِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ: أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ حُصِرَ قَالَ لِطَلْحَةَ: أَتَذْكُرُ إِذْ قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ عُثْمَانَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَنَاقِبُ ظَاهِرَةٌ لِعُثْمَانَ ، وَفِيهَا جَوَازُ تَحَدُّثِ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ أَوْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ وَالْعُجْبِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ): تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا تَقْتَسِمْ (١)) بالجزم على النَّهي، ولأبي ذرٍّ: «لا يقتسمُ (٢)» بالرَّفع على الخبر (وَرَثَتِي دِينَارًا) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ولا درهمًا» وتوجيه الرَّفع أنَّه لم يترك مالًا يورَث عنه، وأمَّا النَّهي، فعلى تقدير أن يخلِّف شيئًا، فنهاهم عن قسمته إن اتَّفق أنَّه يخلِّفه وسمَّاهم ورثةً مجازًا، وإلَّا فقد قال: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نورَثُ» [خ¦٣٠٩٣] (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي) احتجَّ له ابن عيينة -فيما قاله الخطَّابيُّ- بأنهنَّ في معنى المعتدَّات، لأنهنَّ لا يجوز لهنَّ أن ينكحن أبدًا، فجرت لهنَّ النَّفقة، وتُركَت حُجَرُهنَّ لهنَّ يسكنَّها (وَمَؤونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ) بالجرِّ عطفًا على «نفقة نسائي»، وهو القيِّم على الأرض أو الخليفة بعده ، ففيه دليلٌ على مشروعيَّة أجرة العامل على الوقف.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفرائض» [خ¦٦٧٢٩]، ومسلمٌ في «المغازي» وأبو داود في «الخَراج».

٢٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد بن درهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ) أباه (عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ) الأرض الَّتي أصابها بخيبر (أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ) أي: الوقف (وَيُؤكِلَ) أي: يطعم (صَدِيقَهُ) منه حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) أي: متَّخذٍ (٣) منه (مَالًا).

وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٧٧٢] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «اشترط … » إلى آخره.

(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَفَ) شخص (أَرْضًا أَوْ (١) بِئْرًا وَاشْتَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: «أو اشترط» (لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ) هل يجوز أم لا؟

(وَأَوْقَفَ) بالهمزة لُغيَّة، ولأبي ذرٍّ: «ووقف» (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (دَارًا) بالمدينة (فَكَانَ إِذَا قَدِمَ) المدينة مارًّا بها للحجِّ، وفي نسخة «اليونينيَّة»: «إذا قدمها» (نَزَلَهَا) وهذا وصله البيهقيُّ (وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام، فيما وصله الدَّارميُّ في «مسنده» (بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ) أي: المطلَّقة (مِنْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكُنَ) بفتح الهمزة، أي: لأن تسكن حال كونها (غَيْرَ مُضِرَّةٍ) بكسر الضَّاد، اسم فاعلٍ للمؤنَّث من الضَّرر (وَلَا مُضَرٍّ بِهَا) بفتح الضَّاد اسم مفعولٍ (فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ) في السُّكنى.

ومطابقة هذا لما ترجم به من جهة أن البنت قد تكون بكرًا، فتطلَّق قبل الدُّخول فتكون مؤنتها على أبيها، فيلزمه إسكانها فإذا أسكنها في وقفه فكأنه اشترط على نفسه رفع كلفةٍ.

(وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ) الَّذي خصَّه (مِنْ دَارِ) أبيه (عُمَرَ) التي تصدَّق بها، وقال: لا تباع، ولا توهب (سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لذوي الحاجات» (مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ) كبارهم وصغارهم، وهذا وصله ابن سعد بمعناه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (ذَلِك الْألف) ، ويروى: (تِلْكَ الْألف) ، وَجه التَّأْنِيث ظَاهر، وَوجه التَّذْكِير بِاعْتِبَار اللَّفْظ. قَوْله: (وَإِن لم يكن) شَرط على سَبِيل الْمُبَالغَة أَي: هَل لَهُ أَن يَأْكُل، وَإِن لم يَجْعَل ربحها صَدَقَة! فَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَيْسَ لَهُ وَإِن لم يَجْعَل، وَيُقَال: إِنَّمَا لَا يَأْكُل مِنْهَا إِذا كَانَ فِي غنى عَنْهَا، وَإِمَّا إِن احْتَاجَ، وافتقر فمباح لَهُ الْأكل مِنْهَا وَيكون كَأحد الْمَسَاكِين. وَقَالَ ابْن حبيب: وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَجَمِيع أَصْحَابنَا يَقُولُونَ: إِنَّه ينْفق على ولد الرجل وَولد وَلَده من حَبسه إِذا احتاجوا، وَإِن لم يكن لَهُم فِي ذَلِك أَسمَاء فَإِذا استغنوا فَلَا حق لَهُم، وَاسْتحْسن مَالك أَن لَا يوعبوها، إِذا احتاجوا، وَأَن يكون سهم مِنْهَا جَارِيا على الْفُقَرَاء لِئَلَّا يدرس، قَالَه ربيعَة وَيحيى بن سعيد.

٥٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عُمَرَ حَمَلَ علَى فرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ الله أعْطَاهَا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رجُلاً فأخْبَرَ عُمَرَ أنَّهُ قَدْ وقفَهَا يَبِيعُها فَسألَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَبْتَاعَهَا فَقَالَ لَا تَبْتَعْهَا ولَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حمل على فرس لَهُ فِي سَبِيل الله) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته. قَوْله: (فَأخْبر عمر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يبتاعها) ، أَي: يَشْتَرِيهَا. قَوْله: (وَلَا ترجعن) ، بنُون التَّأْكِيد الثَّقِيلَة.

٢٣ - (بابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْقيم، أَي: الْعَامِل على الْوَقْف، وَيدخل فِيهِ الْأَجِير والناظر وَالْوَكِيل.

٦٧٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَقْتَسِمْ ورَثَتِي دِيناراً مَا تَرَكْتُ بَعْدُ نَفَقَةِ نِسَائِي ومَؤُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومؤونة عَامِلِي) ، وَالْعَامِل هُوَ الْقيم، وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ بتبويبه أَن يبين أَن المُرَاد بقوله (مؤونة عَامِلِي) أَنه عَامل أرضه الَّتِي أفاءها الله عَلَيْهِ من بني النَّضِير، وفدك وسهمه من خَيْبَر، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي حَوَاشِي (السّنَن) قيل: أَرَادَ حافر قَبره، واستبعد لأَنهم لم يَكُونُوا يحفرون بِأُجْرَة، فَكيف لَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَقيل: أَرَادَ الْخَلِيفَة بعده، قَالَ الْكرْمَانِي: عَامِلِي، أَي: خليفتي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن القعْنبِي كلهم عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَلَا تقتسم) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: لَا تقتسم، بِرَفْع الْمِيم على الْخَبَر، أَي: لَيْسَ تقتسم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) : لَا تقتسم ورثتي، بِمَعْنى النَّهْي، لِأَنَّهُ لم يتْرك دِينَارا وَلَا درهما، فَلَا يجوز النَّهْي عَمَّا لَا سَبِيل إِلَى فعله، وَمعنى الْخَبَر: لَيْسَ تقتسم ورثتي. وَقيل: يجوز بِإِسْكَان الْمِيم على النَّهْي. قلت: الضَّم أشهر، وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى حَتَّى لَا عَارض مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة وَغَيرهَا: أَنه لم يتْرك، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَالا يُورث عَنهُ. فَإِن قلت: مَا وَجه النَّهْي؟ قلت: هُوَ أَنه لم يقطع بِأَنَّهُ لَا يخلف شَيْئا، بل كَانَ ذَلِك مُحْتملا، فنهاهم عَن قسْمَة مَا يخلف إِن اتّفق أَنه خلف. قَوْله: (ورثني) ، سماهم وَرَثَة بِاعْتِبَار أَنهم كَذَلِك بِالْقُوَّةِ، وَلَكِن مَنعهم من الْمِيرَاث الدَّلِيل الشَّرْعِيّ، وَهُوَ قَوْله: (وَلَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) قَوْله: (دِينَارا) ، وَفِي رِوَايَة يحيى بن يحيى الأندلسي (دَنَانِير) ، وَتَابعه ابْن كنَانَة، وَسَائِر الروَاة يَقُولُونَ: دِينَارا؟ قَالَ أَبُو عمر: هُوَ الصَّوَاب، لِأَن الْوَاحِد هُنَا أَعم عِنْد أهل اللُّغَة. قَوْله: (بعد نَفَقَة نسَائِي) ، قَالَ الْخطابِيّ: بَلغنِي عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه كَانَ يَقُول: أَزوَاج سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي معنى المعتدات لِأَنَّهُنَّ لَا يجوز لَهُنَّ أَن ينكحن أبدا، فجرت لَهُنَّ النَّفَقَة تركت حجرهن لَهُنَّ يسكنَّها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ الَّذِي حَصَرَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالصَّامِتِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، بَلْ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالصَّامِتِ بِطَرِيقِ الِارْتِفَاقِ بِأَنْ يَحْبِسَ مَثَلًا مِنْهُ مَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمَرْأَةِ فَيَصِحَّ بِأَنْ يَحْبِسَ أَصْلَهُ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ النِّسَاءُ بِاللُّبْسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٢ - بَاب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ

٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا مَا تَرَكْتُ - بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي - فَهُوَ صَدَقَةٌ.

[الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩]

٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ وَيُؤْكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ نَفَقَةِ بَقِيَّةِ الْوَقْفِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.

فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أُجْرَةِ الْعَامِلِ عَلَى الْوَقْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَامِلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْقَيِّمُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَجِيرُ وَنَحْوُهُمَا أَوِ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُجْرَةُ حَافِرِ قَبْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي. بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ، وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يَخْلُفُ إِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَفَ، وَقَوْلُهُ وَرَثَتِي سَمَّاهُمْ وَرَثَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ، لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ. وَسَيَأْتِي شَرْحُهٌ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي وَقْفِ عُمَرَ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَبْلُ بِبَابٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادٍ. قُلْتُ: لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْهُ، وَقُتَيْبَةُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَوَصَلَهُ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ مُطَوَّلًا، وَوَصَلَهُ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى طَرِيقِ قُتَيْبَةَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ.

٣٣ - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا أَوِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَقَفَ أَنَسٌ دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نَزَلَهَا، وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنْ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ، وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ.

٢٧٧٨ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ، وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَجَهَّزْتُهُ؟ قَالَ فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهُوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا، أَوِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِمَنْ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ مِنْ وَقْفِهِ مَنْفَعَةً، وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْجَوَازَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ عَامَّةً كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَوَقَفَ أَنَسٌ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ (دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ نَزَلَهَا). وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَنْصَارِيِّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ وَقَفَ دَارًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ دَارَهُ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ الدَّارَ، وَيَسْتَثْنِيَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا بَيْتًا.

قَوْلُهُ: (وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ جَعَلَ دُورَهُ صَدَقَةً عَلَى بَنِيهِ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، وَأَنَّ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ نِسَائِهِ، وَصَوَّبَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَوَهَمَ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ بِخِلَافِهَا، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا بِكَسْرِ الضَّادِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ: أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِدَارِهِ مَحْبُوسَةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدَانُ … إِلَخْ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدَانَ بِلَا رِوَايَةٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ عَبْدَانَ بِتَمَامِهِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ السُّلَمَيُّ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُثْمَانُ وَالِدُ عَبْدَانَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ؛ فَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْهُ كَهَذِهِ الرِّوَايَةِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُثْمَانَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَتَابَعَهُ أَبُو قَطَنٍ، عَنْ يُونُسَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. قُلْتُ: وَتَفَرُّدُ عُثْمَانَ وَالِدِ عَبْدَانَ لَا يَضُرُّهُ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ، وَاتِّفَاقُ شُعْبَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا أَرْجَحُ مِنِ انْفِرَادِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّ آلَ الرَّجُلِ أَعْرَفُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَتَعَارَضُ التَّرْجِيحُ فَلَعَلَّ لِأَبِي إِسْحَاقَ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُثْمَانَ) أَيِ ابْنَ عَفَّانَ.

قَوْلُهُ: (حَيْثُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (حِينَ حُوصِرَ) أَيْ لَمَّا حَاصَرَهُ الْمِصْرِيُّونَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ تَوْلِيَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ فِي دَارِهِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ قَامَ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ، عَنِ النَّسَائِيِّ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. زَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ، عَنْ عُثْمَانَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَفَرَ رُومَةَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَاهَا لَا أَنَّهُ حَفَرَهَا. قُلْتُ: هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِيهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُومَةَ لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْ مَائِهَا إِلَّا بِثَمَنٍ. لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْوَهَمُ؛ فَقَدْ رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا الْمَاءَ وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: رُومَةَ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا الْقِرْبَةَ

بِمُدٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ تَبِيعُنِيهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي غَيْرُهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: أَتَجْعَلُ لِي فِيهَا مَا جَعَلْتَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ جَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا عَيْنًا فَلَا مَانِعَ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا عُثْمَانُ بِئْرًا، وَلَعَلَّ الْعَيْنَ كَانَتْ تَجْرِي إِلَى بِئْرٍ فَوَسَّعَهَا وَطَوَاهَا فَنُسِبَ حَفْرُهَا إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ) فِي رِوَايَةِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: أَرْسَلَ عُثْمَانُ وَهُوَ مَحْصُورٌ إِلَى عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ: احْضُرُوا غَدًا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، أَخْرَجَهُ سِيفٌ فِي الْفُتُوحِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: أَنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ بِذَلِكَ هُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، أَيْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حِرَاءً حِينَ انْتَفَضَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اثْبُتْ حِرَاءُ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَسَيَأْتِي هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي رِوَايَةِ زَيْدٍ أَيْضًا ذِكْرُ رُومَةَ: لَمْ يَكُنْ يُشْرَبُ مِنْهَا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَابْتَعْتُهَا فَجَعَلْتُهَا لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَابْنِ السَّبِيلِ. وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْنَفِ، عَنْ عُثْمَانَ. فَقَالَ: اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَجْرُهَا لَكَ. وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا: وَأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا فَمِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْمَذْكُورَةِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا، وَنَحْوُهُ لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ فِي قِصَّةِ مَقْتَلِهِ مُطَوَّلًا، وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَزَادَ فِي ذِكْرِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالًا وَلَا خِطَامًا. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبَّابٍ السُّلَمَيِّ أَنَّهُ جَهَّزَهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّهُ جَاءَ بِأَلِفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ : مَا عَلَى عُثْمَانَ مِنْ عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ. وَأَخْرَجَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ حَمَلَ عُثْمَانُ عَلَى أَلْفِ بَعِيرٍ وَسَبْعِينَ فَرَسًا فِي الْعُسْرَةِ.

وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ فَجَاءَ عُثْمَانُ بِسَبْعِمِائَةِ أُوقِيَّةِ ذَهَبٍ، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَعَانَ عُثْمَانَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَاءَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَتُوَافِقُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ مِنْ صَرْفِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. وَمِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَقُولُ: هَذِهِ يَدُ اللَّهِ وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمِنْهَا: مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ زَوَّجَنِي ابْنَتَيْهِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى رَضِيَ بِي وَرَضِيَ عَنِّي؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ. قَالَ: أَشْرَفَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا طَلْحَةُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: هَذَا جَلِيسِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلِلْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ: أَنَّ عُثْمَانَ حِينَ حُصِرَ قَالَ لِطَلْحَةَ: أَتَذْكُرُ إِذْ قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ عُثْمَانَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَنَاقِبُ ظَاهِرَةٌ لِعُثْمَانَ ، وَفِيهَا جَوَازُ تَحَدُّثِ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ أَوْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ وَالْعُجْبِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ): تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا تَقْتَسِمْ (١)) بالجزم على النَّهي، ولأبي ذرٍّ: «لا يقتسمُ (٢)» بالرَّفع على الخبر (وَرَثَتِي دِينَارًا) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ولا درهمًا» وتوجيه الرَّفع أنَّه لم يترك مالًا يورَث عنه، وأمَّا النَّهي، فعلى تقدير أن يخلِّف شيئًا، فنهاهم عن قسمته إن اتَّفق أنَّه يخلِّفه وسمَّاهم ورثةً مجازًا، وإلَّا فقد قال: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نورَثُ» [خ¦٣٠٩٣] (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي) احتجَّ له ابن عيينة -فيما قاله الخطَّابيُّ- بأنهنَّ في معنى المعتدَّات، لأنهنَّ لا يجوز لهنَّ أن ينكحن أبدًا، فجرت لهنَّ النَّفقة، وتُركَت حُجَرُهنَّ لهنَّ يسكنَّها (وَمَؤونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ) بالجرِّ عطفًا على «نفقة نسائي»، وهو القيِّم على الأرض أو الخليفة بعده ، ففيه دليلٌ على مشروعيَّة أجرة العامل على الوقف.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفرائض» [خ¦٦٧٢٩]، ومسلمٌ في «المغازي» وأبو داود في «الخَراج».

٢٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد بن درهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ) أباه (عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ) الأرض الَّتي أصابها بخيبر (أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ) أي: الوقف (وَيُؤكِلَ) أي: يطعم (صَدِيقَهُ) منه حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ) أي: متَّخذٍ (٣) منه (مَالًا).

وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٢٧٧٢] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «اشترط … » إلى آخره.

(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَفَ) شخص (أَرْضًا أَوْ (١) بِئْرًا وَاشْتَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: «أو اشترط» (لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ) هل يجوز أم لا؟

(وَأَوْقَفَ) بالهمزة لُغيَّة، ولأبي ذرٍّ: «ووقف» (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (دَارًا) بالمدينة (فَكَانَ إِذَا قَدِمَ) المدينة مارًّا بها للحجِّ، وفي نسخة «اليونينيَّة»: «إذا قدمها» (نَزَلَهَا) وهذا وصله البيهقيُّ (وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام، فيما وصله الدَّارميُّ في «مسنده» (بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ) أي: المطلَّقة (مِنْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكُنَ) بفتح الهمزة، أي: لأن تسكن حال كونها (غَيْرَ مُضِرَّةٍ) بكسر الضَّاد، اسم فاعلٍ للمؤنَّث من الضَّرر (وَلَا مُضَرٍّ بِهَا) بفتح الضَّاد اسم مفعولٍ (فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ) في السُّكنى.

ومطابقة هذا لما ترجم به من جهة أن البنت قد تكون بكرًا، فتطلَّق قبل الدُّخول فتكون مؤنتها على أبيها، فيلزمه إسكانها فإذا أسكنها في وقفه فكأنه اشترط على نفسه رفع كلفةٍ.

(وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ) الَّذي خصَّه (مِنْ دَارِ) أبيه (عُمَرَ) التي تصدَّق بها، وقال: لا تباع، ولا توهب (سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لذوي الحاجات» (مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ) كبارهم وصغارهم، وهذا وصله ابن سعد بمعناه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (ذَلِك الْألف) ، ويروى: (تِلْكَ الْألف) ، وَجه التَّأْنِيث ظَاهر، وَوجه التَّذْكِير بِاعْتِبَار اللَّفْظ. قَوْله: (وَإِن لم يكن) شَرط على سَبِيل الْمُبَالغَة أَي: هَل لَهُ أَن يَأْكُل، وَإِن لم يَجْعَل ربحها صَدَقَة! فَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَيْسَ لَهُ وَإِن لم يَجْعَل، وَيُقَال: إِنَّمَا لَا يَأْكُل مِنْهَا إِذا كَانَ فِي غنى عَنْهَا، وَإِمَّا إِن احْتَاجَ، وافتقر فمباح لَهُ الْأكل مِنْهَا وَيكون كَأحد الْمَسَاكِين. وَقَالَ ابْن حبيب: وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَجَمِيع أَصْحَابنَا يَقُولُونَ: إِنَّه ينْفق على ولد الرجل وَولد وَلَده من حَبسه إِذا احتاجوا، وَإِن لم يكن لَهُم فِي ذَلِك أَسمَاء فَإِذا استغنوا فَلَا حق لَهُم، وَاسْتحْسن مَالك أَن لَا يوعبوها، إِذا احتاجوا، وَأَن يكون سهم مِنْهَا جَارِيا على الْفُقَرَاء لِئَلَّا يدرس، قَالَه ربيعَة وَيحيى بن سعيد.

٥٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عُمَرَ حَمَلَ علَى فرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ الله أعْطَاهَا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رجُلاً فأخْبَرَ عُمَرَ أنَّهُ قَدْ وقفَهَا يَبِيعُها فَسألَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَبْتَاعَهَا فَقَالَ لَا تَبْتَعْهَا ولَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حمل على فرس لَهُ فِي سَبِيل الله) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته. قَوْله: (فَأخْبر عمر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يبتاعها) ، أَي: يَشْتَرِيهَا. قَوْله: (وَلَا ترجعن) ، بنُون التَّأْكِيد الثَّقِيلَة.

٢٣ - (بابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْقيم، أَي: الْعَامِل على الْوَقْف، وَيدخل فِيهِ الْأَجِير والناظر وَالْوَكِيل.

٦٧٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَقْتَسِمْ ورَثَتِي دِيناراً مَا تَرَكْتُ بَعْدُ نَفَقَةِ نِسَائِي ومَؤُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومؤونة عَامِلِي) ، وَالْعَامِل هُوَ الْقيم، وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ بتبويبه أَن يبين أَن المُرَاد بقوله (مؤونة عَامِلِي) أَنه عَامل أرضه الَّتِي أفاءها الله عَلَيْهِ من بني النَّضِير، وفدك وسهمه من خَيْبَر، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي حَوَاشِي (السّنَن) قيل: أَرَادَ حافر قَبره، واستبعد لأَنهم لم يَكُونُوا يحفرون بِأُجْرَة، فَكيف لَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَقيل: أَرَادَ الْخَلِيفَة بعده، قَالَ الْكرْمَانِي: عَامِلِي، أَي: خليفتي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن القعْنبِي كلهم عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَلَا تقتسم) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: لَا تقتسم، بِرَفْع الْمِيم على الْخَبَر، أَي: لَيْسَ تقتسم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) : لَا تقتسم ورثتي، بِمَعْنى النَّهْي، لِأَنَّهُ لم يتْرك دِينَارا وَلَا درهما، فَلَا يجوز النَّهْي عَمَّا لَا سَبِيل إِلَى فعله، وَمعنى الْخَبَر: لَيْسَ تقتسم ورثتي. وَقيل: يجوز بِإِسْكَان الْمِيم على النَّهْي. قلت: الضَّم أشهر، وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى حَتَّى لَا عَارض مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة وَغَيرهَا: أَنه لم يتْرك، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَالا يُورث عَنهُ. فَإِن قلت: مَا وَجه النَّهْي؟ قلت: هُوَ أَنه لم يقطع بِأَنَّهُ لَا يخلف شَيْئا، بل كَانَ ذَلِك مُحْتملا، فنهاهم عَن قسْمَة مَا يخلف إِن اتّفق أَنه خلف. قَوْله: (ورثني) ، سماهم وَرَثَة بِاعْتِبَار أَنهم كَذَلِك بِالْقُوَّةِ، وَلَكِن مَنعهم من الْمِيرَاث الدَّلِيل الشَّرْعِيّ، وَهُوَ قَوْله: (وَلَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) قَوْله: (دِينَارا) ، وَفِي رِوَايَة يحيى بن يحيى الأندلسي (دَنَانِير) ، وَتَابعه ابْن كنَانَة، وَسَائِر الروَاة يَقُولُونَ: دِينَارا؟ قَالَ أَبُو عمر: هُوَ الصَّوَاب، لِأَن الْوَاحِد هُنَا أَعم عِنْد أهل اللُّغَة. قَوْله: (بعد نَفَقَة نسَائِي) ، قَالَ الْخطابِيّ: بَلغنِي عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه كَانَ يَقُول: أَزوَاج سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي معنى المعتدات لِأَنَّهُنَّ لَا يجوز لَهُنَّ أَن ينكحن أبدا، فجرت لَهُنَّ النَّفَقَة تركت حجرهن لَهُنَّ يسكنَّها.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده