«لَمَّا نَزَلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٢٨

الحديث رقم ٣٤٢٨ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ولقد آتينا لقمان الحكمة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم…

«لَمَّا نَزَلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.»

سند حديث: ٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ…

٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم…

أخبر ابن مسعود رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية التي في سورة الأنعام: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم} أي لم يخلطوه بظلم كَبُر ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ليس منا شخصٌ لم يَظلم نفسَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الظلم كما تظنونه من أنه الظلم مطلقًا، وأن المراد به ظلم الإنسان نفسه، بل هو كما قال لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود بالظلم في الآية هو الشرك، أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك.
وحاصل المعنى أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا الظلم على الإطلاق، من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد هنا معناه الظاهر، فشق عليهم ذلك، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد هو الظلم المقيد، وهو الظلم العظيم الذي لا ظلم بعده، ومن جعل العبادة وأثبت الربوبية لغير الله تعالى فهو ظالم، بل هو أظلم الظالمين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز إطلاق اللفظ العام والمراد به الخصوص.
  • ضرورة صدق الإيمان، وأن ذلك لا يكون إلا باجتناب أنواع الشرك وإخلاص الإيمان.
  • بيان تفاوت الظلم في أفراده، وأن الشرك أعظم أنواعه وليس فوقه ظلم.
  • المعاصي لا تسمى شركًا.
  • من لم يشرك بالله شيئًا فله الأمن التام، وهو مهتد.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

آثَرَتْ حَيَاتَهُ، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينَةِ شَفَقَةِ الصُّغْرَى وَعَدَمِهَا فِي الْكُبْرَى - مَعَ مَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهَا - مَا هَجَمَ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ لِلصُّغْرَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ مِمَّنْ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، أَوْ تَكُونَ الْكُبْرَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ اعْتَرَفَتْ بِالْحَقِّ لَمَّا رَأَتْ مِنْ سُلَيْمَانَ الْجِدَّ وَالْعَزْمَ فِي ذَلِكَ.

وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى مُدَّعٍ مُنْكِرٍ بِيَمِينٍ، فَلَمَّا مَضَى لِيُحَلِّفَهُ مَنِ اسْتَخْرَجَ مِنَ الْمُنْكِرِ مَا اقْتَضَى إِقْرَارَهُ بِمَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى جَحْدِهِ، فَإِنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَمِينِ أَوْ بَعْدَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ مِنْ بَابِ تَبَدُّلِ الْأَحْكَامِ بِتَبَدُّلِ الْأَسْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اسْتَنْبَطَ سُلَيْمَانُ لَمَّا رَأَى الْأَمْرَ مُحْتَمَلًا فَأَجَادَ، وَكِلَاهُمَا حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَاوُدُ حَكَمَ بِالنَّصِّ لَمَا سَاغَ لِسُلَيْمَانَ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ الْفِطْنَةَ وَالْفَهْمَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِكِبَرِ سِنٍّ وَلَا صِغَرِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسُوغُ لَهُمُ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنْ كَانَ وُجُودُ النَّصِّ مُمْكِنًا لَدَيْهِمْ بِالْوَحْيِ، لَكِنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي أُجُورِهِمْ، وَلِعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْخَطَإِ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يُقِرُّونَ لِعِصْمَتِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ سُلَيْمَانَ فَعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إِظْهَارِ الْحَقِّ، فَكَانَ كَمَا لَوِ اعْتَرَفَ الْمَحْكُومُ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْحِيَلِ فِي الْأَحْكَامِ لِاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِمَزِيدِ الْفِطْنَةِ وَمُمَارَسَةِ الْأَحْوَالِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ لَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَنْبَغِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقِفَ قَلِيلًا بَعْدَ لَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلسَّامِعِ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا وَصَلَهُ بِمَا بَعْدَهُ يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ لَهُ، وَيَزُولُ الْإِيهَامُ فِي مِثْلِ هَذَا بِزِيَادَةِ وَاوٍ كَأَنْ يَقُولَ: لَا وَيَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأُمَّ تُسْتَحْلَفُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ تَعْلِيقًا، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالْمُدْيَةُ مُثَلَّثَةٌ الْمِيمُ قِيلَ: لِلسِّكِّينِ، ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ مَدَى حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَالسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُسَكِّنُ حَرَكَةَ الْحَيَوَانِ.

٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَلا تُصَعِّرْ﴾ الْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.

٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَظِيمٌ﴾ اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ فَقِيلَ كَانَ حَبَشِيًّا، وَقِيلَ كَانَ نُوبِيًّا. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ نَبِيًّا؟ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: كَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ، وَاسْمُ أَبِيهِ عنقا بْنُ شيرون. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ ابْنُ بَاعُورَ بْنِ نَاحِرَ بْنِ آزَرَ فَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ. وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أُخْتِ أَيُّوبَ، وَقِيلَ: ابْنُ خَالَتِهِ. وَرَوَى الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّبَعِيِّ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَمَالِي أَنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِقَوْمٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ كَانَ لُقْمَانُ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ ذُو مَشَافِرَ، أَعْطَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَمَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.

وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عِنْدَ دَاوُدَ وَهُوَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ، فَجَعَلَ لُقْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ فَائِدَتِهِ فَتَمْنَعُهُ حِكْمَتُهُ أَنْ يَسْأَلَ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ عَاصَرَ دَاوُدَ . وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ دَاوُدَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ زَمَنَ دَاوُدَ ، وَقِيلَ إِنَّهُ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ، وَكَأَنَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ بِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُفْتِي قَبْلَ بَعْثِ دَاوُدَ، وَأَغْرَبَ الْوَاقِدِيُّ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَشُبْهَتُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَكْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِبَنِي الْحِسْحَاسِ بْنِ الْأَزْدِ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا.

قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَانَ صَالِحًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ نَبِيًّا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وَجَابِرٌ هُوَ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ، وَيُقَالُ إِنَّ عِكْرِمَةَ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ كَانَ نَبِيًّا، وَقِيلَ كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْتَقَهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا يَتَّجِرُ فِيهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ لُقْمَانَ خُيِّرَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ. وَفِي سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ضَعْفٌ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْحِكْمَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَقِيلَ كَانَ خَيَّاطًا وَقِيلَ نَجَّارًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ بَارَانُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ فِيهِ بِالدَّالِ فِي أَوَّلِهِ، وَقِيلَ اسْمُهُ أَنْعَمُ، وَقِيلَ شَكُورٌ وَقِيلَ بَابِلِيٌّ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ﴾ الْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ أَوْرَدَهُ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لَا تَتَكَبَّرْ عَلَيْهِمْ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الصَّعَرِ - يَعْنِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ - دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا حَتَّى تَلْفِتَ أَعْنَاقَهَا عَنْ رُءُوسِهَا، فَيُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الْمُتَكَبِّرُ الْمُعْرِضُ عَنِ النَّاسِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: تُصَعِّرْ هِيَ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْقِرَاءَاتِ لَهُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ تُصَاعِرْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ لِمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ مِنَ اثْنَيْنِ، وَتَكُونُ الْأُولَى أَشْمَلُ فِي اجْتِنَابِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَإِسْحَاقُ شَيْخُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

آثَرَتْ حَيَاتَهُ، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينَةِ شَفَقَةِ الصُّغْرَى وَعَدَمِهَا فِي الْكُبْرَى - مَعَ مَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهَا - مَا هَجَمَ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ لِلصُّغْرَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ مِمَّنْ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، أَوْ تَكُونَ الْكُبْرَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ اعْتَرَفَتْ بِالْحَقِّ لَمَّا رَأَتْ مِنْ سُلَيْمَانَ الْجِدَّ وَالْعَزْمَ فِي ذَلِكَ.

وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى مُدَّعٍ مُنْكِرٍ بِيَمِينٍ، فَلَمَّا مَضَى لِيُحَلِّفَهُ مَنِ اسْتَخْرَجَ مِنَ الْمُنْكِرِ مَا اقْتَضَى إِقْرَارَهُ بِمَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى جَحْدِهِ، فَإِنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَمِينِ أَوْ بَعْدَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ مِنْ بَابِ تَبَدُّلِ الْأَحْكَامِ بِتَبَدُّلِ الْأَسْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اسْتَنْبَطَ سُلَيْمَانُ لَمَّا رَأَى الْأَمْرَ مُحْتَمَلًا فَأَجَادَ، وَكِلَاهُمَا حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَاوُدُ حَكَمَ بِالنَّصِّ لَمَا سَاغَ لِسُلَيْمَانَ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ الْفِطْنَةَ وَالْفَهْمَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِكِبَرِ سِنٍّ وَلَا صِغَرِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسُوغُ لَهُمُ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنْ كَانَ وُجُودُ النَّصِّ مُمْكِنًا لَدَيْهِمْ بِالْوَحْيِ، لَكِنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي أُجُورِهِمْ، وَلِعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْخَطَإِ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يُقِرُّونَ لِعِصْمَتِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ سُلَيْمَانَ فَعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إِظْهَارِ الْحَقِّ، فَكَانَ كَمَا لَوِ اعْتَرَفَ الْمَحْكُومُ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْحِيَلِ فِي الْأَحْكَامِ لِاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِمَزِيدِ الْفِطْنَةِ وَمُمَارَسَةِ الْأَحْوَالِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ لَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَنْبَغِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقِفَ قَلِيلًا بَعْدَ لَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلسَّامِعِ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا وَصَلَهُ بِمَا بَعْدَهُ يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ لَهُ، وَيَزُولُ الْإِيهَامُ فِي مِثْلِ هَذَا بِزِيَادَةِ وَاوٍ كَأَنْ يَقُولَ: لَا وَيَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأُمَّ تُسْتَحْلَفُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ تَعْلِيقًا، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالْمُدْيَةُ مُثَلَّثَةٌ الْمِيمُ قِيلَ: لِلسِّكِّينِ، ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ مَدَى حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَالسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُسَكِّنُ حَرَكَةَ الْحَيَوَانِ.

٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَلا تُصَعِّرْ﴾ الْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.

٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَظِيمٌ﴾ اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ فَقِيلَ كَانَ حَبَشِيًّا، وَقِيلَ كَانَ نُوبِيًّا. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ نَبِيًّا؟ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: كَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ، وَاسْمُ أَبِيهِ عنقا بْنُ شيرون. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ ابْنُ بَاعُورَ بْنِ نَاحِرَ بْنِ آزَرَ فَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ. وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أُخْتِ أَيُّوبَ، وَقِيلَ: ابْنُ خَالَتِهِ. وَرَوَى الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّبَعِيِّ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَمَالِي أَنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِقَوْمٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ كَانَ لُقْمَانُ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ ذُو مَشَافِرَ، أَعْطَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَمَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.

وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عِنْدَ دَاوُدَ وَهُوَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ، فَجَعَلَ لُقْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ فَائِدَتِهِ فَتَمْنَعُهُ حِكْمَتُهُ أَنْ يَسْأَلَ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ عَاصَرَ دَاوُدَ . وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ دَاوُدَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ زَمَنَ دَاوُدَ ، وَقِيلَ إِنَّهُ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ، وَكَأَنَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ بِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُفْتِي قَبْلَ بَعْثِ دَاوُدَ، وَأَغْرَبَ الْوَاقِدِيُّ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَشُبْهَتُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَكْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِبَنِي الْحِسْحَاسِ بْنِ الْأَزْدِ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا.

قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَانَ صَالِحًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ نَبِيًّا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وَجَابِرٌ هُوَ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ، وَيُقَالُ إِنَّ عِكْرِمَةَ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ كَانَ نَبِيًّا، وَقِيلَ كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْتَقَهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا يَتَّجِرُ فِيهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ لُقْمَانَ خُيِّرَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ. وَفِي سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ضَعْفٌ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْحِكْمَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَقِيلَ كَانَ خَيَّاطًا وَقِيلَ نَجَّارًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ بَارَانُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ فِيهِ بِالدَّالِ فِي أَوَّلِهِ، وَقِيلَ اسْمُهُ أَنْعَمُ، وَقِيلَ شَكُورٌ وَقِيلَ بَابِلِيٌّ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ﴾ الْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ أَوْرَدَهُ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لَا تَتَكَبَّرْ عَلَيْهِمْ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الصَّعَرِ - يَعْنِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ - دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا حَتَّى تَلْفِتَ أَعْنَاقَهَا عَنْ رُءُوسِهَا، فَيُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الْمُتَكَبِّرُ الْمُعْرِضُ عَنِ النَّاسِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: تُصَعِّرْ هِيَ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْقِرَاءَاتِ لَهُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ تُصَاعِرْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ لِمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ مِنَ اثْنَيْنِ، وَتَكُونُ الْأُولَى أَشْمَلُ فِي اجْتِنَابِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَإِسْحَاقُ شَيْخُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل