«قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٦٠

الحديث رقم ٣٤٦٠ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ذكر عن بني إسرائيل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٤٦٠ في صحيح البخاري

«قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» تَابَعَهُ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .

إسناد حديث رقم ٣٤٦٠ من صحيح البخاري

٣٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٤٦٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ".

٣٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: "قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا". تَابَعَهُ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ .

٣٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ".

٣٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ".

[الحديث ٣٤٦٢ - طرفه في: ٥٨٩٩]

٣٤٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ قال رسول الله : "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْرَائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ، أَيْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ. ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَلِبَعْضِهِمْ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ بَدَلَ مُوسَى وَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ مُسَدَّدٍ سَتَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مَوْصُولَةً، وَرِوَايَةُ مُوسَى مُعَلَّقَةٌ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةٍ اخْتَلَفَا فِيهَا عَلَى أَبِي عَوَانَةَ، وَكَلَامُ أَبِي عَلِيٍّ الْغَسَّانِيِّ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو) هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَدْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ مَاءٌ) الْحَدِيثُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا إِيرَادُ مَا يَلِيهِ وَهُوَ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَقِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ. فَأَمَّا قِصَّةُ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ فَقَدْ أَوْرَدَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ، أَيْ أُقَاضِيهِمْ، وَالْمُجَازَاةُ الْمُقَاضَاةُ، أَيْ آخُذُ مِنْهُمْ وَأُعْطِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأُجَازِفُهُمْ

بِالْجِيمِ وَالزَّايِ وَالْفَاءِ. وَفِي أُخْرَى بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَكِلَاهُمَا تَصْحِيفٌ لَا يَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قِصَّةُ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مُفْرَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَامْتُحِشَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيِ احْتَرَقَتْ، وَلِبَعْضِهِمْ بِوَزْنِ احْتَرَقَتْ وَهُوَ أَشْبَهُ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا) أَيْ شَدِيدَ الرِّيحِ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: (قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَنَا سَمِعْتُهُ) يَعْنِي النَّبِيَّ (يَقُولُ ذَاكَ، وَكَانَ نَبَّاشًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ فَقَطْ، لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْجَمِيعَ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْفِتَنِ قِصَّةَ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَأَنَا سَمِعْتُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ نَبَّاشًا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْحَدِيثِ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ كَانَ نَبَّاشًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: أَحْرِقُونِي فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ نَبَّاشًا مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ مَعًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ بَيْنَمَا حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ جَالِسَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَنْبُشُ الْقُبُورَ فَذَكَرَهُ، وَعَرَفَ مِنْهَا وَجْهَ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.

الحديث الثاني.

قَوْلُهُ: (لَمَّا نُزِلَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحَتَيْنِ (بِرَسُولِ اللَّهِ يَعْنِي الْمَوْتَ أَوْ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ فِي مُسْلِمٍ لِلْأَكْثَرِ بِالضَّمِّ، فِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ يَعْنِي الْمَنِيَّةَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي الصَّلَاةِ. وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذَمُّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي اتِّخَاذِهِمْ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ الَّذِي فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ) بِقَافٍ وَزَايَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ فُرَاتُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ آخِرُهُ مُثَنَّاةٌ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ) أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَهَرَ فِيهِمْ فَسَادٌ بَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ نَبِيًّا يُقِيمُ لهم أَمْرَهُمْ وَيُزِيلُ مَا غَيَّرُوا مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرَّعِيَّةِ مِنْ قَائِمٍ بِأُمُورِهَا يَحْمِلُهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْحَسَنَةِ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) أَيْ فَيَفْعَلُ مَا كَانَ أُولَئِكَ يَفْعَلُونَ.

قَوْلُهُ: (وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ) أَيْ بَعْدِي، وَقَوْلُهُ: (فَيَكْثُرُونَ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إِكْبَارُ قَبِيحِ فِعْلِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فُوا) فِعْلُ أَمْرٍ بِالْوَفَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بُويِعَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ خَلِيفَةٍ فَبَيْعَةُ الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَبَيْعَةُ الثَّانِي بَاطِلَةٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: سَوَاءٌ عَقَدُوا لِلثَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانُوا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ. سَوَاءٌ كَانُوا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ الْمُنْفَصِلِ أَمْ لَا. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: تَكُونُ لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَالَ: وَهُمَا قَوْلَانِ فَاسِدَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُكْمُ بَيْعَةِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَسَكَتَ عَنْ بَيْعَةِ الثَّانِي. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَرْفَجَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ: فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ) أَيْ أَطِيعُوهُمْ وَعَاشِرُوهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ بِكُمْ، وَسَتَأْتِي تَتِمَّةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ) هُوَ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ أَمْرِ الدِّينِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ أَمَرَ بِتَوْفِيَةِ حَقِّ السُّلْطَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ وَكَفِّ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ ; وَتَأْخِيرِ أَمْرِ الْمُطَالَبَةِ بِحَقِّهِ لَا يُسْقِطُهُ، وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُخْلِصُهُ وَيُوَفِّيهِ إِيَّاهُ وَلَوْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

الْحَدِيثُ

الرَّابِعُ حَدَيثُ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (لَتَتَّبِعُنَّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ (سَنَنَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ طَرِيقَ (مَنْ قَبْلَكُمْ) أَيِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ.

قَوْلُهُ: (جُحْرَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ (ضَبٍّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ دُوَيْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ يُقَالُ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الضَّبَّ يُقَالُ لَهُ قَاضِي الْبَهَائِمِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إِنَّمَا وَقَعَ لِجُحْرِ الضَّبِّ لِشِدَّةِ ضِيقِهِ وَرَدَاءَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لِاقْتِفَائِهِمْ آثَارَهُمْ وَاتِّبَاعِهِمْ طَرَائِقَهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِي مِثْلِ هَذَا الضَّيِّقِ الرَّدِيءِ لَتَبِعُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ : فَمَنْ؟) هُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ غَيْرَهُمْ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدَيثُ أَنَسٍ ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ تَامًّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدَيثُ عَائِشَةَ كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَتَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ إِنَّهَا كَرِهَتْ الِاخْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، يَعْنِي وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي، أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا. الْحَدِيثَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

تَابَعَهُ جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ .

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدَيثُ عُمَرَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَامًّا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي أَوَاخِرِهِ مَعَ شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ يَعْنِي فِي تَحْرِيمِ شُحُومِ الْمَيْتَةِ دُونَ الْقِصَّةِ، فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) قَالَ الْمُعَافَى النَّهْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْجَلِيسِ لَهُ: الْآيَةُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الْعَلَامَةُ الْفَاصِلَةُ، وَالْأُعْجُوبَةُ الْحَاصِلَةُ، وَالْبَلِيَّةُ النَّازِلَةُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ وَمِنَ الثَّانِي: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ وَمِنَ الثَّالِثِ: جَعَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا الْيَوْمَ آيَةً. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا آيَةٌ لِدَلَالَتِهَا وَفَصْلِهَا وَإِبَانَتِهَا. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ آيَةً أَيْ وَاحِدَةً لِيُسَارِعَ كُلُّ سَامِعٍ إِلَى تَبْلِيغِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْآيِ وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِلَ بِذَلِكَ نَقْلُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ . اهـ كَلَامُهُ.

قَوْلُهُ: (وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) أَيْ لَا ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ، ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ، وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الِاعْتِبَارِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَا حَرَجَ: لَا تَضِيقُ صُدُورُكُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا، وَقِيلَ: لَا حَرَجَ فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا: حَدِّثُوا صِيغَةُ أَمْرٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَا حَرَجَ أَيْ فِي تَرْكِ التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ. قِيلَ: الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ حَاكِي ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْبَارِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّنِيعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمِ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا. وَقَوْلُهُمْ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْلَادُ إِسْرَائِيلَ نَفْسِهِ وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، وَالْمُرَادُ حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِقِصَّتِهِمْ مَعَ أَخِيهِمْ يُوسُفَ، وَهَذَا أَبْعَدُ الْأَوْجُهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ

عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ، أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ فَلَا. وَقِيلَ الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ بِأَيِّ صُورَةٍ وَقَعَتْ مِنَ انْقِطَاعٍ أَوْ بَلَاغٍ لِتَعَذُّرِ الِاتِّصَالِ فِي التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي التَّحَدُّثِ بِهَا الِاتِّصَالُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُجِيزُ التَّحَدُّثَ بِالْكَذِبِ، فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبَهُ، وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّثِ بِهِ عَنْهُمْ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ. وَلَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ وَلَا الْمَنْعُ مِنَ التَّحَدُّثِ بِمَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَذَكَرْتُ عَدَدَ مَنْ رَوَاهُ وَصِفَةَ مَخَارِجِهِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، حَتَّى بَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يَمِيلُ إِلَيْهِ. وَجَهِلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَزَهِّدَةِ: إِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْوِيَةِ أَمْرِ الدِّينِ وَطَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْوَعِيدَ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ لَا فِي الْكَذِبِ لَهُ، وَهُوَ اعْتِلَالٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَذِبَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَالدِّينُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَامِلٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْوِيَتِهِ بِالْكَذِبِ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ) يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةُ الصَّبْغِ، وَالْمُرَادُ بِهِ صَبْغُ شَيْبِ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إِزَالَةِ الشَّيْبِ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ لَا يَقْتَضِي الْإِزَالَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ السَّوَادِ، لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: غَيِّرُوهُ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُخَضِّبُونَ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ. وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ وَقْفِهِ فَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَحُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلِهَذَا اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الصَّبْغَ بِالسَّوَادِ يُكْرَهُ كَرَاهِيَةَ تَحْرِيمٍ. وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِأَجْلِ زَوْجِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ وَاسِعٌ، وَالصَّبْغُ بِغَيْرِ السَّوَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ اتِّفَاقًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّبْغِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَبْغَ الثِّيَابِ وَلَا خَضْبَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَحْرِيمِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ لِلرَّجُلِ وَبِتَحْرِيمِ خَضْبِ الرِّجَالِ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ إِلَّا لِلتَّدَاوِي، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ مَعْمَرٍ، نَسَبَهُ ابْنُ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَقِيلَ هُوَ الذُّهْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ. وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ.، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) هُوَ مَسْجِدُ الْبَصْرَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا) أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَحَقُّقِهِ لِمَا حَدَّثَ بِهِ وَقُرْبِ عَهْدِهِ بِهِ وَاسْتِمْرَارِ ذِكْرِهِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، وَأَنَّ الْكَذِبَ مَأْمُونٌ مِنْ قِبَلِهِمْ وَلَا سِيَّمَا عَلَى النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (بِهِ جُرْحٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ: بِهِ جِرَاحٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إنَّ رَجُلًا خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: حَبَّةٌ تَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ بِهِ جُرْحٌ ثُمَّ صَارَ قَرْحَةً.

قَوْلُهُ: (فَجَزِعَ) أَيْ فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى أَلَمِ تِلْكَ الْقَرْحَةِ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ) السِّكِّينُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَقَوْلُهُ: حَزَّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ الْقَطْعُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ".

٣٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: "قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا". تَابَعَهُ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ .

٣٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ".

٣٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ".

[الحديث ٣٤٦٢ - طرفه في: ٥٨٩٩]

٣٤٦٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ قال رسول الله : "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْرَائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ، أَيْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ. ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَلِبَعْضِهِمْ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ بَدَلَ مُوسَى وَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ مُسَدَّدٍ سَتَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ مَوْصُولَةً، وَرِوَايَةُ مُوسَى مُعَلَّقَةٌ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةٍ اخْتَلَفَا فِيهَا عَلَى أَبِي عَوَانَةَ، وَكَلَامُ أَبِي عَلِيٍّ الْغَسَّانِيِّ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو) هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْبَدْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ مَاءٌ) الْحَدِيثُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا إِيرَادُ مَا يَلِيهِ وَهُوَ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَقِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ. فَأَمَّا قِصَّةُ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ فَقَدْ أَوْرَدَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ، أَيْ أُقَاضِيهِمْ، وَالْمُجَازَاةُ الْمُقَاضَاةُ، أَيْ آخُذُ مِنْهُمْ وَأُعْطِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأُجَازِفُهُمْ

بِالْجِيمِ وَالزَّايِ وَالْفَاءِ. وَفِي أُخْرَى بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَكِلَاهُمَا تَصْحِيفٌ لَا يَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قِصَّةُ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مُفْرَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَامْتُحِشَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيِ احْتَرَقَتْ، وَلِبَعْضِهِمْ بِوَزْنِ احْتَرَقَتْ وَهُوَ أَشْبَهُ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا) أَيْ شَدِيدَ الرِّيحِ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: (قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَنَا سَمِعْتُهُ) يَعْنِي النَّبِيَّ (يَقُولُ ذَاكَ، وَكَانَ نَبَّاشًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ فَقَطْ، لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْجَمِيعَ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْفِتَنِ قِصَّةَ الَّذِي كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَأَنَا سَمِعْتُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ الَّذِي أَوْصَى بَنِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ نَبَّاشًا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْحَدِيثِ، لَكِنْ أَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ كَانَ نَبَّاشًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: أَحْرِقُونِي فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ نَبَّاشًا مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ مَعًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ بَيْنَمَا حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ جَالِسَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَنْبُشُ الْقُبُورَ فَذَكَرَهُ، وَعَرَفَ مِنْهَا وَجْهَ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.

الحديث الثاني.

قَوْلُهُ: (لَمَّا نُزِلَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحَتَيْنِ (بِرَسُولِ اللَّهِ يَعْنِي الْمَوْتَ أَوْ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ فِي مُسْلِمٍ لِلْأَكْثَرِ بِالضَّمِّ، فِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ يَعْنِي الْمَنِيَّةَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي الصَّلَاةِ. وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذَمُّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي اتِّخَاذِهِمْ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ الَّذِي فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ) بِقَافٍ وَزَايَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ فُرَاتُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ آخِرُهُ مُثَنَّاةٌ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ) أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَهَرَ فِيهِمْ فَسَادٌ بَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ نَبِيًّا يُقِيمُ لهم أَمْرَهُمْ وَيُزِيلُ مَا غَيَّرُوا مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرَّعِيَّةِ مِنْ قَائِمٍ بِأُمُورِهَا يَحْمِلُهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْحَسَنَةِ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) أَيْ فَيَفْعَلُ مَا كَانَ أُولَئِكَ يَفْعَلُونَ.

قَوْلُهُ: (وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ) أَيْ بَعْدِي، وَقَوْلُهُ: (فَيَكْثُرُونَ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إِكْبَارُ قَبِيحِ فِعْلِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فُوا) فِعْلُ أَمْرٍ بِالْوَفَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا بُويِعَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ خَلِيفَةٍ فَبَيْعَةُ الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَبَيْعَةُ الثَّانِي بَاطِلَةٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: سَوَاءٌ عَقَدُوا لِلثَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانُوا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ. سَوَاءٌ كَانُوا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ الْمُنْفَصِلِ أَمْ لَا. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: تَكُونُ لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَالَ: وَهُمَا قَوْلَانِ فَاسِدَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُكْمُ بَيْعَةِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَسَكَتَ عَنْ بَيْعَةِ الثَّانِي. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَرْفَجَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ: فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ) أَيْ أَطِيعُوهُمْ وَعَاشِرُوهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ بِكُمْ، وَسَتَأْتِي تَتِمَّةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ) هُوَ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ أَمْرِ الدِّينِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ أَمَرَ بِتَوْفِيَةِ حَقِّ السُّلْطَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ وَكَفِّ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ ; وَتَأْخِيرِ أَمْرِ الْمُطَالَبَةِ بِحَقِّهِ لَا يُسْقِطُهُ، وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُخْلِصُهُ وَيُوَفِّيهِ إِيَّاهُ وَلَوْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

الْحَدِيثُ

الرَّابِعُ حَدَيثُ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (لَتَتَّبِعُنَّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ (سَنَنَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ طَرِيقَ (مَنْ قَبْلَكُمْ) أَيِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ.

قَوْلُهُ: (جُحْرَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ (ضَبٍّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ دُوَيْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ يُقَالُ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الضَّبَّ يُقَالُ لَهُ قَاضِي الْبَهَائِمِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إِنَّمَا وَقَعَ لِجُحْرِ الضَّبِّ لِشِدَّةِ ضِيقِهِ وَرَدَاءَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لِاقْتِفَائِهِمْ آثَارَهُمْ وَاتِّبَاعِهِمْ طَرَائِقَهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِي مِثْلِ هَذَا الضَّيِّقِ الرَّدِيءِ لَتَبِعُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ : فَمَنْ؟) هُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ غَيْرَهُمْ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدَيثُ أَنَسٍ ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ تَامًّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدَيثُ عَائِشَةَ كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَتَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ إِنَّهَا كَرِهَتْ الِاخْتِصَارَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، يَعْنِي وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي، أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا. الْحَدِيثَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

تَابَعَهُ جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ .

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدَيثُ عُمَرَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَامًّا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي أَوَاخِرِهِ مَعَ شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ يَعْنِي فِي تَحْرِيمِ شُحُومِ الْمَيْتَةِ دُونَ الْقِصَّةِ، فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) قَالَ الْمُعَافَى النَّهْرَوَانِيُّ فِي كِتَابِ الْجَلِيسِ لَهُ: الْآيَةُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الْعَلَامَةُ الْفَاصِلَةُ، وَالْأُعْجُوبَةُ الْحَاصِلَةُ، وَالْبَلِيَّةُ النَّازِلَةُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ وَمِنَ الثَّانِي: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ وَمِنَ الثَّالِثِ: جَعَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا الْيَوْمَ آيَةً. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا آيَةٌ لِدَلَالَتِهَا وَفَصْلِهَا وَإِبَانَتِهَا. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ آيَةً أَيْ وَاحِدَةً لِيُسَارِعَ كُلُّ سَامِعٍ إِلَى تَبْلِيغِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْآيِ وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِلَ بِذَلِكَ نَقْلُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ . اهـ كَلَامُهُ.

قَوْلُهُ: (وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) أَيْ لَا ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ، ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ، وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الِاعْتِبَارِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لَا حَرَجَ: لَا تَضِيقُ صُدُورُكُمْ بِمَا تَسْمَعُونَهُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ كَثِيرًا، وَقِيلَ: لَا حَرَجَ فِي أَنَّ لَا تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا: حَدِّثُوا صِيغَةُ أَمْرٍ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَأَشَارَ إِلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَا حَرَجَ أَيْ فِي تَرْكِ التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ. قِيلَ: الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ حَاكِي ذَلِكَ لِمَا فِي أَخْبَارِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّنِيعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمِ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا. وَقَوْلُهُمْ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْلَادُ إِسْرَائِيلَ نَفْسِهِ وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، وَالْمُرَادُ حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِقِصَّتِهِمْ مَعَ أَخِيهِمْ يُوسُفَ، وَهَذَا أَبْعَدُ الْأَوْجُهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ

عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ، أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ فَلَا. وَقِيلَ الْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْهُمْ بِمِثْلِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ جَوَازُ التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ بِأَيِّ صُورَةٍ وَقَعَتْ مِنَ انْقِطَاعٍ أَوْ بَلَاغٍ لِتَعَذُّرِ الِاتِّصَالِ فِي التَّحَدُّثِ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي التَّحَدُّثِ بِهَا الِاتِّصَالُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِقُرْبِ الْعَهْدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُجِيزُ التَّحَدُّثَ بِالْكَذِبِ، فَالْمَعْنَى حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا تَعْلَمُونَ كَذِبَهُ، وَأَمَّا مَا تُجَوِّزُونَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي التَّحَدُّثِ بِهِ عَنْهُمْ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ. وَلَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ وَلَا الْمَنْعُ مِنَ التَّحَدُّثِ بِمَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَذَكَرْتُ عَدَدَ مَنْ رَوَاهُ وَصِفَةَ مَخَارِجِهِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، حَتَّى بَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يَمِيلُ إِلَيْهِ. وَجَهِلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَزَهِّدَةِ: إِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْوِيَةِ أَمْرِ الدِّينِ وَطَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْوَعِيدَ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ لَا فِي الْكَذِبِ لَهُ، وَهُوَ اعْتِلَالٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَعِيدِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَذِبَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَالدِّينُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَامِلٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْوِيَتِهِ بِالْكَذِبِ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ) يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةُ الصَّبْغِ، وَالْمُرَادُ بِهِ صَبْغُ شَيْبِ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إِزَالَةِ الشَّيْبِ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ لَا يَقْتَضِي الْإِزَالَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ السَّوَادِ، لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: غَيِّرُوهُ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُخَضِّبُونَ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ. وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ وَقْفِهِ فَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَحُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلِهَذَا اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الصَّبْغَ بِالسَّوَادِ يُكْرَهُ كَرَاهِيَةَ تَحْرِيمٍ. وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِأَجْلِ زَوْجِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ وَاسِعٌ، وَالصَّبْغُ بِغَيْرِ السَّوَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ اتِّفَاقًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّبْغِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَبْغَ الثِّيَابِ وَلَا خَضْبَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَحْرِيمِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ لِلرَّجُلِ وَبِتَحْرِيمِ خَضْبِ الرِّجَالِ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ إِلَّا لِلتَّدَاوِي، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ مَعْمَرٍ، نَسَبَهُ ابْنُ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَقِيلَ هُوَ الذُّهْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ. وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ.، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) هُوَ مَسْجِدُ الْبَصْرَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا) أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى تَحَقُّقِهِ لِمَا حَدَّثَ بِهِ وَقُرْبِ عَهْدِهِ بِهِ وَاسْتِمْرَارِ ذِكْرِهِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، وَأَنَّ الْكَذِبَ مَأْمُونٌ مِنْ قِبَلِهِمْ وَلَا سِيَّمَا عَلَى النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (بِهِ جُرْحٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ: بِهِ جِرَاحٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إنَّ رَجُلًا خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: حَبَّةٌ تَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ بِهِ جُرْحٌ ثُمَّ صَارَ قَرْحَةً.

قَوْلُهُ: (فَجَزِعَ) أَيْ فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى أَلَمِ تِلْكَ الْقَرْحَةِ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ) السِّكِّينُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَقَوْلُهُ: حَزَّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ الْقَطْعُ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده