«بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩١

الحديث رقم ٤٦٩١ من كتاب «سورة يوسف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل سولت زينت.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٩١ في صحيح البخاري

«بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ

⦗٧٧⦘

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ، قَالَتْ: نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ: ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾».

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٦٩١

٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٩١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ، قَالَ النَّبِيُّ : إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، قُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ.

٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ أَيْ زَيَّنَتْ وَحَسَّنَتْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ.

وَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ فَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ طَرَفًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا قِيلَ فِي الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِنَ الِانْقِطَاعِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ مُسْتَوْفًى، وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤ - بَاب ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بِالْحَوْرَانِيَّةِ: هَلُمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ

٤٦٩٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قَالَ: وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا. ﴿مَثْوَاهُ﴾ مُقَامُهُ. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدَا. ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾، ﴿أَلْفَيْنَا﴾ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾

٤٦٩٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ بِالإِسْلَامِ قَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتْ الْبَطْشَة"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ اسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَشْهُورِ زُلَيْخَا، وَقِيلَ رَاعِيلُ، وَاسْمُ سَيِّدِهَا الْعَزِيزُ قِطْفِيرُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَقِيلَ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ

هَيْتَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ) أَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ هُيِّئْتُ لَكَ يَعْنِي بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ يَعْنِي هَلُمَّ لَكَ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَعْنَاهَا تَهَيَّأْتُ لَكَ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ هَلُمَّ لَكَ. وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أَيْ هَلُمَّ، وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ:

إِنَّ الْعِرَاقَ وَأَهْلَهُ … عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهِيتَ هِيتًا

قَالَ وَلَفْظُ هَيْتَ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ الْعَدَدَ فِيمَا بَعْدُ، تَقُولُ هَيْتَ لَكَ وَهَيْتَ لَكُمَا. قَالَ وَشَهِدْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّنْ قَرَأَ هِئْتُ لَكَ أَيْ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مَهْمُوزًا. فَقَالَ: بَاطِلٌ، لَا يَعْرِفُ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، انْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ، وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ: إِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظٍ: إِنِّي سَمِعْتُ الْفَرَّاءَ فَسَمِعَتهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ، فَاقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعُ وَالِاخْتِلَافُ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلُمَّ وَتَعَالَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فَقُلْتُ: إِنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَهَا (هِيتَ لَكَ) قَالَ: لَا، لَأَنْ أَقْرَأَهَا كَمَا عَلِمْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، وَزَائِدَةٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا (هَيْتَ لَكَ بِالْفَتْحِ)، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ. بِإِسْنَادِهِ لَكِنْ قَالَ بِالضَّمِّ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَرَأَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِالْفَتْحِ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَقْرَءُونَهَا بِالضَّمِّ فَذَكَرَهُ. وَهَذَا أَقْوَى.

قُلْتُ: وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَبِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، لَكِنْ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِنْكَارُ أَبِي عَمْرٍو ذَلِكَ، لَكِنْ ثَبَتَ مَا أَنْكَرَهُ فِي قِرَاءَةِ هِشَامٍ فِي السَّبْعَةِ، وَجَاءَ عَنْهُ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ أَيْضًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِالضَّمِّ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ ذِكْوَانَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ آخِرِهِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِهِمَا، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ آخِرِهِ وَهِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ أَحَدُ مَشَايِخِ النَّحْوِ بِالْبَصْرَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ آخِرِهِ، وَحَكَى النَّحَّاسُ أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرِهِمَا. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا بِالْحَوْرَانِيَّةِ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا لُغَةٌ قِبْطِيَّةٌ مَعْنَاهَا هَلُمَّ لَكَ، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ هِيَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَأَصْلُهَا هت لج أَيْ تَعَالَهْ فَعُرِّبَتْ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ عَرَبِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْحَثُّ عَلَى الْإِقْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَثْوَاهُ مَقَامُهُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أَيْ مَقَامَهُ الَّذِي ثَوَّاهُ، وَيُقَالُ لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ ضَيْفًا: أَبُو مَثْوَاهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدَا أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ وَأَلْفَى) (١) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أَيْ وَجَدَاهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أَيْ

وَجَدُوا. وَفِي قَوْلِهِ: (أَلْفَى) أَيْ وَجَدَ.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْطُوفًا عَلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا، وَقَدْ أَشْكَلَتْ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهَا مِنْ سُورَةِ وَالصَّافَّاتِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ مَعْنَاهَا شَيْءٌ. لَكِنْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ. الْحَدِيثَ.

وَلَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ أَيْضًا لِلتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهَا أَبُو الْإِصْبَعِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ فِي شَرْحِهِ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ رِحْلَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ عَنْهُ مَا مُلَخَّصُهُ: تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَأَدْخَلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا الْحَدِيثَ وَأَوْرَدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ قَالَ فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْفَائِدَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مُنَاسَبَةَ التَّبْوِيبِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ مَا عَرَضَ لِيُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ وَمَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِمَا عَرَضَ لِمُحَمَّدٍ مَعَ قَوْمِهِ حِينَ أَخْرَجُوهُ مِنْ وَطَنِهِ كَمَا أَخْرَجَ يُوسُفَ إِخْوَتُهُ وَبَاعُوهُ لِمَنِ اسْتَعْبَدَهُ فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ قَوْمَهُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ كَمَا لَمْ يُعَنِّفْ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ حِينَ قَالُوا لَهُ ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ وَدَعَا النَّبِيُّ بِالْمَطَرِ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا دَعَا يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ لَمَّا جَاءُوهُ نَادِمِينَ فَقَالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَالَ: فَمَعْنَى الْآيَةِ بَلْ عَجِبْتَ مِنْ حِلْمِي عَنْهُمْ مَعَ سُخْرِيَتِهِمْ بِكَ وَتَمَادِيهِمْ عَلَى غَيِّهِمْ، وَعَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالضَّمِّ بَلْ عَجِبْتُ مِنْ حِلْمِكَ عَنْ قَوْمِكِ إِذْ أَتَوْكَ مُتَوَسِّلِينَ

بِكَ فَدَعَوْتَ فَكُشِفَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ كَحِلْمِ يُوسُفَ عَنْ إِخْوَتِهِ إِذْ أَتَوْهُ مُحْتَاجِينَ، وَكَحِلْمِهِ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ حَيْثُ أَغْرَتْ بِهِ سَيِّدَهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَنَتْهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤَاخِذْهَا. قَالَ: فَظَهَرَ تَنَاسُبُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى مَعَ بُعْدِ الظَّاهِرِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِهِ - مِمَّا عَابَهُ بِهِ مَنْ لَمْ يَفْتَحِ اللَّهُ عَلَيْهِ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ أَيْضًا بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَغَيِّهِمْ، وَمِنْ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَعَنِ بْنِ مَسْعُودٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ قِرَاءَةَ (عَجِبْتُ) بِالضَّمِّ وَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ وَإِنَّمَا يَعْجَبُ مَنْ لَا يَعْلَمُ، قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، وَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّافَّاتِ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ كَمَا يَقْرَأُ هِيتُ بِالضَّمِّ انْتَهَى. وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَا بَأْسَ بِهَا إِلَّا أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ سَهْلٍ أَدَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَرَأَ بِالضَّمِّ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَهُوَ ضَمِيرُ الرَّسُولِ، وَبِهِ صَرَّحَ قَتَادَةُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلَّ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ، وَأَمَّا الضَّمُّ فَحِكَايَةُ شُرَيْحٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا لِلسَّامِعِ أَيْ قُلْ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ أَقَرَّهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبْتَ اللَّهُ عَجِبَ، وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بِالرَّفْعِ وَيَقُولُ نَظِيرُهَا ﴿وَإِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وعقب غزوة أنمار [خ¦٤١٤١] (إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً) ممَّا نُسِب إليكِ (فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) تعالى منه (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ) أي: أتيتِه من غير عادةٍ (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ (١)، وَتُوبِي إِلَيْهِ) منه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا) وفي «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١]: «لا أجد لي ولكم مثلًا» (إِلَّا أَبَا يُوسُفَ) يعقوب عليهما الصلاة والسلام إذ قال: (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) وكأنَّها (٢) من شدَّة كربها لم تتذَكَّر (٣) اسم يعقوب (وَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿: (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ) من سورة النُّور، وسقط لغير أبي (٤) ذرٍّ «﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾».

٤٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابنُ عبد الرَّحمن السُّلميُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ) بالجيم والدَّال والعين المهملتَين (قَالَ: حَدَّثَتْنِي) بالإفراد أيضًا (أُمُّ رَُومَانَ) بضمِّ الرَّاء وتُفتَح، بنتُ عامرِ بن عويمر بن عبد شمسٍ، قال الحافظ أبو نُعيمٍ: بقيتُ بعد رسول الله دهرًا طويلًا، وفيه تأييدٌ لتصريحه بسماع مسروقَ منها، فيكون الحديث متَّصلًا، وأمَّا قول ابن سعدٍ: إنَّها تُوفِّيت سنة ستٍّ ونزل

النَّبيُّ قبرها، وقول الخطيب: إنَّ مسروقًا لم يسمع منها؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: الرَّاجح: أنَّ مستند قائل ذلك إنَّما هو ما رُوِي عن عليِّ بن زيد بن جدعان -وهو ضعيفٌ-: أنَّ أمَّ رُومان ماتت سنة ستٍّ، وقد نبَّه البخاريُّ في تاريخَيه (١): «الأوسط» و «الصَّغير» على أنَّها روايةٌ ضعيفةٌ، فقال في «فضل مَن مات في خلافة عثمان» [خ¦٣٨٩٤]: قال عليُّ بن زيدٍ عن القاسم: ماتت أمُّ رُومان في زمن النَّبيِّ سنة ستٍّ، قال البخاريُّ: وفيه نظرٌ، وحديث مسروق أَسْنَدُ، أي: أصحُّ إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربيُّ (٢): بأنَّ مسروقًا إنَّما سمع من أمِّ رُومان في خلافة عمر، فقد ظهر أنَّ الَّذي وقع في «الصَّحيح» هو الصَّواب (-وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ-) رضي الله تعالى عنهما (٣) (قَالَتْ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الحُمَّى) في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨٨] «بينا أنا مع عائشة جالسةٌ؛ إذ ولجت علينا امرأةٌ من الأنصار وهي تقول: فَعَل الله بفلانٍ، وفَعَل بفلانٍ، قالت: فقلت: لِمَ؟ قالت: إنَّه نَمَىَ، ذِكْرَ الحديث، فقالت عائشة: أيُّ حديثٍ؟ فأخبَرَتْها، قالت: فسمعه أبو بكرٍ ورسولُ الله ؟ قالت: نعم، فخرَّتْ مغشيًّا عليها، فما أفاقت إلَّا وعليها حمَّى بنافضٍ» (فَقَالَ النَّبِيُّ : لَعَلَّ) الَّذي حصل لها (فِي حَدِيثٍ) أي: من أجل حديثٍ (تُحُدِّثَ) به في حقِّها؛ وهو حديث الإفك، و «تُحُدِّث»: بضمِّ أوّله مبنيًّا للمفعول (قَالَتْ) أمُّ رُومان: (نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: صفتي كصفة يعقوب حيث صبر صبرًا جميلًا وقال: ﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ وسقط قوله: «﴿بَلْ (٤) سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ … » إلى «﴿جَمِيلٌ﴾» لغير أبي ذَرٍّ.

(٤) (باب قوله) ﷿: (﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾) امرأة العزيز (﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾) بمصر (﴿عَن نَّفْسِهِ﴾)، وذلك أنَّه كان في غاية الجمال والبهاء والكمال، فدعاها ذلك إلى أن طلبت منه برفقٍ ولينِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ، قَالَ النَّبِيُّ : إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، قُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ.

٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ أَيْ زَيَّنَتْ وَحَسَّنَتْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ.

وَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ فَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ طَرَفًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا قِيلَ فِي الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِنَ الِانْقِطَاعِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ مُسْتَوْفًى، وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٤ - بَاب ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بِالْحَوْرَانِيَّةِ: هَلُمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ

٤٦٩٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قَالَ: وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا. ﴿مَثْوَاهُ﴾ مُقَامُهُ. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدَا. ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾، ﴿أَلْفَيْنَا﴾ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾

٤٦٩٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ بِالإِسْلَامِ قَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتْ الْبَطْشَة"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ اسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَشْهُورِ زُلَيْخَا، وَقِيلَ رَاعِيلُ، وَاسْمُ سَيِّدِهَا الْعَزِيزُ قِطْفِيرُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَقِيلَ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ

هَيْتَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ) أَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ هُيِّئْتُ لَكَ يَعْنِي بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ يَعْنِي هَلُمَّ لَكَ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَعْنَاهَا تَهَيَّأْتُ لَكَ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ هَلُمَّ لَكَ. وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أَيْ هَلُمَّ، وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ:

إِنَّ الْعِرَاقَ وَأَهْلَهُ … عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهِيتَ هِيتًا

قَالَ وَلَفْظُ هَيْتَ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ الْعَدَدَ فِيمَا بَعْدُ، تَقُولُ هَيْتَ لَكَ وَهَيْتَ لَكُمَا. قَالَ وَشَهِدْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّنْ قَرَأَ هِئْتُ لَكَ أَيْ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مَهْمُوزًا. فَقَالَ: بَاطِلٌ، لَا يَعْرِفُ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، انْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ، وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ: إِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظٍ: إِنِّي سَمِعْتُ الْفَرَّاءَ فَسَمِعَتهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ، فَاقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعُ وَالِاخْتِلَافُ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلُمَّ وَتَعَالَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فَقُلْتُ: إِنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَهَا (هِيتَ لَكَ) قَالَ: لَا، لَأَنْ أَقْرَأَهَا كَمَا عَلِمْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، وَزَائِدَةٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا (هَيْتَ لَكَ بِالْفَتْحِ)، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ. بِإِسْنَادِهِ لَكِنْ قَالَ بِالضَّمِّ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَرَأَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِالْفَتْحِ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَقْرَءُونَهَا بِالضَّمِّ فَذَكَرَهُ. وَهَذَا أَقْوَى.

قُلْتُ: وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَبِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، لَكِنْ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِنْكَارُ أَبِي عَمْرٍو ذَلِكَ، لَكِنْ ثَبَتَ مَا أَنْكَرَهُ فِي قِرَاءَةِ هِشَامٍ فِي السَّبْعَةِ، وَجَاءَ عَنْهُ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ أَيْضًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِالضَّمِّ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ ذِكْوَانَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ آخِرِهِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِهِمَا، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ آخِرِهِ وَهِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ أَحَدُ مَشَايِخِ النَّحْوِ بِالْبَصْرَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ آخِرِهِ، وَحَكَى النَّحَّاسُ أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرِهِمَا. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا بِالْحَوْرَانِيَّةِ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا لُغَةٌ قِبْطِيَّةٌ مَعْنَاهَا هَلُمَّ لَكَ، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ هِيَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَأَصْلُهَا هت لج أَيْ تَعَالَهْ فَعُرِّبَتْ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ عَرَبِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْحَثُّ عَلَى الْإِقْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَثْوَاهُ مَقَامُهُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أَيْ مَقَامَهُ الَّذِي ثَوَّاهُ، وَيُقَالُ لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ ضَيْفًا: أَبُو مَثْوَاهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدَا أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ وَأَلْفَى) (١) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أَيْ وَجَدَاهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أَيْ

وَجَدُوا. وَفِي قَوْلِهِ: (أَلْفَى) أَيْ وَجَدَ.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْطُوفًا عَلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا، وَقَدْ أَشْكَلَتْ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهَا مِنْ سُورَةِ وَالصَّافَّاتِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ مَعْنَاهَا شَيْءٌ. لَكِنْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ. الْحَدِيثَ.

وَلَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ أَيْضًا لِلتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهَا أَبُو الْإِصْبَعِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ فِي شَرْحِهِ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ رِحْلَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ عَنْهُ مَا مُلَخَّصُهُ: تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَأَدْخَلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا الْحَدِيثَ وَأَوْرَدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ قَالَ فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْفَائِدَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مُنَاسَبَةَ التَّبْوِيبِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ مَا عَرَضَ لِيُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ وَمَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِمَا عَرَضَ لِمُحَمَّدٍ مَعَ قَوْمِهِ حِينَ أَخْرَجُوهُ مِنْ وَطَنِهِ كَمَا أَخْرَجَ يُوسُفَ إِخْوَتُهُ وَبَاعُوهُ لِمَنِ اسْتَعْبَدَهُ فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ قَوْمَهُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ كَمَا لَمْ يُعَنِّفْ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ حِينَ قَالُوا لَهُ ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ وَدَعَا النَّبِيُّ بِالْمَطَرِ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا دَعَا يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ لَمَّا جَاءُوهُ نَادِمِينَ فَقَالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَالَ: فَمَعْنَى الْآيَةِ بَلْ عَجِبْتَ مِنْ حِلْمِي عَنْهُمْ مَعَ سُخْرِيَتِهِمْ بِكَ وَتَمَادِيهِمْ عَلَى غَيِّهِمْ، وَعَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالضَّمِّ بَلْ عَجِبْتُ مِنْ حِلْمِكَ عَنْ قَوْمِكِ إِذْ أَتَوْكَ مُتَوَسِّلِينَ

بِكَ فَدَعَوْتَ فَكُشِفَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ كَحِلْمِ يُوسُفَ عَنْ إِخْوَتِهِ إِذْ أَتَوْهُ مُحْتَاجِينَ، وَكَحِلْمِهِ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ حَيْثُ أَغْرَتْ بِهِ سَيِّدَهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَنَتْهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤَاخِذْهَا. قَالَ: فَظَهَرَ تَنَاسُبُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى مَعَ بُعْدِ الظَّاهِرِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِهِ - مِمَّا عَابَهُ بِهِ مَنْ لَمْ يَفْتَحِ اللَّهُ عَلَيْهِ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ أَيْضًا بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَغَيِّهِمْ، وَمِنْ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَعَنِ بْنِ مَسْعُودٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ قِرَاءَةَ (عَجِبْتُ) بِالضَّمِّ وَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ وَإِنَّمَا يَعْجَبُ مَنْ لَا يَعْلَمُ، قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، وَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّافَّاتِ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ كَمَا يَقْرَأُ هِيتُ بِالضَّمِّ انْتَهَى. وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَا بَأْسَ بِهَا إِلَّا أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ سَهْلٍ أَدَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَرَأَ بِالضَّمِّ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَهُوَ ضَمِيرُ الرَّسُولِ، وَبِهِ صَرَّحَ قَتَادَةُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلَّ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ، وَأَمَّا الضَّمُّ فَحِكَايَةُ شُرَيْحٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا لِلسَّامِعِ أَيْ قُلْ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ أَقَرَّهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبْتَ اللَّهُ عَجِبَ، وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بِالرَّفْعِ وَيَقُولُ نَظِيرُهَا ﴿وَإِنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وعقب غزوة أنمار [خ¦٤١٤١] (إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً) ممَّا نُسِب إليكِ (فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) تعالى منه (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ) أي: أتيتِه من غير عادةٍ (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ (١)، وَتُوبِي إِلَيْهِ) منه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا) وفي «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١]: «لا أجد لي ولكم مثلًا» (إِلَّا أَبَا يُوسُفَ) يعقوب عليهما الصلاة والسلام إذ قال: (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) وكأنَّها (٢) من شدَّة كربها لم تتذَكَّر (٣) اسم يعقوب (وَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿: (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ) من سورة النُّور، وسقط لغير أبي (٤) ذرٍّ «﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾».

٤٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتَين، ابنُ عبد الرَّحمن السُّلميُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ) بالجيم والدَّال والعين المهملتَين (قَالَ: حَدَّثَتْنِي) بالإفراد أيضًا (أُمُّ رَُومَانَ) بضمِّ الرَّاء وتُفتَح، بنتُ عامرِ بن عويمر بن عبد شمسٍ، قال الحافظ أبو نُعيمٍ: بقيتُ بعد رسول الله دهرًا طويلًا، وفيه تأييدٌ لتصريحه بسماع مسروقَ منها، فيكون الحديث متَّصلًا، وأمَّا قول ابن سعدٍ: إنَّها تُوفِّيت سنة ستٍّ ونزل

النَّبيُّ قبرها، وقول الخطيب: إنَّ مسروقًا لم يسمع منها؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: الرَّاجح: أنَّ مستند قائل ذلك إنَّما هو ما رُوِي عن عليِّ بن زيد بن جدعان -وهو ضعيفٌ-: أنَّ أمَّ رُومان ماتت سنة ستٍّ، وقد نبَّه البخاريُّ في تاريخَيه (١): «الأوسط» و «الصَّغير» على أنَّها روايةٌ ضعيفةٌ، فقال في «فضل مَن مات في خلافة عثمان» [خ¦٣٨٩٤]: قال عليُّ بن زيدٍ عن القاسم: ماتت أمُّ رُومان في زمن النَّبيِّ سنة ستٍّ، قال البخاريُّ: وفيه نظرٌ، وحديث مسروق أَسْنَدُ، أي: أصحُّ إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربيُّ (٢): بأنَّ مسروقًا إنَّما سمع من أمِّ رُومان في خلافة عمر، فقد ظهر أنَّ الَّذي وقع في «الصَّحيح» هو الصَّواب (-وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ-) رضي الله تعالى عنهما (٣) (قَالَتْ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الحُمَّى) في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨٨] «بينا أنا مع عائشة جالسةٌ؛ إذ ولجت علينا امرأةٌ من الأنصار وهي تقول: فَعَل الله بفلانٍ، وفَعَل بفلانٍ، قالت: فقلت: لِمَ؟ قالت: إنَّه نَمَىَ، ذِكْرَ الحديث، فقالت عائشة: أيُّ حديثٍ؟ فأخبَرَتْها، قالت: فسمعه أبو بكرٍ ورسولُ الله ؟ قالت: نعم، فخرَّتْ مغشيًّا عليها، فما أفاقت إلَّا وعليها حمَّى بنافضٍ» (فَقَالَ النَّبِيُّ : لَعَلَّ) الَّذي حصل لها (فِي حَدِيثٍ) أي: من أجل حديثٍ (تُحُدِّثَ) به في حقِّها؛ وهو حديث الإفك، و «تُحُدِّث»: بضمِّ أوّله مبنيًّا للمفعول (قَالَتْ) أمُّ رُومان: (نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: صفتي كصفة يعقوب حيث صبر صبرًا جميلًا وقال: ﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ وسقط قوله: «﴿بَلْ (٤) سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ … » إلى «﴿جَمِيلٌ﴾» لغير أبي ذَرٍّ.

(٤) (باب قوله) ﷿: (﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾) امرأة العزيز (﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾) بمصر (﴿عَن نَّفْسِهِ﴾)، وذلك أنَّه كان في غاية الجمال والبهاء والكمال، فدعاها ذلك إلى أن طلبت منه برفقٍ ولينِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر