الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩٤
الحديث رقم ٤٦٩٤ من كتاب «سورة يوسف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾
٤٦٩٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَجَبٌ. وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيِّ وَلَقَبُهُ مَتٌّ قَالَ وَكَانَ يَفْضُلُ عَلَى الْكِسَائِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ أَقْرَأَ بَلْ عَجِبْتَ بِالضَّمِّ خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ) وَهُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ بِالتَّصْغِيرِ، وَهُوَ أَبُو الضُّحَى، وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ أَخْبَرَنِي الْأَعْمَشُ - أَوْ أُخْبِرْتُ عَنْهُ - عَنْ مُسْلِمٍ كَذَا عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ مِنَ الْأَعْمَشِ أَوْ أَخْبَرْتُهُ عَنْهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ وَهَذَا الشَّكُّ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ وَحَاشَ وَحَاشَى: تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ. ﴿حَصْحَصَ﴾ وَضَحَ
٤٦٩٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةُ انْقَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ رَبِّكَ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلُهُ ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ وَسَاقَ غَيْرُهُ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾
قَوْلُهُ: (حَاشَ وَحَاشَا تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ الشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَبَعْضُهُمْ يُدْخِلُهَا فِي آخِرِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
حَاشَى أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ.
وَمَعْنَاهُ التَّنْزِيهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَنِ الشَّرِّ، تَقُولُ حَاشَيْتُهُ أَيِ اسْتَثْنَيْتُهُ، وَقَدْ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الشِّينِ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِهَا فِي الْوَصْلِ، وَفِي حَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الْحَاءِ لُغَةٌ وَقَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا حَرْفٌ أَوِ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ حَذَفَهَا رَجَّحَ فِعْلِيَّتَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَفَاهَا، وَيُؤَيِّدُ فِعْلِيَّتَهَا قَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَلَا أُحَاشِي مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ
فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْكَلِمَةِ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ دَلِيلٌ فِعْلِيَّتِهَا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ وَحَذْفَهَا سَوَاءٌ لُغَةً، وَقِيلَ إِنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ الْأَخِيرَةِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ):
قَوْلُهُ تَنْزِيهٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَفِي رِوَايَةِ حَكَاهَا عِيَاضٌ مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ تَاءُ تَأْنِيثٍ.
قَوْلُهُ: (حَصْحَصَ وَضَحَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أَيِ السَّاعَةُ وَضَحَ الْحَقُّ وَتَبَيَّنَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَاهُ تَبَيَّنَ وَظَهَرَ بَعْدَ خَفَاءٍ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصَّةِ أَيْ ظَهَرَتْ حِصَّةُ الْحَقِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وَحَاشَ) بغير ألفٍ بعد الشِّين (وَحَاشَا) بها لفظًا (تَنْزِيهٌ) فتكون اسمًا، ويدلُّ له قراءةُ بعضهم: (حاشًا لله) بالتَّنوين (١) (وَاسْتِثْنَاءٌ) وذهب سيبويه وأكثر البصريِّين إلى أنَّها حرفٌ بمنزلة «إلَّا» لكنَّها تجرُّ المستثنى، وقوله: (﴿حَصْحَصَ﴾) أي: (وَضَحَ) الحقُّ (٢) بانكشاف ما يغمره؛ وهو معنى قول بعض المفسِّرين، وقيل: ظهر، من حصَّ شعره، أي: استأصل قطعه؛ بحيث ظهرتْ بشَرتُه، وهذا إنَّما قالته امرأة العزيز لمَّا علمت أنَّ هذه المناظرات والتَّفحُّصات إنَّما وقعت بسببها، وقيل: إنَّ النِّسوة أقبلن عليها يقرِّرنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فاعترفت، وهذه شهادةٌ جازمةٌ لمَّا راعى جانبها ولم يذكرها ألبتَّة، فعرفتْ أنَّه ترك ذكرها تعظيمًا لها، فكافأته على ذلك، فكشفت الغطاء واعترفت أنَّ الذَّنب كلَّه من جانبها، وأنَّه كان مبرَّأً عن الكلِّ، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ.
٤٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بفتح الفوقيَّة وكسر اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة دالٌ مهملةٌ؛ هو «سعِيدٌ» بكسر العين، ابن عيسى بن تليد المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ) المصريُّ العتقيُّ (٣) صاحب الإمام مالكٍ (عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، و «مضرَ» بضمِّ الميم وفتح المعجمة، ابنُ محمَّدٍ المصريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، ابن يعقوب بن عبد الله، مولى قيس بن سعد (٤) بن عبادة الأنصاريِّ (٥)، الفقيه المقرئ،
أحد الأئمَّة الأعلام (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ أحد الأعلام (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) هو ابن أخي إبراهيم الخليل (١)، وكان ممَّن آمن وهاجر معه إلى مصر (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) (٢)؛ ولأبي ذَرٍّ: «ولو لبثتُ في السِّجن (٣) لُبْثَ يوسف» بضمِّ اللام وسكون الموحَّدة، وكان قد لبث سبع سنين وسبعة أشهرٍ وسبعة أيَّامٍ وسبع ساعاتٍ؛ كما قيل (لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ (٤))؛ لأسرعتُ إلى الإجابة إلى الخروج من السِّجن، قال محيي السُّنَّة: إنَّه ﷺ وصفَ يوسف ﵊ بالأناة والصَّبر؛ حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول المَلِك، فعل كفعل (٥) المذنب حين يُعفى عنه مع طول لبثه في السِّجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجَّة في حبسهم (٦) إيَّاه ظلمًا، فقال ﷺ على سبيل التَّواضع، لا أنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان في الأمر منه مبادرةً وعجلةً لو كان مكان يوسف ﷺ، والتَّواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حقٍّ حقًّا (٧)، لكنَّه يوجب لصاحبه فضلًا، ويُكسِبه جلالًا وقدْرًا (وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) في «سورة البقرة» [خ¦٣٣٧٢] وغيرها، ونحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم؛ يعني: لو كان الشَّكُّ متطرِّقًا إلى الأنبياء؛ لكنت أنا أحقَّ به، وقد علمتم أنِّي لم أشكَّ، فإبراهيم ﷺ لم يشكَّ (إِذْ قَالَ لَهُ) ربُّه جلَّ وعلا: (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾) بعد قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾؟ (﴿قَالَ بَلَى﴾) آمنت (﴿وَلَكِن﴾) سألتك (٨) أن تُريَني كيف
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَجَبٌ. وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيِّ وَلَقَبُهُ مَتٌّ قَالَ وَكَانَ يَفْضُلُ عَلَى الْكِسَائِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ أَقْرَأَ بَلْ عَجِبْتَ بِالضَّمِّ خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ) وَهُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ بِالتَّصْغِيرِ، وَهُوَ أَبُو الضُّحَى، وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ أَخْبَرَنِي الْأَعْمَشُ - أَوْ أُخْبِرْتُ عَنْهُ - عَنْ مُسْلِمٍ كَذَا عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ مِنَ الْأَعْمَشِ أَوْ أَخْبَرْتُهُ عَنْهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ وَهَذَا الشَّكُّ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ وَحَاشَ وَحَاشَى: تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ. ﴿حَصْحَصَ﴾ وَضَحَ
٤٦٩٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةُ انْقَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ رَبِّكَ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلُهُ ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ وَسَاقَ غَيْرُهُ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾
قَوْلُهُ: (حَاشَ وَحَاشَا تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ الشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَبَعْضُهُمْ يُدْخِلُهَا فِي آخِرِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
حَاشَى أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ.
وَمَعْنَاهُ التَّنْزِيهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَنِ الشَّرِّ، تَقُولُ حَاشَيْتُهُ أَيِ اسْتَثْنَيْتُهُ، وَقَدْ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الشِّينِ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِهَا فِي الْوَصْلِ، وَفِي حَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الْحَاءِ لُغَةٌ وَقَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا حَرْفٌ أَوِ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ حَذَفَهَا رَجَّحَ فِعْلِيَّتَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَفَاهَا، وَيُؤَيِّدُ فِعْلِيَّتَهَا قَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَلَا أُحَاشِي مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ
فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْكَلِمَةِ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ دَلِيلٌ فِعْلِيَّتِهَا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ وَحَذْفَهَا سَوَاءٌ لُغَةً، وَقِيلَ إِنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ الْأَخِيرَةِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ):
قَوْلُهُ تَنْزِيهٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَفِي رِوَايَةِ حَكَاهَا عِيَاضٌ مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ تَاءُ تَأْنِيثٍ.
قَوْلُهُ: (حَصْحَصَ وَضَحَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أَيِ السَّاعَةُ وَضَحَ الْحَقُّ وَتَبَيَّنَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَاهُ تَبَيَّنَ وَظَهَرَ بَعْدَ خَفَاءٍ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصَّةِ أَيْ ظَهَرَتْ حِصَّةُ الْحَقِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وَحَاشَ) بغير ألفٍ بعد الشِّين (وَحَاشَا) بها لفظًا (تَنْزِيهٌ) فتكون اسمًا، ويدلُّ له قراءةُ بعضهم: (حاشًا لله) بالتَّنوين (١) (وَاسْتِثْنَاءٌ) وذهب سيبويه وأكثر البصريِّين إلى أنَّها حرفٌ بمنزلة «إلَّا» لكنَّها تجرُّ المستثنى، وقوله: (﴿حَصْحَصَ﴾) أي: (وَضَحَ) الحقُّ (٢) بانكشاف ما يغمره؛ وهو معنى قول بعض المفسِّرين، وقيل: ظهر، من حصَّ شعره، أي: استأصل قطعه؛ بحيث ظهرتْ بشَرتُه، وهذا إنَّما قالته امرأة العزيز لمَّا علمت أنَّ هذه المناظرات والتَّفحُّصات إنَّما وقعت بسببها، وقيل: إنَّ النِّسوة أقبلن عليها يقرِّرنها، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فاعترفت، وهذه شهادةٌ جازمةٌ لمَّا راعى جانبها ولم يذكرها ألبتَّة، فعرفتْ أنَّه ترك ذكرها تعظيمًا لها، فكافأته على ذلك، فكشفت الغطاء واعترفت أنَّ الذَّنب كلَّه من جانبها، وأنَّه كان مبرَّأً عن الكلِّ، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ.
٤٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بفتح الفوقيَّة وكسر اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة دالٌ مهملةٌ؛ هو «سعِيدٌ» بكسر العين، ابن عيسى بن تليد المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ) المصريُّ العتقيُّ (٣) صاحب الإمام مالكٍ (عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف، و «مضرَ» بضمِّ الميم وفتح المعجمة، ابنُ محمَّدٍ المصريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، ابن يعقوب بن عبد الله، مولى قيس بن سعد (٤) بن عبادة الأنصاريِّ (٥)، الفقيه المقرئ،
أحد الأئمَّة الأعلام (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ أحد الأعلام (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) هو ابن أخي إبراهيم الخليل (١)، وكان ممَّن آمن وهاجر معه إلى مصر (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] (وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) (٢)؛ ولأبي ذَرٍّ: «ولو لبثتُ في السِّجن (٣) لُبْثَ يوسف» بضمِّ اللام وسكون الموحَّدة، وكان قد لبث سبع سنين وسبعة أشهرٍ وسبعة أيَّامٍ وسبع ساعاتٍ؛ كما قيل (لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ (٤))؛ لأسرعتُ إلى الإجابة إلى الخروج من السِّجن، قال محيي السُّنَّة: إنَّه ﷺ وصفَ يوسف ﵊ بالأناة والصَّبر؛ حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول المَلِك، فعل كفعل (٥) المذنب حين يُعفى عنه مع طول لبثه في السِّجن، بل قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجَّة في حبسهم (٦) إيَّاه ظلمًا، فقال ﷺ على سبيل التَّواضع، لا أنَّه صلوات الله وسلامه عليه كان في الأمر منه مبادرةً وعجلةً لو كان مكان يوسف ﷺ، والتَّواضع لا يصغِّر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حقٍّ حقًّا (٧)، لكنَّه يوجب لصاحبه فضلًا، ويُكسِبه جلالًا وقدْرًا (وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) في «سورة البقرة» [خ¦٣٣٧٢] وغيرها، ونحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم؛ يعني: لو كان الشَّكُّ متطرِّقًا إلى الأنبياء؛ لكنت أنا أحقَّ به، وقد علمتم أنِّي لم أشكَّ، فإبراهيم ﷺ لم يشكَّ (إِذْ قَالَ لَهُ) ربُّه جلَّ وعلا: (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾) بعد قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾؟ (﴿قَالَ بَلَى﴾) آمنت (﴿وَلَكِن﴾) سألتك (٨) أن تُريَني كيف