«قَالَتْ لَهُ، وَهْوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩٥

الحديث رقم ٤٦٩٥ من كتاب «سورة يوسف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله حتى إذا استيأس الرسل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٩٥ في صحيح البخاري

«قَالَتْ لَهُ، وَهْوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ

⦗٧٨⦘

كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا، قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ».

إسناد حديث البخاري رقم ٤٦٩٥

٤٦٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ -

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٩٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ حِصَّةِ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ مِنْ حَصَّهُ إِذَا قَطَعَهُ، وَمِنْهُ أَحَصَّ الشَّعْرَ وَحَصَّ وَحَصْحَصَ مِثْلُ كَفَّ وَكَفْكَفَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ، مِصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَى جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) هُوَ الْعُتَقِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا قَافٌ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ مَالِكٍ وَرَاوِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عِلْمِ مَالِكٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَ الْمَوْضِعِ. وَالْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْمِصْرِيِّينَ إِلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ الْمِصْرِيَّ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَقْرَانِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَرْجَمَتَيْ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

٦ - بَاب ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾

٤٦٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا. قُلْتُ: فَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. قَالَتْ: أَجَلْ، لَعَمْرِي لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتْ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ. جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ.

٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ نَحْوَه"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ اسْتَيْأَسَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْيَأْسِ ضِدُّ الرَّجَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ اسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ، وَمِثْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِاسْتَفْعَلَ إِلَّا الْوَزْنَ خَاصَّةً وَإِلَّا فَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ، وَاسْتَيْأَسَ بِمَعْنَى يَئِسَ كَاسْتَعْجَبَ وَعَجِبَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْغَايَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (حَتَّى) فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ فَتَرَاخَى النَّصْرُ عَنْهُمْ (حَتَّى إِذَا) وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَلَمْ تُعَاقَبْ أُمَمُهُمْ حَتَّى إِذَا، وَقِيلَ فَدَعَوْا قَوْمَهُمْ فَكَذَّبُوهُمْ فَطَالَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كُذِّبُوا أَمْ كُذِبُوا) أَيْ مُثَقَّلَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ؟ وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ كُذِّبُوا) أَيْ بِالتَّثْقِيلِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مُثَقَّلَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ أَجَلْ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قُلْتُ فَهِيَ مُخَفَّفَةٌ، قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا

أَنْكَرَتِ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، وَلَيْسَ الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ وَلَا لِإِنْكَارِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ مَعْنًى بَعْدَ ثُبُوتِهَا. وَلَعَلَّهَا لَمْ يَبْلُغُهَا مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَئِمَّةُ الْكُوفَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَاصِمٌ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ فِي آخَرِينَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَمْ تُنْكِرْ عَائِشَةُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ. كَذَا قَالَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُوَافِقُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَائِشَةَ، ثُمَّ لَا يَدْرى رَجَعَ إِلَيْهَا أَمْ لَا. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقْرَأُ (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ فَقَالَ: أَخْبِرْهُ عَنِّي أَنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ (كُذِّبُوا) مُثَقَّلَةٌ أَيْ كَذَّبَتْهُمْ أَتْبَاعُهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةٌ قَالَ ذَهَبَ بِهَا هُنَالِكَ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِمَا هُنَالِكَ بِمِيمٍ بَدَلَ الْهَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ذَهَبَ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ - وَتَلَا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا بَشَرًا ضَعُفُوا وَأَيِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُولُ الرَّسُولِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ الْجَمِيعُ مَقُولُ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى مَقُولُ الْجَمِيعِ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهِيَ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.

وَالْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ مَقُولُ الرَّسُولِ، وَقُدِّمَ الرَّسُولُ فِي الذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَهَذَا أَوْلَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ شَكًّا بَلِ اسْتِبْطَاءً لِلنَّصْرِ وَطَلَبًا لَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يُجِيزُ عَلَى الرُّسُلِ أَنَّهَا تُكَذِّبُ بِالْوَحْيِ، وَلَا يُشَكُّ فِي صِدْقِ الْمُخْبِرِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُم لِطُولِ الْبَلَاءِ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَاءِ النَّصْرِ وَشِدَّةِ اسْتِنْجَازِ مَنْ وَعَدُوهُ بِهِ تَوَهَّمُوا أَنَّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنَ الْوَحْيِ كَانَ حُسْبَانًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَظَنُّوا عَلَيْهَا الْغَلَطَ فِي تَلَقِّي مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الَّذِي بُنِيَ لَهُ الْفِعْلُ أَنْفُسُهُمْ لَا الْآتِي بِالْوَحْيِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَذِبِ الْغَلَطُ لَا حَقِيقَةُ الْكَذِبِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٌ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ أَيْ غَلِطُوا، وَيَكُونُ فَاعِلُ ﴿وَظَنُّوا﴾ الرُّسُلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الضُّحَى، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَالْعَوْفِيِّ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَيِسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَيَهْجِسُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْوَسْوَسَةِ وَحَدِيثُ النَّفْسِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْبَشَرِيَّةُ، وَأَمَّا الظَّنُّ وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يُظَنُّ بِالْمُسْلِمِ فَضْلًا عَنِ الرَّسُولِ. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ الْقُشَيْرِيُّ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُرَادَ خَطَرَ بِقَلْبِ الرُّسُلِ فَصَرَفُوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوِ الْمَعْنَى قَرَّبُوا مِنَ الظَّنِّ كَمَا يُقَالُ بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِذَا قَرُبَتْ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَجْهُهُ أَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَخَافُ بَعْدَ أَنْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ أَنْ يَتَخَلَّفُ النَّصْرُ، لَا مِنْ تُهْمَةٍ بِوَعْدِ اللَّهِ بَلْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ، فَكَانَ الْأَمْرُ إِذَا طَالَ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ دَخَلَهُمُ الظَّنُّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قُلْتُ: وَلَا يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُجَوِّزُ عَلَى الرَّسُولِ أَنَّ نَفْسَهُ تُحَدِّثُهُ بِأَنَّ اللَّهَ

يُخْلِفُ وَعْدَهُ، بَلِ الَّذِي يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كَانُوا بَشَرًا إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ لَا نَفْسِ الرُّسُلِ، وَقَوْلُ الرَّاوِي عَنْهُ ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ أَيْ إِلَى السَّمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ ظَنُّوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَى لِسَانِ الْمَلِكِ تَخَلَّفَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي خَوَاطِرِ بَعْضِ الْأَتْبَاعِ. وَعَجَبٌ لِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ.

ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَوَقُّفِهِ عَنْ صِحَّةِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ، لَكِنْ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الرُّسُلَ هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ، بَلِ الضَّمِيرُ فِي وَظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، وَفِي وَكُذِبُوا عَائِدٌ عَلَى الرُّسُلِ أَيْ وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كُذِبُوا، أَوِ الضَّمَائِرُ لِلرُّسُلِ وَالْمَعْنَى يَئِسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ وَتَوَهَّمُوا أَنَّ أَنْفُسَهُمْ كَذَبَتْهُمْ حِينَ حَدَّثَتْهُمْ بِقُرْبِ النَّصْرِ، أَوْ كَذَبَهُمْ رَجَاؤُهُمْ. أَوِ الضَّمَائِرُ كُلُّهَا لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ أَيْ يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ، وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَّبُوهُمْ فِي جَمِيعِ مَا ادَّعُوهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْوَعْدِ بِالنَّصْرِ لِمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ لِمَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا وَجَبَ تَنْزِيهَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ عَلَى الرُّسُلِ، وَيُحْمَلُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَى ظَاهِرِ مَسَاقِهِمْ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا. فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ لَمَّا سَمِعَهُ: لَوْ رَحَلْتُ إِلَى الْيَمَنِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَكَانَ قَلِيلًا. فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرَ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْعَارِفِينَ بِكَلَامِهِ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.

وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ لَهُ: آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ فِي هَذَا أَلَوْتَ أَنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ، وَقَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ. وَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ، فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قَالَ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي تَأْوِيلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةٌ أَيْ أَخْلَفُوا، إِلَّا أَنَّا إِذَا قَرَّرْنَا أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ لَمْ يَضُرَّ تَفْسِيرَ كُذِبُوا بِأَخْلَفُوا، أَيْ ظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ أَخْلَفُوا مَا وَعَدُوا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ. سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ حِينَ أَبْطَأَ الْأَمْرُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ.

وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْءٌ مُوهِمٌ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الَّذِي يُكْرَهُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا مَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَرَادَ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِمَّنْ آمَنَ مِمَّا يُكْرَهُ سَمَاعُهُ، فَلَمْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الرُّسُلَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْ جَازَ أَنْ يَرْتَابَ الرُّسُلُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَيَشُكُّوا فِي حَقِيقَةِ خَبَرِهِ لَكَانَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَوْلَى بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَقَدِ اخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَةَ التَّخْفِيفِ وَوَجَّهَهَا بِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذَا لِأَنَّ الْآيَةَ وَقَعَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْسَ الرُّسُلِ كَانَ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ فَهَلَكُوا، أَوْ أَنَّ الْمُضْمَرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ

الْهَالِكَةِ. وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ الْخَبَرَ عَنِ الرُّسُلِ وَمَنْ آمَنَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَنُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ أَيِ الَّذِينَ هَلَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا فَكَذَّبُوهُمْ، وَالرُّسُلُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ أَجَلْ) أَيْ نَعَمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَتْ يَا عُرَيَّةُ وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَأَصْلُهُ عُرَيْوَةٌ فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّةٍ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى.

قَوْلُهُ: (لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِحَمْلِ عُرْوَةَ الظَّنَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ رُجْحَانُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَوَافَقَتْهُ عَائِشَةُ. لَكِنْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ هُنَا الْيَقِينُ. وَنَقَلَهُ نَفْطَوَيْهِ هُنَا عَنْ أَكْثَرَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الظَّنَّ لَا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ فِي مَوْضِعِ الْعِلْمِ إِلَّا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ غَيْرَ الْمُعَايَنَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةَ فَلَا، فَإِنَّهَا لَا تَقُولُ أَظُنُّنِي إِنْسَانًا وَلَا أَظُنُّنِي حَيًّا بِمَعْنَى إِنْسَانًا أَوْ حَيًّا.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةٌ قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ. نَحْوَهُ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَمَامِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ.

(فَائِدَةٌ):

قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنُونَيْنِ الثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ وَالْجِيمُ خَفِيفَةٌ وَسُكُونُ آخِرِهِ مُضَارِعُ أَنْجَى، وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وَفَتْحِ آخِرِهِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَمَنْ قَائِمَةٌ مَقَامُ الْفَاعِلِ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ: كُلُّ مَنْ قَرَأَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِقِرَاءَتِهِ وَالْحُجَّةُ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - سُورَةُ الرَّعْدِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ظِلِّ خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلَّلَ. ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ مُتَدَانِيَاتٌ. ﴿الْمَثُلاتُ﴾ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ، وَهِيَ الْأَشْبَاهُ وَالْأَمْثَالُ. وَقَالَ: ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾، ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بِقَدَرٍ. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى. وَمِنْهُ قِيلَ: الْعَقِيبُ، يقال: عَقَّبْتُ فِي إِثْرِهِ. ﴿الْمِحَالِ﴾ الْعُقُوبَةُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ. ﴿رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو. ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ﴾ الْمَتَاعُ: مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ. ﴿جُفَاءً﴾ أَجْفَأَتْ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ، ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ. ﴿الْمِهَادُ﴾ الْفِرَاشُ. يَدْرَءُونَ: يَدْفَعُونَ، دَرَأْتُهُ: دَفَعْتُهُ. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ تَوْبَتِي. أَفَلَمْ يَيْئَسْ: لَمْ يَتَبَيَّنْ. ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ، مِنْ الْمَلِيِّ وَالْمِلَاوَةِ، وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنْ الْأَرْضِ: مَلًى مِنْ الْأَرْضِ. ﴿أَشَقُّ﴾ أَشَدُّ، مِنْ الْمَشَقَّةِ. ﴿مُعَقِّبَ﴾ مُغَيِّرٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ وَحْدَهَا. ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ

وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ. السَّحَابُ الثِّقَالُ: الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا.

﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ زَبَدُ السَّيْلِ. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الرَّعْدِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ظِلِّ خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ الْآيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ فَلَا يَقْدِرُ بِالرَّاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْقَابِسِيِّ يَقْدَمُ بِالْمِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ مَثَلُ الْأَوْثَانِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلِ قَدْ بَلَغَهُ الْعَطَشُ حَتَّى كَرَبَهُ الْمَوْتُ وَكَفَّاهُ فِي الْمَاءِ قَدْ وَضَعَهُمَا لَا يَبْلُغَانِ فَاهُ، يَقُولُ اللَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ الْأَوْثَانُ وَلَا تَنْفَعُهُ حَتَّى تَبْلُغَ كَفَّا هَذَا فَاهُ وَمَا هُمَا بِبَالِغَتَيْنِ فَاهُ أَبَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَالرَّجُلِ الْعَطْشَانِ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الْمَاءُ إِلَيْهِ وَمَا هُوَ بِمُرْتَفِعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ: الَّذِي يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا مِنْ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، مَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي بَسَطَ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَلَا يَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَمُوتُ عَطَشًا. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَلَكِنْ قَالَ: وَلَيْسَ الْمَاءُ بِبَالِغٍ فَاهُ مَا دَامَ بَاسِطًا كَفَّيْهِ لَا يَقْبِضُهُمَا، وَسَيَأْتِي قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: مُتَجَاوِرَاتٌ مُتَدَانِيَاتٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَثُلَاتُ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ وَهِيَ الْأَمْثَالُ وَالْأَشْبَاهُ، وَقَالَ: ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلَّلَ، مُتَجَاوِرَاتٍ: مُتَدَانِيَاتٍ، الْمُثُلَاتُ وَاحِدُهَا مُثْلَةٌ إِلَى آخِرِهِ، فَجَعَلَ الْكُلَّ لِقَاتِلٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ وَسَخَّرَ هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. وَذَلَّلَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ تَفْسِيرُ سَخَّرَ، وَكُلُّ هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أَيْ ذَلَّلَهُمَا فَانْطَاعَا، قَالَ: وَالتَّنْوِينُ فِي كُلٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ فَلَمْ يَعْمَلُ فِيهِ وَسَخَّرَ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أَيْ مُتَدَانِيَاتٌ مُتَقَارِبَاتٌ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ وَالْأَشْبَاهُ وَالنَّظِيرُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قال: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ الْعُقُوبَاتُ. وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ مَا مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأُمَمِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ جَمْعُ مَثُلَةٍ كَقَطْعِ الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ.

(تَنْبِيهٌ):

الْمَثُلَاتُ وَالْمَثُلَةُ كِلَاهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ مِثْلُ سَمُرَةٍ وَسَمُرَاتٍ، وَسَكَّنَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ الْمُثَلَّثَةَ فِي قِرَاءَتِهِ وَضَمَّ الْمِيمَ، وَكَذَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ لَكِنْ فَتَحَ أَوَّلَهُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِفَتْحِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِضَمِّهِمَا، وَبِهِمَا قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (بِمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَزَادَ: مِفْعَالٌ مِنَ الْقَدرِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَيْ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا مَعْلُومًا.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ مُعَقِّبَاتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ الْعَقِيبُ أَيْ عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ) سَقَطَ لَفْظُ يُقَالُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أَيْ مَلَائِكَةٌ تُعَقِّبُ بَعْدَ مَلَائِكَةٍ،

حَفَظَةٌ بِاللَّيْلِ تُعَقِّبُ بَعْدَ حَفَظَةِ النَّهَارِ وَحَفَظَةُ النَّهَارِ تُعَقِّبُ بَعْدَ حَفَظَةِ اللَّيْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ عَقَّبَنِي وَقَوْلُهُمْ عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُهُ خَلَوْا عَنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَالْمُعَقِّبَاتُ هُنَّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: حِفْظُهُمْ إِيَّاهُ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ. وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتُخُطِّفْتُمْ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كِنَانَةِ الْعَدَوِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلَةِ بِالْآدَمِيِّ فَقَالَ: لِكُلِّ آدَمِيٌّ عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ وَعَشَرَةٌ بِالنَّهَارِ، وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ وَاثْنَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَاثْنَانِ عَلَى جَنْبَيْهِ وَآخَرُ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِهِ فَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ وَإِنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ وَاثْنَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالْعَاشِرُ يَحْرُسُهُ مِنَ الْحَيَّةِ أَنْ تَدْخُلَ فَاهُ يَعْنِي إِذَا نَامَ. وَجَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلٍ آخَرَ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ قَالَ: ذَلِكَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَهُ حَرَسٌ وَمِنْ دُونِهِ حَرَسٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: (مُعَقِّبَاتٌ) قَالَ: الْمَرَاكِبُ.

(تَنْبِيهٌ): عَقَّبْتُ يَجُوزُ فِيهِ تَخْفِيفُ الْقَافِ وَتَشْدِيدِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ كَسْرُ الْقَافِ مَعَ التَّخْفِيفِ فَيَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لُغَةً.

قَوْلُهُ: ﴿الْمِحَالِ﴾ الْعُقُوبَةُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قَالَ شَدِيدُ الْقُوَّةِ، وَمِثْلَهُ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوَهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: شَدِيدُ الِانْتِقَامِ، وَأَصْلُ الْمِحَالِ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْقُوَّةُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ الْمَحْلُ وَهُوَ الْمَكْرُ، وَقِيلَ الْحِيلَةُ وَالْمِيمُ مَزِيدَةٌ وَغَلَّطُوا قَائِلُهُ، وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَارَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُ - الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَأَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً فَذَهَبَتْ بِقَحْفِ رَأْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ ثَابِتٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أَيْ أَنَّ الَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى فَمِهِ لَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا تَجْمَعُهُ أَنَامِلُهُ، قَالَ صَابِئُ بْنُ الْحَارِثِ:

وَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمْ … كَقَابِضِ مَاءٍ لَمْ تُسِقْهُ أَنَامِلُهُ

تُسِقْهُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ لَمْ تَجْمَعْهُ.

قَوْلُهُ: (رَابِيًا مِنْ رَبَا يَرْبُو) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو أَيْ يَنْتَفِخُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ قَتَادَةَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ الْمَتَاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ لِذَلِكَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (جُفَاءً يُقَالُ أَجْفَأَتِ الْقِدْرَ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: يُقَالُ أَجْفَأَتِ الْقِدْرَ وَذَلِكَ إِذَا غَلَتْ وَانْتَصَبَ زَبَدُهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ تُنَشِّفُهُ

الْأَرْضُ، يُقَالُ جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَى فِي مَعْنَى نَشَفَ، وَقَرَأَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ فَيَذْهَبُ جُفَالًا بِاللَّامِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مِنْ أَجَفَلَتِ الرِّيحُ الْغَيْمَ إِذَا قَطَعَتْهُ.

قَوْلُهُ: (الْمِهَادُ الْفِرَاشُ) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (يَدْرَءُونَ يَدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (الْأَغْلَالُ وَاحِدُهَا غَلٌّ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَعْنَاقِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ﴾ قَالَ: مَجَازُهُ مَجَازُ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: حُذِفَتْ يَقُولُونَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ، كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَدْخُلُونَ، أَيْ يَدْخُلُونَ قَائِلِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَتَابُ إِلَيْهِ تَوْبَتِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَتَابُ مَصْدَرٌ تُبْتُ إِلَيْهِ وَتَوْبَتِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ قَالَ: تَوْبَتِي.

قَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُ وَيَتَبَيَّنُ قَالَ سُحَيْمُ الْيَرْبُوعِيُّ:

"أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسٍ زَهْدَمٍ " أَيْ لَمْ تُبَيِّنُوا.

وَقَالَ آخَرُ:

أَلَمْ يَيْأَسِ الْأَقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ … وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ نَائِيًا

وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا لُغَةُ هَوَازِنٍ تَقُولُ: يَئِسْتُ كَذَا أَيْ عَلِمْتُهُ، قَالَ: وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ - يَعْنِي الْفَرَّاءُ - لَكِنَّهُ سَلَّمَ أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى عَلِمْتُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْيَأْسَ إِنَّمَا اسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْآيِسَ عَنِ الشَّيْءِ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمْ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كُلِّهِمْ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَيَقُولُ: كَتَبَهَا الْكَاتِبُ وَهُوَ نَاعِسٌ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ جَاءَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَابْنِ مُلَيْكَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ بَدِيمَةَ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَابْنِهِ زَيْدٍ وَحَفِيدِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي آخِرِ مَنْ قَرَءُوا كُلُّهُمْ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَأَمَّا مَا أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالرِّجَالِ صِحَّتِهِ، وَبَالَغَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي ذَلِكَ كَعَادَتِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَهِيَ وَاللَّهِ فِرْيَةٌ مَا فِيهَا مِرْيَةٌ. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ قَالَ وَوَصَّى الْتَزَقَتِ الْوَاوُ فِي الصَّادِ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ.

وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ تَكْذِيبُ الْمَنْقُولِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ التَّحْصِيلِ، فَلْيُنْظَرْ فِي تَأْوِيلِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أَيْ دَاهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ. تَقُولُ قَرَعْتُ عَظْمَهُ أَيْ صَدَعْتُهُ، وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُ بِأَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ: فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قَالَ سَرِيَّةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ قَالَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ فَتْحُ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ، مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمِلَاوَةِ. وَمِنْهُ مَلِيًّا، وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الْأَرْضِ مَلًى) كَذَا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ أَطَلْتُ لَهُمْ، وَمِنْهُ الْمَلِيُّ وَالْمِلَاوَةُ مِنَ الدَّهْرِ، وَيُقَالُ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَلَوَانِ لِطُولِهِمَا، وَيُقَالُ لِلْخِرَقِ الْوَاسِعِ مِنَ الْأَرْضِ مَلًى، قَالَ الشَّاعِرُ:

مَلًى لَا تَخَطَّاهُ

الْعُيُونُ رَغِيبُ

انْتَهَى. وَالْمَلِيُّ بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ ثُمَّ تَشْدِيدٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ.

قَوْلُهُ: (أَشُقُّ أَشَدُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ.

قَوْلُهُ: (مُعَقِّبٌ مُغَيِّرٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أَيْ لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُغَيِّرَ لَهُ عَنِ الْحَقِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أَيْ لَا يَتَعَقَّبُ أَحَدٌ حُكْمَهُ فَيَرُدَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ خَبَرُ طَيِّبِهَا وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ قَالَ: طَيُّبهَا عَذْبُهَا، وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْقِطَعُ الْمُتَجَاوِرَاتُ الْعَذْبَةُ وَالسَّبِخَةُ وَالْمَالِحُ وَالطَّيِّبُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ وَزَادَ: تُنْبِتُ هَذِهِ وَهَذِهِ إِلَى جَنْبِهَا لَا تُنْبِتُ. وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى مُتَّصِلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَكُونُ هَذِهِ حُلْوَةٌ وَهَذِهِ حَامِضَةٌ وَتُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ مُتَجَاوِرَاتٌ.

قَوْلُهُ: ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ وَحْدُهَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلِهِ، لَكِنْ قَالَ: تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ قَالَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ مُجْتَمِعٌ وَغَيْرُ مُجْتَمِعٍ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: الصِّنْوَانُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا وَاحِدًا وَرُءُوسُهَا مُتَفَرِّقَةٌ، وَغَيْرُ الصِّنْوَانِ أَنْ تَكُونَ النَّخْلَةُ مُنْفَرِدَةً لَيْسَ عِنْدَهَا شَيْءٌ انْتَهَى. وَأَصْلُ الصِّنْوِ الْمِثْلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا فَرْعٌ يَجْمَعُهُ وَفَرْعًا آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ لِأَنَّهُمَا يَجْمَعُهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (السَّحَابَ الثِّقَالَ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ غَيْرِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلَأُ بَطْنَ كُلِّ وَادٍ زَبَدًا رَابِيًا. الزَّبَدُ السَّيْلُ، زَبَدٌ مِثْلُهُ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ قَالَ: الزَّبَدُ السَّيْلُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قَالَ: خَبَثُ الْحِلْيَةِ وَالْحَدِيدِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قَالَ: بِمِلْئِهَا ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ قَالَ: الزَّبَدُ السَّيْلُ ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قَالَ: خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ قَالَ جُمُودًا فِي الْأَرْضِ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ الْمَاءُ، وَهُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِينِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَوَجْهُ الْمُمَاثَلَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّبَدَيْنِ نَاشِئٌ عَنِ الْأَكْدَارِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (بِقَدَرِهَا) قَالَ: الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (رَابِيًا) أَيْ عَالِيًا. وَفِي قَوْلِهِ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَفِي قَوْلِهِ: أَوْ مَتَاعٌ الْحَدِيدُ وَالصُّفْرُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ.

وَالْجُفَاءُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللَّهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ يَقُولُ: كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ فَصَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ عَنْ أَهْلِهِ، وَكَمَا مَكَثَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ فَأَمْرَعَتْ وَأَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ. وَنَظِيرُهُ بَقَاءُ خَالِصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا دَخَلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ وَبَقِيَ صَفْوُهُ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ وَيَذْهَبُ الْبَاطِلُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ يَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ يَمْلَأُ كُلَّ وَاحِدٍ وَهُوَ أَشْبَهَ، ويروى مَاءَ بَطْنِ وَادٍ.

١ - بَاب ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ: نُقِصَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الإحياء (﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) فلم يكن شكَّ في القدرة على الإحياء، بل أراد التَّرقِّي من علم اليقين إلى عين اليقين مع مشاهدة الكيفيَّة.

(٦) (باب قوله) تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]) ليس في الكلام شيءٌ تكون «حتَّى» غايةً له؛ ولذا اختُلِفَ في تقدير شيءٍ يصحُّ تغييته (١) بـ «حتى» (٢) فقدَّره الزَّمخشريُّ: وما أرسلنا من قبلك إلَّا رجالًا فتراخى نصرهم حتَّى، وقدَّره القرطبيُّ: وما أرسلنا من قبلك يا محمَّدُ إلَّا رجالًا، ثمَّ لم نعاقب أمَّتهم بالعقاب حتَّى إذا … وقدَّره ابن الجوزيِّ: وما أرسلنا من قبلك إلَّا رجالًا، فدعَوا قومهم فكذَّبوهم، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتَّى … ، قال في «اللُّباب»: وأحسنها الأوَّل. انتهى.

٤٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أويسٍ، أبو القاسم القرشيُّ الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ

بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ لَهُ) أي: لعروة، وسقط لفظ «له» لأبي ذَرٍّ (وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] قَالَ) أي: عروة: (قُلْتُ) لها: (أَكُذِبُوا) بتخفيف المعجمة المكسورة بعد ضمِّ الكاف (١) (أَمْ كُذِّبُوا) بتشديدها؟ (قَالَتْ عَائِشَةُ: ﴿كُذِبُواْ﴾) مشدَّدةً، كما صُرِّح به في الثَّلاثة في رواية الإسماعيليِّ: تخفيفًا وتشديدًا، قال عروة: (قُلْتُ) لها: (فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، قَالَتْ) أي: عائشة: (أَجَلْ) تعني (٢): نعم (لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) ولم يظنُّوا، قال عروة: (فَقُلْتُ لَهَا: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠]؟) بالتَّخفيف، فردَّت عليه حيث (٣) (قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا) وهذا ظاهره (٤) أنَّها أنكرت قراءة التَّخفيف؛ بناءً على أنَّ الضَّمير للرُّسل، ولعلَّها لم تبلغها، فقد ثبتت متواترةً في قراءة الكوفيِّين في آخرين، ووُجِّهت بأنَّ الضَّمير في ﴿وَظَنُّواْ﴾ عائدٌ على المرسَل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] والضَّميران (٥) في ﴿أَنَّهُمْ﴾ و ﴿كُذِبُواْ﴾ على الرُّسل، أي: وظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَن أُرسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم، أو أنَّ الضَّمائر كلَّها ترجع إلى المرسل إليهم، أي: ظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كذَّبوهم فيما ادَّعوا من النُّبوَّة، وفيما يوعِدون به مَن لم يؤمن من العقاب، أو كذَّبهم المرسَل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكِرمانيِّ: لم تنكر عائشة القراءة، وإنَّما أنكرت التَّأويل خلاف الظَّاهر، قال عروة: (قُلْتُ) لها: (فَمَا هَذِهِ الآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ) أي: وصدَّقُوا الرُّسل (فَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ) فالضَّمائر كلُّها على قراءة التَّشديد عائدةٌ على الرُّسل، أي: وظَنَّ (٦) الرُّسل أنَّهم قد كذَّبهم أممهم فيما جاؤوا به؛ لطول البلاء عليهم (جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ حِصَّةِ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ مِنْ حَصَّهُ إِذَا قَطَعَهُ، وَمِنْهُ أَحَصَّ الشَّعْرَ وَحَصَّ وَحَصْحَصَ مِثْلُ كَفَّ وَكَفْكَفَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ، مِصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَى جَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) هُوَ الْعُتَقِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا قَافٌ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ مَالِكٍ وَرَاوِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عِلْمِ مَالِكٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَ الْمَوْضِعِ. وَالْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْمِصْرِيِّينَ إِلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ الْمِصْرِيَّ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَقْرَانِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَرْجَمَتَيْ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

٦ - بَاب ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾

٤٦٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا. قُلْتُ: فَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. قَالَتْ: أَجَلْ، لَعَمْرِي لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتْ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ. جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ.

٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ نَحْوَه"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ اسْتَيْأَسَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْيَأْسِ ضِدُّ الرَّجَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ اسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ، وَمِثْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِاسْتَفْعَلَ إِلَّا الْوَزْنَ خَاصَّةً وَإِلَّا فَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ، وَاسْتَيْأَسَ بِمَعْنَى يَئِسَ كَاسْتَعْجَبَ وَعَجِبَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْغَايَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (حَتَّى) فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ فَتَرَاخَى النَّصْرُ عَنْهُمْ (حَتَّى إِذَا) وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَلَمْ تُعَاقَبْ أُمَمُهُمْ حَتَّى إِذَا، وَقِيلَ فَدَعَوْا قَوْمَهُمْ فَكَذَّبُوهُمْ فَطَالَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ كُذِّبُوا أَمْ كُذِبُوا) أَيْ مُثَقَّلَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ؟ وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ كُذِّبُوا) أَيْ بِالتَّثْقِيلِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مُثَقَّلَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ أَجَلْ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قُلْتُ فَهِيَ مُخَفَّفَةٌ، قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا

أَنْكَرَتِ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، وَلَيْسَ الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ وَلَا لِإِنْكَارِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ مَعْنًى بَعْدَ ثُبُوتِهَا. وَلَعَلَّهَا لَمْ يَبْلُغُهَا مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَئِمَّةُ الْكُوفَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَاصِمٌ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ فِي آخَرِينَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَمْ تُنْكِرْ عَائِشَةُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ. كَذَا قَالَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُوَافِقُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَائِشَةَ، ثُمَّ لَا يَدْرى رَجَعَ إِلَيْهَا أَمْ لَا. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقْرَأُ (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ فَقَالَ: أَخْبِرْهُ عَنِّي أَنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ (كُذِّبُوا) مُثَقَّلَةٌ أَيْ كَذَّبَتْهُمْ أَتْبَاعُهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةٌ قَالَ ذَهَبَ بِهَا هُنَالِكَ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِمَا هُنَالِكَ بِمِيمٍ بَدَلَ الْهَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ذَهَبَ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ - وَتَلَا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا بَشَرًا ضَعُفُوا وَأَيِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُولُ الرَّسُولِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ الْجَمِيعُ مَقُولُ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى مَقُولُ الْجَمِيعِ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهِيَ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.

وَالْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ مَقُولُ الرَّسُولِ، وَقُدِّمَ الرَّسُولُ فِي الذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَهَذَا أَوْلَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ شَكًّا بَلِ اسْتِبْطَاءً لِلنَّصْرِ وَطَلَبًا لَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يُجِيزُ عَلَى الرُّسُلِ أَنَّهَا تُكَذِّبُ بِالْوَحْيِ، وَلَا يُشَكُّ فِي صِدْقِ الْمُخْبِرِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُم لِطُولِ الْبَلَاءِ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَاءِ النَّصْرِ وَشِدَّةِ اسْتِنْجَازِ مَنْ وَعَدُوهُ بِهِ تَوَهَّمُوا أَنَّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنَ الْوَحْيِ كَانَ حُسْبَانًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَظَنُّوا عَلَيْهَا الْغَلَطَ فِي تَلَقِّي مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الَّذِي بُنِيَ لَهُ الْفِعْلُ أَنْفُسُهُمْ لَا الْآتِي بِالْوَحْيِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَذِبِ الْغَلَطُ لَا حَقِيقَةُ الْكَذِبِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٌ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ أَيْ غَلِطُوا، وَيَكُونُ فَاعِلُ ﴿وَظَنُّوا﴾ الرُّسُلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الضُّحَى، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَالْعَوْفِيِّ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَيِسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَيَهْجِسُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْوَسْوَسَةِ وَحَدِيثُ النَّفْسِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْبَشَرِيَّةُ، وَأَمَّا الظَّنُّ وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يُظَنُّ بِالْمُسْلِمِ فَضْلًا عَنِ الرَّسُولِ. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ الْقُشَيْرِيُّ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُرَادَ خَطَرَ بِقَلْبِ الرُّسُلِ فَصَرَفُوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوِ الْمَعْنَى قَرَّبُوا مِنَ الظَّنِّ كَمَا يُقَالُ بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِذَا قَرُبَتْ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَجْهُهُ أَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَخَافُ بَعْدَ أَنْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ أَنْ يَتَخَلَّفُ النَّصْرُ، لَا مِنْ تُهْمَةٍ بِوَعْدِ اللَّهِ بَلْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ، فَكَانَ الْأَمْرُ إِذَا طَالَ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ دَخَلَهُمُ الظَّنُّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قُلْتُ: وَلَا يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُجَوِّزُ عَلَى الرَّسُولِ أَنَّ نَفْسَهُ تُحَدِّثُهُ بِأَنَّ اللَّهَ

يُخْلِفُ وَعْدَهُ، بَلِ الَّذِي يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كَانُوا بَشَرًا إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ لَا نَفْسِ الرُّسُلِ، وَقَوْلُ الرَّاوِي عَنْهُ ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ أَيْ إِلَى السَّمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ ظَنُّوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَى لِسَانِ الْمَلِكِ تَخَلَّفَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي خَوَاطِرِ بَعْضِ الْأَتْبَاعِ. وَعَجَبٌ لِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ.

ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَوَقُّفِهِ عَنْ صِحَّةِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ، لَكِنْ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الرُّسُلَ هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ، بَلِ الضَّمِيرُ فِي وَظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، وَفِي وَكُذِبُوا عَائِدٌ عَلَى الرُّسُلِ أَيْ وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كُذِبُوا، أَوِ الضَّمَائِرُ لِلرُّسُلِ وَالْمَعْنَى يَئِسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ وَتَوَهَّمُوا أَنَّ أَنْفُسَهُمْ كَذَبَتْهُمْ حِينَ حَدَّثَتْهُمْ بِقُرْبِ النَّصْرِ، أَوْ كَذَبَهُمْ رَجَاؤُهُمْ. أَوِ الضَّمَائِرُ كُلُّهَا لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ أَيْ يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ، وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَّبُوهُمْ فِي جَمِيعِ مَا ادَّعُوهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْوَعْدِ بِالنَّصْرِ لِمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ لِمَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا وَجَبَ تَنْزِيهَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ عَلَى الرُّسُلِ، وَيُحْمَلُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَى ظَاهِرِ مَسَاقِهِمْ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا. فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ لَمَّا سَمِعَهُ: لَوْ رَحَلْتُ إِلَى الْيَمَنِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَكَانَ قَلِيلًا. فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرَ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْعَارِفِينَ بِكَلَامِهِ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.

وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ لَهُ: آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ فِي هَذَا أَلَوْتَ أَنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ، وَقَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ. وَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ، فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قَالَ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي تَأْوِيلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةٌ أَيْ أَخْلَفُوا، إِلَّا أَنَّا إِذَا قَرَّرْنَا أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ لَمْ يَضُرَّ تَفْسِيرَ كُذِبُوا بِأَخْلَفُوا، أَيْ ظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ أَخْلَفُوا مَا وَعَدُوا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ. سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ حِينَ أَبْطَأَ الْأَمْرُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ.

وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْءٌ مُوهِمٌ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الَّذِي يُكْرَهُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا مَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَرَادَ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِمَّنْ آمَنَ مِمَّا يُكْرَهُ سَمَاعُهُ، فَلَمْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الرُّسُلَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْ جَازَ أَنْ يَرْتَابَ الرُّسُلُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَيَشُكُّوا فِي حَقِيقَةِ خَبَرِهِ لَكَانَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَوْلَى بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَقَدِ اخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَةَ التَّخْفِيفِ وَوَجَّهَهَا بِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذَا لِأَنَّ الْآيَةَ وَقَعَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْسَ الرُّسُلِ كَانَ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ فَهَلَكُوا، أَوْ أَنَّ الْمُضْمَرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ

الْهَالِكَةِ. وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ الْخَبَرَ عَنِ الرُّسُلِ وَمَنْ آمَنَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَنُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ أَيِ الَّذِينَ هَلَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا فَكَذَّبُوهُمْ، وَالرُّسُلُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ أَجَلْ) أَيْ نَعَمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَتْ يَا عُرَيَّةُ وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَأَصْلُهُ عُرَيْوَةٌ فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّةٍ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى.

قَوْلُهُ: (لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِحَمْلِ عُرْوَةَ الظَّنَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ رُجْحَانُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَوَافَقَتْهُ عَائِشَةُ. لَكِنْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ هُنَا الْيَقِينُ. وَنَقَلَهُ نَفْطَوَيْهِ هُنَا عَنْ أَكْثَرَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الظَّنَّ لَا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ فِي مَوْضِعِ الْعِلْمِ إِلَّا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ غَيْرَ الْمُعَايَنَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةَ فَلَا، فَإِنَّهَا لَا تَقُولُ أَظُنُّنِي إِنْسَانًا وَلَا أَظُنُّنِي حَيًّا بِمَعْنَى إِنْسَانًا أَوْ حَيًّا.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةٌ قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ. نَحْوَهُ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَمَامِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ.

(فَائِدَةٌ):

قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنُونَيْنِ الثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ وَالْجِيمُ خَفِيفَةٌ وَسُكُونُ آخِرِهِ مُضَارِعُ أَنْجَى، وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وَفَتْحِ آخِرِهِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَمَنْ قَائِمَةٌ مَقَامُ الْفَاعِلِ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ: كُلُّ مَنْ قَرَأَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِقِرَاءَتِهِ وَالْحُجَّةُ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٣ - سُورَةُ الرَّعْدِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ظِلِّ خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلَّلَ. ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ مُتَدَانِيَاتٌ. ﴿الْمَثُلاتُ﴾ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ، وَهِيَ الْأَشْبَاهُ وَالْأَمْثَالُ. وَقَالَ: ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾، ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بِقَدَرٍ. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى. وَمِنْهُ قِيلَ: الْعَقِيبُ، يقال: عَقَّبْتُ فِي إِثْرِهِ. ﴿الْمِحَالِ﴾ الْعُقُوبَةُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ. ﴿رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو. ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ﴾ الْمَتَاعُ: مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ. ﴿جُفَاءً﴾ أَجْفَأَتْ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ، ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ. ﴿الْمِهَادُ﴾ الْفِرَاشُ. يَدْرَءُونَ: يَدْفَعُونَ، دَرَأْتُهُ: دَفَعْتُهُ. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ تَوْبَتِي. أَفَلَمْ يَيْئَسْ: لَمْ يَتَبَيَّنْ. ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ، مِنْ الْمَلِيِّ وَالْمِلَاوَةِ، وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنْ الْأَرْضِ: مَلًى مِنْ الْأَرْضِ. ﴿أَشَقُّ﴾ أَشَدُّ، مِنْ الْمَشَقَّةِ. ﴿مُعَقِّبَ﴾ مُغَيِّرٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ وَحْدَهَا. ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ

وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ. السَّحَابُ الثِّقَالُ: الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا.

﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ زَبَدُ السَّيْلِ. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الرَّعْدِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ظِلِّ خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ الْآيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ فَلَا يَقْدِرُ بِالرَّاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْقَابِسِيِّ يَقْدَمُ بِالْمِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ مَثَلُ الْأَوْثَانِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلِ قَدْ بَلَغَهُ الْعَطَشُ حَتَّى كَرَبَهُ الْمَوْتُ وَكَفَّاهُ فِي الْمَاءِ قَدْ وَضَعَهُمَا لَا يَبْلُغَانِ فَاهُ، يَقُولُ اللَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ الْأَوْثَانُ وَلَا تَنْفَعُهُ حَتَّى تَبْلُغَ كَفَّا هَذَا فَاهُ وَمَا هُمَا بِبَالِغَتَيْنِ فَاهُ أَبَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَالرَّجُلِ الْعَطْشَانِ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الْمَاءُ إِلَيْهِ وَمَا هُوَ بِمُرْتَفِعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ: الَّذِي يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا مِنْ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، مَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي بَسَطَ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَلَا يَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَمُوتُ عَطَشًا. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَلَكِنْ قَالَ: وَلَيْسَ الْمَاءُ بِبَالِغٍ فَاهُ مَا دَامَ بَاسِطًا كَفَّيْهِ لَا يَقْبِضُهُمَا، وَسَيَأْتِي قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: مُتَجَاوِرَاتٌ مُتَدَانِيَاتٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَثُلَاتُ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ وَهِيَ الْأَمْثَالُ وَالْأَشْبَاهُ، وَقَالَ: ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلَّلَ، مُتَجَاوِرَاتٍ: مُتَدَانِيَاتٍ، الْمُثُلَاتُ وَاحِدُهَا مُثْلَةٌ إِلَى آخِرِهِ، فَجَعَلَ الْكُلَّ لِقَاتِلٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ وَسَخَّرَ هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. وَذَلَّلَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ تَفْسِيرُ سَخَّرَ، وَكُلُّ هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أَيْ ذَلَّلَهُمَا فَانْطَاعَا، قَالَ: وَالتَّنْوِينُ فِي كُلٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ فَلَمْ يَعْمَلُ فِيهِ وَسَخَّرَ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أَيْ مُتَدَانِيَاتٌ مُتَقَارِبَاتٌ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ وَالْأَشْبَاهُ وَالنَّظِيرُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قال: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ الْعُقُوبَاتُ. وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ مَا مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأُمَمِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ جَمْعُ مَثُلَةٍ كَقَطْعِ الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ.

(تَنْبِيهٌ):

الْمَثُلَاتُ وَالْمَثُلَةُ كِلَاهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ مِثْلُ سَمُرَةٍ وَسَمُرَاتٍ، وَسَكَّنَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ الْمُثَلَّثَةَ فِي قِرَاءَتِهِ وَضَمَّ الْمِيمَ، وَكَذَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ لَكِنْ فَتَحَ أَوَّلَهُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِفَتْحِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِضَمِّهِمَا، وَبِهِمَا قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (بِمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَزَادَ: مِفْعَالٌ مِنَ الْقَدرِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَيْ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا مَعْلُومًا.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ مُعَقِّبَاتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ الْعَقِيبُ أَيْ عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ) سَقَطَ لَفْظُ يُقَالُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أَيْ مَلَائِكَةٌ تُعَقِّبُ بَعْدَ مَلَائِكَةٍ،

حَفَظَةٌ بِاللَّيْلِ تُعَقِّبُ بَعْدَ حَفَظَةِ النَّهَارِ وَحَفَظَةُ النَّهَارِ تُعَقِّبُ بَعْدَ حَفَظَةِ اللَّيْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ عَقَّبَنِي وَقَوْلُهُمْ عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُهُ خَلَوْا عَنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَالْمُعَقِّبَاتُ هُنَّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: حِفْظُهُمْ إِيَّاهُ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ. وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتُخُطِّفْتُمْ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كِنَانَةِ الْعَدَوِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلَةِ بِالْآدَمِيِّ فَقَالَ: لِكُلِّ آدَمِيٌّ عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ وَعَشَرَةٌ بِالنَّهَارِ، وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ وَاثْنَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَاثْنَانِ عَلَى جَنْبَيْهِ وَآخَرُ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِهِ فَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ وَإِنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ وَاثْنَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالْعَاشِرُ يَحْرُسُهُ مِنَ الْحَيَّةِ أَنْ تَدْخُلَ فَاهُ يَعْنِي إِذَا نَامَ. وَجَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلٍ آخَرَ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ قَالَ: ذَلِكَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَهُ حَرَسٌ وَمِنْ دُونِهِ حَرَسٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: (مُعَقِّبَاتٌ) قَالَ: الْمَرَاكِبُ.

(تَنْبِيهٌ): عَقَّبْتُ يَجُوزُ فِيهِ تَخْفِيفُ الْقَافِ وَتَشْدِيدِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ كَسْرُ الْقَافِ مَعَ التَّخْفِيفِ فَيَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لُغَةً.

قَوْلُهُ: ﴿الْمِحَالِ﴾ الْعُقُوبَةُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قَالَ شَدِيدُ الْقُوَّةِ، وَمِثْلَهُ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوَهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: شَدِيدُ الِانْتِقَامِ، وَأَصْلُ الْمِحَالِ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْقُوَّةُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ الْمَحْلُ وَهُوَ الْمَكْرُ، وَقِيلَ الْحِيلَةُ وَالْمِيمُ مَزِيدَةٌ وَغَلَّطُوا قَائِلُهُ، وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَارَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُ - الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَأَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً فَذَهَبَتْ بِقَحْفِ رَأْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ ثَابِتٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أَيْ أَنَّ الَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى فَمِهِ لَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا تَجْمَعُهُ أَنَامِلُهُ، قَالَ صَابِئُ بْنُ الْحَارِثِ:

وَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمْ … كَقَابِضِ مَاءٍ لَمْ تُسِقْهُ أَنَامِلُهُ

تُسِقْهُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ لَمْ تَجْمَعْهُ.

قَوْلُهُ: (رَابِيًا مِنْ رَبَا يَرْبُو) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو أَيْ يَنْتَفِخُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ قَتَادَةَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ الْمَتَاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ لِذَلِكَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (جُفَاءً يُقَالُ أَجْفَأَتِ الْقِدْرَ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: يُقَالُ أَجْفَأَتِ الْقِدْرَ وَذَلِكَ إِذَا غَلَتْ وَانْتَصَبَ زَبَدُهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ تُنَشِّفُهُ

الْأَرْضُ، يُقَالُ جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَى فِي مَعْنَى نَشَفَ، وَقَرَأَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ فَيَذْهَبُ جُفَالًا بِاللَّامِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مِنْ أَجَفَلَتِ الرِّيحُ الْغَيْمَ إِذَا قَطَعَتْهُ.

قَوْلُهُ: (الْمِهَادُ الْفِرَاشُ) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (يَدْرَءُونَ يَدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (الْأَغْلَالُ وَاحِدُهَا غَلٌّ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَعْنَاقِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ﴾ قَالَ: مَجَازُهُ مَجَازُ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: حُذِفَتْ يَقُولُونَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ، كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَدْخُلُونَ، أَيْ يَدْخُلُونَ قَائِلِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَتَابُ إِلَيْهِ تَوْبَتِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَتَابُ مَصْدَرٌ تُبْتُ إِلَيْهِ وَتَوْبَتِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ قَالَ: تَوْبَتِي.

قَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُ وَيَتَبَيَّنُ قَالَ سُحَيْمُ الْيَرْبُوعِيُّ:

"أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسٍ زَهْدَمٍ " أَيْ لَمْ تُبَيِّنُوا.

وَقَالَ آخَرُ:

أَلَمْ يَيْأَسِ الْأَقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ … وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ نَائِيًا

وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا لُغَةُ هَوَازِنٍ تَقُولُ: يَئِسْتُ كَذَا أَيْ عَلِمْتُهُ، قَالَ: وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ - يَعْنِي الْفَرَّاءُ - لَكِنَّهُ سَلَّمَ أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى عَلِمْتُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْيَأْسَ إِنَّمَا اسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْآيِسَ عَنِ الشَّيْءِ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمْ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كُلِّهِمْ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَيَقُولُ: كَتَبَهَا الْكَاتِبُ وَهُوَ نَاعِسٌ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ جَاءَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَابْنِ مُلَيْكَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ بَدِيمَةَ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَابْنِهِ زَيْدٍ وَحَفِيدِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي آخِرِ مَنْ قَرَءُوا كُلُّهُمْ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَأَمَّا مَا أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالرِّجَالِ صِحَّتِهِ، وَبَالَغَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي ذَلِكَ كَعَادَتِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَهِيَ وَاللَّهِ فِرْيَةٌ مَا فِيهَا مِرْيَةٌ. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ قَالَ وَوَصَّى الْتَزَقَتِ الْوَاوُ فِي الصَّادِ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ.

وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ تَكْذِيبُ الْمَنْقُولِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ التَّحْصِيلِ، فَلْيُنْظَرْ فِي تَأْوِيلِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أَيْ دَاهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ. تَقُولُ قَرَعْتُ عَظْمَهُ أَيْ صَدَعْتُهُ، وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُ بِأَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ: فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قَالَ سَرِيَّةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ قَالَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ فَتْحُ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ، مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمِلَاوَةِ. وَمِنْهُ مَلِيًّا، وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الْأَرْضِ مَلًى) كَذَا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ أَطَلْتُ لَهُمْ، وَمِنْهُ الْمَلِيُّ وَالْمِلَاوَةُ مِنَ الدَّهْرِ، وَيُقَالُ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَلَوَانِ لِطُولِهِمَا، وَيُقَالُ لِلْخِرَقِ الْوَاسِعِ مِنَ الْأَرْضِ مَلًى، قَالَ الشَّاعِرُ:

مَلًى لَا تَخَطَّاهُ

الْعُيُونُ رَغِيبُ

انْتَهَى. وَالْمَلِيُّ بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ ثُمَّ تَشْدِيدٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ.

قَوْلُهُ: (أَشُقُّ أَشَدُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ.

قَوْلُهُ: (مُعَقِّبٌ مُغَيِّرٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أَيْ لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُغَيِّرَ لَهُ عَنِ الْحَقِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أَيْ لَا يَتَعَقَّبُ أَحَدٌ حُكْمَهُ فَيَرُدَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ خَبَرُ طَيِّبِهَا وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ قَالَ: طَيُّبهَا عَذْبُهَا، وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْقِطَعُ الْمُتَجَاوِرَاتُ الْعَذْبَةُ وَالسَّبِخَةُ وَالْمَالِحُ وَالطَّيِّبُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ وَزَادَ: تُنْبِتُ هَذِهِ وَهَذِهِ إِلَى جَنْبِهَا لَا تُنْبِتُ. وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى مُتَّصِلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَكُونُ هَذِهِ حُلْوَةٌ وَهَذِهِ حَامِضَةٌ وَتُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ مُتَجَاوِرَاتٌ.

قَوْلُهُ: ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ وَحْدُهَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلِهِ، لَكِنْ قَالَ: تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ قَالَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ مُجْتَمِعٌ وَغَيْرُ مُجْتَمِعٍ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: الصِّنْوَانُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا وَاحِدًا وَرُءُوسُهَا مُتَفَرِّقَةٌ، وَغَيْرُ الصِّنْوَانِ أَنْ تَكُونَ النَّخْلَةُ مُنْفَرِدَةً لَيْسَ عِنْدَهَا شَيْءٌ انْتَهَى. وَأَصْلُ الصِّنْوِ الْمِثْلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا فَرْعٌ يَجْمَعُهُ وَفَرْعًا آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ لِأَنَّهُمَا يَجْمَعُهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (السَّحَابَ الثِّقَالَ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ غَيْرِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلَأُ بَطْنَ كُلِّ وَادٍ زَبَدًا رَابِيًا. الزَّبَدُ السَّيْلُ، زَبَدٌ مِثْلُهُ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ قَالَ: الزَّبَدُ السَّيْلُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قَالَ: خَبَثُ الْحِلْيَةِ وَالْحَدِيدِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قَالَ: بِمِلْئِهَا ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ قَالَ: الزَّبَدُ السَّيْلُ ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قَالَ: خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ قَالَ جُمُودًا فِي الْأَرْضِ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ الْمَاءُ، وَهُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِينِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَوَجْهُ الْمُمَاثَلَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّبَدَيْنِ نَاشِئٌ عَنِ الْأَكْدَارِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (بِقَدَرِهَا) قَالَ: الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (رَابِيًا) أَيْ عَالِيًا. وَفِي قَوْلِهِ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَفِي قَوْلِهِ: أَوْ مَتَاعٌ الْحَدِيدُ وَالصُّفْرُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ.

وَالْجُفَاءُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللَّهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ يَقُولُ: كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ فَصَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ عَنْ أَهْلِهِ، وَكَمَا مَكَثَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ فَأَمْرَعَتْ وَأَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ. وَنَظِيرُهُ بَقَاءُ خَالِصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا دَخَلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ وَبَقِيَ صَفْوُهُ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ وَيَذْهَبُ الْبَاطِلُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ يَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ يَمْلَأُ كُلَّ وَاحِدٍ وَهُوَ أَشْبَهَ، ويروى مَاءَ بَطْنِ وَادٍ.

١ - بَاب ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ: نُقِصَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الإحياء (﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) فلم يكن شكَّ في القدرة على الإحياء، بل أراد التَّرقِّي من علم اليقين إلى عين اليقين مع مشاهدة الكيفيَّة.

(٦) (باب قوله) تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]) ليس في الكلام شيءٌ تكون «حتَّى» غايةً له؛ ولذا اختُلِفَ في تقدير شيءٍ يصحُّ تغييته (١) بـ «حتى» (٢) فقدَّره الزَّمخشريُّ: وما أرسلنا من قبلك إلَّا رجالًا فتراخى نصرهم حتَّى، وقدَّره القرطبيُّ: وما أرسلنا من قبلك يا محمَّدُ إلَّا رجالًا، ثمَّ لم نعاقب أمَّتهم بالعقاب حتَّى إذا … وقدَّره ابن الجوزيِّ: وما أرسلنا من قبلك إلَّا رجالًا، فدعَوا قومهم فكذَّبوهم، وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتَّى … ، قال في «اللُّباب»: وأحسنها الأوَّل. انتهى.

٤٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أويسٍ، أبو القاسم القرشيُّ الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ

بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ لَهُ) أي: لعروة، وسقط لفظ «له» لأبي ذَرٍّ (وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] قَالَ) أي: عروة: (قُلْتُ) لها: (أَكُذِبُوا) بتخفيف المعجمة المكسورة بعد ضمِّ الكاف (١) (أَمْ كُذِّبُوا) بتشديدها؟ (قَالَتْ عَائِشَةُ: ﴿كُذِبُواْ﴾) مشدَّدةً، كما صُرِّح به في الثَّلاثة في رواية الإسماعيليِّ: تخفيفًا وتشديدًا، قال عروة: (قُلْتُ) لها: (فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، قَالَتْ) أي: عائشة: (أَجَلْ) تعني (٢): نعم (لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) ولم يظنُّوا، قال عروة: (فَقُلْتُ لَهَا: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠]؟) بالتَّخفيف، فردَّت عليه حيث (٣) (قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا) وهذا ظاهره (٤) أنَّها أنكرت قراءة التَّخفيف؛ بناءً على أنَّ الضَّمير للرُّسل، ولعلَّها لم تبلغها، فقد ثبتت متواترةً في قراءة الكوفيِّين في آخرين، ووُجِّهت بأنَّ الضَّمير في ﴿وَظَنُّواْ﴾ عائدٌ على المرسَل إليهم؛ لتقدُّمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] والضَّميران (٥) في ﴿أَنَّهُمْ﴾ و ﴿كُذِبُواْ﴾ على الرُّسل، أي: وظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَن أُرسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم، أو أنَّ الضَّمائر كلَّها ترجع إلى المرسل إليهم، أي: ظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كذَّبوهم فيما ادَّعوا من النُّبوَّة، وفيما يوعِدون به مَن لم يؤمن من العقاب، أو كذَّبهم المرسَل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكِرمانيِّ: لم تنكر عائشة القراءة، وإنَّما أنكرت التَّأويل خلاف الظَّاهر، قال عروة: (قُلْتُ) لها: (فَمَا هَذِهِ الآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ) أي: وصدَّقُوا الرُّسل (فَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ) فالضَّمائر كلُّها على قراءة التَّشديد عائدةٌ على الرُّسل، أي: وظَنَّ (٦) الرُّسل أنَّهم قد كذَّبهم أممهم فيما جاؤوا به؛ لطول البلاء عليهم (جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله