«أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4810

الحديث رقم 4810 من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: سورة الزمر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن ناسا من أهل الشرك، كانوا قد قتلوا…

«أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ

⦗١٢٦⦘

فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾».

﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

سند حديث: ٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى…

٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ: قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن ناسا من أهل الشرك، كانوا قد قتلوا…

جاء رجالٌ مِن المشركين للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وكانوا قد أكثروا مِن القتل والزنا، فقالوا للنبي: إنّ ما تدعو إليه مِن الإسلام وتعاليمِه شيءٌ حسنٌ، ولكن ما حالُنا وما وَقَعنا فيه مِن الشرك والكبائر، هل له كفّارة؟

فنزلت الآيتان، حيث قَبِل الله من الناس التَّوبة مع كثرة ذنوبهم وعِظمِها، ولولا ذلك لاستمرُّوا على كفرهم وطغيانهم ولَمَا دخلوا في هذا الدِّين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضلُ الإسلام وعظمتُه وأنه يهدِمُ ما قَبله من الذنوب.
  • سعة رحمة الله بعباده ومغفرته وعفوه.
  • تحريم الشرك، وتحريم قتل النفس بغير حق، وتحريم الزنا، ووعيد مَن يَقترف هذه الذنوب.
  • التوبة الصادقة المقترنة بالإخلاص والعمل الصالح تكفّر جميع الكبائر بما فيها الكفر بالله تعالى.
  • تحريم القُنُوْطِ واليأسِ مِن رحمةِ الله سبحانه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «أن ناسا من أهل الشرك، كانوا قد قتلوا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: غَيْرُهُ ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلا سَلَمًا﴾ وَيُقَالُ سَالِمًا: صَالِحًا) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ مُجَاهِدٍ. وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: الشَّكِسُ: الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ هُوَ مِنَ الرَّجُلِ الشَّكِسِ، (وَرَجُلًا سَالِمًا) الرَّجُلُ سَالِمٌ وَسَلَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ الصُّلَّحِ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو سَالِمًا وَالْبَاقُونَ سَلَمًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِهِ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وُصِفَ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ أَيْ بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ الشَّكِسُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا هُوَ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، وَقِيلَ: مَنْ كَسَرَ الْكَافَ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَمَنْ سَكَّنَهَا كَسَرَ وَهُمَا بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَقُولُ الْعَرَبُ اشْمَأَزَّ قَلْبِي عَنْ فُلَانٍ أَيْ نَفَرَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ أَيْ نَفَرَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: انْقَبَضَتْ.

قَوْلُهُ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ مِنَ الْفَوْزِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ بِنَجَاتِهِمْ وَهُوَ مِنَ الْفَوْزِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ: بِفَضَائِلِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿حَافِّينَ﴾ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافِيهِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ بِجَانِبَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْأَصِيلِيِّ بِجَوَانِبِهِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِحَافَّتِهِ بِجَوَانِبِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ طَافُوا بِهِ بِحِفَافِيهِ، وَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِيِّ بِالْمَعْنَى.

قَوْلُهُ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَانِيَ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الْقِصَصَ الْمُتَكَرِّرَةَ تَكُونُ مُتَشَابِهَةٌ، وَالْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى بِمَعْنَى مُكَرَّرٍ، لِمَا أُعِيدَ فِيهِ مِنْ قَصَصٍ وَغَيْرِهَا

١ - بَاب ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نجوِّزه (١)، واحتجَّ الجمهورُ بوجهين: الأول: أنَّ العَفُوَّ لا يعذِّبُ على الذَّنبِ مع استحقاقِ العذابِ، ولا تقول المعتزلةُ بذلك الاستحقاق في (٢) غير صورةِ النِّزاعِ، إذ لا استحقاقَ بالصَّغائرِ أصلًا، ولا بالكبائرِ بعد التَّوبة، فلم تبقَ إلَّا الكبائر (٣) قبلها، فهو يعفو (٤) عنها كما ذهبنا إليه. الثَّاني: الآيات الدَّالة على العفوِ عن الكبيرةِ قبل التَّوبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] فإنَّ ما عدا الشِّركِ داخلٌ فيه، ولا يمكن التَّقييد بالتَّوبة لأنَّ الكفرَ معفوٌّ معها، فيلزمُ تساوي ما نُفي عنه الغُفران وما أثبتَ له، وذلك ممَّا لا يليقُ بكلام عاقلٍ فضلًا عن كلامِ الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامٌّ للكلِّ، فلا يخرجُ عنه إلَّا ما أجمعَ عليه.

وسقطَ قوله: «﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، ولفظ «باب» لغيرهِ.

٤٨١٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ) قال: (قَالَ يَعْلَى) هو ابنُ مسلم بن هرمزٍ، كما في «مسلم»: (إنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) سمَّى الواقديُّ منهم: وحشيَّ بن حربٍ قاتل حمزة، وكذا هو عند الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاسٍ من وجه آخر (كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا) من القتلِ (وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا) من الزِّنا (فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ) من

الإسلام (لَحَسَنٌ) وفي نسخة: «به» بدل: «إليهِ»، (لَوْ تُخْبِرُنَا: أَنَّ لِمَا) أي: للَّذي (عَمِلْنَا) من الكبائرِ (كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) أي: حرَّمَ قَتلها (١) (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) قال في «الأنوار»: نفى عنهم أمَّهاتِ المعاصِي بعد ما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات؛ إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجرَ المذكور موعودٌ للجامع بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ (وَنَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «ونَزَلت» بتاء التَّأنيث: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]).

وعند الإمامِ أحمدَ من حديث ثوبان مرفوعًا: «ما أحبُّ أنَّ لي الدُّنيَا وما فيها بهذهِ الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ … » إلى آخِرها، فقال رجلٌ: يا رسول الله، فمن أشركَ؟ فسكتَ النَّبيُّ ﷺ، ثمَّ قال: «ألَا ومَن أشركَ» ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماءَ بنت يزيد قالتْ: سمعتُه ﷺ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يُبالي. قال (٢) الحسن البَصريُّ: انظروا إلى هذا الكرمِ والجودِ، قتلوا أولياءهُ وهو يدعوهُم إلى التَّوبةِ والمغفرةِ، ولمَّا أسلمَ وحشيُّ بن حربٍ فقال النَّاس: يا رسول الله، إنَّا أصبنَا ما أصابَ وحشيٌّ، فقال: «هي للمسلمين عامَّةً». وقال ابن عبَّاسٍ: قد دعا الله ﷾ إلى توبتهِ من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فمن آيس العبادَ من التَّوبة بعد هذا فقد جحدَ كتابَ الله، ولكن إذا تابَ الله على العبدِ تابَ.

(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: ما عظَّموهُ حقَّ عظمتهِ (٣) حين (٤) أشركُوا به غيره، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

دخانا وَجه تعلقه بِمَا قبله مَا ذكر فِي سُورَة الرّوم أَنه قيل لِابْنِ مَسْعُود: أَن رجلا يَقُول يَجِيء دُخان كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا الخ.

٩٣ - (سُورَةُ: {الزُّمَر} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الزمر. قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ آيتان مدنيتان. {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا} (الزمر: ٣٥) أنزلت فِي وَحشِي. حَرْب {وَمَا قدرُوا الله حق قدره} (الزمر: ٧٦) وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة سبأ وَقبل سُورَة الْمُؤمن، وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَثَمَانِية أحرف، وَألف وَمِائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وَخمْس وَسَبْعُونَ آيَة.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: {أفَمَنْ يَتقَّى بِوَجْهِهِ} . يَجُر عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أمَّنْ يَأتِي آمِنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أَفَمَن يتقى بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة} (الزمر: ٤٢) الْآيَة. قَوْله: (أَفَمَن يَتَّقِي) ، يُقَال: اتَّقَاهُ بدرقته استقبله بهَا فوقى بهَا نَفسه واتقاء بِيَدِهِ، وَتَقْدِيره: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب كمن أَمن الْعَذَاب؟ فَحذف الْخَبَر، وَسُوء الْعَذَاب شدته، وَعَن مُجَاهِد: يجر على وَجهه فِي النَّار، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا بقوله: يجر على وَجهه فِي النَّار، وَأَشَارَ بقوله: وَهُوَ قَوْله: {أَفَمَن يلقى فِي النَّار} إِلَى آخِره إِلَى أَن قَوْله أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يجر على وَجهه فِي النَّار، مثل قَوْله: (أَفَمَن يلقى فِي النَّار) إِلَى آخِره وَوجه التَّشْبِيه بَيَان حَاله فِي أَن ثمَّ محذوفا تَقْدِيره: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب كمن أَمن الْعَذَاب كَمَا ذَكرْنَاهُ لِأَن، وَلَفظ: يجر، بِالْجِيم عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَحده بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.

غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَبْسٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قُرْآنًا عَرَبيا غير ذِي عوج لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ} (الزمر: ٨٢) وَفسّر العوج باللبس وَهُوَ الالتباس، وَهَذَا التَّفْسِير باللازم لِأَن الَّذِي فِيهِ لَيْسَ يسْتَلْزم العوج فِي الْمَعْنى، وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من وَجْهَيْن ضعيفين عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (غير ذِي عوج) ، قَالَ: لَيْسَ بمخلوق.

وَرَجُلاً سِلْما لِرَجُلٍ صَالِحا مَثَلٌ لإلاهِهِمِ الباطِلِ وَالإلاهِ الحَقِّ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلاً سالما لرجل هَل يستويان مثلا} (الزمر: ٩٢) قَوْله: (ورجلاً) عطف على رجلا الأول، وَهُوَ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: ضرب الله مثلا لرجل أوفى رجل قَوْله: (سلما) بِكَسْر السِّين وَهُوَ قِرَاءَة الْعَامَّة، وَهُوَ الَّذِي لَا تنَازع فِيهِ، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب: سالما وَهُوَ الْخَالِص ضد الشّرك. قَوْله: (صَالحا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: خَالِصا وَسَقَطت هَذِه اللَّفْظَة للنسفي. قَوْله: (مثل) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: (هَذَا مثل لإلاههم الْبَاطِل والإلاه الْحق) ، وَالْمعْنَى: هَل تستوى صفاتهما وتمييزهما، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذَا مثل ضربه الله للْكَافِرِ الَّذِي يعبد آلِهَة شَتَّى وَالْمُؤمن الَّذِي لَا يعبد إلَاّ الله عز وَجل. قَوْله: (متشاكسون) ، مُخْتَلفُونَ متنازعون متشاحون سَيِّئَة أَخْلَاقهم.

{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} (الزمر: ٦٣) بِالاْوْثَانِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده ويخوفونك بالذين من دونه} أَي يخوفك الْمُشْركُونَ بمضرة الْأَوْثَان. قَالُوا: إِنَّك تعيب آلِهَتنَا وتذكرها بِسوء لتكفن عَن ذكرهَا أَو تصيبك بِسوء. قَوْله: (الْأَوْثَان) ، ويروى أَي: بالأوثان، وَهَذَا أولى.

خَوَّلْنا: أعْطَيْنا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِذا خولناه نعْمَة منا} (الزمر: ٩٤) وَفَسرهُ بقوله: أعطنا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل مَال أَعْطيته فقد خولته.

{وَالَّذِي جَاءِ بِالصِّدْقِ} (الزمر: ٣٣) القُرْآنِ وَصَدَقَ بِهِ المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ هاذا الَّذِي أعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون} وَفسّر قَوْله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ) بقوله:

الْقُرْآن وَقَالَ السّديّ: الَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السلاة، جَاءَ بِالْقُرْآنِ، وَصدق بِهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تَلقاهُ بِالْقبُولِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ. يَعْنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ بِلَا إلاه إلَاّ الله وَصدق بِهِ هُوَ أَيْضا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلغه إِلَى الْخلق وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي الْعَالِيَة والكلبي، وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصدق بِهِ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصدق بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَعَن عَطاء، وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَصدق بِهِ الأتباع، فعلى هَذَا يكون الَّذِي بِمَعْنى الَّذين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} (التَّوْبَة: ٩٦) قَوْله: (يَقُول هَذَا الَّذِي) إِلَى آخِره، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَا غير.

متَشاكِسُونَ الرَّجُلُ الشَّكِسُ العَسِرُ لَا يَرْضَى بالإنْصافِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون) (الزمر: ٩٢) ، أَي: مُخْتَلفُونَ، فقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (الشكس) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه من مَادَّة متشاكسون غير أَن الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن من بَاب التفاعل للمشاركة بَين الْقَوْم. والشكس مُفْرد صفة مشبهة. قَالَ فِي (الباهر) : رجل شكس، بِالْفَتْح والتسكين: صَعب الْخلق، وَقوم شكس بِالضَّمِّ مِثَال رجل صدق وَقوم صدق، وَقيل: الشكس بِالْكَسْرِ والإسكان، والشكس بِالْفَتْح وَكسر الْكَاف: السيء يُقَال: شكس شكسأ وشكاسة، وَفسّر البُخَارِيّ الشكس بقوله: (الْعسر لَا يرضى بالإنصاف) والعسر مثل الحذر صفة مشبهة، ويروى: العسير على وزن فعيل، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ غَيره: الشكس. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : يَعْنِي غير مُجَاهِد فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم يُرِيد بِالْغَيْر عبد الرَّحْمَن بن زيد بن زيد بن أسلم فَإِن الطَّبَرِيّ رَوَاهُ عَن يُونُس عَن ابْن وهب عَنهُ.

ورَجُلاً سَلماً ويُقالُ سالِماً صالِحاً

لَيْسَ هَذَا بمذكور فِي غَالب من النّسخ لِأَنَّهُ كالمكر لِأَنَّهُ ذكر عَن قريب، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن سين، سلما، جَاءَ فِيهَا الْفَتْح وَالْكَسْر فَيكون أَحدهمَا إِشَارَة إِلَى الْكسر وَالْآخر إِلَى الْفَتْح، وَقَالَ الزّجاج: سلما وسلماً مصدران وصف بهما على معنى، ورجلاً ذَا سلم.

اشْمَأزَّتْ نفَرَتْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة} (الزمر: ٥٤) الْآيَة، وَفَسرهُ بقوله: نفرت وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن مُحَمَّد: حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ وَعَن مُجَاهِد، قَالَ: انقبضت، وَعَن قَتَادَة أَي: كفرت قُلُوبهم واستكبرت.

بِمَفازَتِهِمْ مِنَ الفَوْزِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازتهم} (الزمر: ١٦) ، أَي: فوزهم وَهُوَ مصدر ميمي قَرَأَ أهل الْكُوفَة إلَاّ حفصاً بِالْألف على الْجمع، وَالْبَاقُونَ بِغَيْر الْألف على الْوَاحِد.

حافِّين مُطِيفِينَ بِحِفافَيْهِ بِجَوَانِبِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش} (الزمر: ٥٧) وَفسّر: (حافين) ، بقوله: (مطيفين) من الإطافة وَهُوَ الدوران حول الشَّيْء. قَوْله: (بحفافية) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء المخففة وَبعد الْألف فَاء أُخْرَى تَثْنِيَة حفاف وَهُوَ الْجَانِب، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بجانبيه، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي بجوانبه أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (بجوانبه) وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى متشابهاً وَهُوَ أَيْضا مثل التَّفْسِير لما قبله، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بحافته.

مُتَشابِهاً لَيْسَ مِنَ الاشْتِبَاهِ ولاكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً فِي التَّصْدِيقِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابهاً} (الزمر: ٣٢) وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى: متشابهاً لَيْسَ من الِاشْتِبَاه الَّذِي بِمَعْنى الالتباس والاختلاط، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي التَّصْدِيق لِأَن الْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَقيل: فِي تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي رسَالَته بِسَبَب إعجازه، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن ابْن حميد عَن جرير عَن يَعْقُوب عَن جَعْفَر عَن سعيد بن جُبَير.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: غَيْرُهُ ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلا سَلَمًا﴾ وَيُقَالُ سَالِمًا: صَالِحًا) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ مُجَاهِدٍ. وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: الشَّكِسُ: الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ هُوَ مِنَ الرَّجُلِ الشَّكِسِ، (وَرَجُلًا سَالِمًا) الرَّجُلُ سَالِمٌ وَسَلَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ الصُّلَّحِ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو سَالِمًا وَالْبَاقُونَ سَلَمًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِهِ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وُصِفَ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ أَيْ بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ الشَّكِسُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا هُوَ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، وَقِيلَ: مَنْ كَسَرَ الْكَافَ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَمَنْ سَكَّنَهَا كَسَرَ وَهُمَا بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾: تَقُولُ الْعَرَبُ اشْمَأَزَّ قَلْبِي عَنْ فُلَانٍ أَيْ نَفَرَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ أَيْ نَفَرَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: انْقَبَضَتْ.

قَوْلُهُ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ مِنَ الْفَوْزِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ بِنَجَاتِهِمْ وَهُوَ مِنَ الْفَوْزِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أَيْ: بِفَضَائِلِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿حَافِّينَ﴾ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافِيهِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ بِجَانِبَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَالْأَصِيلِيِّ بِجَوَانِبِهِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِحَافَّتِهِ بِجَوَانِبِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ طَافُوا بِهِ بِحِفَافِيهِ، وَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِيِّ بِالْمَعْنَى.

قَوْلُهُ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَانِيَ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الْقِصَصَ الْمُتَكَرِّرَةَ تَكُونُ مُتَشَابِهَةٌ، وَالْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى بِمَعْنَى مُكَرَّرٍ، لِمَا أُعِيدَ فِيهِ مِنْ قَصَصٍ وَغَيْرِهَا

١ - بَاب ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نجوِّزه (١)، واحتجَّ الجمهورُ بوجهين: الأول: أنَّ العَفُوَّ لا يعذِّبُ على الذَّنبِ مع استحقاقِ العذابِ، ولا تقول المعتزلةُ بذلك الاستحقاق في (٢) غير صورةِ النِّزاعِ، إذ لا استحقاقَ بالصَّغائرِ أصلًا، ولا بالكبائرِ بعد التَّوبة، فلم تبقَ إلَّا الكبائر (٣) قبلها، فهو يعفو (٤) عنها كما ذهبنا إليه. الثَّاني: الآيات الدَّالة على العفوِ عن الكبيرةِ قبل التَّوبة؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] فإنَّ ما عدا الشِّركِ داخلٌ فيه، ولا يمكن التَّقييد بالتَّوبة لأنَّ الكفرَ معفوٌّ معها، فيلزمُ تساوي ما نُفي عنه الغُفران وما أثبتَ له، وذلك ممَّا لا يليقُ بكلام عاقلٍ فضلًا عن كلامِ الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامٌّ للكلِّ، فلا يخرجُ عنه إلَّا ما أجمعَ عليه.

وسقطَ قوله: «﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، ولفظ «باب» لغيرهِ.

٤٨١٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ) قال: (قَالَ يَعْلَى) هو ابنُ مسلم بن هرمزٍ، كما في «مسلم»: (إنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) سمَّى الواقديُّ منهم: وحشيَّ بن حربٍ قاتل حمزة، وكذا هو عند الطَّبرانيِّ عن ابن عبَّاسٍ من وجه آخر (كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا) من القتلِ (وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا) من الزِّنا (فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ) من

الإسلام (لَحَسَنٌ) وفي نسخة: «به» بدل: «إليهِ»، (لَوْ تُخْبِرُنَا: أَنَّ لِمَا) أي: للَّذي (عَمِلْنَا) من الكبائرِ (كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) أي: حرَّمَ قَتلها (١) (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) قال في «الأنوار»: نفى عنهم أمَّهاتِ المعاصِي بعد ما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات؛ إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجرَ المذكور موعودٌ للجامع بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ (وَنَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «ونَزَلت» بتاء التَّأنيث: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]).

وعند الإمامِ أحمدَ من حديث ثوبان مرفوعًا: «ما أحبُّ أنَّ لي الدُّنيَا وما فيها بهذهِ الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ … » إلى آخِرها، فقال رجلٌ: يا رسول الله، فمن أشركَ؟ فسكتَ النَّبيُّ ﷺ، ثمَّ قال: «ألَا ومَن أشركَ» ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماءَ بنت يزيد قالتْ: سمعتُه ﷺ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يُبالي. قال (٢) الحسن البَصريُّ: انظروا إلى هذا الكرمِ والجودِ، قتلوا أولياءهُ وهو يدعوهُم إلى التَّوبةِ والمغفرةِ، ولمَّا أسلمَ وحشيُّ بن حربٍ فقال النَّاس: يا رسول الله، إنَّا أصبنَا ما أصابَ وحشيٌّ، فقال: «هي للمسلمين عامَّةً». وقال ابن عبَّاسٍ: قد دعا الله ﷾ إلى توبتهِ من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فمن آيس العبادَ من التَّوبة بعد هذا فقد جحدَ كتابَ الله، ولكن إذا تابَ الله على العبدِ تابَ.

(٢) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: ما عظَّموهُ حقَّ عظمتهِ (٣) حين (٤) أشركُوا به غيره، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

دخانا وَجه تعلقه بِمَا قبله مَا ذكر فِي سُورَة الرّوم أَنه قيل لِابْنِ مَسْعُود: أَن رجلا يَقُول يَجِيء دُخان كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا الخ.

٩٣ - (سُورَةُ: {الزُّمَر} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الزمر. قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ آيتان مدنيتان. {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا} (الزمر: ٣٥) أنزلت فِي وَحشِي. حَرْب {وَمَا قدرُوا الله حق قدره} (الزمر: ٧٦) وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة سبأ وَقبل سُورَة الْمُؤمن، وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَثَمَانِية أحرف، وَألف وَمِائَة وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وَخمْس وَسَبْعُونَ آيَة.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: {أفَمَنْ يَتقَّى بِوَجْهِهِ} . يَجُر عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أمَّنْ يَأتِي آمِنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {أَفَمَن يتقى بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة} (الزمر: ٤٢) الْآيَة. قَوْله: (أَفَمَن يَتَّقِي) ، يُقَال: اتَّقَاهُ بدرقته استقبله بهَا فوقى بهَا نَفسه واتقاء بِيَدِهِ، وَتَقْدِيره: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب كمن أَمن الْعَذَاب؟ فَحذف الْخَبَر، وَسُوء الْعَذَاب شدته، وَعَن مُجَاهِد: يجر على وَجهه فِي النَّار، وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى هَذَا بقوله: يجر على وَجهه فِي النَّار، وَأَشَارَ بقوله: وَهُوَ قَوْله: {أَفَمَن يلقى فِي النَّار} إِلَى آخِره إِلَى أَن قَوْله أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يجر على وَجهه فِي النَّار، مثل قَوْله: (أَفَمَن يلقى فِي النَّار) إِلَى آخِره وَوجه التَّشْبِيه بَيَان حَاله فِي أَن ثمَّ محذوفا تَقْدِيره: أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب كمن أَمن الْعَذَاب كَمَا ذَكرْنَاهُ لِأَن، وَلَفظ: يجر، بِالْجِيم عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَحده بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.

غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَبْسٍ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قُرْآنًا عَرَبيا غير ذِي عوج لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ} (الزمر: ٨٢) وَفسّر العوج باللبس وَهُوَ الالتباس، وَهَذَا التَّفْسِير باللازم لِأَن الَّذِي فِيهِ لَيْسَ يسْتَلْزم العوج فِي الْمَعْنى، وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من وَجْهَيْن ضعيفين عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (غير ذِي عوج) ، قَالَ: لَيْسَ بمخلوق.

وَرَجُلاً سِلْما لِرَجُلٍ صَالِحا مَثَلٌ لإلاهِهِمِ الباطِلِ وَالإلاهِ الحَقِّ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلاً سالما لرجل هَل يستويان مثلا} (الزمر: ٩٢) قَوْله: (ورجلاً) عطف على رجلا الأول، وَهُوَ مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: ضرب الله مثلا لرجل أوفى رجل قَوْله: (سلما) بِكَسْر السِّين وَهُوَ قِرَاءَة الْعَامَّة، وَهُوَ الَّذِي لَا تنَازع فِيهِ، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب: سالما وَهُوَ الْخَالِص ضد الشّرك. قَوْله: (صَالحا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: خَالِصا وَسَقَطت هَذِه اللَّفْظَة للنسفي. قَوْله: (مثل) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. أَي: (هَذَا مثل لإلاههم الْبَاطِل والإلاه الْحق) ، وَالْمعْنَى: هَل تستوى صفاتهما وتمييزهما، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذَا مثل ضربه الله للْكَافِرِ الَّذِي يعبد آلِهَة شَتَّى وَالْمُؤمن الَّذِي لَا يعبد إلَاّ الله عز وَجل. قَوْله: (متشاكسون) ، مُخْتَلفُونَ متنازعون متشاحون سَيِّئَة أَخْلَاقهم.

{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} (الزمر: ٦٣) بِالاْوْثَانِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده ويخوفونك بالذين من دونه} أَي يخوفك الْمُشْركُونَ بمضرة الْأَوْثَان. قَالُوا: إِنَّك تعيب آلِهَتنَا وتذكرها بِسوء لتكفن عَن ذكرهَا أَو تصيبك بِسوء. قَوْله: (الْأَوْثَان) ، ويروى أَي: بالأوثان، وَهَذَا أولى.

خَوَّلْنا: أعْطَيْنا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِذا خولناه نعْمَة منا} (الزمر: ٩٤) وَفَسرهُ بقوله: أعطنا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل مَال أَعْطيته فقد خولته.

{وَالَّذِي جَاءِ بِالصِّدْقِ} (الزمر: ٣٣) القُرْآنِ وَصَدَقَ بِهِ المُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ هاذا الَّذِي أعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون} وَفسّر قَوْله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ) بقوله:

الْقُرْآن وَقَالَ السّديّ: الَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السلاة، جَاءَ بِالْقُرْآنِ، وَصدق بِهِ يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تَلقاهُ بِالْقبُولِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ. يَعْنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ بِلَا إلاه إلَاّ الله وَصدق بِهِ هُوَ أَيْضا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلغه إِلَى الْخلق وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي الْعَالِيَة والكلبي، وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصدق بِهِ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصدق بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَعَن عَطاء، وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَصدق بِهِ الأتباع، فعلى هَذَا يكون الَّذِي بِمَعْنى الَّذين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} (التَّوْبَة: ٩٦) قَوْله: (يَقُول هَذَا الَّذِي) إِلَى آخِره، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَا غير.

متَشاكِسُونَ الرَّجُلُ الشَّكِسُ العَسِرُ لَا يَرْضَى بالإنْصافِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون) (الزمر: ٩٢) ، أَي: مُخْتَلفُونَ، فقد ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (الشكس) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه من مَادَّة متشاكسون غير أَن الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن من بَاب التفاعل للمشاركة بَين الْقَوْم. والشكس مُفْرد صفة مشبهة. قَالَ فِي (الباهر) : رجل شكس، بِالْفَتْح والتسكين: صَعب الْخلق، وَقوم شكس بِالضَّمِّ مِثَال رجل صدق وَقوم صدق، وَقيل: الشكس بِالْكَسْرِ والإسكان، والشكس بِالْفَتْح وَكسر الْكَاف: السيء يُقَال: شكس شكسأ وشكاسة، وَفسّر البُخَارِيّ الشكس بقوله: (الْعسر لَا يرضى بالإنصاف) والعسر مثل الحذر صفة مشبهة، ويروى: العسير على وزن فعيل، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ غَيره: الشكس. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : يَعْنِي غير مُجَاهِد فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم يُرِيد بِالْغَيْر عبد الرَّحْمَن بن زيد بن زيد بن أسلم فَإِن الطَّبَرِيّ رَوَاهُ عَن يُونُس عَن ابْن وهب عَنهُ.

ورَجُلاً سَلماً ويُقالُ سالِماً صالِحاً

لَيْسَ هَذَا بمذكور فِي غَالب من النّسخ لِأَنَّهُ كالمكر لِأَنَّهُ ذكر عَن قريب، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِنَّه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن سين، سلما، جَاءَ فِيهَا الْفَتْح وَالْكَسْر فَيكون أَحدهمَا إِشَارَة إِلَى الْكسر وَالْآخر إِلَى الْفَتْح، وَقَالَ الزّجاج: سلما وسلماً مصدران وصف بهما على معنى، ورجلاً ذَا سلم.

اشْمَأزَّتْ نفَرَتْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة} (الزمر: ٥٤) الْآيَة، وَفَسرهُ بقوله: نفرت وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن مُحَمَّد: حَدثنَا أَحْمد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ وَعَن مُجَاهِد، قَالَ: انقبضت، وَعَن قَتَادَة أَي: كفرت قُلُوبهم واستكبرت.

بِمَفازَتِهِمْ مِنَ الفَوْزِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازتهم} (الزمر: ١٦) ، أَي: فوزهم وَهُوَ مصدر ميمي قَرَأَ أهل الْكُوفَة إلَاّ حفصاً بِالْألف على الْجمع، وَالْبَاقُونَ بِغَيْر الْألف على الْوَاحِد.

حافِّين مُطِيفِينَ بِحِفافَيْهِ بِجَوَانِبِهِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش} (الزمر: ٥٧) وَفسّر: (حافين) ، بقوله: (مطيفين) من الإطافة وَهُوَ الدوران حول الشَّيْء. قَوْله: (بحفافية) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء المخففة وَبعد الْألف فَاء أُخْرَى تَثْنِيَة حفاف وَهُوَ الْجَانِب، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بجانبيه، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي بجوانبه أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (بجوانبه) وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى متشابهاً وَهُوَ أَيْضا مثل التَّفْسِير لما قبله، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بحافته.

مُتَشابِهاً لَيْسَ مِنَ الاشْتِبَاهِ ولاكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً فِي التَّصْدِيقِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابهاً} (الزمر: ٣٢) وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى: متشابهاً لَيْسَ من الِاشْتِبَاه الَّذِي بِمَعْنى الالتباس والاختلاط، وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي التَّصْدِيق لِأَن الْقُرْآن يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَقيل: فِي تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي رسَالَته بِسَبَب إعجازه، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن ابْن حميد عَن جرير عَن يَعْقُوب عَن جَعْفَر عَن سعيد بن جُبَير.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.7 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
سبحان الله وبحمده

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56