«قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨١٥

الحديث رقم ٤٨١٥ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: سورة المؤمن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨١٥ في صحيح البخاري

«قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾».

حم السَّجْدَةِ.

وَقَالَ طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا﴾ أَعْطِيَا، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى ﴿طَائِعِينَ﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى، فَقَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ فَلَا أَنْسَابَ

⦗١٢٨⦘

بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ﴾، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ، وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالْآكَامَ، وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحَاهَا﴾، وَقَوْلُهُ ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ، ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقَهَا، ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ، ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ، ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ، ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ حِينَ تَطْلُعُ ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعَمَلِي أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا، ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وَكَقَوْلِهِ ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَصْعَدْنَاهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ، ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفَُرَّى هِيَ الْكُمُّ، ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ الْقَرِيبُ، ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ حَاصَ: حَادَ، ﴿مِرْيَةٍ﴾ وَمُرْيَةٍ وَاحِدٌ، أَيِ امْتِرَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الْوَعِيدُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ اللهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.

﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨١٥

٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨١٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَدَمِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ يَبْنِي عَلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى إِحْيَاءِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِجَوْهَرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ إِلَّا بِإِبْقَاءِ عَظْمِ كُلِّ شَخْصٍ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إِعَادَةَ الْأَرْوَاحِ إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَانِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَلَوْلَا إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا لَجَوَّزَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ الْإِعَادَةَ إِلَى أَمْثَالِ الْأَجْسَادِ لَا إِلَى نَفْسِ الْأَجْسَادِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَفْنَى أَيْ تُعْدَمُ أَجْزَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ يَسْتَحِيلُ فَتَزُولُ صُورَتُهُ الْمَعْهُودَةُ فَيَصِيرُ عَلَى صِفَةِ جِسْمِ التُّرَابِ، ثُمَّ يُعَادُ إِذَا رُكِّبَتْ إِلَى مَا عُهِدَ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَبْلَى أَيْ يَطُولُ بَقَاؤُهُ، لَا أَنَّهُ لَا يَفْنَى أَصْلًا. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَاعِدَةُ بَدْءِ الْإِنْسَانِ وَأُسِّهِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَهُوَ أَصْلَبُ مِنَ الْجَمِيعِ كَقَاعِدَةِ الْجِدَارِ، وَإِذَا كَانَ أَصْلَبَ كَانَ أَدْوَمَ بَقَاءً، وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا عَامٌّ يُخَصُّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَهُمْ. وَأَلْحَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهِمُ الشُّهَدَاءَ وَالْقُرْطُبِيُّ الْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ. قَالَ عِيَاضٌ: فَتَأْوِيلُ الْخَبَرِ وَهُوَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ أَيْ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ مِمَّا يَأْكُلُهُ التُّرَابُ وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ لَا يَأْكُلُ أَجْسَادًا كَثِيرَةً كَالْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَجْبُ ذَنَبِهِ) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا يَبْلَى عَجْبُ الذَّنَبِ وَلَا يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، وَخَالَفَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: إِلَّا هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ وَعَجْبُ الذَّنَبِ أَيْضًا يَبْلَى. وَقَدْ أَثْبَتَ هَذَا الْمَعْنَى الْفَرَّاءُ، وَالْأَخْفَشُ فَقَالُوا: تَرِدُ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَيَرُدُّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُهُ أَبَدًا كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ مِنْهُ خُلِقَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ يُخْلَقُ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ أَنَّ أَوَّلَ مَا خُلِقَ مِنْ آدَمَ رَأْسُهُ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا فِي حَقِّ آدَمَ وَذَاكَ فِي حَقِّ بَنِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ سَلْمَانَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ لَا خَلْقَ جَسَدِهِ.

٤٠ - سُورَةُ الْمُؤْمِنِ

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

الطَّوْلِ: التَّفَضُّلِ. دَاخِرِينَ: خَاضِعِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى النَّجَاةِ: الْإِيمَانِ. لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ. يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ. تَمْرَحُونَ: تَبْطُرُونَ. وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يَذْكُرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطِ النَّاسَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ؟ وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَقُولُ: وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشِّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ. وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ لِمَنْ عَصَاهُ.

٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ

عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمُؤْمِنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حم﴾ مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُقَالُ إِلَخْ وَهَذَا الْكَلَامُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي مَجَازِ الْقُرْآنِ وَلَفْظُهُ: حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَهُوَ يُطْلِقُ الْمَجَازَ وَيُرِيدُ بِهِ التَّأْوِيلَ أَيْ تَأْوِيلُ حم تَأْوِيلُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، أَيْ أَنَّ الْكُلَّ فِي الْحُكْمِ وَاحِدٌ، فَمَهْمَا قِيلَ مَثَلًا فِي الم يُقَالُ مِثْلُهُ فِي حم. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الم وَحم وَ ﴿المص﴾ وَ ﴿ص﴾ فَوَاتِحٌ افْتُتِحَ بِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلُّهَا ﴿ق﴾ وَ ﴿ص﴾ وَ ﴿طسم﴾ وَغَيْرُهَا هِجَاءٌ مَقْطُوعٌ. وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيُقَالُ بَلْ هُوَ اسْمٌ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حم اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِيمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِيسَى فَتَحَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.

قُلْتُ: وَالشَّاهِدُ الَّذِي أَنْشَدَ يُوَافِقُ قِرَاءَةَ عِيسَى. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ حُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ السُّكُونُ لِأَنَّهَا حُرُوفُ هِجَاءٍ لَا أَسْمَاءُ مُسَمَّيَاتٍ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿ص﴾ وَأَشْبَاهُهَا قَسَمٌ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَشُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْبَيْتُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ خَطَأٌ. وَلَفْظُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ فَذَكَرَ الْبَيْتَ. وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْجُمَلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: كَانَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْجَمَلِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقْتُلُوا صَاحِبَ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ، فَلَقِيَهُ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى فَأَهْوَى لَهُ بِالرُّمْحِ فَتَلَاحَمَ فَقَتَلَهُ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الشِّعْرَ الْمَذْكُورَ لِلْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ. وَذَكَرَ أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّهُ لِمُدْلِجِ بْنِ كَعْبٍ السَّعْدِيِّ وَيُقَالُ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عِصَامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ، قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: هُوَ الثَّبْتُ. وَأَنْشَدَ لَهُ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ وَأَوَّلُهُ:

وَأَشْعَثُ قَوَّامٌ بِآيَاتِ رَبِّهِ … قَلِيلُ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ

هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ … فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ

عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا … عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ

يُذَكِّرُنِي حم الْبَيْتَ. وَيُقَالُ إِنَّ الشِّعْرَ لِشَدَّادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْسِيِّ، وَيُقَالُ اسْمُهُ حَدِيدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ حَكَاهُ

الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَكْبِرٍ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ مَأْدُبَةِ الْأُدَبَاءِ قَالَ: كَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ حم، وَكَانَ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا طَعَنَ شُرَيْحٌ، مُحَمَّدًا قَالَ: حم، فَأَنْشَدَ شُرَيْحٌ الشِّعْرَ. قَالَ: وَقِيلَ بَلْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَمَّا طَعَنَهُ شُرَيْحٌ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ يُذَكِّرُنِي حم أَيْ بِتِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا مِنْ حم.

(تَكْمِلَةٌ): حم جُمِعَ عَلَى حَوَامِيمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَيُقَالُ كَأَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بِقَوْلِهِ أُذَكِّرُكَ حم أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ﴿حم * عسق﴾ ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الْآيَةَ، كَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُ بِقَرَابَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ عَنْ قَتْلِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿الطَّوْلِ﴾ التَّفَضُّلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ إِنَّهُ لَذُو طَوْلٍ عَلَى قَوْمِهِ أَيْ ذُو فَضْلٍ عَلَيْهِمْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ذِي الطَّوْلِ قَالَ: ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: ذِي الْمِنَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذِي النَّعْمَاءِ.

قَوْلُهُ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ خَاضِعِينَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أَيْ صَاغِرِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ إِلَى الْإِيمَانِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يَعْنِي الْوَثَنَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الْأَوْثَانِ.

قَوْلُهُ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿تَمْرَحُونَ﴾ تَبْطِرُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَبْطِرُونَ وَيَأْشِرُونَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ يُذَكِّرُ النَّاسَ النَّارَ أَيْ يُخَوِّفُهُمْ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (لِمَ) بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْهَامِ (تُقَنِّطُ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةَ إِلَى الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا﴾ فَنَهَاهُمْ عَنِ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ اسْتِدْعَاءً مِنْهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَأَبُو الْعَلَاءِ هَذَا هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ تَابِعِيٌّ زَاهِدٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَاتَ قَدِيمًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.

ثم ذكر حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ

٤١ - سُورَةُ حم السَّجْدَةِ

وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيَا. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ - ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ - ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ - ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى فَقَالَ: ﴿فَلا

أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ.

وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحَاهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتْ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتْ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ. فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدَّثَنِيه يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بِهَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ، ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقَهَا. ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ. وقال غيره: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ حِينَ تَطْلُعُ. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعَمَلِي، أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا، ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً. ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسعَدْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفُرَّى، هِيَ الْكُمُّ. ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ الْقَرِيبُ ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ حَاصَ عَنْهُ، حَادَ عنه.

﴿مِرْيَةٍ﴾ وَمُرْيَةٌ وَاحِدٌ أَيْ امْتِرَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الوَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمْ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم السَّجْدَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطِيَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّحَّةِ، وَلَفْظُ الطَّبَرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيَا﴾ قَالَ: أَعْطِيَا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ قَالَتَا أَعْطَيْنَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَيْسَ أَتَى هُنَا بِمَعْنَى أَعْطَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْإِتْيَانِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِمَعْنَى الِانْفِعَالِ لِلْوُجُودِ، بِدَلِيلِ الْآيَةِ نَفْسِهَا. وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ جِيئَا بِمَا خَلَقْتُ فِيكُمَا وَأَظْهِرَاهُ، قَالَتَا أَجَبْنَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى تَقْرِيبِ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا لَمَّا أُمِرَتَا بِإِخْرَاجِ

مَا فِيهِمَا مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنَهْرٍ وَنَبَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَجَابَتَا إِلَى ذَلِكَ كَانَ كَالْإِعْطَاءِ، فَعَبَّرَ بِالْإِعْطَاءِ عَنَ الْمَجِيءِ بِمَا أُودِعَتَاهُ. قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ مُوَجَّهًا وَثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فَأَيُّ مَعْنًى لِإِنْكَارِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ نَفَى أَنْ يُثْبِتَ عَنْهُ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ، وَهَذَا عَجِيبٌ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الشَّيْءِ قَوْلَانِ بَلْ أَكْثَرُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿ لِلسَّمَاوَاتِ أَطْلِعِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ، قَالَتَا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا آتَيْنَا بِالْمَدِّ فَفَسَّرَهَا عَلَى ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقِرَاءَاتِ أَنَّهَا قِرَاءَتُهُ، وَبِهَا قَرَأَ صَاحِبَاهُ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَمَالِيهِ: قِيلَ إِنَّ الْبُخَارِيَّ وَقَعَ لَهُ فِي آيٍّ مِنَ الْقُرْآنِ وَهْمٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْهَا وَإِلَّا فَهِيَ قِرَاءَةٌ بِلُغَتِهِ، وَجْهُهُ أَعْطِيَا الطَّاعَةَ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يُعْطِي الطَّاعَةَ لِفُلَانٍ، قَالَ: وَقَدْ قُرِئَ: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَالْفِتْنَةُ ضِدُّ الطَّاعَةِ. وَإِذَا جَازَ فِي إِحْدَاهُمَا جَازَ فِي الْأُخْرَى انْتَهَى. وَجَوَّزَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ آتَيْنَا بِالْمَدِّ بِمَعْنَى الْمُوَافَقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَحْذُوفُ مَفْعُولًا وَاحِدًا وَالتَّقْدِيرُ: لِتُوَافِقَ كُلٌّ مِنْكُمَا الْأُخْرَى، قَالَتَا تَوَافَقْنَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولَانِ وَالتَّقْدِيرُ: أَعْطِيَا مَنْ أَمَرَكُمَا الطَّاعَةَ مِنْ أَنْفُسِكُمَا قَالَتَا أَعْطَيْنَاهُ الطَّاعَةَ. وَهُوَ أَرْجَحُ لِثُبُوتِهِ صَرِيحًا عَنْ تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: ﴿قَالَتَا﴾ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَرَادَ الْفِرْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ جَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً وَالْأَرَضِينَ أَرْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا. وَهِيَ غَفْلَةٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا لَفْظُ سَمَاءٍ مُفْرَدٍ وَلَفْظُ أَرْضٍ مُفْرَدٍ، نَعَمْ قَوْلُهُ طَائِعِينَ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مِنَ الْعُقَلَاءِ لِكَوْنِهِمْ عُومِلُوا مُعَامَلَةَ الْعُقَلَاءِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، وَهُوَ مِثْلُ: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْمِنْهَالُ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ صَدُوقٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَتَرَكَهُ شُعْبَةُ لِأَمْرٍ لَا يُوجِبُ فِيهِ قَدْحًا كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدٍ) هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا النَّسَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ) كَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأْسَ الْأَزَارِقَةِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَكَانَ يُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ وَيَسْأَلُهُ وَيُعَارِضُهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ سُؤَالُهُ عَنْهُ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ - ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ - وهَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ حَسْبُ، وَهِيَ إِحْدَى الْقِصَصِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: قَدِمَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَنَجْدَةُ بْنُ عُوَيْمِرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مَكَّةَ فَإِذَا هُمْ بِابْنِ عَبَّاسٍ قَاعِدًا قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ وَالنَّاسُ قِيَامًا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ: أَتَيْتُكَ لِأَسْأَلَكَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّفْسِيرِ، سَاقَهَا فِي وَرَقَتَيْنِ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بَعْضَ الْقِصَّةِ وَلَفْظُهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَالَ: إِنِّي أَحْسِبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتُ لَهُمْ أَيْنَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأُلْقِي عَلَيْهِ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا جَمَعَ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَنْ وَحَّدَهُ، فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾

قَالَ: فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ انْتَهَى وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إِحْدَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُبْهَمُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ) أَيْ تُشْكِلُ وَتَضْطَرِبُ، لِأَنَّ بَيْنَ ظَوَاهِرِهَا تَدَافُعًا. زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَته عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بِسَنَدِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا هُوَ، أَشَكٌّ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَكٍّ وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ، فَقَالَ: هَاتِ مَا اخْتُلِفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ. وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، الثَّانِي كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ، الثَّالِثُ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ، الرَّابِعُ الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ كَانَ الدَّالِّ عَلَى الْمَاضِي مَعَ أَنَّ الصِّفَةَ لَازِمَةٌ.

وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحُهُمْ، وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ فَسَوَّاهَا فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، فَهَذَا الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَشَقَّقَ الْأَنْهَارَ وَقَدَّرَ فِي كُلِّ أَرْضٍ قُوتَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وَتَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قَالَ: فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، فَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الْبَقَّالُ، وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ كَانَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ الِانْقِطَاعَ؛ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ تَفْسِيرٌ آخَرُ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ تَشَاغُلِهِمْ بِالصَّعْقِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَإِثْبَاتَهَا بَعْدَ النَّفْخَةِ

الثَّانِيَةِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الْعَفْوَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادَى: أَلَا إِنَّ هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ قِبَلَهُ فَلْيَأْتِ، قَالَ: فَتَوَدُّ الْمَرْأَةُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حَقٌّ عَلَى أَبِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا، ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ: لَا يُسْأَلُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ بِنَسَبٍ شَيْئًا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَلَا يَمُتُّ بِرَحِمٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَالْآيَةُ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَثْنَاءَ حَدِيثٍ وَفِيهِ ثُمَّ يُلْقَى الثَّالِثُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرَسُولِكَ وَيُثْنِي مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ، فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ. وَأَمَّا الثَّالث فَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ أَيْضًا مِنْهَا أَنَّ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا إِيرَادَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الْخَبَرِ لَا الْمُخْبَرِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا لَكِنْ ثُمَّ لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْخِلْقَتَيْنِ لَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ، وَقِيلَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ.

وَأَمَّا الرَّابِعُ وَجَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَضَتْ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الصِّفَتَانِ فَلَا يَزَالَانِ كَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ أَوِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ مُرَادُهُ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَجَابَ بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ وَانْتَهَتْ وَالصِّفَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْآخَرُ: أَنَّ مَعْنَى

كَانَ الدَّوَامُ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ السُّؤَالُ عَلَى مَسْلَكَيْنِ وَالْجَوَابُ عَلَى رَفْعِهِمَا كَأَنْ يُقَالَ: هَذَا اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَغْفِرُ لَهُ أَوْ يَرْحَمُ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَالِ كَذَلِكَ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ كَانَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَاضِي يُسَمَّى بِهِ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ كَانَ تُعْطَى مَعْنَى الدَّوَامِ، وَقَدْ قَالَ النُّحَاةُ: كَانَ لِثُبُوتِ خَبَرِهَا مَاضِيًا دَائِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا.

قَوْلُهُ: (فَلَا يَخْتَلِفُ) بِالْجَزْمِ لِلنَّهْيِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ بَقِيَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ؟ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَجْهَهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي السِّيَاقِ وَالسَّمَاءِ بَنَاهَا وَالتِّلَاوَةُ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ كَذَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالَّذِي فِي الْأَصْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وَهُوَ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿دَحَاهَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) أَيِ ابْنُ أَبِي زُرَيْقٍ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، وَهُوَ أَخُو زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنِيهِ عَنْ يُوسُفَ بِزِيَادَةِ عَنْ وَهِيَ غَلَطٌ. وَسَقَطَ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنِيهِ إِلَخْ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبُرْقَانِيُّ فِي الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ قَالَ: وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأُرْدِسْتَانِيُّ قَالَ: شَاهَدْتُ نُسْخَةً مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ فِي هَامِشِهَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ الْبُرْقَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ صَنِيعِ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْبُوشَنْجِيِّ فَإِنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِيُوسُفَ وَلَا لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا لِزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ حَدِيثًا مُسْنَدًا سِوَاهُ، وَفِي مُغَايَرَةِ الْبُخَارِيِّ سِيَاقَ الْإِسْنَادِ عَنْ تَرْتِيبِهِ الْمَعْهُودِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ وَإِنْ صَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةُ الْمَوْصُولِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا الِاصْطِلَاحُ وَأَنَّ مَا يُورِدُهُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ صَحِيحِهِ وَخَرَجَ عَلَى مَنْ يُغَيِّرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهَا إِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ.

فَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَمِعَهُ أَوَّلًا مُرْسَلًا وَآخِرًا مُسْنَدًا فَنَقَلَهُ كَمَا سَمِعَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ وَجَدْتُ لِلْحَدِيثِ طَرِيقًا أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ مِنْ طَرِيقٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو بِتَمَامِهِ، فَشَيْخُ مَعْمَرٍ الْمُبْهَمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَرِّفًا أَوْ زَيْدَ بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ أَوْ ثَالِثًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: غَيْرُ مَمْنُونٍ قَالَ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ مَحْسُوبٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُحْسَبُ فَيُحْصَى فَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقُهَا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَدَوَابَّهَا وَثِمَارَهَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قَالَ: مِنَ الْمَطَرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْوَاتُهَا وَاحِدُهَا قُوتٌ وَهِيَ الْأَرْزَاقُ.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَأَرَادَهُ أَيْ مِنْ خَلْقِ الرُّجُومِ وَالنَّيِّرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: رِيحًا صَرْصَرًا: بَارِدَةً. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشْومَاتٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْصَرُ هِيَ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ الْعَاصِفَةُ، ﴿نَحِسَاتٍ﴾ ذَوَاتُ نُحُوسٍ أَيْ مَشَائِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَطَائِفَةٍ، وَعِنْدَ

الْأَصِيلِيِّ ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ وَصَوَابُهُ، وَلَيْسَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ تَفْسِيرًا لِقَيَّضْنَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ قَالَ: شَيَاطِينَ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ قَالَ: عِنْدَ الْمَوْتِ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مُفَرَّقًا فِي مَوْضِعَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ فَإِنَّ حَالَةَ الْمَوْتِ أَوَّلُ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، وَالْحَاصِلُ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ تَصَرُّفِهِمْ فِي الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا حِينَ تَطْلُعُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا إِلَى قَوْلِهِ ارْتَفَعَتْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ إِلَى قَوْلِهِ ارْتَفَعَتْ وَزَادَ: قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعِلْمِي أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا وَلَكِنْ لَفْظُهُ بِعَمَلِي بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى اللَّامِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَاللَّامُ فِي لَيَقُولَنَّ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَأَمَّا جَوَابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: اللَّامُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالْفَاءُ مَحْذُوفَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ شَاذٌّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ فِي الشِّعْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿هَذَا لِي﴾ أَيْ لَا يَزُولُ عَنِّي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ أَشْبَهُ، فَإِنَّهُ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ نَصَبَهَا عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ سَوَاءً بِالنَّصْبِ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ وَيَعْقُوبُ بِالْجَرِّ، فَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى نَعْتِ الْأَقْوَاتِ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الْقَطْعِ، وَمَنْ خَفَضَ فَعَلَى نَعْتِ الْأَيَّامِ أَوِ الْأَرْبَعَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وكقَوْلُهُ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسْعَدْنَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا أَصْعَدْنَاهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ بِالصَّادِ أَقْرَبُ إِلَى تَفْسِيرِ أَرْشَدْنَاهُ مِنْ أَسْعَدْنَاهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالسِّينِ كَانَ مِنَ السَّعْدِ وَالسَّعَادَةِ، وَأَرْشَدْتُ الرَّجُلَ إِلَى الطَّرِيقِ وَهَدَيْتُهُ السَّبِيلَ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، فَإِذَا قُلْتُ أَصْعَدْنَاهُمْ بِالصَّادِ خَرَجَ اللَّفْظُ إِلَى مَعْنَى الصُّعُدَاتِ فِي قَوْلِهِ إِيَّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الصُّعُدَاتِ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَكَذَلِكَ أَصْعَدَ فِي الْأَرْضِ إِذَا سَارَ فِيهَا عَلَى قَصْدٍ، فَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ قَصَدَ هَذَا وَكَتَبَهَا فِي نُسْخَتِهِ بِالصَّادِ الْتِفَاتًا إِلَى حَدِيثِ الصُّعُدَاتِ فَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ انْتَهَى. وَالَّذِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِالسِّينِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ قَالَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يُقَالُ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْخَيْرِ وَمَذْهَبِ الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ثُمَّ سَاقَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قَالَ: وَالْهُدَى عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِرْشَادُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ أَسْعَدْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أَيْ يُدْفَعُونَ، وَهُوَ مِنْ وَزِعْتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ: عَلَيْهِمْ وَزَعَةٌ تَرُدُّ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفُرَّى الْكُمُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ هِيَ الْكُمُّ، زَادَ الْأَصِيلِيُّ: وَاحِدُهَا هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أَيْ أَوْعِيَتِهَا وَاحِدُهَا كُمَّةٌ وَهُوَ مَا كَانَتْ فِيهِ، وَكُمٌّ وَكُمَّةٌ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ أَكْمَامٌ، وَأَكِمَّةٌ.

(تَنْبِيهٌ): كَافُ الْكُمِّ مَضْمُومَةٌ كَكُمِّ الْقَمِيصِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَبِهِ جَزَمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَقُولُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾) في الضَّلالة والطُّغيانِ، كالإشراكِ وسفك الدِّماء (﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]) أي: ملازمُوها (وَلَكِنَّكُمْ) وللأَصيليِّ: «ولكن» (تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالجَنَّةِ) بفتح الموحدة والمعجمة، مبنيًّا للمفعول (عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا) بضم الميم وكسر المعجمة، وللأَصيليِّ: «وينذِرَ» بلفظ المضارع (بِالنَّارِ مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لمن» (١) (عَصَاهُ).

٤٨١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، صالح اليماميُّ (٣) الطَّائيُّ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٤): «عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ) نسبة إلى تيمِ قريشٍ (٥) المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّامِ، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «ما صنعَهُ المشركونَ» (بِرَسُولِ اللهِ ؟ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ) بكسر الفاء (إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ) الأمويُّ المقتولُ كافرًا، بعد انصرافهِ من بدرٍ بيومٍ (فَأَخَذَ

بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ) بفتح الميم وكسر الكاف (وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا) ولأبي ذرٍّ: «فخنقه به خنقًا» و (١) النون من خنْقًا ساكنة في الرِّوايتين في «اليونينية» وفرعها، ومكسورة في بعضها (٢) (شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ) عقبة (عَنْ رَسُولِ اللهِ ، وَقَالَ (٣)) وللأَصيليِّ: «ثمَّ قال» أي: مستفهمًا (٤) استفهامًا إنكاريًّا (﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾) كراهيةَ (﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾) أو لأنْ يقول (﴿وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]) جملةٌ حاليَّةٌ، قال جعفر بنُ محمد: كان أبو بكر خيرًا من مؤمنِ آل فرعونَ؛ لأنَّه كان يكتمُ إيمانهُ، وقال أبو بكرٍ جهارًا: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ [غافر: ٢٨] وقال غيره: إنَّ أبا بكر أفضلُ من مؤمن آل فرعون؛ لأنَّ ذلك اقتصر حيث انتصرَ على اللِّسان، وأمَّا أبو بكرٍ فأتبعَ اللِّسان يدًا، ونصر (٥) بالقولِ والفعل محمدًا.

وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في «مناقبِ أبي بكر» [خ¦٣٦٧٨] وفي «باب ما لقي النَّبيُّ وأصحابه من المشركين بمكَّة» [خ¦٣٨٥٦].

(((٤١))) (حم السَّجْدَةِ) مكِّيَّة، وآيُها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع، ولأبي ذرٍّ: «سورة حم السَّجدة».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ وابنُ أبي حاتمٍ بإسناد على شرط المؤلِّف: (عَنِ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا﴾) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿أَوْ كَرْهًا﴾» أي: (أَعْطِيَا) بكسر الطاء (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]) أي: (أَعْطَيْنَا) استُشكل هذا التَّفسير؛ لأنَّ

﴿أَتَيْنَا﴾ و ﴿أَتَيْنَا﴾ بالقصرِ من المجيءِ، فكيف يُفسَّر بالإعطاءِ؟ وإنَّما يفسَّر به نحو قولك: آتيتُ (١) زيدًا مالًا، بمدِّ همزة القطع، وهمزة ﴿أَتَيْنَا﴾ همزة وصل، وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاس ومجاهدًا وابنَ جُبير قرؤوا: (آتيا) (قالتَا آتينَا)، بالمدِّ فيهما، وفيه وجهان: أحدُهما: أنَّه من (٢) المؤاتَاةِ وهي الموافقةُ، أي: لتوافق كلٌّ منكما الأخرى لما (٣) يليقُ بها، وإليه ذهب الرَّازيُّ والزَّمخشريُّ، فوزن (آتيا) فاعلا كقاتلا، و (آتينا) فاعلنا كقاتلنا. والثَّاني: أنَّه من الإيتاءِ بمعنى الإعطاءِ، فوزنُ (٤) (آتيا) أفعلا كأكرما، ووزن (آتينا) أفعلنا كأكرمنا، فعلى الأول يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثَّاني مفعولين، إذ التَّقدير: أعطيا الطَّاعة من أنفسكما من أمركما. قالتا: آتينا الطَّاعةَ، وفي مجيءِ طائعين مجيءَ جمعِ المذكَّرين (٥) العقلاء (٦) وجهان: أحدُهما: أنَّ المراد بائتِيَا مَن فيهما (٧) من العقلاءِ وغيرهم؛ فلذا غلَّب العقلاءَ على غيرهم. الثَّاني: أنَّه لما عاملهما (٨) معاملة العقلاءِ في الإخبارِ عنهما، والأمرِ لهما، جمعهما كجمعِهم كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وهل هذه المحاورة حقيقةٌ أو مجازٌ؟ وإذا (٩) كانت (١٠) مجازًا فهل هو تمثيلٌ أو تخييلٌ؟ خلافٌ.

(وَقَالَ المِنْهَالُ) بكسر الميم وسكون النون، ابنُ عَمرو الأسديُّ، مَولاهم الكوفيُّ، وثَّقه ابنُ معين والنَّسائيُّ وغيرهما: (عَنْ سَعِيدٍ) وللأَصيليِّ: «سعيد بن جبيرٍ» أنَّه (قَال: قَالَ رَجُلٌ) هو: نافعُ بنُ الأزرقِ، الَّذي صارَ بعد ذلك رأس الأزارقةِ من الخوارجِ (لِابْنِ عَبَّاسٍ) ، وكان يجالسه بمكَّة ويسأله ويعارضهُ: (إِنِّي أَجِدُ فِي القُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ) لما بين ظواهرها (١) من التَّدافعِ، زاد عبد الرَّزَّاق: فقال ابن عبَّاس: ما هو؟ أشكٌ في القرآنِ؟ قال: ليس بشكٍّ ولكنه اختلافٌ، فقال: هاتِ ما اختلفَ عليك من ذلك (قَالَ: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]) وقال: (﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]) فإن بين قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ وبين ﴿يَتَسَاءلُونَ﴾ تدافعًا نفيًا وإثباتًا. وقال تعالى: (﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]) وقوله: (﴿رَبِّنَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَاللّهِ رَبِّنَا﴾» (﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ) كونهم مشركين، وعُلم من الأولى أنَّهم لا يكتمونَ الله حديثًا (وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ) في هذه الآية (ثُمَّ قَالَ) في سورة حم السَّجدة: (﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ … إِلَى: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «إلى قولهِ: ﴿طَائِعِينَ﴾» (فَذَكَرَ فِي هَذِهِ) الآية (خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ) وللأَصيليِّ: «قبلَ خلقِ السَّماءِ» والتَّدافع ظاهر (وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: ١٤]) وقال: ﴿وَكَانَ اللهُ﴾ (﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: ٧]) ﴿وَكَانَ اللهُ﴾ (﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فَكَأَنَّهُ كَانَ (٢)) موصوفًا بهذه الصِّفات (ثُمَّ مَضَى) أي: تغيَّر عن ذلك. (فَقَالَ) أي: ابن عبَّاس مجيبًا عن ذلك: أمَّا قوله تعالى: (﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]) أي: (فِي النَّفْخَةِ الأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ) تنفعهم لزوالِ التَّعاطُف والتَّراحُم، من فرطِ الحيرةِ واستيلاءِ الدَّهشةِ، بحيث يفرُّ المرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيه وصاحبتهِ وبنيه، قال:

لَا نَسَبَ اليَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ

وليس المراد قطعَ النَّسب (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) لاشتغال كلٍّ بنفسه (ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَة (١) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [الطور: ٢٥]) فلا تناقضَ، والحاصلُ أَن للقيامةِ أحوالًا ومواطنَ، ففي موطنٍ يشتدُّ عليهم الخوفُ (٢) فيشغلُهم عن التَّساؤل، وفي موطن (٣) يفيقونَ فيتساءلون (وَأَمَّا قَوْلُهُ) تعالى: (﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]) وقوله تعالى: (﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ﴾ [النساء: ٤٢]) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وابنُ عساكرَ: «﴿حَدِيثًا﴾» (فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ المُشْرِكُونَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال المُشركون» (٤) بالفاء بدل الواو (تَعَالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ. فَخُتِمَ) بضم الخاء المعجمة، مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «فَخَتَمَ» بفتحات مبنيًّا (٥) للفاعل (عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند نطقِ أيدِيهم (عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، وللأَصيليِّ: «عَرَفوا» بفتحهما والجمع (أنَّ اللهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول (وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الاية [النساء: ٤٢]) إلى ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ والحاصل: أنَّهم يكتمون بألسنتِهم فتنطقُ أيديهم وجوارحهم (وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي) مقدارِ (يَوْمَيْنِ) أي: غير مدحوَّةٍ (ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ) بعد ذلك في يومين (وَدَحْوُهَا) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «وَدَحيها» بالمثناة التَّحتية بدل الواو، ولأبي ذرٍّ: «ودَحَاها» أي: (أَنْ أَخْرَجَ) أي: بأن أخرجَ (٦) (مِنْهَا المَاءَ وَالمَرْعَى، وَخَلَقَ الجِبَالَ وَالجِمَالَ) بكسر الجيم، الإبلَ (وَالآكَامَ) بفتح الهمزة جمع: أَكَمة -بفتحتين-، ما ارتفعَ من الأرضِ

كالتلِّ والرابيَةِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والأكوَام» جمع: كوم (وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وَ) أمَّا (قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الأَرْضُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فخُلِقَت الأرضُ» (وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ) والحاصل أنَّ خلق نفس الأرضِ قبل خلق السَّماء، ودحوها بعدَه (﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ [الفتح: ١٤]) وزاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «﴿رَّحِيمًا﴾» (سَمَّى نَفْسَهُ) أي: ذاته (ذَلِكَ (١)) وهذه التَّسمية (٢) مضت، وللأَصيليِّ: «بذلك» (وَ) أما (ذَلِكَ) أي: (قَوْلُهُ) ما قال من الغفرانيَّةِ والرَّحيميَّةِ (أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) لا ينقطعُ (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ) أن يرحم (شيئًا) أو يغفرَ له (إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ) قطعًا (فَلَا يَخْتَلِفْ) بالجزم على النَّهي (عَلَيْكَ القُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ فقال له ابن عبَّاسٍ: هل بقيَ في قلبكَ شيءٌ؟ إنَّه ليس من القرآنِ شيءٌ إلَّا نزل فيه شيءٌ، ولكن لا تعلمون وجههُ.

وهذا التَّعليق وصلهُ المؤلِّف حيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقتِ: «قال أبو عبدِ الله» أي: البخاريُّ: «حَدَّثنيه» أي: الحديث السَّابق (يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التَّحتيَّة، ابنِ زريقٍ التَّيميُّ الكوفيُّ، نزيل (٣) مصر، وليس له في هذا الجامع إلَّا هذا. قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بضم العين في الأوَّل، مصغَّرًا، وفتحها في الثَّاني، الرِّقيُّ -بالراء والقاف- (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بضم الهمزة، مصغَّرًا الجزريِّ (٤) (عَنِ المِنْهَالِ) بن عَمرو الأسديِّ المذكور (بِهَذَا) الحديث السَّابق، قيل: وإنَّما غيَّر البخاريُّ سياق الإسناد عن ترتيبهِ المعهود إشارةً إلى أنَّه ليس على شرطهِ، وإن صارتْ صورته صورة (٥) الموصول، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ في نسخة (٦).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿مَمْنُونٍ﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾» [فصلت: ٨] أي: غير (مَحْسُوبٍ) وقال ابنُ عبَّاس: غير مقطوع (١)، وقيل: غير ممنونٍ به عليهم.

(﴿َقْوَاتَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] قال مجاهدٌ: (أَرْزَاقَهَا) أي: من المطرِ، فعلى هذا فالأقوات للأرضِ لا للسكانِ، أي: قدَّر لكلِّ أرضٍ حظَّها من المطرِ، وقيل: أقواتًا تنشأُ منها بأن خصَّ حدوثَ كلِّ قوتٍ بقطرٍ من أقطارها، وقيل: أرزاقِ أهلها، وقال محمد بنُ كعبٍ: قدَّرَ أقوات الأبدانِ قبل أن يخلق الأبدان.

(﴿فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]) قال مجاهدٌ: (مِمَّا أَمَرَ بِهِ) بفتح الهمزة والميم، ولأبي ذرٍّ: «أُمِرَ» بضم الهمزة وكسر الميم، وعن ابنِ عبَّاسٍ فيما رواه عنه عطاء: خلق في كلِّ سماءٍ خلقها من الملائكةِ، وما فيها من البحارِ وجبال البردِ وما لا يعلمهُ إلا الله. قال السُّديُّ فيما حكاه عنه في «اللباب»: ولله في كلُّ سماء بيت تحجُّ إليه وتطوفُ به الملائكةُ (٢)، كلٌّ واحد منها مقابل الكعبةِ، بحيث لو وقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبةِ.

(﴿نَّحِسَاتٍ﴾) بكسر الحاء (٣) في قراءة ابن عامر والكوفيين في قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال مجاهدٌ: أي: (مَشَايِيْمَ) بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف تحتيتان (٤) الأولى مكسورة والثانية ساكنة، جمع: مشومة، أي: من الشُّوم، و ﴿نَّحِسَاتٍ﴾ نعت لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ والجمع بالألف والتاء مطَّرد في صفةِ ما لا يعقلُ (٥)؛ كـ ﴿أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قيل: كانت (٦) الأيَّامُ النَّحِساتُ آخر شوَّال من الأربعاء إلى الأربعاء، وما عذِّب قوم إلَّا في يوم الأربعاءِ.

(﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء﴾ [فصلت: ٢٥]) أي: (قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ) بفتح القاف والراء والنون المشدَّدة،

وسقطَ هذا التَّفسير لغير الأَصيليِّ، والصَّواب إثباته؛ إذ ليس للتَّالي (١) تعلُّقٌ به (٢)، وقال الزَّجَّاج: سبَّبنَا لهم. وقيل: قدَّرنا (٣) للكفرةِ قرناءَ -أي: نظراءَ- من الشَّياطين يستولونَ عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ -وهو القشرُ- حتى أضلُّوهم (٤)، وفيه دليلٌ على أنَّ الله (٥) تعالى يريدُ الكفرَ من الكافرِ.

(﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠]) أي: (عِنْدَ المَوْتِ) وقال قتادةُ: إذا قامُوا من قبورِهم. وقال وكيعُ بن الجرَّاح: البُشرىَ تكون في ثلاثة مواطن: عند الموتِ، وفي القبرِ، وعند البعثِ.

(﴿اهْتَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩] أي: (بِالنَّبَاتِ. ﴿وَرَبَتْ﴾) أي: (ارْتَفَعَتْ) لأنَّ النَّبتَ إذا قرب أن يظهرَ تحرَّكت له الأرض وانتفختْ، ثمَّ تصدَّعت عن النباتِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مجاهدٍ في معنى ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت (﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧]) بفتح الهمزة، جمع: كِم -بالكسر- (حِينَ تَطْلُعُ) بسكون الطاء المهملة (٦) وضم اللَّام.

(﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]) أَيْ: (بِعَمَلِي) بتقديم الميم على اللَّام، أي: (أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) أي: مستحقٌّ لي بعلمِي وعملِي، وما علمَ الأبلهُ أنَّ أحدًا لا يستحقُّ على الله شيئًا؛ لأنَّه كان عَارِيًا (٧) من الفضائلِ، فكلامهُ ظاهر الفسادِ، وإن كان موصوفًا بشيءٍ من الفضائلِ فهي إنَّما حصلَتْ له بفضلِ الله وإحسانهِ. واللَّام في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسمِ لسبقه الشَّرط، وجواب الشَّرط محذوفٌ. وقال أبو البقاء: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب الشَّرط، والفاء محذوفةٌ. قال في «الدر»: وهذا لا يجوزُ إلَّا في شعرٍ؛ كقوله:

مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها ...........................

حتَّى إنَّ المبرِّد يمنعه في الشِّعر، ويروي البيت:

مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمَنُ يَشْكُرُه ............................

(﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهد: «﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾» أي: (قَدَّرَهَا سَوَاءً) و ﴿سَوَاء﴾ نصبَ على المصدرِ، أي: استوتْ استواءً. وقال السُّديُّ وقتادة: المعنى: سواء لمن سألَ عن الأمر (١) واستفهمَ عن حقيقةِ وقوعه وأرادَ العبرةَ فيه فإنَّه يجده.

(﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾) في قولهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أي: (دَلَلْنَاهُمْ) دَلالة مطلقةً (عَلَى الخَيْرِ وَالشَّرِّ) على طريقهما (كَقَوْلِهِ) تعالى في سورة البلد: (﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أي: طريق الخير والشَّرِّ (وَكَقَوْلِهِ) تعالى في سورة الإنسان: (﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وَ) أما (الهُدَى الَّذِي هُوَ الإِرْشَادُ) إلى البُغية (بِمَنْزِلَةِ) أي: بمعنى (أَصْعَدْنَاهُ) بالصاد في الفرع كغيرهِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «أسعدناهُ» بالسين بدل الصاد (٢). قال السُّهيليُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ وغيرهم-: بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدنَاه من أسعدنَاه بالسين؛ لأنَّه (٣) إذا كان بالسين كان من السَّعد، والسَّعادة ضد الشَّقاوة (٤) وأرشدت الرَّجلَ إلى الطَّريق وهديته السَّبيل بعيدٌ من هذا التَّفسير، فإذا قلت: أصعدناهُم -بالصاد- خرج اللَّفظ إلى معنى الصُّعُدات في قولهِ: «إيَّاكُم والقعودَ على الصُّعُداتِ» وهي الطُّرق (٥)، وكذلك أصعدَ في الأرضِ إذا سارَ فيها على قصدٍ، فإن كان البخاريُّ قصدَ هذا وكتبَها في نسختِهِ (٦) بالصاد التفَاتًا إلى حديث الصُّعداتِ؛ فليس بمنكرٍ. انتهى. قال الشَّيخ بدر الدين الدَّمامينيُّ: لا أدري ما الَّذي أبعد هذا التَّفسير مع قُرب ظهورهِ، فإنَّ الهدايةَ إلى السَّبيلِ والإرشادِ إلى الطَّريق إسعادٌ لذلك الشَّخصِ المهديِّ؛ إذ سلوكه في الطَّريق مُفضٍ إلى السَّعادةِ، ومجانبتهُ لها ممَّا يُؤدِّي إلى ضلالهِ وهلاكهِ.

وأمَّا قوله: فإذا قلتَ: أصعدناهُ بالصاد … إلى آخره ففيه تكلُّفٌ لا داعِي له، وما في النُّسخ صحيحٌ بدونه. انتهى.

(مِنْ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «ومن ذلكَ» أي: من الهدايةِ الَّتي بمعنى الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية الَّتي عبَّر عنها المؤلِّف (١) بالإرشادِ والإسعادِ (قَوْلُهُ) تعالى بالأنعامِ: (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) ونحوه ممَّا (٢) هو كثيرٌ في القرآنِ.

(﴿يُوزَعُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] أي: (يُكَفُّوْنَ) بفتح الكاف بعد الضم، أي: يُوقف سوابقهم حتَّى يصلَ إليهم تواليهِم، وهو معنى (٣) قول السُّدِّيُّ: يُحبسُ أوَّلُهم على آخرِهِم ليتلاحقُوا.

(﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧] هو (قِشْرُ الكُفُرَّى) بضم الكاف وضم الفاء وفتحها وتشديد الراء، وعاءُ الطَّلع. قال ابنُ عبَّاس: قبل أن ينشقَّ (هِيَ (٤) الكُمُّ) بضم الكاف وقال (٥) الرَّاغب: الكمُّ: ما يغطِّي (٦) اليدَ من القميصِ، وما يغطِّي الثَّمرةَ، وجمعهُ: أكمامٌ. وهذا يدلُّ على أنَّه مضموم الكاف؛ إذ جعله مشتركًا بين كمِّ القميصِ وبين (٧) كمِّ الثَّمرة، ولا خلاف في كمِّ القميصِ أنَّه بالضم، وضبط الزَّمخشريُّ كِم (٨) الثَّمرة بكسر الكاف، فيجوزُ أن يكون فيه لغتان، دون كمِّ القميصِ جمعًا بين القولين (وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيُقَالُ: لِلْعِنَبِ إِذَا خَرَجَ أَيضًا: كَافُورٌ وكُفُرَّى) قاله الأصمعيُّ، وهذا ساقط لغير المُستملي، ووعاءُ كلِّ شيءٍ: كافورهُ. (﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]) أي: الصَّديق (القَرِيبُ) وللأَصيليِّ: «قريب».

(﴿مِّن مَّحِيصٍ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] يقال: (حَاصَ عَنْهُ: حَادَ) وللأَصيليِّ: «أي: حادَ» وزاد أبو ذرٍّ: «عنه» والمعنى: أنَّهم أيقنُوا أن لا مهربَ لهم من النَّار.

(﴿مِرْيَةٍ﴾) بكسر الميم في قولهِ تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] (وَ (مُرْيَةٍ)) بضمِّها في قراءة الحسن، لغتان؛ كخِفْية وخُفْية، ومعناهما (وَاحِدٌ؛ أَي: امْتِرَاءٌ) أي: في شكٍّ من البعثِ والقيامةِ (١). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبدُ بن حُميد (٢): (﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]) معناه (الوَعِيدُ) وللأَصيليِّ: «هي وعيدٌ».

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (﴿بِالَّتِي﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾» (﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ، وَالعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ) أي: الصَّبرَ والعفوَ (عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ) وصار الَّذي بينه وبينهم عَدَاوة (٣) (﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]) أي: كالصَّديق القريب، وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾» ولغيره: «﴿ادْفَعْ﴾» من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾.

(١) (قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾ (﴿تَسْتَتِرُونَ﴾) تستخفُون عند ارتكابِ القبائح خيفةَ (﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾) لأنَّكم تنكرونَ البعثَ والقيامةِ (﴿وَلَكِن﴾) ذلك الاستتار لأجل أنَّكم (﴿ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) من الأعمالِ الَّتي تُخفونها؛ فلذلك اجترأتُم على ما فعلتُم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ المؤمنَ ينبغِي أن يتحقَّق أنَّه لا يمرُّ عليه حال إلَّا وعليه (٤) رقيبٌ، وسقطَ قوله: «﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ … » إلى آخره للأَصيليِّ، ولأبي ذرٍّ «﴿وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … » إلى آخره، وقالا: «الآية».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَدَمِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ يَبْنِي عَلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى إِحْيَاءِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِجَوْهَرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ إِلَّا بِإِبْقَاءِ عَظْمِ كُلِّ شَخْصٍ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إِعَادَةَ الْأَرْوَاحِ إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَانِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَلَوْلَا إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا لَجَوَّزَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ الْإِعَادَةَ إِلَى أَمْثَالِ الْأَجْسَادِ لَا إِلَى نَفْسِ الْأَجْسَادِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَفْنَى أَيْ تُعْدَمُ أَجْزَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ يَسْتَحِيلُ فَتَزُولُ صُورَتُهُ الْمَعْهُودَةُ فَيَصِيرُ عَلَى صِفَةِ جِسْمِ التُّرَابِ، ثُمَّ يُعَادُ إِذَا رُكِّبَتْ إِلَى مَا عُهِدَ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَبْلَى أَيْ يَطُولُ بَقَاؤُهُ، لَا أَنَّهُ لَا يَفْنَى أَصْلًا. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَاعِدَةُ بَدْءِ الْإِنْسَانِ وَأُسِّهِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَهُوَ أَصْلَبُ مِنَ الْجَمِيعِ كَقَاعِدَةِ الْجِدَارِ، وَإِذَا كَانَ أَصْلَبَ كَانَ أَدْوَمَ بَقَاءً، وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا عَامٌّ يُخَصُّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَهُمْ. وَأَلْحَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهِمُ الشُّهَدَاءَ وَالْقُرْطُبِيُّ الْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ. قَالَ عِيَاضٌ: فَتَأْوِيلُ الْخَبَرِ وَهُوَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ أَيْ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ مِمَّا يَأْكُلُهُ التُّرَابُ وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ لَا يَأْكُلُ أَجْسَادًا كَثِيرَةً كَالْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَجْبُ ذَنَبِهِ) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا يَبْلَى عَجْبُ الذَّنَبِ وَلَا يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، وَخَالَفَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: إِلَّا هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ وَعَجْبُ الذَّنَبِ أَيْضًا يَبْلَى. وَقَدْ أَثْبَتَ هَذَا الْمَعْنَى الْفَرَّاءُ، وَالْأَخْفَشُ فَقَالُوا: تَرِدُ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَيَرُدُّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُهُ أَبَدًا كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ مِنْهُ خُلِقَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ يُخْلَقُ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ أَنَّ أَوَّلَ مَا خُلِقَ مِنْ آدَمَ رَأْسُهُ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا فِي حَقِّ آدَمَ وَذَاكَ فِي حَقِّ بَنِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ سَلْمَانَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ لَا خَلْقَ جَسَدِهِ.

٤٠ - سُورَةُ الْمُؤْمِنِ

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

الطَّوْلِ: التَّفَضُّلِ. دَاخِرِينَ: خَاضِعِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى النَّجَاةِ: الْإِيمَانِ. لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ. يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ. تَمْرَحُونَ: تَبْطُرُونَ. وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يَذْكُرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطِ النَّاسَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ؟ وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَقُولُ: وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشِّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ. وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ لِمَنْ عَصَاهُ.

٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ

عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمُؤْمِنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حم﴾ مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُقَالُ إِلَخْ وَهَذَا الْكَلَامُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي مَجَازِ الْقُرْآنِ وَلَفْظُهُ: حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَهُوَ يُطْلِقُ الْمَجَازَ وَيُرِيدُ بِهِ التَّأْوِيلَ أَيْ تَأْوِيلُ حم تَأْوِيلُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، أَيْ أَنَّ الْكُلَّ فِي الْحُكْمِ وَاحِدٌ، فَمَهْمَا قِيلَ مَثَلًا فِي الم يُقَالُ مِثْلُهُ فِي حم. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الم وَحم وَ ﴿المص﴾ وَ ﴿ص﴾ فَوَاتِحٌ افْتُتِحَ بِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلُّهَا ﴿ق﴾ وَ ﴿ص﴾ وَ ﴿طسم﴾ وَغَيْرُهَا هِجَاءٌ مَقْطُوعٌ. وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيُقَالُ بَلْ هُوَ اسْمٌ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حم اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِيمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِيسَى فَتَحَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.

قُلْتُ: وَالشَّاهِدُ الَّذِي أَنْشَدَ يُوَافِقُ قِرَاءَةَ عِيسَى. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ حُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ السُّكُونُ لِأَنَّهَا حُرُوفُ هِجَاءٍ لَا أَسْمَاءُ مُسَمَّيَاتٍ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿ص﴾ وَأَشْبَاهُهَا قَسَمٌ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَشُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْبَيْتُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ خَطَأٌ. وَلَفْظُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ فَذَكَرَ الْبَيْتَ. وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْجُمَلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: كَانَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْجَمَلِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقْتُلُوا صَاحِبَ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ، فَلَقِيَهُ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى فَأَهْوَى لَهُ بِالرُّمْحِ فَتَلَاحَمَ فَقَتَلَهُ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الشِّعْرَ الْمَذْكُورَ لِلْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ. وَذَكَرَ أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّهُ لِمُدْلِجِ بْنِ كَعْبٍ السَّعْدِيِّ وَيُقَالُ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عِصَامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ، قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: هُوَ الثَّبْتُ. وَأَنْشَدَ لَهُ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ وَأَوَّلُهُ:

وَأَشْعَثُ قَوَّامٌ بِآيَاتِ رَبِّهِ … قَلِيلُ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ

هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ … فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ

عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا … عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ

يُذَكِّرُنِي حم الْبَيْتَ. وَيُقَالُ إِنَّ الشِّعْرَ لِشَدَّادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْسِيِّ، وَيُقَالُ اسْمُهُ حَدِيدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ حَكَاهُ

الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَكْبِرٍ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ مَأْدُبَةِ الْأُدَبَاءِ قَالَ: كَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ حم، وَكَانَ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا طَعَنَ شُرَيْحٌ، مُحَمَّدًا قَالَ: حم، فَأَنْشَدَ شُرَيْحٌ الشِّعْرَ. قَالَ: وَقِيلَ بَلْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَمَّا طَعَنَهُ شُرَيْحٌ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ يُذَكِّرُنِي حم أَيْ بِتِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا مِنْ حم.

(تَكْمِلَةٌ): حم جُمِعَ عَلَى حَوَامِيمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَيُقَالُ كَأَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بِقَوْلِهِ أُذَكِّرُكَ حم أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ﴿حم * عسق﴾ ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الْآيَةَ، كَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُ بِقَرَابَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ عَنْ قَتْلِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿الطَّوْلِ﴾ التَّفَضُّلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ إِنَّهُ لَذُو طَوْلٍ عَلَى قَوْمِهِ أَيْ ذُو فَضْلٍ عَلَيْهِمْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ذِي الطَّوْلِ قَالَ: ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: ذِي الْمِنَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذِي النَّعْمَاءِ.

قَوْلُهُ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ خَاضِعِينَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أَيْ صَاغِرِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ إِلَى الْإِيمَانِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يَعْنِي الْوَثَنَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الْأَوْثَانِ.

قَوْلُهُ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿تَمْرَحُونَ﴾ تَبْطِرُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَبْطِرُونَ وَيَأْشِرُونَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ يُذَكِّرُ النَّاسَ النَّارَ أَيْ يُخَوِّفُهُمْ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (لِمَ) بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْهَامِ (تُقَنِّطُ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةَ إِلَى الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا﴾ فَنَهَاهُمْ عَنِ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ اسْتِدْعَاءً مِنْهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَأَبُو الْعَلَاءِ هَذَا هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ تَابِعِيٌّ زَاهِدٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَاتَ قَدِيمًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.

ثم ذكر حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ

٤١ - سُورَةُ حم السَّجْدَةِ

وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيَا. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ - ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ - ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ - ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى فَقَالَ: ﴿فَلا

أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ.

وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحَاهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتْ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتْ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ. فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدَّثَنِيه يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بِهَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ، ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقَهَا. ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ. وقال غيره: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ حِينَ تَطْلُعُ. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعَمَلِي، أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا، ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً. ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسعَدْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفُرَّى، هِيَ الْكُمُّ. ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ الْقَرِيبُ ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ حَاصَ عَنْهُ، حَادَ عنه.

﴿مِرْيَةٍ﴾ وَمُرْيَةٌ وَاحِدٌ أَيْ امْتِرَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الوَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمْ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم السَّجْدَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطِيَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّحَّةِ، وَلَفْظُ الطَّبَرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيَا﴾ قَالَ: أَعْطِيَا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ قَالَتَا أَعْطَيْنَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَيْسَ أَتَى هُنَا بِمَعْنَى أَعْطَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْإِتْيَانِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِمَعْنَى الِانْفِعَالِ لِلْوُجُودِ، بِدَلِيلِ الْآيَةِ نَفْسِهَا. وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ جِيئَا بِمَا خَلَقْتُ فِيكُمَا وَأَظْهِرَاهُ، قَالَتَا أَجَبْنَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى تَقْرِيبِ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا لَمَّا أُمِرَتَا بِإِخْرَاجِ

مَا فِيهِمَا مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنَهْرٍ وَنَبَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَجَابَتَا إِلَى ذَلِكَ كَانَ كَالْإِعْطَاءِ، فَعَبَّرَ بِالْإِعْطَاءِ عَنَ الْمَجِيءِ بِمَا أُودِعَتَاهُ. قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ مُوَجَّهًا وَثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فَأَيُّ مَعْنًى لِإِنْكَارِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ نَفَى أَنْ يُثْبِتَ عَنْهُ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ، وَهَذَا عَجِيبٌ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الشَّيْءِ قَوْلَانِ بَلْ أَكْثَرُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿ لِلسَّمَاوَاتِ أَطْلِعِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ، قَالَتَا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا آتَيْنَا بِالْمَدِّ فَفَسَّرَهَا عَلَى ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقِرَاءَاتِ أَنَّهَا قِرَاءَتُهُ، وَبِهَا قَرَأَ صَاحِبَاهُ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَمَالِيهِ: قِيلَ إِنَّ الْبُخَارِيَّ وَقَعَ لَهُ فِي آيٍّ مِنَ الْقُرْآنِ وَهْمٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْهَا وَإِلَّا فَهِيَ قِرَاءَةٌ بِلُغَتِهِ، وَجْهُهُ أَعْطِيَا الطَّاعَةَ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يُعْطِي الطَّاعَةَ لِفُلَانٍ، قَالَ: وَقَدْ قُرِئَ: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَالْفِتْنَةُ ضِدُّ الطَّاعَةِ. وَإِذَا جَازَ فِي إِحْدَاهُمَا جَازَ فِي الْأُخْرَى انْتَهَى. وَجَوَّزَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ آتَيْنَا بِالْمَدِّ بِمَعْنَى الْمُوَافَقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَحْذُوفُ مَفْعُولًا وَاحِدًا وَالتَّقْدِيرُ: لِتُوَافِقَ كُلٌّ مِنْكُمَا الْأُخْرَى، قَالَتَا تَوَافَقْنَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولَانِ وَالتَّقْدِيرُ: أَعْطِيَا مَنْ أَمَرَكُمَا الطَّاعَةَ مِنْ أَنْفُسِكُمَا قَالَتَا أَعْطَيْنَاهُ الطَّاعَةَ. وَهُوَ أَرْجَحُ لِثُبُوتِهِ صَرِيحًا عَنْ تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: ﴿قَالَتَا﴾ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَرَادَ الْفِرْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ جَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً وَالْأَرَضِينَ أَرْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا. وَهِيَ غَفْلَةٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا لَفْظُ سَمَاءٍ مُفْرَدٍ وَلَفْظُ أَرْضٍ مُفْرَدٍ، نَعَمْ قَوْلُهُ طَائِعِينَ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مِنَ الْعُقَلَاءِ لِكَوْنِهِمْ عُومِلُوا مُعَامَلَةَ الْعُقَلَاءِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، وَهُوَ مِثْلُ: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْمِنْهَالُ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ صَدُوقٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَتَرَكَهُ شُعْبَةُ لِأَمْرٍ لَا يُوجِبُ فِيهِ قَدْحًا كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدٍ) هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا النَّسَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ) كَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأْسَ الْأَزَارِقَةِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَكَانَ يُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ وَيَسْأَلُهُ وَيُعَارِضُهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ سُؤَالُهُ عَنْهُ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ - ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ - وهَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ حَسْبُ، وَهِيَ إِحْدَى الْقِصَصِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: قَدِمَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَنَجْدَةُ بْنُ عُوَيْمِرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مَكَّةَ فَإِذَا هُمْ بِابْنِ عَبَّاسٍ قَاعِدًا قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ وَالنَّاسُ قِيَامًا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ: أَتَيْتُكَ لِأَسْأَلَكَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّفْسِيرِ، سَاقَهَا فِي وَرَقَتَيْنِ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بَعْضَ الْقِصَّةِ وَلَفْظُهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَالَ: إِنِّي أَحْسِبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتُ لَهُمْ أَيْنَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأُلْقِي عَلَيْهِ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا جَمَعَ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَنْ وَحَّدَهُ، فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾

قَالَ: فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ انْتَهَى وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إِحْدَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُبْهَمُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ) أَيْ تُشْكِلُ وَتَضْطَرِبُ، لِأَنَّ بَيْنَ ظَوَاهِرِهَا تَدَافُعًا. زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَته عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بِسَنَدِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا هُوَ، أَشَكٌّ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَكٍّ وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ، فَقَالَ: هَاتِ مَا اخْتُلِفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ. وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، الثَّانِي كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ، الثَّالِثُ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ، الرَّابِعُ الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ كَانَ الدَّالِّ عَلَى الْمَاضِي مَعَ أَنَّ الصِّفَةَ لَازِمَةٌ.

وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحُهُمْ، وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ فَسَوَّاهَا فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، فَهَذَا الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَشَقَّقَ الْأَنْهَارَ وَقَدَّرَ فِي كُلِّ أَرْضٍ قُوتَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وَتَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قَالَ: فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، فَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الْبَقَّالُ، وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ كَانَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ الِانْقِطَاعَ؛ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ تَفْسِيرٌ آخَرُ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ تَشَاغُلِهِمْ بِالصَّعْقِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَإِثْبَاتَهَا بَعْدَ النَّفْخَةِ

الثَّانِيَةِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الْعَفْوَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادَى: أَلَا إِنَّ هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ قِبَلَهُ فَلْيَأْتِ، قَالَ: فَتَوَدُّ الْمَرْأَةُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حَقٌّ عَلَى أَبِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا، ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ: لَا يُسْأَلُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ بِنَسَبٍ شَيْئًا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَلَا يَمُتُّ بِرَحِمٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَالْآيَةُ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَثْنَاءَ حَدِيثٍ وَفِيهِ ثُمَّ يُلْقَى الثَّالِثُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرَسُولِكَ وَيُثْنِي مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ، فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ. وَأَمَّا الثَّالث فَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ أَيْضًا مِنْهَا أَنَّ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا إِيرَادَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الْخَبَرِ لَا الْمُخْبَرِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا لَكِنْ ثُمَّ لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْخِلْقَتَيْنِ لَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ، وَقِيلَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ.

وَأَمَّا الرَّابِعُ وَجَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَضَتْ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الصِّفَتَانِ فَلَا يَزَالَانِ كَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ أَوِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ مُرَادُهُ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَجَابَ بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ وَانْتَهَتْ وَالصِّفَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْآخَرُ: أَنَّ مَعْنَى

كَانَ الدَّوَامُ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ السُّؤَالُ عَلَى مَسْلَكَيْنِ وَالْجَوَابُ عَلَى رَفْعِهِمَا كَأَنْ يُقَالَ: هَذَا اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَغْفِرُ لَهُ أَوْ يَرْحَمُ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَالِ كَذَلِكَ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ كَانَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَاضِي يُسَمَّى بِهِ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ كَانَ تُعْطَى مَعْنَى الدَّوَامِ، وَقَدْ قَالَ النُّحَاةُ: كَانَ لِثُبُوتِ خَبَرِهَا مَاضِيًا دَائِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا.

قَوْلُهُ: (فَلَا يَخْتَلِفُ) بِالْجَزْمِ لِلنَّهْيِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ بَقِيَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ؟ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَجْهَهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي السِّيَاقِ وَالسَّمَاءِ بَنَاهَا وَالتِّلَاوَةُ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ كَذَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالَّذِي فِي الْأَصْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وَهُوَ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿دَحَاهَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) أَيِ ابْنُ أَبِي زُرَيْقٍ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، وَهُوَ أَخُو زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنِيهِ عَنْ يُوسُفَ بِزِيَادَةِ عَنْ وَهِيَ غَلَطٌ. وَسَقَطَ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنِيهِ إِلَخْ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبُرْقَانِيُّ فِي الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ قَالَ: وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأُرْدِسْتَانِيُّ قَالَ: شَاهَدْتُ نُسْخَةً مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ فِي هَامِشِهَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ الْبُرْقَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ صَنِيعِ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْبُوشَنْجِيِّ فَإِنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِيُوسُفَ وَلَا لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا لِزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ حَدِيثًا مُسْنَدًا سِوَاهُ، وَفِي مُغَايَرَةِ الْبُخَارِيِّ سِيَاقَ الْإِسْنَادِ عَنْ تَرْتِيبِهِ الْمَعْهُودِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ وَإِنْ صَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةُ الْمَوْصُولِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا الِاصْطِلَاحُ وَأَنَّ مَا يُورِدُهُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ صَحِيحِهِ وَخَرَجَ عَلَى مَنْ يُغَيِّرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهَا إِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ.

فَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَمِعَهُ أَوَّلًا مُرْسَلًا وَآخِرًا مُسْنَدًا فَنَقَلَهُ كَمَا سَمِعَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ وَجَدْتُ لِلْحَدِيثِ طَرِيقًا أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ مِنْ طَرِيقٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو بِتَمَامِهِ، فَشَيْخُ مَعْمَرٍ الْمُبْهَمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَرِّفًا أَوْ زَيْدَ بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ أَوْ ثَالِثًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: غَيْرُ مَمْنُونٍ قَالَ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ مَحْسُوبٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُحْسَبُ فَيُحْصَى فَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقُهَا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَدَوَابَّهَا وَثِمَارَهَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قَالَ: مِنَ الْمَطَرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْوَاتُهَا وَاحِدُهَا قُوتٌ وَهِيَ الْأَرْزَاقُ.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَأَرَادَهُ أَيْ مِنْ خَلْقِ الرُّجُومِ وَالنَّيِّرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: رِيحًا صَرْصَرًا: بَارِدَةً. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشْومَاتٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْصَرُ هِيَ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ الْعَاصِفَةُ، ﴿نَحِسَاتٍ﴾ ذَوَاتُ نُحُوسٍ أَيْ مَشَائِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَطَائِفَةٍ، وَعِنْدَ

الْأَصِيلِيِّ ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ وَصَوَابُهُ، وَلَيْسَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ تَفْسِيرًا لِقَيَّضْنَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ قَالَ: شَيَاطِينَ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ قَالَ: عِنْدَ الْمَوْتِ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مُفَرَّقًا فِي مَوْضِعَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ فَإِنَّ حَالَةَ الْمَوْتِ أَوَّلُ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، وَالْحَاصِلُ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ تَصَرُّفِهِمْ فِي الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا حِينَ تَطْلُعُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا إِلَى قَوْلِهِ ارْتَفَعَتْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ إِلَى قَوْلِهِ ارْتَفَعَتْ وَزَادَ: قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعِلْمِي أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا وَلَكِنْ لَفْظُهُ بِعَمَلِي بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى اللَّامِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَاللَّامُ فِي لَيَقُولَنَّ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَأَمَّا جَوَابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: اللَّامُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالْفَاءُ مَحْذُوفَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ شَاذٌّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ فِي الشِّعْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿هَذَا لِي﴾ أَيْ لَا يَزُولُ عَنِّي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ أَشْبَهُ، فَإِنَّهُ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ نَصَبَهَا عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ سَوَاءً بِالنَّصْبِ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ وَيَعْقُوبُ بِالْجَرِّ، فَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى نَعْتِ الْأَقْوَاتِ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الْقَطْعِ، وَمَنْ خَفَضَ فَعَلَى نَعْتِ الْأَيَّامِ أَوِ الْأَرْبَعَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وكقَوْلُهُ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسْعَدْنَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا أَصْعَدْنَاهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ بِالصَّادِ أَقْرَبُ إِلَى تَفْسِيرِ أَرْشَدْنَاهُ مِنْ أَسْعَدْنَاهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالسِّينِ كَانَ مِنَ السَّعْدِ وَالسَّعَادَةِ، وَأَرْشَدْتُ الرَّجُلَ إِلَى الطَّرِيقِ وَهَدَيْتُهُ السَّبِيلَ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، فَإِذَا قُلْتُ أَصْعَدْنَاهُمْ بِالصَّادِ خَرَجَ اللَّفْظُ إِلَى مَعْنَى الصُّعُدَاتِ فِي قَوْلِهِ إِيَّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الصُّعُدَاتِ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَكَذَلِكَ أَصْعَدَ فِي الْأَرْضِ إِذَا سَارَ فِيهَا عَلَى قَصْدٍ، فَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ قَصَدَ هَذَا وَكَتَبَهَا فِي نُسْخَتِهِ بِالصَّادِ الْتِفَاتًا إِلَى حَدِيثِ الصُّعُدَاتِ فَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ انْتَهَى. وَالَّذِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِالسِّينِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ قَالَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يُقَالُ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْخَيْرِ وَمَذْهَبِ الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ثُمَّ سَاقَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قَالَ: وَالْهُدَى عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِرْشَادُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ أَسْعَدْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أَيْ يُدْفَعُونَ، وَهُوَ مِنْ وَزِعْتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ: عَلَيْهِمْ وَزَعَةٌ تَرُدُّ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفُرَّى الْكُمُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ هِيَ الْكُمُّ، زَادَ الْأَصِيلِيُّ: وَاحِدُهَا هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أَيْ أَوْعِيَتِهَا وَاحِدُهَا كُمَّةٌ وَهُوَ مَا كَانَتْ فِيهِ، وَكُمٌّ وَكُمَّةٌ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ أَكْمَامٌ، وَأَكِمَّةٌ.

(تَنْبِيهٌ): كَافُ الْكُمِّ مَضْمُومَةٌ كَكُمِّ الْقَمِيصِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَبِهِ جَزَمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَقُولُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾) في الضَّلالة والطُّغيانِ، كالإشراكِ وسفك الدِّماء (﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]) أي: ملازمُوها (وَلَكِنَّكُمْ) وللأَصيليِّ: «ولكن» (تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالجَنَّةِ) بفتح الموحدة والمعجمة، مبنيًّا للمفعول (عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا) بضم الميم وكسر المعجمة، وللأَصيليِّ: «وينذِرَ» بلفظ المضارع (بِالنَّارِ مَنْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لمن» (١) (عَصَاهُ).

٤٨١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، صالح اليماميُّ (٣) الطَّائيُّ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٤): «عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ) نسبة إلى تيمِ قريشٍ (٥) المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّامِ، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرٍ: «ما صنعَهُ المشركونَ» (بِرَسُولِ اللهِ ؟ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ) بكسر الفاء (إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ) الأمويُّ المقتولُ كافرًا، بعد انصرافهِ من بدرٍ بيومٍ (فَأَخَذَ

بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ) بفتح الميم وكسر الكاف (وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا) ولأبي ذرٍّ: «فخنقه به خنقًا» و (١) النون من خنْقًا ساكنة في الرِّوايتين في «اليونينية» وفرعها، ومكسورة في بعضها (٢) (شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ) عقبة (عَنْ رَسُولِ اللهِ ، وَقَالَ (٣)) وللأَصيليِّ: «ثمَّ قال» أي: مستفهمًا (٤) استفهامًا إنكاريًّا (﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾) كراهيةَ (﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾) أو لأنْ يقول (﴿وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]) جملةٌ حاليَّةٌ، قال جعفر بنُ محمد: كان أبو بكر خيرًا من مؤمنِ آل فرعونَ؛ لأنَّه كان يكتمُ إيمانهُ، وقال أبو بكرٍ جهارًا: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ [غافر: ٢٨] وقال غيره: إنَّ أبا بكر أفضلُ من مؤمن آل فرعون؛ لأنَّ ذلك اقتصر حيث انتصرَ على اللِّسان، وأمَّا أبو بكرٍ فأتبعَ اللِّسان يدًا، ونصر (٥) بالقولِ والفعل محمدًا.

وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في «مناقبِ أبي بكر» [خ¦٣٦٧٨] وفي «باب ما لقي النَّبيُّ وأصحابه من المشركين بمكَّة» [خ¦٣٨٥٦].

(((٤١))) (حم السَّجْدَةِ) مكِّيَّة، وآيُها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع، ولأبي ذرٍّ: «سورة حم السَّجدة».

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ وابنُ أبي حاتمٍ بإسناد على شرط المؤلِّف: (عَنِ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا﴾) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿أَوْ كَرْهًا﴾» أي: (أَعْطِيَا) بكسر الطاء (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]) أي: (أَعْطَيْنَا) استُشكل هذا التَّفسير؛ لأنَّ

﴿أَتَيْنَا﴾ و ﴿أَتَيْنَا﴾ بالقصرِ من المجيءِ، فكيف يُفسَّر بالإعطاءِ؟ وإنَّما يفسَّر به نحو قولك: آتيتُ (١) زيدًا مالًا، بمدِّ همزة القطع، وهمزة ﴿أَتَيْنَا﴾ همزة وصل، وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاس ومجاهدًا وابنَ جُبير قرؤوا: (آتيا) (قالتَا آتينَا)، بالمدِّ فيهما، وفيه وجهان: أحدُهما: أنَّه من (٢) المؤاتَاةِ وهي الموافقةُ، أي: لتوافق كلٌّ منكما الأخرى لما (٣) يليقُ بها، وإليه ذهب الرَّازيُّ والزَّمخشريُّ، فوزن (آتيا) فاعلا كقاتلا، و (آتينا) فاعلنا كقاتلنا. والثَّاني: أنَّه من الإيتاءِ بمعنى الإعطاءِ، فوزنُ (٤) (آتيا) أفعلا كأكرما، ووزن (آتينا) أفعلنا كأكرمنا، فعلى الأول يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثَّاني مفعولين، إذ التَّقدير: أعطيا الطَّاعة من أنفسكما من أمركما. قالتا: آتينا الطَّاعةَ، وفي مجيءِ طائعين مجيءَ جمعِ المذكَّرين (٥) العقلاء (٦) وجهان: أحدُهما: أنَّ المراد بائتِيَا مَن فيهما (٧) من العقلاءِ وغيرهم؛ فلذا غلَّب العقلاءَ على غيرهم. الثَّاني: أنَّه لما عاملهما (٨) معاملة العقلاءِ في الإخبارِ عنهما، والأمرِ لهما، جمعهما كجمعِهم كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وهل هذه المحاورة حقيقةٌ أو مجازٌ؟ وإذا (٩) كانت (١٠) مجازًا فهل هو تمثيلٌ أو تخييلٌ؟ خلافٌ.

(وَقَالَ المِنْهَالُ) بكسر الميم وسكون النون، ابنُ عَمرو الأسديُّ، مَولاهم الكوفيُّ، وثَّقه ابنُ معين والنَّسائيُّ وغيرهما: (عَنْ سَعِيدٍ) وللأَصيليِّ: «سعيد بن جبيرٍ» أنَّه (قَال: قَالَ رَجُلٌ) هو: نافعُ بنُ الأزرقِ، الَّذي صارَ بعد ذلك رأس الأزارقةِ من الخوارجِ (لِابْنِ عَبَّاسٍ) ، وكان يجالسه بمكَّة ويسأله ويعارضهُ: (إِنِّي أَجِدُ فِي القُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ) لما بين ظواهرها (١) من التَّدافعِ، زاد عبد الرَّزَّاق: فقال ابن عبَّاس: ما هو؟ أشكٌ في القرآنِ؟ قال: ليس بشكٍّ ولكنه اختلافٌ، فقال: هاتِ ما اختلفَ عليك من ذلك (قَالَ: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]) وقال: (﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]) فإن بين قوله: ﴿وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ وبين ﴿يَتَسَاءلُونَ﴾ تدافعًا نفيًا وإثباتًا. وقال تعالى: (﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]) وقوله: (﴿رَبِّنَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَاللّهِ رَبِّنَا﴾» (﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ) كونهم مشركين، وعُلم من الأولى أنَّهم لا يكتمونَ الله حديثًا (وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ) في هذه الآية (ثُمَّ قَالَ) في سورة حم السَّجدة: (﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ … إِلَى: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «إلى قولهِ: ﴿طَائِعِينَ﴾» (فَذَكَرَ فِي هَذِهِ) الآية (خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ) وللأَصيليِّ: «قبلَ خلقِ السَّماءِ» والتَّدافع ظاهر (وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: ١٤]) وقال: ﴿وَكَانَ اللهُ﴾ (﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفتح: ٧]) ﴿وَكَانَ اللهُ﴾ (﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فَكَأَنَّهُ كَانَ (٢)) موصوفًا بهذه الصِّفات (ثُمَّ مَضَى) أي: تغيَّر عن ذلك. (فَقَالَ) أي: ابن عبَّاس مجيبًا عن ذلك: أمَّا قوله تعالى: (﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]) أي: (فِي النَّفْخَةِ الأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ) تنفعهم لزوالِ التَّعاطُف والتَّراحُم، من فرطِ الحيرةِ واستيلاءِ الدَّهشةِ، بحيث يفرُّ المرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيه وصاحبتهِ وبنيه، قال:

لَا نَسَبَ اليَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ

وليس المراد قطعَ النَّسب (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) لاشتغال كلٍّ بنفسه (ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَة (١) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [الطور: ٢٥]) فلا تناقضَ، والحاصلُ أَن للقيامةِ أحوالًا ومواطنَ، ففي موطنٍ يشتدُّ عليهم الخوفُ (٢) فيشغلُهم عن التَّساؤل، وفي موطن (٣) يفيقونَ فيتساءلون (وَأَمَّا قَوْلُهُ) تعالى: (﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]) وقوله تعالى: (﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ﴾ [النساء: ٤٢]) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وابنُ عساكرَ: «﴿حَدِيثًا﴾» (فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ المُشْرِكُونَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال المُشركون» (٤) بالفاء بدل الواو (تَعَالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ. فَخُتِمَ) بضم الخاء المعجمة، مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «فَخَتَمَ» بفتحات مبنيًّا (٥) للفاعل (عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند نطقِ أيدِيهم (عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء، وللأَصيليِّ: «عَرَفوا» بفتحهما والجمع (أنَّ اللهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول (وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الاية [النساء: ٤٢]) إلى ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا﴾ والحاصل: أنَّهم يكتمون بألسنتِهم فتنطقُ أيديهم وجوارحهم (وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي) مقدارِ (يَوْمَيْنِ) أي: غير مدحوَّةٍ (ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ) بعد ذلك في يومين (وَدَحْوُهَا) وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «وَدَحيها» بالمثناة التَّحتية بدل الواو، ولأبي ذرٍّ: «ودَحَاها» أي: (أَنْ أَخْرَجَ) أي: بأن أخرجَ (٦) (مِنْهَا المَاءَ وَالمَرْعَى، وَخَلَقَ الجِبَالَ وَالجِمَالَ) بكسر الجيم، الإبلَ (وَالآكَامَ) بفتح الهمزة جمع: أَكَمة -بفتحتين-، ما ارتفعَ من الأرضِ

كالتلِّ والرابيَةِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «والأكوَام» جمع: كوم (وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وَ) أمَّا (قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] فَجُعِلَتِ الأَرْضُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فخُلِقَت الأرضُ» (وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ) والحاصل أنَّ خلق نفس الأرضِ قبل خلق السَّماء، ودحوها بعدَه (﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ [الفتح: ١٤]) وزاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ: «﴿رَّحِيمًا﴾» (سَمَّى نَفْسَهُ) أي: ذاته (ذَلِكَ (١)) وهذه التَّسمية (٢) مضت، وللأَصيليِّ: «بذلك» (وَ) أما (ذَلِكَ) أي: (قَوْلُهُ) ما قال من الغفرانيَّةِ والرَّحيميَّةِ (أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) لا ينقطعُ (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ) أن يرحم (شيئًا) أو يغفرَ له (إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ) قطعًا (فَلَا يَخْتَلِفْ) بالجزم على النَّهي (عَلَيْكَ القُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ فقال له ابن عبَّاسٍ: هل بقيَ في قلبكَ شيءٌ؟ إنَّه ليس من القرآنِ شيءٌ إلَّا نزل فيه شيءٌ، ولكن لا تعلمون وجههُ.

وهذا التَّعليق وصلهُ المؤلِّف حيث قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقتِ: «قال أبو عبدِ الله» أي: البخاريُّ: «حَدَّثنيه» أي: الحديث السَّابق (يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التَّحتيَّة، ابنِ زريقٍ التَّيميُّ الكوفيُّ، نزيل (٣) مصر، وليس له في هذا الجامع إلَّا هذا. قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بضم العين في الأوَّل، مصغَّرًا، وفتحها في الثَّاني، الرِّقيُّ -بالراء والقاف- (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بضم الهمزة، مصغَّرًا الجزريِّ (٤) (عَنِ المِنْهَالِ) بن عَمرو الأسديِّ المذكور (بِهَذَا) الحديث السَّابق، قيل: وإنَّما غيَّر البخاريُّ سياق الإسناد عن ترتيبهِ المعهود إشارةً إلى أنَّه ليس على شرطهِ، وإن صارتْ صورته صورة (٥) الموصول، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ في نسخة (٦).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿مَمْنُونٍ﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾» [فصلت: ٨] أي: غير (مَحْسُوبٍ) وقال ابنُ عبَّاس: غير مقطوع (١)، وقيل: غير ممنونٍ به عليهم.

(﴿َقْوَاتَهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] قال مجاهدٌ: (أَرْزَاقَهَا) أي: من المطرِ، فعلى هذا فالأقوات للأرضِ لا للسكانِ، أي: قدَّر لكلِّ أرضٍ حظَّها من المطرِ، وقيل: أقواتًا تنشأُ منها بأن خصَّ حدوثَ كلِّ قوتٍ بقطرٍ من أقطارها، وقيل: أرزاقِ أهلها، وقال محمد بنُ كعبٍ: قدَّرَ أقوات الأبدانِ قبل أن يخلق الأبدان.

(﴿فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]) قال مجاهدٌ: (مِمَّا أَمَرَ بِهِ) بفتح الهمزة والميم، ولأبي ذرٍّ: «أُمِرَ» بضم الهمزة وكسر الميم، وعن ابنِ عبَّاسٍ فيما رواه عنه عطاء: خلق في كلِّ سماءٍ خلقها من الملائكةِ، وما فيها من البحارِ وجبال البردِ وما لا يعلمهُ إلا الله. قال السُّديُّ فيما حكاه عنه في «اللباب»: ولله في كلُّ سماء بيت تحجُّ إليه وتطوفُ به الملائكةُ (٢)، كلٌّ واحد منها مقابل الكعبةِ، بحيث لو وقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبةِ.

(﴿نَّحِسَاتٍ﴾) بكسر الحاء (٣) في قراءة ابن عامر والكوفيين في قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال مجاهدٌ: أي: (مَشَايِيْمَ) بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف تحتيتان (٤) الأولى مكسورة والثانية ساكنة، جمع: مشومة، أي: من الشُّوم، و ﴿نَّحِسَاتٍ﴾ نعت لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ والجمع بالألف والتاء مطَّرد في صفةِ ما لا يعقلُ (٥)؛ كـ ﴿أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قيل: كانت (٦) الأيَّامُ النَّحِساتُ آخر شوَّال من الأربعاء إلى الأربعاء، وما عذِّب قوم إلَّا في يوم الأربعاءِ.

(﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء﴾ [فصلت: ٢٥]) أي: (قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ) بفتح القاف والراء والنون المشدَّدة،

وسقطَ هذا التَّفسير لغير الأَصيليِّ، والصَّواب إثباته؛ إذ ليس للتَّالي (١) تعلُّقٌ به (٢)، وقال الزَّجَّاج: سبَّبنَا لهم. وقيل: قدَّرنا (٣) للكفرةِ قرناءَ -أي: نظراءَ- من الشَّياطين يستولونَ عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ -وهو القشرُ- حتى أضلُّوهم (٤)، وفيه دليلٌ على أنَّ الله (٥) تعالى يريدُ الكفرَ من الكافرِ.

(﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠]) أي: (عِنْدَ المَوْتِ) وقال قتادةُ: إذا قامُوا من قبورِهم. وقال وكيعُ بن الجرَّاح: البُشرىَ تكون في ثلاثة مواطن: عند الموتِ، وفي القبرِ، وعند البعثِ.

(﴿اهْتَزَّتْ﴾) في قولهِ: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩] أي: (بِالنَّبَاتِ. ﴿وَرَبَتْ﴾) أي: (ارْتَفَعَتْ) لأنَّ النَّبتَ إذا قرب أن يظهرَ تحرَّكت له الأرض وانتفختْ، ثمَّ تصدَّعت عن النباتِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مجاهدٍ في معنى ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت (﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧]) بفتح الهمزة، جمع: كِم -بالكسر- (حِينَ تَطْلُعُ) بسكون الطاء المهملة (٦) وضم اللَّام.

(﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]) أَيْ: (بِعَمَلِي) بتقديم الميم على اللَّام، أي: (أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) أي: مستحقٌّ لي بعلمِي وعملِي، وما علمَ الأبلهُ أنَّ أحدًا لا يستحقُّ على الله شيئًا؛ لأنَّه كان عَارِيًا (٧) من الفضائلِ، فكلامهُ ظاهر الفسادِ، وإن كان موصوفًا بشيءٍ من الفضائلِ فهي إنَّما حصلَتْ له بفضلِ الله وإحسانهِ. واللَّام في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب القسمِ لسبقه الشَّرط، وجواب الشَّرط محذوفٌ. وقال أبو البقاء: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ جواب الشَّرط، والفاء محذوفةٌ. قال في «الدر»: وهذا لا يجوزُ إلَّا في شعرٍ؛ كقوله:

مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها ...........................

حتَّى إنَّ المبرِّد يمنعه في الشِّعر، ويروي البيت:

مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمَنُ يَشْكُرُه ............................

(﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وقال غيره» أي: غير مجاهد: «﴿سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾» أي: (قَدَّرَهَا سَوَاءً) و ﴿سَوَاء﴾ نصبَ على المصدرِ، أي: استوتْ استواءً. وقال السُّديُّ وقتادة: المعنى: سواء لمن سألَ عن الأمر (١) واستفهمَ عن حقيقةِ وقوعه وأرادَ العبرةَ فيه فإنَّه يجده.

(﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾) في قولهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أي: (دَلَلْنَاهُمْ) دَلالة مطلقةً (عَلَى الخَيْرِ وَالشَّرِّ) على طريقهما (كَقَوْلِهِ) تعالى في سورة البلد: (﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أي: طريق الخير والشَّرِّ (وَكَقَوْلِهِ) تعالى في سورة الإنسان: (﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وَ) أما (الهُدَى الَّذِي هُوَ الإِرْشَادُ) إلى البُغية (بِمَنْزِلَةِ) أي: بمعنى (أَصْعَدْنَاهُ) بالصاد في الفرع كغيرهِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «أسعدناهُ» بالسين بدل الصاد (٢). قال السُّهيليُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ والبرماويُّ وابن حجرٍ وغيرهم-: بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدنَاه من أسعدنَاه بالسين؛ لأنَّه (٣) إذا كان بالسين كان من السَّعد، والسَّعادة ضد الشَّقاوة (٤) وأرشدت الرَّجلَ إلى الطَّريق وهديته السَّبيل بعيدٌ من هذا التَّفسير، فإذا قلت: أصعدناهُم -بالصاد- خرج اللَّفظ إلى معنى الصُّعُدات في قولهِ: «إيَّاكُم والقعودَ على الصُّعُداتِ» وهي الطُّرق (٥)، وكذلك أصعدَ في الأرضِ إذا سارَ فيها على قصدٍ، فإن كان البخاريُّ قصدَ هذا وكتبَها في نسختِهِ (٦) بالصاد التفَاتًا إلى حديث الصُّعداتِ؛ فليس بمنكرٍ. انتهى. قال الشَّيخ بدر الدين الدَّمامينيُّ: لا أدري ما الَّذي أبعد هذا التَّفسير مع قُرب ظهورهِ، فإنَّ الهدايةَ إلى السَّبيلِ والإرشادِ إلى الطَّريق إسعادٌ لذلك الشَّخصِ المهديِّ؛ إذ سلوكه في الطَّريق مُفضٍ إلى السَّعادةِ، ومجانبتهُ لها ممَّا يُؤدِّي إلى ضلالهِ وهلاكهِ.

وأمَّا قوله: فإذا قلتَ: أصعدناهُ بالصاد … إلى آخره ففيه تكلُّفٌ لا داعِي له، وما في النُّسخ صحيحٌ بدونه. انتهى.

(مِنْ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «ومن ذلكَ» أي: من الهدايةِ الَّتي بمعنى الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية الَّتي عبَّر عنها المؤلِّف (١) بالإرشادِ والإسعادِ (قَوْلُهُ) تعالى بالأنعامِ: (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]) ونحوه ممَّا (٢) هو كثيرٌ في القرآنِ.

(﴿يُوزَعُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] أي: (يُكَفُّوْنَ) بفتح الكاف بعد الضم، أي: يُوقف سوابقهم حتَّى يصلَ إليهم تواليهِم، وهو معنى (٣) قول السُّدِّيُّ: يُحبسُ أوَّلُهم على آخرِهِم ليتلاحقُوا.

(﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧] هو (قِشْرُ الكُفُرَّى) بضم الكاف وضم الفاء وفتحها وتشديد الراء، وعاءُ الطَّلع. قال ابنُ عبَّاس: قبل أن ينشقَّ (هِيَ (٤) الكُمُّ) بضم الكاف وقال (٥) الرَّاغب: الكمُّ: ما يغطِّي (٦) اليدَ من القميصِ، وما يغطِّي الثَّمرةَ، وجمعهُ: أكمامٌ. وهذا يدلُّ على أنَّه مضموم الكاف؛ إذ جعله مشتركًا بين كمِّ القميصِ وبين (٧) كمِّ الثَّمرة، ولا خلاف في كمِّ القميصِ أنَّه بالضم، وضبط الزَّمخشريُّ كِم (٨) الثَّمرة بكسر الكاف، فيجوزُ أن يكون فيه لغتان، دون كمِّ القميصِ جمعًا بين القولين (وَقَالَ غَيْرُهُ: وَيُقَالُ: لِلْعِنَبِ إِذَا خَرَجَ أَيضًا: كَافُورٌ وكُفُرَّى) قاله الأصمعيُّ، وهذا ساقط لغير المُستملي، ووعاءُ كلِّ شيءٍ: كافورهُ. (﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]) أي: الصَّديق (القَرِيبُ) وللأَصيليِّ: «قريب».

(﴿مِّن مَّحِيصٍ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] يقال: (حَاصَ عَنْهُ: حَادَ) وللأَصيليِّ: «أي: حادَ» وزاد أبو ذرٍّ: «عنه» والمعنى: أنَّهم أيقنُوا أن لا مهربَ لهم من النَّار.

(﴿مِرْيَةٍ﴾) بكسر الميم في قولهِ تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] (وَ (مُرْيَةٍ)) بضمِّها في قراءة الحسن، لغتان؛ كخِفْية وخُفْية، ومعناهما (وَاحِدٌ؛ أَي: امْتِرَاءٌ) أي: في شكٍّ من البعثِ والقيامةِ (١). (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبدُ بن حُميد (٢): (﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]) معناه (الوَعِيدُ) وللأَصيليِّ: «هي وعيدٌ».

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ: (﴿بِالَّتِي﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾» (﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ، وَالعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ) أي: الصَّبرَ والعفوَ (عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ) وصار الَّذي بينه وبينهم عَدَاوة (٣) (﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]) أي: كالصَّديق القريب، وسقطَ لأبي ذرٍّ «﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾» ولغيره: «﴿ادْفَعْ﴾» من قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾.

(١) (قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾ (﴿تَسْتَتِرُونَ﴾) تستخفُون عند ارتكابِ القبائح خيفةَ (﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾) لأنَّكم تنكرونَ البعثَ والقيامةِ (﴿وَلَكِن﴾) ذلك الاستتار لأجل أنَّكم (﴿ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) من الأعمالِ الَّتي تُخفونها؛ فلذلك اجترأتُم على ما فعلتُم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ المؤمنَ ينبغِي أن يتحقَّق أنَّه لا يمرُّ عليه حال إلَّا وعليه (٤) رقيبٌ، وسقطَ قوله: «﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ … » إلى آخره للأَصيليِّ، ولأبي ذرٍّ «﴿وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … » إلى آخره، وقالا: «الآية».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل