«لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ، وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4876

الحديث رقم 4876 من كتاب «سورة اقتربت الساعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله سيهزم الجمع ويولون الدبر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة، وإني لجارية ألعب…

«لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ، وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾».

سند حديث: ٤٨٧٦ - حَدَّثَنَا⦗١٤٤⦘ إِبْرَاهِيمُ بْنُ…

٤٨٧٦ - حَدَّثَنَا

⦗١٤٤⦘

إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة، وإني لجارية ألعب…

جاء إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رجل من أهل العراق فسألها: أي الكفن خير؟ يعني أي أنواع الكفن أفضل، ويحتمل أن يكون سؤاله عن الكم يعني لفافة أو أكثر؟ وعن الكيف، مثل اللون، هل الأفضل الأبيض أو غيره، ومثل النوع، هل الأفضل الناعم أو الخشن؟ وعن النوع أنه قطن أو كتان مثلا؟ قالت: ويحك وهي كلمة ترحم، وما يضرك؟ أي: أي شيء يضرك بعد موتك وسقوط التكليف عنك في أي كفن كُفِّنت؟ لبطلان حسك بالنعومة والخشونة وغير ذلك، فقال لها: يا أم المؤمنين أريني مصحفك لينظر فيه، قالت: لم؟ أي لم أريك مصحفي؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يُقرأ غير مؤلف؛ لأن هذا العراقي كان ممن أخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه - في بادئ الأمر - وكان تأليف مصحف هذا العراقي مغايرًا لتأليف مصحف عثمان، فلذلك جاء إلى عائشة وسأل الإملاء من مصحفها، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل؟ أي وما يضرك أيُّ سورة من القرآن قرأت قبل قراءة السورة الأخرى، إنما نزل أول ما نزل منه أي من القرآن سورة من المفصل، وسمي مفصلًا لكثرة ما يقع فيها من فصول بالبسملة بين السور، وهذه السورة فيها ذكر الجنة والنار، وأول ما نزل إما المدثر وإما اقرأ، والقول الثاني أصح وأشهر، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام أي رجعوا إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، أي تحريم الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، وذلك لانطباع النفوس بالنفرة عن ترك المألوف، فأشارت به إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأنه أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمؤمنين والمطيعين بالجنة، والإنذار والتخويف للكافرين بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أُنزلت الأحكام، ولقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46]، إشارة منها إلى تقوية ما ظهر لها من الحكمة المذكورة، وهو تقدم سورة القمر، وليس فيها شيء من الأحكام على نزول سورة البقرة والنساء مع كثرة اشتمالهما على الأحكام، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده يعني: بالمدينة، لأن دخوله عليها إنما كان بعد الهجرة بلا خلاف، فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السور أي قرأت على العراقي آيات السور.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعظيم فقهها وعلمها.
  • الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل والتدرج في الأحكام.
  • تأكيد نزول سورتي البقرة والنساء بالمدينة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة، وإني لجارية ألعب…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٧٦ - به قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ القاضِي (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ) بفتح الهاء والكاف، معناه: القُمَيْر، مصغَّر القمر (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (قَالَتْ: لَقَدْ أُنْزِلَ) بهمزة مضمومة، ولأبي ذرٍّ: «نَزَل» بإسقاطها وفتح (١) النون والزاي (عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ، وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ) حديثة السِّنِّ (أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]).

٤٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، هو: ابنُ شاهينَ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو: ابنُ عبد الله الطَّحان (عَنْ خَالِدٍ) هو: ابنُ مهران الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ -وَهْوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ-) سقطَ لفظ «له» لأبي ذرٍّ (أَنْشُدُكَ) أي: أطلبكَ (عَهْدَكَ) أي نحو: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] (وَوَعْدَكَ) في ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] (اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ) هلاكَ المؤمنين (لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَدًا) لأنَّه خاتم النَّبيين (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ) ﵊ (وَقَالَ: حَسْبُكَ) يكفيكَ مناشدتكَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ) في السُّؤال (وَهْوَ) ﵇ يثبُ (فِي الدِّرْعِ) يقوم (فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ) جملة حالية كالسَّابقة (﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾) بضم الياء مبنيًّا للمفعول، وقرئ: (سَتَهْزِمُ) -بالفوقية المفتوحة- خطابًا للرَّسول ﷺ (الجَمْعَ) (٢) نصب مفعول به، وأبو حيوة في رواية يعقوب: (سَنَهْزِمُ) بنون العظمة (الجَمْعَ) نصب أيضًا (﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]) ممَّا لحقهم يوم بدرٍ.

وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «باب تأليف القرآن»، من (١) «فضائل القرآن» [خ¦٣٩٩٣].

(((٥٥))) (سورة الرَّحْمَنِ) مكِّيَّة، أو مدنيَّة، أو متبعِّضة، وآيُها ستٌّ وسبعون.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبدُ بن حميدٍ في قولهِ تعالى: (﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]) أي: (كَحُسْبَانِ الرَّحَى) أي: يدورَان في مثل قطبِ الرَّحى، والحُسبان قد يكون مصدر حَسَبْتُه أَحْسُبُه (١) -بالضَّم- حَسْبًا وحِسَابًا (٢) وحُسْبانًا، مثل: الغُفران والكُفران والرُّجحان، أو جمع: حسابٍ؛ كشِهابٍ وشُهبان، أي: يجريان في منازلهما بحسابٍ لا يغادرانِ ذلك (٣).

(وَقَالَ غَيرُهُ) أي: غير مجاهد -وسقطَ من قوله: «وقال مجاهد … » إلى آخر قوله: «وقال غيره» لغير أبي ذرٍّ- (﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: ٩] يُرِيدُ: لِسَانَ المِيزَانِ) قاله أبو الدَّرداء. وعند ابنِ أبي حاتمٍ: رأى ابنُ عبَّاس رجلًا يزن قد أرجحَ، فقال: أقم اللِّسانَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩].

(وَ ﴿الْعَصْفِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ هو (بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ) الزَّرع (فَذَلِكَ العَصْفُ) والعربُ تقول: خرجنا نعصفُ الزَّرعَ؛ إذا قطعُوا منه قبل أن يدركَ (﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢] فِي كَلَامِ العَرَبِ الرِّزْقُ) وهو: مصدرٌ في الأصل أطلق على الرِّزِّق، وقال قتادة: الَّذي يشمُّ، أو كلُّ بقلةٍ طيِّبة الرِّيح سمِّيت ريحانًا؛ لأنَّ الإنسانَ يراحُ لها رائحةً طيِّبةً، أي: يشمُّ (٤) (﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ رِزْقُهُ، ﴿وَالْحَبُّ﴾ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ) أي: من الزَّرع (وَقَالَ

بَعْضُهُمْ: وَالعَصْفُ: يُرِيدُ المَأْكُولَ مِنَ الحَبِّ) وسقطتْ «واو» «والعصف» لأبي ذرٍّ (١) (﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: النَّضِيجُ) فعيل بمعنى المنضُوج (الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ)، قاله الفرَّاء وأبو عُبيدة (وَقَالَ غَيْرُهُ: العَصْفُ: وَرَقُ الحِنْطَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ) ممَّا وصلهُ ابنُ المنذرِ: (العَصْفُ التِّبْنُ) رزقًا للدَّوابِ (وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ) الغِفارِيُّ: قال أبو زرعةَ: لا يعرفُ اسمه، وقال غيره: اسمه غزوان -بمعجمتين- وهو كوفيٌّ تابعيٌّ (العَصْفُ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ، تُسَمِّيهِ النَّبَطُ) بفتح النون والموحدة وبالطاء المهملة، الفلَّاحون (هَبُورًا) بفتح الهاء وضم الموحدة مخفَّفة وبعد الواو الساكنة راء، دُِقاق الزَّرعِ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (العَصْفُ وَرَقُ الحِنْطَةِ. وَالرَّيْحَانُ الرِّزْقُ) والرَّيحان بوزن فعلان من ذوات الواو، أصله: رَوحانٌ من الرَّائحةِ، فأبدلت الواو ياء للفرق بينه وبين الرَّوحان، وهو كلُّ شيءٍ له روحٌ (٢).

(وَالمَارِجُ) في قولهِ تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] هو (اللَّهَبُ الأَصْفَرُ وَالأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ) وزاد غيره: والأحمر (٣)، وهذا مشاهدٌ في النَّارِ، ترى الألوان الثَّلاثة مختلطًا بعضها ببعض، والجانُّ اسم جنسٍ كالإنسانِ، أو أبو الجنِّ إبليسُ، وسقطَ «واو» والمارج، لأبي ذرٍّ (٤).

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ مُجَاهِدٍ) فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ لِلشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ مَشْرِقٌ، وَمَشْرِقٌ فِي الصَّيْفِ. ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] مَغْرِبُهَا فِي الشِّتَاءِ، و) مغربها في

(الصَّيْفِ) وقيل: مشرقا الشَّمس والقمر ومغربَاهما، وذكرُ غاية ارتفاعهمَا وغايةِ انحطاطِهما، إشارةً إلى أنَّ الطَّرفين يتناولان (١) ما بينهما، كقولك في وصفِ مَلِكٍ عظيمٍ له المشرقُ والمغرب، فيُفهم منه أنَّ له ما بينهُما، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠].

(﴿لَّا يَبْغِيَانِ﴾) في قولهِ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] أي: (لَا يَخْتَلِطَانِ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ، والبحران: قال ابن عبَّاس: بحرُ السَّماءِ وبحرُ الأرضِ. قال سعيد بنُ جبيرٍ: يلتقيان في كلِّ عامٍ، وقال قتادة: بحر فارسٍ والرُّوم، أو البحرُ المالح والأنهارُ العذبةُ، أو بحرُ المشرقِ والمغربِ، والبرزخ: الحاجِز. قال بعضُهم: الحاجزُ هو القدرةُ الإلهيَّةُ.

(﴿الْمُنشَآتُ﴾) [الرحمن: ٢٤] قال مجاهدٌ -فيما وصلهُ الفِريابيُّ-: هي (مَا رُفِعَ قِلَْعُهُ مِنَ السُّفُنِ) بكسر القاف وسكون اللام، ويجوز فتحها (فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قَلَْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَأَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «بمُنشآت (٢)» بالفوقيَّة المجرورةِ في الكتابة (٣) بدل المربوطة، وقرأ حمزةُ وأبو بكرٍ بكسر الشين، اسمُ فاعل، أي: تنشِئُ السَّيرَ إقبالًا وإدبارًا، أو اللَّاتي تُنشِئنَ الأمواجَ، أو الرَّافعات الشُّرُع (٤)، ونسبة الرَّفع إليها مجاز، والباقونَ بفتح الشين اسم مفعول، أي: أنشأها (٥) الله أو النَّاسُ أو رفعوا شراعها.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]) أي: (كَمَا يُصْنَعُ الفَخَّارُ) بضم الياء وفتح النون، مبنيًّا للمفعول، وذلك أنَّه أخذَ ترابَ الأرضِ فعجنهُ فصارَ طينًا، ثمَّ

انتقل فصارَ كالحمأ المسنونِ، ثمَّ يبسَ فصار صلصالًا كالفخَّار، ولا يخالفُ هذا قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ونحوه.

(الشُّوَاظُ) قال مجاهدٌ: (لَهَبٌ مِنْ نَارٍ) وقال غيره: الَّذي معه دُخان، وقيل: اللَّهبُ الأحمرُ، وقيل: الدُّخانُ الخارج من اللَّهب، وقول مجاهدٍ هذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] النُّحَاسُ) هو (الصُّفْرُ) يذابُ ثمَّ (يُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، يُعَذَّبُونَ بِهِ) ولأبي ذرٍّ: «فَيُعَذَّبون به (١)» وقيل: النُّحاسُ الدُّخانُ الَّذي لا لهبَ معه. قال الخليلُ: وهو معروفٌ في كلامِهم، وأنشد للأعشى:

يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ … لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيْهِ نُحَاسًا

وسقطَ قوله: «النُّحَاس» لغير أبي ذرٍّ.

(﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]) قال مجاهدٌ: هو الرَّجلُ (يَهُمُّ) بفتح الياء وضم الهاء (بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللهَ ﷿ فَيَتْرُكُهَا) من خوفهِ، و ﴿مَقَامَ﴾: مصدرٌ مضافٌ لفاعله، أي: قيامَ ربِّه عليهِ وحفظهِ لأعمالهِ، أو لمفعوله، أي: القيام بحقوقِ الله فلا يضيِّعها، أو المقام (٢) مكان، فالإضافة بأدنى ملابسة، لما كان النَّاسُ يقومون بين يدي الله للحسابِ؛ قيل فيه: مقام الله، والمعنى: خاف مقامَهُ بين يدَي ربِّه للحسابِ فتركَ المعصيةَ، فـ ﴿مَقَامَ﴾ (٣) مصدر بمعنى القيامِ، وثبتَ في «اليونينية» و «آل ملك» (٤) و «النَّاصرية» هنا ما سبق لأبي ذرٍّ، وهو قوله: «الشُّواظُ لهبٌ من نَارٍ» (٥).

(﴿ُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]) قال مجاهدٌ: (سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ) والادِّهامُ لغة: السَّوادُ وشدَّةُ الخضرةِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: خَضراوان.

(﴿صَلْصَالٍ﴾ [الرحمن: ١٤]) أي: (طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الفَخَّارُ) أي: صَوَّت (١) كما يصُوِّتُ الخزفُ إذا جفَّ وضربَ لقوتهِ (وَيُقَالُ: مُنْتِنٌ) بضم الميم وكسر التاء (يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ) اللَّحم يصِلُّ -بالكسر- صلولًا: أنتنَ (يُقَالُ: صَلْصَالٌ؛ كَمَا يُقَالُ: صَرَّ البَابُ عِنْدَ الإِغْلَاقِ وَصَرْصَرَ) يريد: أنَّ «صلصالَ» مضاعفٌ كصَرْصر (مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي: كَبَبْتُهُ) ومنه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء: ٩٤] أصله: كبُّوا، وفي هذا النوع -وهو ما تكرَّرت فاؤُهُ وعينُه- خلاف؛ فقيل: وزنهُ فعفع، كُررت الفاء والعين ولا لام للكلمة. قاله (٢) الفرَّاء وغيره، وغَلِط؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة فاء وعين ولام، وقيل: وزنه فعفلَ، وقيل: فعَّل بتشديد العين، وأصله: صلَّل (٣)، فلما اجتمعَ ثلاثة أمثالٍ أبدل الثَّاني من جنس فاء الكلمةِ، وهو مذهبٌ كوفيٌّ، وخصَّ بعضُهم هذا الخلاف بما إذا لم يختلَّ المعنى بسقوط الثَّالث؛ نحو: لملمَ وكبكبَ، فإنَّك تقول فيهما لمَّ وكبَّ، فلو لم يصحَّ المعنى بسقوطهِ كسمسم. قال: فلا خلافَ في أصالةِ الجميعِ، وقوله «﴿صَلْصَالٍ﴾ … » إلى آخره سقطَ لأبي ذرٍّ.

(﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقال» (بَعْضُهُمْ) قيل: هو الإمام أبو حنيفة وجماعة كالفرَّاء: (لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالفَاكِهَةِ) لأنَّ الشَّيء لا يعطفُ على نفسه إنَّما يُعطف على غيرهِ، لأنَّ العطف يقتضي المغايرةَ، فلو حلفَ لا يأكلُ فاكهةً فأكلَ رطبًا أو رمانًا لم (٤) يحنث (وَأَمَّا العَرَبُ؛ فَإِنَّهَا تَعُدُّهَا فَاكِهَةً) وإنَّما أعاد ذكرهما لفضلِهما على الفاكهةِ، فإنَّ

ثمرةَ النَّخلِ فاكهةٌ وغذاءٌ، وثمرةُ الرُّمَّانِ فاكهةٌ ودواءٌ، فهو من ذكر الخاص بعد العام تفضيلًا له (كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأَمَرَهُمْ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَعَادَ العَصْرَ تَشْدِيدًا لَهَا) أي: تأكيدًا لتعظيمها (كَمَا أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ) هنا (وَمِثْلُهَا) أي: مثل ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قوله (١) تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي أَوَّلِ) ولأبي ذرٍّ: «وقد ذكرَهم الله ﷿ في أوَّل» (قَوْلِهِ: ﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾).

والحاصلُ أنَّه من عطف الخاصِّ على العامِّ، واعترضَ بأنَّها (٢) نكرةٌ في سياق الإثباتِ، فلا عموم، وأُجيب بأنَّها نكرة في سياق الامتنانِ فتعمُّ، أو ليس المراد بالعام والخاص ما اصطلحَ عليه في الأصول، بل كلُّ ما كان الأوَّل فيه شاملًا للثَّاني. قال العلَّامة البدر الدَّماميني: متى اعتُبِرَ الشُّمول جاء (٣) الاستغراقُ، وهو الَّذي اصطلحَ عليه في الأصولِ، ولعلَّ المراد كل ما كان الأوَّل صادقًا على الثَّاني، سواء كان هنا استغراقٌ أو لم يكن، ثمَّ هنا فائدةٌ لا بأس بالتَّنبيه عليها وهي: أنَّ الشَّيخ أبا حيَّان نقل قولين في المعطوفاتِ إذا اجتمعت؛ هل كلُّها معطوفة (٤) على الأوَّل، أو كلُّ واحدٍ منها معطوف على ما قبله؟ فإن قلنا بالثَّاني؛ لم يكن عطف الرُّمَّان على النَّخل (٥) من باب عطفِ الخاصِّ على العامِّ، بل من عطفِ أحدِ المتباينين على الآخرِ، ومن هذه الفائدة يتَّجهُ لك المنازعة في قولهم: إنَّ قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ

وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] من (١) عطف الخاصِّ على العامِّ، وليس كذلك، فأمَّا إن قلنَا بالقولِ الأوَّل (٢) فجبريلُ معطوف على لفظ الجلالة، وإن قلنا بالثَّاني فهو معطوفٌ على رسلهِ، والظَّاهر أنَّ المراد بهم الرُّسل من بني آدمَ؛ لعطفهِم على الملائكةِ، فليسَ منه.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ، أو غير البعضِ المفسَّر بأبي حنيفةَ ﵀: (﴿أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]) أي: (أَغْصَانٍ) تتشعَّبُ من فرعِ (٣) الشَّجرةِ، وقال النَّابغة:

بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيْلًا (٤) … مُفجَّعَةٍ عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي

وتخصيصها بالذِّكر لأنَّها الَّتي (٥) … تورِقُ وتثمِرُ وتمدُّ الظِّلَّ

(﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]) أي: (مَا يُجْتَنَى) من ثمر شجرِهما (قَرِيبٌ) تدنُو الشَّجرةُ حتَّى يجتنيَها وليُّ الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وقوله: «وقال غيرُه .. » إلى هنا ساقط لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ -فيما وصلهُ الطَّبريُّ-: (﴿فَبِأَيِّ آلَاء﴾) أي: (نِعَمِهِ) جمع: الأُلى؛ وهي النِّعمة.

(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يَعْنِي: الجِنَّ وَالإِنْسَ) كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] وقوله: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وذكرت آية: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء (٦)﴾ إحدى وثلاثين مرَّة، والاستفهام فيها للتَّقرير؛ لما روى الحاكم عن جابرٍ قال: قرأَ

علينا رسولُ الله ﷺ سورةَ الرَّحمنِ حتَّى ختمَها، ثمَّ قال: «مَا لي أَراكُم سُكُوتًا؟ لَلْجنُّ كانُوا أحسنَ منكُم ردًّا، ما قرأْتُ عليهِم هذِه الآيةَ مِن مرَّةٍ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلَّا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمكَ ربَّنا نكذِّب، فلَكَ الحمدُ»، وقيل: المرادُ بالآلاءِ القدرةُ، وقال محمد بنُ عليٍّ التِّرمذيُّ: هذه السُّورة من بين السُّور عَلَمُ القرآنِ؛ لأنَّها سورةُ صفةِ المُلْكِ والقدرة؛ لافتتاحِها باسمهِ (١) الرَّحمن؛ ليُعلم أنَّ جميعَ ما يصفُه بعد من أفعالهِ وملكهِ وقدرتهِ خرجَ إليهم من الرَّحمةِ، ثمَّ ذكرَ الإنسانَ وما منَّ عليهِ به، ثمَّ (٢) حسبانَ الشَّمسِ والقمرِ، وسجودَ الأشياءِ ممَّا نجمَ وشجرَ، ورفعَ السَّماءِ، ووضعَ الميزانِ، والأرضِ للأنام، وخاطبَ الثَّقلين فقال سائلًا لهما (٣): ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: بأيِّ قدرةِ ربِّكما تكذِّبان؟ وإنَّما كانَ تكذيبُهم أنَّهم جعلوا له في (٤) هذه الأشياءِ الَّتي خرجَتْ من قدرتهِ وملكهِ شريكًا يملكُ معه ويقدرُ معه تعالى اللهُ، وقال القُتَيْبيُّ: إنَّ الله تعالى عدَّد في هذه السُّورة نعماءهُ، وذكرَ خلقهُ وآلاءهُ، ثمَّ أتبعَ كلَّ خلَّةٍ وضعَها، وكلَّ نعمةٍ بهذهِ الآيةِ، وجعلَها فاصلةً بين كلِّ نعمتينِ، لينبِّههم على النِّعم ويقرِّرهم بها، وقال الحسين بن الفضلِ: التَّكريرُ طردٌ للغفلةِ، وتأكيدٌ للحجَّةِ. وسقطَ قوله: «﴿تُكَذِّبَانِ﴾» لغير أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن مالك ﵁، ممَّا وصلهُ ابن حبَّان في «صحيحه»، وابنُ ماجه في «سننه» مرفوعًا في قولهِ تعالى: (﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] يَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ قَوْمًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ) وأخرجه البيهقيُّ في «الشعب» موقوفًا، وللمرفوعِ شاهدٌ عن ابن عمرَ أخرجه البزَّار، وقيل: يخرجُ كلَّ يومٍ عساكرَ: عسكرًا من الأصلابِ إلى الأرحامِ، وآخرَ من الأرحامِ إلى الأرضِ، وآخرَ من الأرضِ إلى القبورِ، ويقبضُ ويبسطُ، ويشفِي سَقيمًا ويسقمُ سَليمًا، ويبتلِي معافىً ويُعافِي مُبتلىً، ويعزُّ ذليلًا ويذلُّ عزيزًا. فإن قلتَ: قد صحَّ أنَّ القلمَ جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامةِ؟ فالجواب: أنَّ ذلك شؤونٌ يبديها، لا شؤونٌ يبتدِيها.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]) أي: (حَاجِزٌ) من قدرةِ الله.

(الأَنَامُ): هم (الخَلْقُ) ونقله النَّوويُّ في «التهذيب» عن (١) الزُّبيديِّ (٢)، وقيل: الحيوانُ (٣)، وقيل: بنو آدمَ خاصَّة، وقيل: الثَّقلانِ.

(﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]) أي: (فَيَّاضَتَانِ) بالخيرِ والبركةِ، وقيل: بالماءِ، وقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ أيضًا: ينضخُ على أولياءِ الله بالمسكِ والعنبرِ والكافُورِ في دور أهل الجنَّة، كما ينضخُ رشُّ المطرِ. وقال سعيد بنُ جبيرٍ: بأنواعِ الفَواكهِ والماءِ، وسقطَ من قوله: «وقال ابن عبَّاس … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.

(﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]) أي: (ذُو العَظَمَةِ) و «ذو» الثَّاني سقطَ لأبي ذرٍّ (٤).

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاس: (﴿مَّارِجٍ﴾) أي: (خَالِصٌ مِنَ النَّارِ) من غير دُخان. قال في «الأنوار» في قولهِ: ﴿مِن مَّارِجٍ﴾ من صافٍ من دخانٍ ﴿مِّن نَّارٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَّارِجٍ﴾ (يُقَالُ: مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ؛ إِذَا خَلَّاهُمْ) بتشديد اللَّام، أي: تركهم (يَعْدُو) بالعين المهملة (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: يظلمُ بعضُهم بعضًا، ومنه: (مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ: اخْتَلَطَ) واضطربَ، ولأبي ذرٍّ: «ويقال (٥): مرجَ أمرُ النَّاسِ» ومرَج: بفتح الراء في الفرعِ، وضبطها العينيُّ بالكسر.

(﴿مَّرِيجٍ﴾) من قوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] أي: (مُلْتَبِسٌ) وسقطَت هذه لأبي ذرٍّ.

(﴿مَرَجَ﴾) [الرحمن: ١٩] أي: (اخْتَلَطَ البَحْرَانِ) ولأبي ذرٍّ: «البَحرين» بالياء بدل ألف الرَّفع (مِنْ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ) إذا (٦) (تَرَكْتَهَا) ترعى، وسقطَ لأبي ذرٍّ «من» (٧).

(﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١]) أي: (سَنُحَاسِبُكُمْ) فهو مجازٌ عن الحسابِ، وإلَّا فالله تعالى (لَا يَشْغَلُهُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق عَن وَكِيع عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي إِلَى آخِره.

وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث من سِتَّة طرق كَمَا رَأَيْت. الأول: مترجم بقوله: {تجْرِي بأعيننا} (الْقَمَر: ٤١) إِلَى آخِره، وَالْبَاقِي وَهُوَ الْخَمْسَة بِخمْس تراجم أَيْضا على رَأس كل تَرْجَمَة لفظ: بَاب، وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ بَاب، أصلا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا معنى تكْرَار هَذَا الحَدِيث فِي هَذِه التراجم السِّتَّة؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَينهَا؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ غَرَضه أَن الْمَذْكُور فِي هَذِه السُّورَة الَّذِي هُوَ فِي الْمَوَاضِع السِّتَّة كُله بِالْمُهْمَلَةِ. انْتهى. قلت: مدَار هَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ على أبي إِسْحَاق عَن الْأسود بن يزِيد، وَأما فَائِدَة قَوْله: {فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مذر} (الْقَمَر: ٩٣، ٠٤) أَن يجددوا عِنْد اسْتِمَاع كل نبأ من الأنباء الَّتِي أَتَت من الْأُمَم السالفة إدكارا واتعاظا. وينتبهوا إِذا سمع الْحَث على ذَلِك.

٦ - (بابٌ قَوْلِهِ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (الْقَمَر: ٥٤)

هَذَا وَمَا قبله فِي تخويف أهل مَكَّة كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن جَمِيع منتصر، يَعْنِي: جمَاعَة أمرنَا مُجْتَمع منتصر مُمْتَنع لَا يرام وَلَا يضام. فَصدق الله وعده وَهَزَمَهُمْ يَوْم بدر. وَعَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما نزل {سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} كنت لَا أَدْرِي أَي جمع يهْزم، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يثب فِي درعه وَيَقُول: {سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} أَي: سَيهْزمُ كفار مَكَّة وَيُوَلُّونَ الأدبار، إِنَّمَا قَالَ: الدبر بِالْإِفْرَادِ وَالْمرَاد الْجمع لأجل رِعَايَة الفواصل.

٥٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ حدَّثنا عَبْدِ الوَهَّابَ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ عِكْرَمَةِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ.

وحدَّثني مُحَمَّدٌ أخْبرنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبٍ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ تَشَاءُ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله ألحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدَّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: عَن مُحَمَّد. قَالَ الغساني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن عَفَّان بتَشْديد الْفَاء ابْن مُسلم الصفار الْبَصْرِيّ عَن وهيب مصغر وهب بن خَالِد الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة. وَقَالَ الجباني. قَوْله: (وحَدثني مُحَمَّد أخبرنَا عَفَّان) كَذَا فِي روايتنا عَن الْأصيلِيّ غير مَنْسُوب، وَكَذَا عِنْد أبي ذَر وَأبي نصر، قَالَ: وَسقط من نُسْخَة ابْن السكن ذكر مُحَمَّد هَذَا، وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا عَفَّان عَن وهيب، وَهَذَا من مرسلات ابْن عَبَّاس لِأَنَّهُ لم يحضر الْقِصَّة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجِهَاد، فِي: بَاب مَا قيل فِي درع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة بدر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم} الْآيَة.

قَوْله: (أنْشدك) ، بِضَم الشين أَي: أطلبك الْعَهْد هُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين أَنهم لَهُم المنصورون} (الصافات: ١٧١) والوعد هُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} ، قَوْله: (إِن نَشأ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، نَحْو: هَلَاك الْمُؤمنِينَ أَو قَوْله: لَا تعبد فِي حكم الْمَفْعُول وَالْجَزَاء هُوَ الْمَحْذُوف. قَوْله: (ألححت عَلَيْهِ) ، أَي: بالغت.

٧ - (بابٌ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأَمْرُّ} (الْقَمَر: ٦٤) يَعْنِي مِنْ المَرَارَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {بل السَّاعَة موعدهم} أَي: موعد عَذَابهمْ. قَوْله: (والساعة) ، أَي: عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة. أدهى أَي: أَشد وأفظع، والداهية الْأَمر الْمُنكر الَّذِي لَا يهتدى لدوائه. قَوْله: (وَأمر) ، أَي: أعظم بلية وَأَشد مرَارَة من الْهَزِيمَة وَالْقَتْل والأسر يَوْم بدر.

٦٧٨٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى احدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٧٦ - به قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ القاضِي (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ) بفتح الهاء والكاف، معناه: القُمَيْر، مصغَّر القمر (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (قَالَتْ: لَقَدْ أُنْزِلَ) بهمزة مضمومة، ولأبي ذرٍّ: «نَزَل» بإسقاطها وفتح (١) النون والزاي (عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ، وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ) حديثة السِّنِّ (أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]).

٤٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، هو: ابنُ شاهينَ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو: ابنُ عبد الله الطَّحان (عَنْ خَالِدٍ) هو: ابنُ مهران الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ -وَهْوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ-) سقطَ لفظ «له» لأبي ذرٍّ (أَنْشُدُكَ) أي: أطلبكَ (عَهْدَكَ) أي نحو: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] (وَوَعْدَكَ) في ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] (اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ) هلاكَ المؤمنين (لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَدًا) لأنَّه خاتم النَّبيين (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ) ﵊ (وَقَالَ: حَسْبُكَ) يكفيكَ مناشدتكَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ) في السُّؤال (وَهْوَ) ﵇ يثبُ (فِي الدِّرْعِ) يقوم (فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ) جملة حالية كالسَّابقة (﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾) بضم الياء مبنيًّا للمفعول، وقرئ: (سَتَهْزِمُ) -بالفوقية المفتوحة- خطابًا للرَّسول ﷺ (الجَمْعَ) (٢) نصب مفعول به، وأبو حيوة في رواية يعقوب: (سَنَهْزِمُ) بنون العظمة (الجَمْعَ) نصب أيضًا (﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]) ممَّا لحقهم يوم بدرٍ.

وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «باب تأليف القرآن»، من (١) «فضائل القرآن» [خ¦٣٩٩٣].

(((٥٥))) (سورة الرَّحْمَنِ) مكِّيَّة، أو مدنيَّة، أو متبعِّضة، وآيُها ستٌّ وسبعون.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبدُ بن حميدٍ في قولهِ تعالى: (﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]) أي: (كَحُسْبَانِ الرَّحَى) أي: يدورَان في مثل قطبِ الرَّحى، والحُسبان قد يكون مصدر حَسَبْتُه أَحْسُبُه (١) -بالضَّم- حَسْبًا وحِسَابًا (٢) وحُسْبانًا، مثل: الغُفران والكُفران والرُّجحان، أو جمع: حسابٍ؛ كشِهابٍ وشُهبان، أي: يجريان في منازلهما بحسابٍ لا يغادرانِ ذلك (٣).

(وَقَالَ غَيرُهُ) أي: غير مجاهد -وسقطَ من قوله: «وقال مجاهد … » إلى آخر قوله: «وقال غيره» لغير أبي ذرٍّ- (﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: ٩] يُرِيدُ: لِسَانَ المِيزَانِ) قاله أبو الدَّرداء. وعند ابنِ أبي حاتمٍ: رأى ابنُ عبَّاس رجلًا يزن قد أرجحَ، فقال: أقم اللِّسانَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩].

(وَ ﴿الْعَصْفِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ هو (بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ) الزَّرع (فَذَلِكَ العَصْفُ) والعربُ تقول: خرجنا نعصفُ الزَّرعَ؛ إذا قطعُوا منه قبل أن يدركَ (﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢] فِي كَلَامِ العَرَبِ الرِّزْقُ) وهو: مصدرٌ في الأصل أطلق على الرِّزِّق، وقال قتادة: الَّذي يشمُّ، أو كلُّ بقلةٍ طيِّبة الرِّيح سمِّيت ريحانًا؛ لأنَّ الإنسانَ يراحُ لها رائحةً طيِّبةً، أي: يشمُّ (٤) (﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ رِزْقُهُ، ﴿وَالْحَبُّ﴾ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ) أي: من الزَّرع (وَقَالَ

بَعْضُهُمْ: وَالعَصْفُ: يُرِيدُ المَأْكُولَ مِنَ الحَبِّ) وسقطتْ «واو» «والعصف» لأبي ذرٍّ (١) (﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: النَّضِيجُ) فعيل بمعنى المنضُوج (الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ)، قاله الفرَّاء وأبو عُبيدة (وَقَالَ غَيْرُهُ: العَصْفُ: وَرَقُ الحِنْطَةِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ) ممَّا وصلهُ ابنُ المنذرِ: (العَصْفُ التِّبْنُ) رزقًا للدَّوابِ (وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ) الغِفارِيُّ: قال أبو زرعةَ: لا يعرفُ اسمه، وقال غيره: اسمه غزوان -بمعجمتين- وهو كوفيٌّ تابعيٌّ (العَصْفُ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ، تُسَمِّيهِ النَّبَطُ) بفتح النون والموحدة وبالطاء المهملة، الفلَّاحون (هَبُورًا) بفتح الهاء وضم الموحدة مخفَّفة وبعد الواو الساكنة راء، دُِقاق الزَّرعِ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (العَصْفُ وَرَقُ الحِنْطَةِ. وَالرَّيْحَانُ الرِّزْقُ) والرَّيحان بوزن فعلان من ذوات الواو، أصله: رَوحانٌ من الرَّائحةِ، فأبدلت الواو ياء للفرق بينه وبين الرَّوحان، وهو كلُّ شيءٍ له روحٌ (٢).

(وَالمَارِجُ) في قولهِ تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] هو (اللَّهَبُ الأَصْفَرُ وَالأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ) وزاد غيره: والأحمر (٣)، وهذا مشاهدٌ في النَّارِ، ترى الألوان الثَّلاثة مختلطًا بعضها ببعض، والجانُّ اسم جنسٍ كالإنسانِ، أو أبو الجنِّ إبليسُ، وسقطَ «واو» والمارج، لأبي ذرٍّ (٤).

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ مُجَاهِدٍ) فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ لِلشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ مَشْرِقٌ، وَمَشْرِقٌ فِي الصَّيْفِ. ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] مَغْرِبُهَا فِي الشِّتَاءِ، و) مغربها في

(الصَّيْفِ) وقيل: مشرقا الشَّمس والقمر ومغربَاهما، وذكرُ غاية ارتفاعهمَا وغايةِ انحطاطِهما، إشارةً إلى أنَّ الطَّرفين يتناولان (١) ما بينهما، كقولك في وصفِ مَلِكٍ عظيمٍ له المشرقُ والمغرب، فيُفهم منه أنَّ له ما بينهُما، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠].

(﴿لَّا يَبْغِيَانِ﴾) في قولهِ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] أي: (لَا يَخْتَلِطَانِ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ، والبحران: قال ابن عبَّاس: بحرُ السَّماءِ وبحرُ الأرضِ. قال سعيد بنُ جبيرٍ: يلتقيان في كلِّ عامٍ، وقال قتادة: بحر فارسٍ والرُّوم، أو البحرُ المالح والأنهارُ العذبةُ، أو بحرُ المشرقِ والمغربِ، والبرزخ: الحاجِز. قال بعضُهم: الحاجزُ هو القدرةُ الإلهيَّةُ.

(﴿الْمُنشَآتُ﴾) [الرحمن: ٢٤] قال مجاهدٌ -فيما وصلهُ الفِريابيُّ-: هي (مَا رُفِعَ قِلَْعُهُ مِنَ السُّفُنِ) بكسر القاف وسكون اللام، ويجوز فتحها (فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قَلَْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَأَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «بمُنشآت (٢)» بالفوقيَّة المجرورةِ في الكتابة (٣) بدل المربوطة، وقرأ حمزةُ وأبو بكرٍ بكسر الشين، اسمُ فاعل، أي: تنشِئُ السَّيرَ إقبالًا وإدبارًا، أو اللَّاتي تُنشِئنَ الأمواجَ، أو الرَّافعات الشُّرُع (٤)، ونسبة الرَّفع إليها مجاز، والباقونَ بفتح الشين اسم مفعول، أي: أنشأها (٥) الله أو النَّاسُ أو رفعوا شراعها.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]) أي: (كَمَا يُصْنَعُ الفَخَّارُ) بضم الياء وفتح النون، مبنيًّا للمفعول، وذلك أنَّه أخذَ ترابَ الأرضِ فعجنهُ فصارَ طينًا، ثمَّ

انتقل فصارَ كالحمأ المسنونِ، ثمَّ يبسَ فصار صلصالًا كالفخَّار، ولا يخالفُ هذا قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ونحوه.

(الشُّوَاظُ) قال مجاهدٌ: (لَهَبٌ مِنْ نَارٍ) وقال غيره: الَّذي معه دُخان، وقيل: اللَّهبُ الأحمرُ، وقيل: الدُّخانُ الخارج من اللَّهب، وقول مجاهدٍ هذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] النُّحَاسُ) هو (الصُّفْرُ) يذابُ ثمَّ (يُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، يُعَذَّبُونَ بِهِ) ولأبي ذرٍّ: «فَيُعَذَّبون به (١)» وقيل: النُّحاسُ الدُّخانُ الَّذي لا لهبَ معه. قال الخليلُ: وهو معروفٌ في كلامِهم، وأنشد للأعشى:

يُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ … لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيْهِ نُحَاسًا

وسقطَ قوله: «النُّحَاس» لغير أبي ذرٍّ.

(﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]) قال مجاهدٌ: هو الرَّجلُ (يَهُمُّ) بفتح الياء وضم الهاء (بِالمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللهَ ﷿ فَيَتْرُكُهَا) من خوفهِ، و ﴿مَقَامَ﴾: مصدرٌ مضافٌ لفاعله، أي: قيامَ ربِّه عليهِ وحفظهِ لأعمالهِ، أو لمفعوله، أي: القيام بحقوقِ الله فلا يضيِّعها، أو المقام (٢) مكان، فالإضافة بأدنى ملابسة، لما كان النَّاسُ يقومون بين يدي الله للحسابِ؛ قيل فيه: مقام الله، والمعنى: خاف مقامَهُ بين يدَي ربِّه للحسابِ فتركَ المعصيةَ، فـ ﴿مَقَامَ﴾ (٣) مصدر بمعنى القيامِ، وثبتَ في «اليونينية» و «آل ملك» (٤) و «النَّاصرية» هنا ما سبق لأبي ذرٍّ، وهو قوله: «الشُّواظُ لهبٌ من نَارٍ» (٥).

(﴿ُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]) قال مجاهدٌ: (سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ) والادِّهامُ لغة: السَّوادُ وشدَّةُ الخضرةِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: خَضراوان.

(﴿صَلْصَالٍ﴾ [الرحمن: ١٤]) أي: (طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الفَخَّارُ) أي: صَوَّت (١) كما يصُوِّتُ الخزفُ إذا جفَّ وضربَ لقوتهِ (وَيُقَالُ: مُنْتِنٌ) بضم الميم وكسر التاء (يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ) اللَّحم يصِلُّ -بالكسر- صلولًا: أنتنَ (يُقَالُ: صَلْصَالٌ؛ كَمَا يُقَالُ: صَرَّ البَابُ عِنْدَ الإِغْلَاقِ وَصَرْصَرَ) يريد: أنَّ «صلصالَ» مضاعفٌ كصَرْصر (مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي: كَبَبْتُهُ) ومنه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ [الشعراء: ٩٤] أصله: كبُّوا، وفي هذا النوع -وهو ما تكرَّرت فاؤُهُ وعينُه- خلاف؛ فقيل: وزنهُ فعفع، كُررت الفاء والعين ولا لام للكلمة. قاله (٢) الفرَّاء وغيره، وغَلِط؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة فاء وعين ولام، وقيل: وزنه فعفلَ، وقيل: فعَّل بتشديد العين، وأصله: صلَّل (٣)، فلما اجتمعَ ثلاثة أمثالٍ أبدل الثَّاني من جنس فاء الكلمةِ، وهو مذهبٌ كوفيٌّ، وخصَّ بعضُهم هذا الخلاف بما إذا لم يختلَّ المعنى بسقوط الثَّالث؛ نحو: لملمَ وكبكبَ، فإنَّك تقول فيهما لمَّ وكبَّ، فلو لم يصحَّ المعنى بسقوطهِ كسمسم. قال: فلا خلافَ في أصالةِ الجميعِ، وقوله «﴿صَلْصَالٍ﴾ … » إلى آخره سقطَ لأبي ذرٍّ.

(﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] قَالَ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقال» (بَعْضُهُمْ) قيل: هو الإمام أبو حنيفة وجماعة كالفرَّاء: (لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالفَاكِهَةِ) لأنَّ الشَّيء لا يعطفُ على نفسه إنَّما يُعطف على غيرهِ، لأنَّ العطف يقتضي المغايرةَ، فلو حلفَ لا يأكلُ فاكهةً فأكلَ رطبًا أو رمانًا لم (٤) يحنث (وَأَمَّا العَرَبُ؛ فَإِنَّهَا تَعُدُّهَا فَاكِهَةً) وإنَّما أعاد ذكرهما لفضلِهما على الفاكهةِ، فإنَّ

ثمرةَ النَّخلِ فاكهةٌ وغذاءٌ، وثمرةُ الرُّمَّانِ فاكهةٌ ودواءٌ، فهو من ذكر الخاص بعد العام تفضيلًا له (كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأَمَرَهُمْ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَعَادَ العَصْرَ تَشْدِيدًا لَهَا) أي: تأكيدًا لتعظيمها (كَمَا أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ) هنا (وَمِثْلُهَا) أي: مثل ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قوله (١) تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] وَقَدْ ذَكَرَهُمْ فِي أَوَّلِ) ولأبي ذرٍّ: «وقد ذكرَهم الله ﷿ في أوَّل» (قَوْلِهِ: ﴿مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾).

والحاصلُ أنَّه من عطف الخاصِّ على العامِّ، واعترضَ بأنَّها (٢) نكرةٌ في سياق الإثباتِ، فلا عموم، وأُجيب بأنَّها نكرة في سياق الامتنانِ فتعمُّ، أو ليس المراد بالعام والخاص ما اصطلحَ عليه في الأصول، بل كلُّ ما كان الأوَّل فيه شاملًا للثَّاني. قال العلَّامة البدر الدَّماميني: متى اعتُبِرَ الشُّمول جاء (٣) الاستغراقُ، وهو الَّذي اصطلحَ عليه في الأصولِ، ولعلَّ المراد كل ما كان الأوَّل صادقًا على الثَّاني، سواء كان هنا استغراقٌ أو لم يكن، ثمَّ هنا فائدةٌ لا بأس بالتَّنبيه عليها وهي: أنَّ الشَّيخ أبا حيَّان نقل قولين في المعطوفاتِ إذا اجتمعت؛ هل كلُّها معطوفة (٤) على الأوَّل، أو كلُّ واحدٍ منها معطوف على ما قبله؟ فإن قلنا بالثَّاني؛ لم يكن عطف الرُّمَّان على النَّخل (٥) من باب عطفِ الخاصِّ على العامِّ، بل من عطفِ أحدِ المتباينين على الآخرِ، ومن هذه الفائدة يتَّجهُ لك المنازعة في قولهم: إنَّ قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ

وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] من (١) عطف الخاصِّ على العامِّ، وليس كذلك، فأمَّا إن قلنَا بالقولِ الأوَّل (٢) فجبريلُ معطوف على لفظ الجلالة، وإن قلنا بالثَّاني فهو معطوفٌ على رسلهِ، والظَّاهر أنَّ المراد بهم الرُّسل من بني آدمَ؛ لعطفهِم على الملائكةِ، فليسَ منه.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ، أو غير البعضِ المفسَّر بأبي حنيفةَ ﵀: (﴿أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]) أي: (أَغْصَانٍ) تتشعَّبُ من فرعِ (٣) الشَّجرةِ، وقال النَّابغة:

بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيْلًا (٤) … مُفجَّعَةٍ عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي

وتخصيصها بالذِّكر لأنَّها الَّتي (٥) … تورِقُ وتثمِرُ وتمدُّ الظِّلَّ

(﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]) أي: (مَا يُجْتَنَى) من ثمر شجرِهما (قَرِيبٌ) تدنُو الشَّجرةُ حتَّى يجتنيَها وليُّ الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وقوله: «وقال غيرُه .. » إلى هنا ساقط لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ -فيما وصلهُ الطَّبريُّ-: (﴿فَبِأَيِّ آلَاء﴾) أي: (نِعَمِهِ) جمع: الأُلى؛ وهي النِّعمة.

(وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يَعْنِي: الجِنَّ وَالإِنْسَ) كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] وقوله: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وذكرت آية: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء (٦)﴾ إحدى وثلاثين مرَّة، والاستفهام فيها للتَّقرير؛ لما روى الحاكم عن جابرٍ قال: قرأَ

علينا رسولُ الله ﷺ سورةَ الرَّحمنِ حتَّى ختمَها، ثمَّ قال: «مَا لي أَراكُم سُكُوتًا؟ لَلْجنُّ كانُوا أحسنَ منكُم ردًّا، ما قرأْتُ عليهِم هذِه الآيةَ مِن مرَّةٍ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلَّا قالوا: ولا بشيءٍ من نعمكَ ربَّنا نكذِّب، فلَكَ الحمدُ»، وقيل: المرادُ بالآلاءِ القدرةُ، وقال محمد بنُ عليٍّ التِّرمذيُّ: هذه السُّورة من بين السُّور عَلَمُ القرآنِ؛ لأنَّها سورةُ صفةِ المُلْكِ والقدرة؛ لافتتاحِها باسمهِ (١) الرَّحمن؛ ليُعلم أنَّ جميعَ ما يصفُه بعد من أفعالهِ وملكهِ وقدرتهِ خرجَ إليهم من الرَّحمةِ، ثمَّ ذكرَ الإنسانَ وما منَّ عليهِ به، ثمَّ (٢) حسبانَ الشَّمسِ والقمرِ، وسجودَ الأشياءِ ممَّا نجمَ وشجرَ، ورفعَ السَّماءِ، ووضعَ الميزانِ، والأرضِ للأنام، وخاطبَ الثَّقلين فقال سائلًا لهما (٣): ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: بأيِّ قدرةِ ربِّكما تكذِّبان؟ وإنَّما كانَ تكذيبُهم أنَّهم جعلوا له في (٤) هذه الأشياءِ الَّتي خرجَتْ من قدرتهِ وملكهِ شريكًا يملكُ معه ويقدرُ معه تعالى اللهُ، وقال القُتَيْبيُّ: إنَّ الله تعالى عدَّد في هذه السُّورة نعماءهُ، وذكرَ خلقهُ وآلاءهُ، ثمَّ أتبعَ كلَّ خلَّةٍ وضعَها، وكلَّ نعمةٍ بهذهِ الآيةِ، وجعلَها فاصلةً بين كلِّ نعمتينِ، لينبِّههم على النِّعم ويقرِّرهم بها، وقال الحسين بن الفضلِ: التَّكريرُ طردٌ للغفلةِ، وتأكيدٌ للحجَّةِ. وسقطَ قوله: «﴿تُكَذِّبَانِ﴾» لغير أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن مالك ﵁، ممَّا وصلهُ ابن حبَّان في «صحيحه»، وابنُ ماجه في «سننه» مرفوعًا في قولهِ تعالى: (﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] يَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ قَوْمًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ) وأخرجه البيهقيُّ في «الشعب» موقوفًا، وللمرفوعِ شاهدٌ عن ابن عمرَ أخرجه البزَّار، وقيل: يخرجُ كلَّ يومٍ عساكرَ: عسكرًا من الأصلابِ إلى الأرحامِ، وآخرَ من الأرحامِ إلى الأرضِ، وآخرَ من الأرضِ إلى القبورِ، ويقبضُ ويبسطُ، ويشفِي سَقيمًا ويسقمُ سَليمًا، ويبتلِي معافىً ويُعافِي مُبتلىً، ويعزُّ ذليلًا ويذلُّ عزيزًا. فإن قلتَ: قد صحَّ أنَّ القلمَ جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامةِ؟ فالجواب: أنَّ ذلك شؤونٌ يبديها، لا شؤونٌ يبتدِيها.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قولهِ تعالى: (﴿بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠]) أي: (حَاجِزٌ) من قدرةِ الله.

(الأَنَامُ): هم (الخَلْقُ) ونقله النَّوويُّ في «التهذيب» عن (١) الزُّبيديِّ (٢)، وقيل: الحيوانُ (٣)، وقيل: بنو آدمَ خاصَّة، وقيل: الثَّقلانِ.

(﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]) أي: (فَيَّاضَتَانِ) بالخيرِ والبركةِ، وقيل: بالماءِ، وقال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ أيضًا: ينضخُ على أولياءِ الله بالمسكِ والعنبرِ والكافُورِ في دور أهل الجنَّة، كما ينضخُ رشُّ المطرِ. وقال سعيد بنُ جبيرٍ: بأنواعِ الفَواكهِ والماءِ، وسقطَ من قوله: «وقال ابن عبَّاس … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.

(﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]) أي: (ذُو العَظَمَةِ) و «ذو» الثَّاني سقطَ لأبي ذرٍّ (٤).

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاس: (﴿مَّارِجٍ﴾) أي: (خَالِصٌ مِنَ النَّارِ) من غير دُخان. قال في «الأنوار» في قولهِ: ﴿مِن مَّارِجٍ﴾ من صافٍ من دخانٍ ﴿مِّن نَّارٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَّارِجٍ﴾ (يُقَالُ: مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ؛ إِذَا خَلَّاهُمْ) بتشديد اللَّام، أي: تركهم (يَعْدُو) بالعين المهملة (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: يظلمُ بعضُهم بعضًا، ومنه: (مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ: اخْتَلَطَ) واضطربَ، ولأبي ذرٍّ: «ويقال (٥): مرجَ أمرُ النَّاسِ» ومرَج: بفتح الراء في الفرعِ، وضبطها العينيُّ بالكسر.

(﴿مَّرِيجٍ﴾) من قوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: ٥] أي: (مُلْتَبِسٌ) وسقطَت هذه لأبي ذرٍّ.

(﴿مَرَجَ﴾) [الرحمن: ١٩] أي: (اخْتَلَطَ البَحْرَانِ) ولأبي ذرٍّ: «البَحرين» بالياء بدل ألف الرَّفع (مِنْ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ) إذا (٦) (تَرَكْتَهَا) ترعى، وسقطَ لأبي ذرٍّ «من» (٧).

(﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١]) أي: (سَنُحَاسِبُكُمْ) فهو مجازٌ عن الحسابِ، وإلَّا فالله تعالى (لَا يَشْغَلُهُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق عَن وَكِيع عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي إِلَى آخِره.

وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ روى هَذَا الحَدِيث من سِتَّة طرق كَمَا رَأَيْت. الأول: مترجم بقوله: {تجْرِي بأعيننا} (الْقَمَر: ٤١) إِلَى آخِره، وَالْبَاقِي وَهُوَ الْخَمْسَة بِخمْس تراجم أَيْضا على رَأس كل تَرْجَمَة لفظ: بَاب، وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ بَاب، أصلا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا معنى تكْرَار هَذَا الحَدِيث فِي هَذِه التراجم السِّتَّة؟ وَمَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَينهَا؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ غَرَضه أَن الْمَذْكُور فِي هَذِه السُّورَة الَّذِي هُوَ فِي الْمَوَاضِع السِّتَّة كُله بِالْمُهْمَلَةِ. انْتهى. قلت: مدَار هَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ على أبي إِسْحَاق عَن الْأسود بن يزِيد، وَأما فَائِدَة قَوْله: {فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مذر} (الْقَمَر: ٩٣، ٠٤) أَن يجددوا عِنْد اسْتِمَاع كل نبأ من الأنباء الَّتِي أَتَت من الْأُمَم السالفة إدكارا واتعاظا. وينتبهوا إِذا سمع الْحَث على ذَلِك.

٦ - (بابٌ قَوْلِهِ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (الْقَمَر: ٥٤)

هَذَا وَمَا قبله فِي تخويف أهل مَكَّة كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن جَمِيع منتصر، يَعْنِي: جمَاعَة أمرنَا مُجْتَمع منتصر مُمْتَنع لَا يرام وَلَا يضام. فَصدق الله وعده وَهَزَمَهُمْ يَوْم بدر. وَعَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما نزل {سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} كنت لَا أَدْرِي أَي جمع يهْزم، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يثب فِي درعه وَيَقُول: {سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} أَي: سَيهْزمُ كفار مَكَّة وَيُوَلُّونَ الأدبار، إِنَّمَا قَالَ: الدبر بِالْإِفْرَادِ وَالْمرَاد الْجمع لأجل رِعَايَة الفواصل.

٥٧٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ حدَّثنا عَبْدِ الوَهَّابَ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ عِكْرَمَةِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ.

وحدَّثني مُحَمَّدٌ أخْبرنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبٍ حدَّثنا خَالِدٌ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ تَشَاءُ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله ألحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدَّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد عَن خَالِد الْحذاء عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: عَن مُحَمَّد. قَالَ الغساني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن عَفَّان بتَشْديد الْفَاء ابْن مُسلم الصفار الْبَصْرِيّ عَن وهيب مصغر وهب بن خَالِد الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة. وَقَالَ الجباني. قَوْله: (وحَدثني مُحَمَّد أخبرنَا عَفَّان) كَذَا فِي روايتنا عَن الْأصيلِيّ غير مَنْسُوب، وَكَذَا عِنْد أبي ذَر وَأبي نصر، قَالَ: وَسقط من نُسْخَة ابْن السكن ذكر مُحَمَّد هَذَا، وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا عَفَّان عَن وهيب، وَهَذَا من مرسلات ابْن عَبَّاس لِأَنَّهُ لم يحضر الْقِصَّة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجِهَاد، فِي: بَاب مَا قيل فِي درع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة بدر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم} الْآيَة.

قَوْله: (أنْشدك) ، بِضَم الشين أَي: أطلبك الْعَهْد هُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين أَنهم لَهُم المنصورون} (الصافات: ١٧١) والوعد هُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} ، قَوْله: (إِن نَشأ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، نَحْو: هَلَاك الْمُؤمنِينَ أَو قَوْله: لَا تعبد فِي حكم الْمَفْعُول وَالْجَزَاء هُوَ الْمَحْذُوف. قَوْله: (ألححت عَلَيْهِ) ، أَي: بالغت.

٧ - (بابٌ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأَمْرُّ} (الْقَمَر: ٦٤) يَعْنِي مِنْ المَرَارَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {بل السَّاعَة موعدهم} أَي: موعد عَذَابهمْ. قَوْله: (والساعة) ، أَي: عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة. أدهى أَي: أَشد وأفظع، والداهية الْأَمر الْمُنكر الَّذِي لَا يهتدى لدوائه. قَوْله: (وَأمر) ، أَي: أعظم بلية وَأَشد مرَارَة من الْهَزِيمَة وَالْقَتْل والأسر يَوْم بدر.

٦٧٨٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى احدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.7 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56