الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩١٩
الحديث رقم ٤٩١٩ من كتاب «سورة ن والقلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يوم يكشف عن ساق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
الحَاقَّةُ
﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ فِيهَا الرِّضَا ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ الْمَوْتَةَ الْأُولَى الَّتِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَتِينَ﴾ نِيَاطُ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَغَى﴾ كَثُرَ. وَيُقَالُ ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ بِطُغْيَانِهِمْ، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الْخَزَّانِ كَمَا طَغَى الْمَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ.
﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾
⦗١٦٠⦘
الْفَصِيلَةُ أَصْغَرُ آبَائِهِ الْقُرْبَى إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمَى ﴿لِلشَّوَى﴾ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ لَهَا شَوَاةٌ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوًى وَالْعِزُونَ الْجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ ﴿أَطْوَارًا﴾ طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا، يُقَالُ عَدَا طَوْرَهُ أَيْ قَدْرَهُ وَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الْكُبَارِ، وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لِأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً وَكُبَارٌ الْكَبِيرُ وَكُبَارًا أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ، ﴿دَيَّارًا﴾ مِنْ دَوْرٍ، وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ. كَمَا قَرَأَ عُمَرُ (الْحَيُّ الْقَيَّامُ) وَهْيَ مِنْ قُمْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: دَيَّارًا أَحَدًا، ﴿تَبَارًا﴾ هَلَاكًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مِدْرَارًا﴾ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا ﴿وَقَارًا﴾ عَظَمَةً.
٤٩١٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
يكشف الرب سبحانه وتعالى عن ساقه الكريمة، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، وأما المنافقون الذين كانوا يسجدون في الدنيا ليراهم الناس، فمُنعوا من السجود، وجُعلت ظهورهم فقارًا واحدًا، لا يستطيعون الانحناء ولا السجود؛ لأنهم ما كانوا في الحقيقة يسجدون لله في الدنيا، وإنما كانوا يسجدون لأغراضهم الدنيوية، ولا يجوز تأويل الساق بالشدة أو الكرب أو غيرها، بل يجب إثباتها صفة لله تعالى من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]) هو عبارةٌ عن شدَّةِ الأمرِ يومَ القِيامة للحسابِ والجَزاء، يقالُ: كشفت الحربُ عن ساقٍ؛ إذا اشتدَّ الأمرُ فيها، فهو كنايةٌ؛ إذ لا كشفَ ولا ساق، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، السَّكسكيِّ الجُمحيِّ الإسكندرانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولَى عُمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ الخُدريِّ (١) (﵁) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ) في حديثِ أبي موسَى، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «عن نورٍ عظيمٍ» رواه أبو يَعلى بسندٍ فيهِ ضعف (٢). وعن قتادةَ فيما رواهُ عبدُ الرَّزاق: عن شدَّة أمرٍ. وعن ابن عبَّاسٍ عند الحاكم قال: هو يومُ كربٍ وشدَّةٍ. وأخرجَ الإسماعيليُّ من طريقِ حفصِ بن ميسَرة، عن زيدِ بنِ أسلم: ﴿يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال الإسماعيليُّ: هذه أصحُّ لموافقتِها لفظ القرآنِ، والله تعالى يتعَالى عن شبهِ المخلوقينَ (فَيَسْجُدُ لَهُ) تعالى (كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) متلذِّذين لا على سبيلِ التَّكليف (وَيَبْقَى مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «فيَبقى كلُّ من» (كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً) ليراهُ النَّاس (وَسُمْعَةً) ليسمعُوه (فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ) ولأبي ذرٍّ: «يسجد» (فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) بفتح الطاء المهملة والموحدة، لا ينثَني للسُّجود، ولا ينحَني له. قال الهرويُّ: يصيرُ فقارةً واحدةً كالصَّفيحة (٣)، فلا يقدرُ على السُّجود.
ومباحثُ هذا تأتي إن شاء الله تعالى في «حديثِ الشَّفاعة» بعونِ الله ومنِّه [خ¦٧٥٠٠].
(((٦٩))) (سورة الحَاقَّةِ) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وخمسون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] يُرِيدُ: فِيهَا الرِّضَا) ولأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ: «وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿عِيشَةٍ﴾ … » إلى آخره.
(﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]) ولأبي ذرٍّ: «والقاضيَة»: (المَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّهَا، ثُمَّ أُحْيَا) ولأبي ذرٍّ: «لم أحي» (بَعْدَهَا) قالهُ الفرَّاء، وروايةُ أبي ذرٍّ أوجَه؛ إذ مرادُه أنَّها تكون القاطِعة لحياتهِ فلا يُبعثُ بعدَها.
(﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]) قال الفرَّاء: (أَحَدٌ: يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ) ولأبي ذرٍّ: «للجميعِ والواحدِ» ومرادُه أنَّ أحدًا في سياقِ النَّفي بمعنَى الجَمع؛ فلذا قال: ﴿حَاجِزِينَ﴾ بصيغةِ الجَمع، وضمير ﴿عَنْهُ﴾ للنَّبيِّ ﷺ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصَله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] نِيَاطُ القَلْبِ) وهو عرقٌ متَّصل بهِ، إذا انقطعَ ماتَ صاحبُه.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿طَغَى﴾ [الحاقة: ١١]) أي: (كَثُرَ) الماءُ حتَّى علا فوقَ الجبال وغيرها (١) زمنَ الطُّوفان خمسةَ عشرَ ذراعًا. (وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]) أي: (٢) (بِطُغْيَانِهِمْ) قالَه أبو عُبيدة، وزادَ: وكفرِهم (وَيُقَالُ: طَغَتْ) أي: الرِّيح (عَلَى الخُزَّانِ) بضم الخاء، وفي «اليونينية» بفتحها (٣)، فخرجَتْ بلا ضبطٍ، فأهلكَتْ ثمود (كَمَا طَغَى
المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ) ﵇.
(((٧٠))) (سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربع وأربعون.
(الفَصِيلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «والفصِيلة» (أَصْغَرُ آبَائِه القُرْبَى) الَّذي فصلَ عنه (إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمَى) قالَه الفرَّاء. وفي نسخةٍ وهي لأبي ذرٍّ (١): «ينتهِي» بالهاء بدل «ينتَمي» -بالميم- وسقط لأبي ذرٍّ قوله «من انتمَى» (٢).
(﴿لِّلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]) أي: (اليَدَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَالأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ، يُقَالُ لَهَا: شَوَاةٌ) وقيل الشَّوى: جلدُ الإنسانِ (وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوًى) قالَه الفرَّاء.
(وَالعِزُونَ: الجَمَاعَاتُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿عِزِينَ﴾» وله أيضًا: «العزون: حِلَق» بكسر الحاء المهملة وفتح اللام «وجماعات» وله أيضًا: «الحِلق والجمَاعات» (وَوَاحِدُهَا) ولأبي ذرٍّ: «واحدتُها» (عِزَةٌ) وكانُوا يتحلَّقون حِلقًا ويقولونَ استهزاءً بالمسلمينِ: لئن دخلَ هؤلاءِ الجنَّة؛ لندخلنَّها قبلَهم.
(((٧١))) (سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ (١)) مكِّيَّة، وآيُها تسع أو ثمان وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة نوحٍ».
(﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]) أي: (طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) وقالَ قتَادة -فيما رواهُ عبدُ الرَّزَّاق-: ﴿أَطْوَارًا﴾ نطفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مضغَة، ثمَّ خلقًا، والنَّصب على الحال، أي: منتقلينَ من حالٍ إلى حالٍ، أو مختلفينَ من بينِ مسيءٍ ومحسنٍ وصالحٍ وطالحٍ (يُقَالُ: عَدَا طَوْرَهُ؛ أَيْ: قَدْرَهُ) أي: تجاوَزه.
(وَالكُبَّارُ) بتشديد الموحدة (أَشَدُّ) أي: أبلغُ في المعنَى (مِنَ الكُبَارِ) بتخفيفها (وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ) بضم الجيم وتشديد الميم (وَجَمِيلٌ) المخفَّف (لَأنَّهَا) يعني: المشدَّدة (أَشَدُّ مُبَالَغَةً) من المخفَّفة (وَ ﴿كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]) ولأبي ذرٍّ: «وكذلك كُبَّارٌ» (الكَبِيرُ، وَكُبَارًا أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ) فيهما، وسقط «وكبَّار أيضًا» لأبي ذرٍّ (٢) (وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ) بضم أولهما وتشديد ثانيهما (وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ، وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ (٣)) قالَه أبو عُبيدة.
(﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]) مشتقٌّ (مِنْ دَوْرٍ) بفتح الدال وسكون الواو (وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ) بفتح الفاء وسكون التحتية (مِنَ الدَّوَرَانِ) لأنَّ أصلَه: ديْوَار، فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ولو كان فعَّالًا بتشديد العين لكان دوَّارًا (كَمَا قَرَأَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب: ((الحَيُّ القَيَّامُ)، وَهْيَ مِنْ قُمْتُ) لأنَّ أصله: قيوام، فلا يقال: وزنُه فَعَّال بل فَيْعَال، كما في الدَّيَّار (وَقَالَ غَيْرُهُ) لم يتقدَّم ذكرُ أحدٍ فيعطف عليه، ولعلَّه سقطَ من ناسخٍ: (﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] أَحَدًا) قالَه أبو عُبيدة.
(﴿تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] هَلَاكًا) قالَه أبو عُبيدة أيضًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْكُوفِي مَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث هَذَا، وَآخر تقدم فِي الزَّكَاة، وَآخر يَأْتِي فِي الطِّبّ، وحارثة بن وهب الْخُزَاعِيّ بِالْمُهْمَلَةِ والثاء الْمُثَلَّثَة.
والْحَدِيث ذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي النذور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْجنَّة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن بشار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (متضعف) بِكَسْر الْعين وَفتحهَا وَالْفَتْح أشهر، وَكَذَا ضَبطه الدمياطي. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَغلط من كسرهَا وَإِنَّمَا هُوَ بِالْفَتْح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ بِالْفَتْح عِنْد الْأَكْثَرين وبكسرها وَمَعْنَاهُ: ويستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا يُقَال: تضعفه أَي: اسْتَضْعَفَهُ، وَأما الْكسر فَمَعْنَاه: متواضع خامل متذلل. وَاضع من نَفسه، وَقيل: الضعْف رقة الْقلب وَلينه للْإيمَان. قَوْله: (لَو أقسم على الله لأبرَّه) أَي: لَو حلف يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله تَعَالَى بإبراره لأبَّره. وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (كل عتل) هُوَ الغليظ. وَقيل: الشَّديد من كل شَيْء، وَقيل: الْكَافِر. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ السمين، الْعَظِيم الْعُنُق والبطن، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هُوَ الجموع المنوع، وَيُقَال: هُوَ الْقصير الْبَطن، وَقيل: الأكول الشروب الظلوم. (والجواظ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو ثمَّ ظاء مُعْجمَة وَهُوَ الشَّديد الصَّوْت فِي الشَّرّ، وَقيل: المتكبر المختال فِي مشيته الفاخر. وَقيل: الْكثير اللَّحْم. وَلَيْسَ المُرَاد اسْتِيعَاب الطَّرفَيْنِ وَإِنَّمَا المُرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وَأَن أغلب أهل النَّار هَؤُلَاءِ.
٢ - (بابٌ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق} (الْقَلَم: ٢٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم يكْشف عَن سَاق} قيل: تكشف الْقِيَامَة عَن سَاقهَا، وَقيل: عَن أَمر شَدِيد فظيع وَهُوَ إقبال الْآخِرَة. وَذَهَاب الدُّنْيَا، وَهَذَا من بَاب الِاسْتِعَارَة تَقول الْعَرَب للرجل إِذا وَقع فِي أَمر عَظِيم يحْتَاج فِيهِ إِلَى اجْتِهَاد ومعاناة ومقاساة للشدة شمر عَن سَاقه، فاستعير السَّاق فِي مَوضِع الشدَّة، وَإِن لم يكن كشف السَّاق حَقِيقَة، كَمَا يُقَال: أَسْفر وَجه الصُّبْح، واستقام لَهُ صدر الرَّأْي، وَالْعرب تَقول: لسنة الْحَرْب: كشفت عَن سَاقهَا.
٩١٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي هلالٍ عَنْ زَيْدِ ابنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَّار عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَّةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاء وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وخَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة. الجُمَحِي السكْسكِي الاسكندراني الْفَقِيه الْمُفْتِي، وَسَعِيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَزيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث الشَّفَاعَة.
قَوْله: (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) ، من المتشابهات، وَلأَهل الْعلم فِي هَذَا الْبَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: مَذْهَب مُعظم السّلف أَو كلهم تَفْوِيض الْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ، واعتقاد معنى يَلِيق لجلال الله عز وَجل وَالْآخر: هُوَ مَذْهَب بعض الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا تتأول على مَا يَلِيق بِهِ، وَلَا يسوغ ذَلِك إلَاّ لمن كَانَ من أَهله بِأَن يكون عَارِفًا بِلِسَان الْعَرَب، وقواعد الْأُصُول وَالْفُرُوع، فعلى هَذَا قَالُوا: المُرَاد بالساق هُنَا الشدَّة، أَي: يكْشف الله عَن شدَّة وَأمر مهول، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَقَالَ عِيَاض: المُرَاد بالساق النُّور الْعَظِيم، وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَوْم يكْشف عَن سَاق) قَالَ: عَن نور عَظِيم يخرون لَهُ سجدا وَعَن قَتَادَة فِيمَا رَوَاهُ عبد بن حميد (يَوْم يكْشف عَن سَاق) عَن أَمر فظيع، وَعَن عبد الله هِيَ ستور رب الْعِزَّة إِذا كشف لِلْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن الرّبيع بن أنس: يكْشف عَن الغطاء فَيَقَع من كَانَ آمن بِهِ فِي الدُّنْيَا سَاجِدا، وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَأما القَوْل من قَالَ: المُرَاد بالساق الشدَّة فِي الْقِيَامَة، وَفِي هَذَا قُوَّة لأهل التعطيل، وَجَاء حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ، وَفِيه
بِمَ تعرفُون ربكُم؟ قَالُوا: بَيْننَا وَبَينه عَلامَة أَن رأيناها عَرفْنَاهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: يكْشف عَن سَاق. قَالَ: فَيكْشف عِنْد ذَلِك عَن سَاق فيخر الْمُؤْمِنُونَ سجدا. قَالَ: وَمَا يُنكر هَذَا اللفط ويفر مِنْهُ إلَاّ من يفر عَن الْيَد والقدم وَالْوَجْه وَنَحْوهَا. فعطل الصِّفَات. وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ: أَن ذَلِك بِمَعْنى كشف الشدائد عَن الْمُؤمنِينَ فيسجدون شكرا. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أبي مُوسَى مَرْفُوعا. فَيكْشف لَهُم الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله، وَعَن ابْن مَسْعُود: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامَ النَّاس لرب الْعَالمين أَرْبَعِينَ عَاما فِيهِ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق ويتجلى لَهُم، وأوله بَعضهم بِأَن الله يكْشف لَهُم عَن سَاق لبَعض المخلوفين من مَلَائكَته وَغَيرهم، وَيجْعَل ذَلِك سَببا لبَيَان مَا شَاءَ من حكمته فِي أهل الْإِيمَان والنفاق. وَعَن أبي الْعَبَّاس النَّحْوِيّ أَنه قَالَ: السَّاق النَّفس. كَمَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَالله لأقاتلن الْخَوَارِج وَلَو تلفت ساقي، فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ تجلي ذَاته لَهُم وكشف الْحجب حَتَّى إِذا رَأَوْهُ سجدوا لَهُ. وَقرأَهَا ابْن عَبَّاس: يكْشف، بِضَم الْيَاء وقرىء: نكشف، بالنُّون، ويكشف، على الْبناء للْفَاعِل وللمفعول جَمِيعًا، وَالْفِعْل للساعة أَو للْحَال أَي: يَوْم تشتد الْحَال أَو السَّاعَة. وقرىء: بِالْيَاءِ المضمومة وَكسر الشين من أكشف إِذا دخل فِي الْكَشْف. قَوْله: (فَيسْجد لَهُ) ، أَي: لله. فَإِن قلت: الْقِيَامَة دَار الْجَزَاء لَا دَار الْعَمَل. قلت: هَذَا السُّجُود لَا يكون على سَبِيل التَّكْلِيف بل على سَبِيل التَّلَذُّذ بِهِ والتقرب إِلَى الله تَعَالَى. قَوْله: (يَاء) ، أَي: ليراه النَّاس. قَوْله: (وسَمعه) ، أَي: ليسمعونه. قَوْله: (طبقًا وَاحِدًا) ، أَي: لَا ينثني للسُّجُود وَلَا ينحني لَهُ، وَهُوَ بِفَتْح الطَّاء. وَالْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ الْهَرَوِيّ: الطَّبَق ففار الظّهْر أَي: سَار فقاره وَاحِدًا كالصحيفة فَلَا يقدر على السُّجُود، وَجَاء فِي حَدِيث طَوِيل فالمؤمنون يخرون سجدا على وُجُوههم ويخر كل مُنَافِق على قَفاهُ، وَيجْعَل الله تَعَالَى أصلابهم كصيامي الْبَقر، وَفِي رِوَايَة: وَيبقى المُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ كَأَن فِي ظُهُورهمْ السَّفَافِيد فَيذْهب بهم إِلَى النَّار، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد اسْتدلَّ بعض الْعلمَاء بِهَذَا مَعَ قَول الله تَعَالَى: {وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} (الْقَلَم: ٢٤) على جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَهَذَا اسْتِدْلَال بَاطِل. فَإِن الْآخِرَة لَيست دَار تَكْلِيف بِالسُّجُود وَإِنَّمَا المُرَاد امتحانهم.
(سُورَةُ الحَاقَّةِ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الحاقة وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْجَمِيع، وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل المعارج وَبعد سُورَة الْملك، وَهِي ألف وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ حرفا. ومائتان وست وَخَمْسُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَة. وَفِي مُسْند ابْن عَبَّاس: عَن معَاذ إِنَّمَا سميت الحاقة لِأَن فِيهَا حقائق الْأَعْمَال من الثَّوَاب وَالْعِقَاب.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر وَحده.
حُسُوما مُتَتَابِعَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما} (الحاقة: ٧) وَفَسرهُ بقوله: (متتابعة) ، وَكَذَا فسره مُجَاهِد وَقَتَادَة وَمعنى متتابعة لَيْسَ فِيهَا فَتْرَة وَهُوَ من حسم الكي وَهُوَ أَن يُتَابع عَلَيْهِ بالمكواة وَعَن الْكَلْبِيّ: دائمة، وَعَن الضَّحَّاك: كَامِلَة لم تفتر عَنْهُم حَتَّى أفنتهم، وَعَن الْخَلِيل: قطعا لدابرهم، والحسم الْقطع وَالْمَنْع وَمِنْه حسم الدَّوَاء وحسم الرَّضَاع وانتصابه على الْحَال وَالْقطع قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي وَحده.
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} (الحاقة: ١٢) يُرِيدُ فِيهَا الرِّضا
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: {فَهُوَ فِي عيشة راضية} (الحاقة: ١٢) يُرِيد فِيهَا الرِّضَا أَي: ذَات الرِّضَا أَرَادَ بِهِ أَنه من بَاب ذِي كَذَا كتامر وَلابْن، وَعند عُلَمَاء الْبَيَان هَذَا اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر والنسفي.
القَاضِيَةَ المَوْتَةَ الأُوْلَى الَّتِي مُتُّها ثُمَّ أُحْيا بَعْدَها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا ليتها كَانَت القاضية مَا أغْنى عني ماليه} (الحاقة: ٧٢، ٨٢) أَي: لَيْت الموتة الأولى كَانَت القاطعة لأمري لن أَحْيَا بعْدهَا وَلَا يكون بعث وَلَا جَزَاء، وَقَالَ قَتَادَة: تمنى الْمَوْت وَلم يكن عِنْده فِي الدُّنْيَا شَيْء أكره من الْمَوْت. قَوْله: (ثمَّ أَحْيَا) ، بعْدهَا: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لم أَحَي بعْدهَا، وَهَذِه هِيَ الْأَصَح، وَالظَّاهِر أَن النَّاسِخ صحف لم بثم.
مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ أحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمَا مِنْكُم من أجد عَنهُ حاجزين} (الحاقة: ٧٤) الضَّمِير فِي عَنهُ: يرجع إِلَى الْقَتْل، وَقيل: إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحجزون عَن الْقَاتِل قَالَه النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وغرض البُخَارِيّ فِي بَيَان أَن لفظ: أحد، يصلح للْجمع وللواحد وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نكرَة وَقع فِي سِيَاق النَّفْي. قَوْله: (للْجمع) ، ويروى للْجَمِيع.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الوَتِينَ: نِيَاطَ القَلْبِ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى عز وَجل: {ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين} (الحاقة: ٦٤) أَي: (نِيَاط الْقلب) بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَهُوَ حَبل الوريد إِذا قطع مَاتَ صَاحبه، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث سُفْيَان عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد عَنهُ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَغَى كَثُرَ وَيُقَالُ: بِالطَّا غِيَةِ بِطُغْيَانِهِمْ. وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخزانِ كَمَا طَغَى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا لما طَغى المَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة} (الحاقة: ١١) وَفسّر: (طغا) بقوله: (كثر) وَعَن قَتَادَة: طَغى المَاء عتى فَخرج بِلَا وزن وَلَا كيل، وطغا فَوق كل شَيْء خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَالْجَارِيَة: السَّفِينَة. قَوْله: (وَيُقَال: بالطاغية) ، هُوَ مصدر نَحْو الجاثية. فَلذَلِك فسره بقوله: (بطغيانهم) وَقيل: الطاغية صفة موصوفها مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأما ثَمُود فأهلكوا بأفعالهم الطاغية، يُقَال: طغا يطغو ويطغى طغيانا إِذا جَاوز الْحَد فِي الْعِصْيَان فَهُوَ طاغ وَهِي طاغية، وتستعمل هَذِه الْمَادَّة فِي معَان كَثِيرَة، يُقَال: طغا الرجل إِذا جَاوز الْحَد، وطغا الْبَحْر إِذا هاج، وطغا السَّيْل إِذا كثر مَاؤُهُ، وطغى الدَّم إِذا نبع وَغير ذَلِك، وَهَاهُنَا ذكر أَنه اسْتعْمل لمعان ثَلَاثَة: الأول: بِمَعْنى الْكَثْرَة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: طغا كثر، وَهُوَ فِي قَضِيَّة قوم نوح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالثَّانِي: بِمَعْنى مُجَاوزَة الْحَد فِي الْعِصْيَان، وَذَلِكَ فِي قَوْله: وَيُقَال بالطاغية. وَقد ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ فِي ثَمُود. وَالثَّالِث: بِمَعْنى مُجَاوزَة الرّيح حَده أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَيُقَال: طغت على الْخزَّان، وَهُوَ فِي قَضِيَّة قوم عَاد، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: (وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة) (الحاقة: ٦) وَقَوله: طغت. أَي: الرّيح خرجت بِلَا ضبط من الْخزَّان وَهُوَ جمع خَازِن، وللريح خزان لَا ترسلها إلَاّ بِمِقْدَار، وَأما عَاد لما عتوا فَأرْسل الله عَلَيْهِم ريحًا عَاتِيَة يَعْنِي اعتت على خزانها فَلم تطعهم، وجاوزت الْحَد وَذَلِكَ بِأَمْر الله تَعَالَى، وَرُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أرسل الله ريحًا إلَاّ بِمِكْيَال، وَلَا قَطْرَة من المَاء إلَاّ بِمِكْيَال، إلَاّ قوم عَاد وَقوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، طغيا على الْخزَّان فَلم يكن لَهُم عَلَيْهِمَا سَبِيل. وَقَالَ بَعضهم: لم يظْهر لي فَاعل طغت. لِأَن الْآيَة فِي حق ثَمُود وهم قد أهلكوا بالصيحة، وَلَو كَانَت عادا لَكَانَ الْفَاعِل الرّيح وَهِي لَهَا الْخزَّان انْتهى. قلت: ظهر لغيره مَا لم يظْهر لَهُ لقصوره، وَالْآيَة فِي حق عَاد كَمَا ذَكرْنَاهُ. وهم {أهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة} عنت على خزانها، وَأما ثَمُود فقد أهلكوا بالطاغية، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى، وَقد فسر الْمُفَسِّرُونَ الطاغية بالطغيان وَهُوَ الْمُجَاوزَة عَن الْحَد وَعَن مُجَاهِد وَابْن زيد، أهلكوا بأفعالهم الطاغية، وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى: {كذبت ثَمُود بطغواها} (الشَّمْس: ١١) والطغوى بِمَعْنى الطغيان وَقَول هَذَا الْقَائِل: إِن الْآيَة فِي حق ثَمُود، وهم قد أهلكوا بالصيحة. قَول رُوِيَ عَن قَتَادَة فَإِنَّهُ قَالَ: يَعْنِي: الصَّيْحَة الطاغية الَّتِي جَاوَزت مقادير الصياح، وَكَلَام البُخَارِيّ على قَول غَيره كَمَا ذَكرْنَاهُ فَافْهَم، وَلَو كَانَ مُرَاده على قَول قَتَادَة فَلَا مَانع أَن يكون فَاعل طغت الصَّيْحَة وَيكون الْمَعْنى: خرجت الصَّيْحَة من صائحها وهم خزانها فِي الْحَقِيقَة بِلَا مِقْدَار بِحَيْثُ أَنَّهَا جَاوَزت مقادير الصياح كَمَا فِي قَول قَتَادَة.
وَغِسْلِينٍ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أهْلِ النَّارِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين} (الحاقة: ٦٣) وَفَسرهُ بقوله: (يسيل من صديد أهل النَّار) وَهُوَ قَول الْفراء. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَأَنَّهُ غسالة جروحهم وقروحهم، وَعَن الضَّحَّاك وَالربيع، هُوَ شجر يَأْكُلهُ أهل النَّار، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ غِسْلَينٍ: كلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غَسْلَيْنٌ فِعْلَيْنٌ مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجَرْحِ وَالدُّبْرِ
هَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، يدل على أَن قبل قَوْله: وغسلين. وَقَالَ الْفراء وَغَيره، وَقد سقط من
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]) هو عبارةٌ عن شدَّةِ الأمرِ يومَ القِيامة للحسابِ والجَزاء، يقالُ: كشفت الحربُ عن ساقٍ؛ إذا اشتدَّ الأمرُ فيها، فهو كنايةٌ؛ إذ لا كشفَ ولا ساق، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، السَّكسكيِّ الجُمحيِّ الإسكندرانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولَى عُمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ الخُدريِّ (١) (﵁) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ) في حديثِ أبي موسَى، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «عن نورٍ عظيمٍ» رواه أبو يَعلى بسندٍ فيهِ ضعف (٢). وعن قتادةَ فيما رواهُ عبدُ الرَّزاق: عن شدَّة أمرٍ. وعن ابن عبَّاسٍ عند الحاكم قال: هو يومُ كربٍ وشدَّةٍ. وأخرجَ الإسماعيليُّ من طريقِ حفصِ بن ميسَرة، عن زيدِ بنِ أسلم: ﴿يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال الإسماعيليُّ: هذه أصحُّ لموافقتِها لفظ القرآنِ، والله تعالى يتعَالى عن شبهِ المخلوقينَ (فَيَسْجُدُ لَهُ) تعالى (كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) متلذِّذين لا على سبيلِ التَّكليف (وَيَبْقَى مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «فيَبقى كلُّ من» (كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً) ليراهُ النَّاس (وَسُمْعَةً) ليسمعُوه (فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ) ولأبي ذرٍّ: «يسجد» (فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) بفتح الطاء المهملة والموحدة، لا ينثَني للسُّجود، ولا ينحَني له. قال الهرويُّ: يصيرُ فقارةً واحدةً كالصَّفيحة (٣)، فلا يقدرُ على السُّجود.
ومباحثُ هذا تأتي إن شاء الله تعالى في «حديثِ الشَّفاعة» بعونِ الله ومنِّه [خ¦٧٥٠٠].
(((٦٩))) (سورة الحَاقَّةِ) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وخمسون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ «سورة» والبسملة لغير أبي ذرٍّ. (﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] يُرِيدُ: فِيهَا الرِّضَا) ولأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ: «وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿عِيشَةٍ﴾ … » إلى آخره.
(﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]) ولأبي ذرٍّ: «والقاضيَة»: (المَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّهَا، ثُمَّ أُحْيَا) ولأبي ذرٍّ: «لم أحي» (بَعْدَهَا) قالهُ الفرَّاء، وروايةُ أبي ذرٍّ أوجَه؛ إذ مرادُه أنَّها تكون القاطِعة لحياتهِ فلا يُبعثُ بعدَها.
(﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]) قال الفرَّاء: (أَحَدٌ: يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ) ولأبي ذرٍّ: «للجميعِ والواحدِ» ومرادُه أنَّ أحدًا في سياقِ النَّفي بمعنَى الجَمع؛ فلذا قال: ﴿حَاجِزِينَ﴾ بصيغةِ الجَمع، وضمير ﴿عَنْهُ﴾ للنَّبيِّ ﷺ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصَله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] نِيَاطُ القَلْبِ) وهو عرقٌ متَّصل بهِ، إذا انقطعَ ماتَ صاحبُه.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيمَا وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿طَغَى﴾ [الحاقة: ١١]) أي: (كَثُرَ) الماءُ حتَّى علا فوقَ الجبال وغيرها (١) زمنَ الطُّوفان خمسةَ عشرَ ذراعًا. (وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]) أي: (٢) (بِطُغْيَانِهِمْ) قالَه أبو عُبيدة، وزادَ: وكفرِهم (وَيُقَالُ: طَغَتْ) أي: الرِّيح (عَلَى الخُزَّانِ) بضم الخاء، وفي «اليونينية» بفتحها (٣)، فخرجَتْ بلا ضبطٍ، فأهلكَتْ ثمود (كَمَا طَغَى
المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ) ﵇.
(((٧٠))) (سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾) مكِّيَّة، وآيُها أربع وأربعون.
(الفَصِيلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «والفصِيلة» (أَصْغَرُ آبَائِه القُرْبَى) الَّذي فصلَ عنه (إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمَى) قالَه الفرَّاء. وفي نسخةٍ وهي لأبي ذرٍّ (١): «ينتهِي» بالهاء بدل «ينتَمي» -بالميم- وسقط لأبي ذرٍّ قوله «من انتمَى» (٢).
(﴿لِّلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]) أي: (اليَدَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَالأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ، يُقَالُ لَهَا: شَوَاةٌ) وقيل الشَّوى: جلدُ الإنسانِ (وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوًى) قالَه الفرَّاء.
(وَالعِزُونَ: الجَمَاعَاتُ) ولأبي ذرٍّ: «﴿عِزِينَ﴾» وله أيضًا: «العزون: حِلَق» بكسر الحاء المهملة وفتح اللام «وجماعات» وله أيضًا: «الحِلق والجمَاعات» (وَوَاحِدُهَا) ولأبي ذرٍّ: «واحدتُها» (عِزَةٌ) وكانُوا يتحلَّقون حِلقًا ويقولونَ استهزاءً بالمسلمينِ: لئن دخلَ هؤلاءِ الجنَّة؛ لندخلنَّها قبلَهم.
(((٧١))) (سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ (١)) مكِّيَّة، وآيُها تسع أو ثمان وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة نوحٍ».
(﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]) أي: (طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) وقالَ قتَادة -فيما رواهُ عبدُ الرَّزَّاق-: ﴿أَطْوَارًا﴾ نطفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مضغَة، ثمَّ خلقًا، والنَّصب على الحال، أي: منتقلينَ من حالٍ إلى حالٍ، أو مختلفينَ من بينِ مسيءٍ ومحسنٍ وصالحٍ وطالحٍ (يُقَالُ: عَدَا طَوْرَهُ؛ أَيْ: قَدْرَهُ) أي: تجاوَزه.
(وَالكُبَّارُ) بتشديد الموحدة (أَشَدُّ) أي: أبلغُ في المعنَى (مِنَ الكُبَارِ) بتخفيفها (وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ) بضم الجيم وتشديد الميم (وَجَمِيلٌ) المخفَّف (لَأنَّهَا) يعني: المشدَّدة (أَشَدُّ مُبَالَغَةً) من المخفَّفة (وَ ﴿كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]) ولأبي ذرٍّ: «وكذلك كُبَّارٌ» (الكَبِيرُ، وَكُبَارًا أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ) فيهما، وسقط «وكبَّار أيضًا» لأبي ذرٍّ (٢) (وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ) بضم أولهما وتشديد ثانيهما (وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ، وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ (٣)) قالَه أبو عُبيدة.
(﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]) مشتقٌّ (مِنْ دَوْرٍ) بفتح الدال وسكون الواو (وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ) بفتح الفاء وسكون التحتية (مِنَ الدَّوَرَانِ) لأنَّ أصلَه: ديْوَار، فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ولو كان فعَّالًا بتشديد العين لكان دوَّارًا (كَمَا قَرَأَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب: ((الحَيُّ القَيَّامُ)، وَهْيَ مِنْ قُمْتُ) لأنَّ أصله: قيوام، فلا يقال: وزنُه فَعَّال بل فَيْعَال، كما في الدَّيَّار (وَقَالَ غَيْرُهُ) لم يتقدَّم ذكرُ أحدٍ فيعطف عليه، ولعلَّه سقطَ من ناسخٍ: (﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] أَحَدًا) قالَه أبو عُبيدة.
(﴿تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] هَلَاكًا) قالَه أبو عُبيدة أيضًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد الْكُوفِي مَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث هَذَا، وَآخر تقدم فِي الزَّكَاة، وَآخر يَأْتِي فِي الطِّبّ، وحارثة بن وهب الْخُزَاعِيّ بِالْمُهْمَلَةِ والثاء الْمُثَلَّثَة.
والْحَدِيث ذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي النذور عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْجنَّة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن بشار عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (متضعف) بِكَسْر الْعين وَفتحهَا وَالْفَتْح أشهر، وَكَذَا ضَبطه الدمياطي. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَغلط من كسرهَا وَإِنَّمَا هُوَ بِالْفَتْح. وَقَالَ النَّوَوِيّ: رُوِيَ بِالْفَتْح عِنْد الْأَكْثَرين وبكسرها وَمَعْنَاهُ: ويستضعفه النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ لضعف حَاله فِي الدُّنْيَا يُقَال: تضعفه أَي: اسْتَضْعَفَهُ، وَأما الْكسر فَمَعْنَاه: متواضع خامل متذلل. وَاضع من نَفسه، وَقيل: الضعْف رقة الْقلب وَلينه للْإيمَان. قَوْله: (لَو أقسم على الله لأبرَّه) أَي: لَو حلف يَمِينا طَمَعا فِي كرم الله تَعَالَى بإبراره لأبَّره. وَقيل: لَو دَعَاهُ لأجابه. قَوْله: (كل عتل) هُوَ الغليظ. وَقيل: الشَّديد من كل شَيْء، وَقيل: الْكَافِر. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ السمين، الْعَظِيم الْعُنُق والبطن، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هُوَ الجموع المنوع، وَيُقَال: هُوَ الْقصير الْبَطن، وَقيل: الأكول الشروب الظلوم. (والجواظ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو ثمَّ ظاء مُعْجمَة وَهُوَ الشَّديد الصَّوْت فِي الشَّرّ، وَقيل: المتكبر المختال فِي مشيته الفاخر. وَقيل: الْكثير اللَّحْم. وَلَيْسَ المُرَاد اسْتِيعَاب الطَّرفَيْنِ وَإِنَّمَا المُرَاد أَن أغلب أهل الْجنَّة وَأَن أغلب أهل النَّار هَؤُلَاءِ.
٢ - (بابٌ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق} (الْقَلَم: ٢٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْم يكْشف عَن سَاق} قيل: تكشف الْقِيَامَة عَن سَاقهَا، وَقيل: عَن أَمر شَدِيد فظيع وَهُوَ إقبال الْآخِرَة. وَذَهَاب الدُّنْيَا، وَهَذَا من بَاب الِاسْتِعَارَة تَقول الْعَرَب للرجل إِذا وَقع فِي أَمر عَظِيم يحْتَاج فِيهِ إِلَى اجْتِهَاد ومعاناة ومقاساة للشدة شمر عَن سَاقه، فاستعير السَّاق فِي مَوضِع الشدَّة، وَإِن لم يكن كشف السَّاق حَقِيقَة، كَمَا يُقَال: أَسْفر وَجه الصُّبْح، واستقام لَهُ صدر الرَّأْي، وَالْعرب تَقول: لسنة الْحَرْب: كشفت عَن سَاقهَا.
٩١٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي هلالٍ عَنْ زَيْدِ ابنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَّار عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَّةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاء وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقا وَاحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وخَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة. الجُمَحِي السكْسكِي الاسكندراني الْفَقِيه الْمُفْتِي، وَسَعِيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَزيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَبُو سعيد هُوَ الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث الشَّفَاعَة.
قَوْله: (يكْشف رَبنَا عَن سَاقه) ، من المتشابهات، وَلأَهل الْعلم فِي هَذَا الْبَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: مَذْهَب مُعظم السّلف أَو كلهم تَفْوِيض الْأَمر فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ، واعتقاد معنى يَلِيق لجلال الله عز وَجل وَالْآخر: هُوَ مَذْهَب بعض الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا تتأول على مَا يَلِيق بِهِ، وَلَا يسوغ ذَلِك إلَاّ لمن كَانَ من أَهله بِأَن يكون عَارِفًا بِلِسَان الْعَرَب، وقواعد الْأُصُول وَالْفُرُوع، فعلى هَذَا قَالُوا: المُرَاد بالساق هُنَا الشدَّة، أَي: يكْشف الله عَن شدَّة وَأمر مهول، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَقَالَ عِيَاض: المُرَاد بالساق النُّور الْعَظِيم، وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَوْم يكْشف عَن سَاق) قَالَ: عَن نور عَظِيم يخرون لَهُ سجدا وَعَن قَتَادَة فِيمَا رَوَاهُ عبد بن حميد (يَوْم يكْشف عَن سَاق) عَن أَمر فظيع، وَعَن عبد الله هِيَ ستور رب الْعِزَّة إِذا كشف لِلْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن الرّبيع بن أنس: يكْشف عَن الغطاء فَيَقَع من كَانَ آمن بِهِ فِي الدُّنْيَا سَاجِدا، وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَأما القَوْل من قَالَ: المُرَاد بالساق الشدَّة فِي الْقِيَامَة، وَفِي هَذَا قُوَّة لأهل التعطيل، وَجَاء حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ، وَفِيه
بِمَ تعرفُون ربكُم؟ قَالُوا: بَيْننَا وَبَينه عَلامَة أَن رأيناها عَرفْنَاهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: يكْشف عَن سَاق. قَالَ: فَيكْشف عِنْد ذَلِك عَن سَاق فيخر الْمُؤْمِنُونَ سجدا. قَالَ: وَمَا يُنكر هَذَا اللفط ويفر مِنْهُ إلَاّ من يفر عَن الْيَد والقدم وَالْوَجْه وَنَحْوهَا. فعطل الصِّفَات. وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ: أَن ذَلِك بِمَعْنى كشف الشدائد عَن الْمُؤمنِينَ فيسجدون شكرا. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أبي مُوسَى مَرْفُوعا. فَيكْشف لَهُم الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله، وَعَن ابْن مَسْعُود: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامَ النَّاس لرب الْعَالمين أَرْبَعِينَ عَاما فِيهِ فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق ويتجلى لَهُم، وأوله بَعضهم بِأَن الله يكْشف لَهُم عَن سَاق لبَعض المخلوفين من مَلَائكَته وَغَيرهم، وَيجْعَل ذَلِك سَببا لبَيَان مَا شَاءَ من حكمته فِي أهل الْإِيمَان والنفاق. وَعَن أبي الْعَبَّاس النَّحْوِيّ أَنه قَالَ: السَّاق النَّفس. كَمَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَالله لأقاتلن الْخَوَارِج وَلَو تلفت ساقي، فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ تجلي ذَاته لَهُم وكشف الْحجب حَتَّى إِذا رَأَوْهُ سجدوا لَهُ. وَقرأَهَا ابْن عَبَّاس: يكْشف، بِضَم الْيَاء وقرىء: نكشف، بالنُّون، ويكشف، على الْبناء للْفَاعِل وللمفعول جَمِيعًا، وَالْفِعْل للساعة أَو للْحَال أَي: يَوْم تشتد الْحَال أَو السَّاعَة. وقرىء: بِالْيَاءِ المضمومة وَكسر الشين من أكشف إِذا دخل فِي الْكَشْف. قَوْله: (فَيسْجد لَهُ) ، أَي: لله. فَإِن قلت: الْقِيَامَة دَار الْجَزَاء لَا دَار الْعَمَل. قلت: هَذَا السُّجُود لَا يكون على سَبِيل التَّكْلِيف بل على سَبِيل التَّلَذُّذ بِهِ والتقرب إِلَى الله تَعَالَى. قَوْله: (يَاء) ، أَي: ليراه النَّاس. قَوْله: (وسَمعه) ، أَي: ليسمعونه. قَوْله: (طبقًا وَاحِدًا) ، أَي: لَا ينثني للسُّجُود وَلَا ينحني لَهُ، وَهُوَ بِفَتْح الطَّاء. وَالْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ الْهَرَوِيّ: الطَّبَق ففار الظّهْر أَي: سَار فقاره وَاحِدًا كالصحيفة فَلَا يقدر على السُّجُود، وَجَاء فِي حَدِيث طَوِيل فالمؤمنون يخرون سجدا على وُجُوههم ويخر كل مُنَافِق على قَفاهُ، وَيجْعَل الله تَعَالَى أصلابهم كصيامي الْبَقر، وَفِي رِوَايَة: وَيبقى المُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ كَأَن فِي ظُهُورهمْ السَّفَافِيد فَيذْهب بهم إِلَى النَّار، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد اسْتدلَّ بعض الْعلمَاء بِهَذَا مَعَ قَول الله تَعَالَى: {وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} (الْقَلَم: ٢٤) على جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَهَذَا اسْتِدْلَال بَاطِل. فَإِن الْآخِرَة لَيست دَار تَكْلِيف بِالسُّجُود وَإِنَّمَا المُرَاد امتحانهم.
(سُورَةُ الحَاقَّةِ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الحاقة وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْجَمِيع، وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل المعارج وَبعد سُورَة الْملك، وَهِي ألف وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ حرفا. ومائتان وست وَخَمْسُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ آيَة. وَفِي مُسْند ابْن عَبَّاس: عَن معَاذ إِنَّمَا سميت الحاقة لِأَن فِيهَا حقائق الْأَعْمَال من الثَّوَاب وَالْعِقَاب.
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر وَحده.
حُسُوما مُتَتَابِعَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما} (الحاقة: ٧) وَفَسرهُ بقوله: (متتابعة) ، وَكَذَا فسره مُجَاهِد وَقَتَادَة وَمعنى متتابعة لَيْسَ فِيهَا فَتْرَة وَهُوَ من حسم الكي وَهُوَ أَن يُتَابع عَلَيْهِ بالمكواة وَعَن الْكَلْبِيّ: دائمة، وَعَن الضَّحَّاك: كَامِلَة لم تفتر عَنْهُم حَتَّى أفنتهم، وَعَن الْخَلِيل: قطعا لدابرهم، والحسم الْقطع وَالْمَنْع وَمِنْه حسم الدَّوَاء وحسم الرَّضَاع وانتصابه على الْحَال وَالْقطع قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي وَحده.
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} (الحاقة: ١٢) يُرِيدُ فِيهَا الرِّضا
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: {فَهُوَ فِي عيشة راضية} (الحاقة: ١٢) يُرِيد فِيهَا الرِّضَا أَي: ذَات الرِّضَا أَرَادَ بِهِ أَنه من بَاب ذِي كَذَا كتامر وَلابْن، وَعند عُلَمَاء الْبَيَان هَذَا اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر والنسفي.
القَاضِيَةَ المَوْتَةَ الأُوْلَى الَّتِي مُتُّها ثُمَّ أُحْيا بَعْدَها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا ليتها كَانَت القاضية مَا أغْنى عني ماليه} (الحاقة: ٧٢، ٨٢) أَي: لَيْت الموتة الأولى كَانَت القاطعة لأمري لن أَحْيَا بعْدهَا وَلَا يكون بعث وَلَا جَزَاء، وَقَالَ قَتَادَة: تمنى الْمَوْت وَلم يكن عِنْده فِي الدُّنْيَا شَيْء أكره من الْمَوْت. قَوْله: (ثمَّ أَحْيَا) ، بعْدهَا: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لم أَحَي بعْدهَا، وَهَذِه هِيَ الْأَصَح، وَالظَّاهِر أَن النَّاسِخ صحف لم بثم.
مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ أحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمَا مِنْكُم من أجد عَنهُ حاجزين} (الحاقة: ٧٤) الضَّمِير فِي عَنهُ: يرجع إِلَى الْقَتْل، وَقيل: إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحجزون عَن الْقَاتِل قَالَه النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) وغرض البُخَارِيّ فِي بَيَان أَن لفظ: أحد، يصلح للْجمع وللواحد وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نكرَة وَقع فِي سِيَاق النَّفْي. قَوْله: (للْجمع) ، ويروى للْجَمِيع.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الوَتِينَ: نِيَاطَ القَلْبِ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى عز وَجل: {ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين} (الحاقة: ٦٤) أَي: (نِيَاط الْقلب) بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَهُوَ حَبل الوريد إِذا قطع مَاتَ صَاحبه، وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس وَصله ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث سُفْيَان عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد عَنهُ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَغَى كَثُرَ وَيُقَالُ: بِالطَّا غِيَةِ بِطُغْيَانِهِمْ. وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخزانِ كَمَا طَغَى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا لما طَغى المَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة} (الحاقة: ١١) وَفسّر: (طغا) بقوله: (كثر) وَعَن قَتَادَة: طَغى المَاء عتى فَخرج بِلَا وزن وَلَا كيل، وطغا فَوق كل شَيْء خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَالْجَارِيَة: السَّفِينَة. قَوْله: (وَيُقَال: بالطاغية) ، هُوَ مصدر نَحْو الجاثية. فَلذَلِك فسره بقوله: (بطغيانهم) وَقيل: الطاغية صفة موصوفها مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأما ثَمُود فأهلكوا بأفعالهم الطاغية، يُقَال: طغا يطغو ويطغى طغيانا إِذا جَاوز الْحَد فِي الْعِصْيَان فَهُوَ طاغ وَهِي طاغية، وتستعمل هَذِه الْمَادَّة فِي معَان كَثِيرَة، يُقَال: طغا الرجل إِذا جَاوز الْحَد، وطغا الْبَحْر إِذا هاج، وطغا السَّيْل إِذا كثر مَاؤُهُ، وطغى الدَّم إِذا نبع وَغير ذَلِك، وَهَاهُنَا ذكر أَنه اسْتعْمل لمعان ثَلَاثَة: الأول: بِمَعْنى الْكَثْرَة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: طغا كثر، وَهُوَ فِي قَضِيَّة قوم نوح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالثَّانِي: بِمَعْنى مُجَاوزَة الْحَد فِي الْعِصْيَان، وَذَلِكَ فِي قَوْله: وَيُقَال بالطاغية. وَقد ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ فِي ثَمُود. وَالثَّالِث: بِمَعْنى مُجَاوزَة الرّيح حَده أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَيُقَال: طغت على الْخزَّان، وَهُوَ فِي قَضِيَّة قوم عَاد، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: (وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة) (الحاقة: ٦) وَقَوله: طغت. أَي: الرّيح خرجت بِلَا ضبط من الْخزَّان وَهُوَ جمع خَازِن، وللريح خزان لَا ترسلها إلَاّ بِمِقْدَار، وَأما عَاد لما عتوا فَأرْسل الله عَلَيْهِم ريحًا عَاتِيَة يَعْنِي اعتت على خزانها فَلم تطعهم، وجاوزت الْحَد وَذَلِكَ بِأَمْر الله تَعَالَى، وَرُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أرسل الله ريحًا إلَاّ بِمِكْيَال، وَلَا قَطْرَة من المَاء إلَاّ بِمِكْيَال، إلَاّ قوم عَاد وَقوم نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، طغيا على الْخزَّان فَلم يكن لَهُم عَلَيْهِمَا سَبِيل. وَقَالَ بَعضهم: لم يظْهر لي فَاعل طغت. لِأَن الْآيَة فِي حق ثَمُود وهم قد أهلكوا بالصيحة، وَلَو كَانَت عادا لَكَانَ الْفَاعِل الرّيح وَهِي لَهَا الْخزَّان انْتهى. قلت: ظهر لغيره مَا لم يظْهر لَهُ لقصوره، وَالْآيَة فِي حق عَاد كَمَا ذَكرْنَاهُ. وهم {أهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة} عنت على خزانها، وَأما ثَمُود فقد أهلكوا بالطاغية، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى، وَقد فسر الْمُفَسِّرُونَ الطاغية بالطغيان وَهُوَ الْمُجَاوزَة عَن الْحَد وَعَن مُجَاهِد وَابْن زيد، أهلكوا بأفعالهم الطاغية، وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى: {كذبت ثَمُود بطغواها} (الشَّمْس: ١١) والطغوى بِمَعْنى الطغيان وَقَول هَذَا الْقَائِل: إِن الْآيَة فِي حق ثَمُود، وهم قد أهلكوا بالصيحة. قَول رُوِيَ عَن قَتَادَة فَإِنَّهُ قَالَ: يَعْنِي: الصَّيْحَة الطاغية الَّتِي جَاوَزت مقادير الصياح، وَكَلَام البُخَارِيّ على قَول غَيره كَمَا ذَكرْنَاهُ فَافْهَم، وَلَو كَانَ مُرَاده على قَول قَتَادَة فَلَا مَانع أَن يكون فَاعل طغت الصَّيْحَة وَيكون الْمَعْنى: خرجت الصَّيْحَة من صائحها وهم خزانها فِي الْحَقِيقَة بِلَا مِقْدَار بِحَيْثُ أَنَّهَا جَاوَزت مقادير الصياح كَمَا فِي قَول قَتَادَة.
وَغِسْلِينٍ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أهْلِ النَّارِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين} (الحاقة: ٦٣) وَفَسرهُ بقوله: (يسيل من صديد أهل النَّار) وَهُوَ قَول الْفراء. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَأَنَّهُ غسالة جروحهم وقروحهم، وَعَن الضَّحَّاك وَالربيع، هُوَ شجر يَأْكُلهُ أهل النَّار، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ غِسْلَينٍ: كلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غَسْلَيْنٌ فِعْلَيْنٌ مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجَرْحِ وَالدُّبْرِ
هَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، يدل على أَن قبل قَوْله: وغسلين. وَقَالَ الْفراء وَغَيره، وَقد سقط من