الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٨٦
الحديث رقم ٥٠٨٦ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من جعل عتق الأمة صداقها.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
٥٠٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ وَشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
شُهُودٍ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ فِي تَزْوِيجِ صَفِيَّةَ شُهُودٌ لَمَا خَفِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ حَتَّى يَتَرَدَّدُوا، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا التَّزْوِيجَ غَيْرُ الَّذِينَ تَرَدَّدُوا، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ تَرَدَّدُوا فَذَلِكَ مَذْكُورٌ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ أَوَّلِ الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِتْقِ فِي الَّذِي بَعْدَهُ
١٣ - بَاب مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا
٥٠٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا) كَذَا أَوْرَدَهُ غَيْرَ جَازِمٍ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا صَحَّ الْعَقْدُ وَالْعِتْقُ وَالْمَهْرُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا أَيْ لَفْظُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهَا وَكَانَتْ مَعْلُومَةً فَتَزَوَّجَهَا بِهَا.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: سَبَى النَّبِيُّ ﷺ صَفِيَّةَ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ: مَا أَصْدَقَهَا قَالَ نَفْسَهَا، فَأَعْتَقَهَا. هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثٍ قَالَ وَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. فَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ الْمَجْهُولَ مَهْرًا هُوَ نَفْسُ الْعِتْقِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوَاعِدِ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مَجْهُولَةً، فَإِنَّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْسَ الْعِتْقِ الْمَهْرَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا مَعْنَاهُ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا، أَيْ لَمْ يُصْدِقْهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ، وَلَمْ يَنْفِ أَصْلَ الصَّدَاقِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْمُرَابِطِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا: أَنَّهُ قَوْلُ أَنَسٍ، قَالَهُ ظَنًّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرُبَّمَا تَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ - وَيُقَالُ أَمَةُ اللَّهِ - بِنْتُ رَزِينَةَ عَنِ أُمِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَمْهَرَهَا رَزِينَةَ، وَكَانَ أَتَى بِهَا مَسْبِيَّةً مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَهَذَا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ نَفْسِهَا قَالَتْ أَعْتَقَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ أَنَسًا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ. وَقَدْ خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مَا عَلَيْهِ كَافَّةُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ صَفِيَّةَ مِنْ سَبْيِ خَيْبَرَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، فَلَزِمَهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْقَ يَحِلُّ مَحَلَّ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، قَالَ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ قَالَ وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ. وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبَاتِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ،
قَالَ: وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا حَتَّى يَجْعَلَ لَهَا مَهْرًا سِوَى الْعِتْقِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، لَكِنْ لَعَلَّ مُرَادَ مَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ صُورَةُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَلَا سِيَّمَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهَا لَهُ قِيمَتُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِعِتْقِهَا مَجَّانًا فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنْ رَضِيَتْ وَتَزَوَّجَتْهُ عَلَى مَهْرٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَعَلَيْهَا لَهُ قِيمَتُهَا. فَإِنِ اتَّحَدَا تَقَاصَّا.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ حِبَّانَ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الظَّاهِرُ مَعَ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَالْقِيَاسُ مَعَ الْآخَرِينَ ; فَيَتَرَدَّدُ الْحَالُ بَيْنَ ظَنٍّ نَشَأَ عَنْ قِيَاسٍ وَبَيْنَ ظَنٍّ نَشَأَ عَنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ مَعَ مَا تَحْتَمِلُهُ الْوَاقِعَةُ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَكِنْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِكَثْرَةِ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النِّكَاحِ، وَخُصُوصًا خُصُوصِيَّتَهُ بِتَزْوِيجِ الْوَاهِبَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْخَصَائِصِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَمَوْضِعُ الْخُصُوصِيَّةِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا مُطْلَقًا وَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَعْتِقَ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَتَقَرَّرَ اسْتِحَالَتُهُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا إِمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ عِتْقِهَا وَهُوَ مُحَالٌ لِتَنَاقُضِ الْحُكْمَيْنِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حُكْمُهَا الِاسْتِقْلَالِ وَالرِّقُّ ضِدُّهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلِزَوَالِ حُكْمِ الْجَبْرِ عَنْهَا بِالْعِتْقِ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا تَرْضَى وَحِينَئِذٍ لَا تُنْكَحُ إِلَّا بِرِضَاهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا إِذَا جَعَلْنَا الْعِتْقَ صَدَاقًا فَإِمَّا أَنْ يَتَقَرَّرَ الْعِتْقُ حَالَةَ الرِّقِّ وَهُوَ مُحَالٌ لِتَنَاقُضِهِمَا، أَوْ حَالَةَ الْحُرِّيَّةِ فَيَلْزَمُ أَسْبَقِيَّتُهُ عَلَى الْعَقْدِ، فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْعِتْقِ حَالَةَ فَرْضِ عَدَمِهِ وَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ عَلَى الزَّوْجِ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا حُكْمًا حَتَّى تَمْلِكَ الزَّوْجَةُ طَلَبَهُ. فَإِنِ اعْتَلُّوا بِنِكَاحِ التَّفْوِيضِ فَقَدْ تَحَرَّزْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا حُكْمًا، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَيْءٌ لَكِنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَيْءٌ تُطَالِبُ بِهِ الزَّوْجَ، وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَتُعَقِّبَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الصَّدَاقِ عَلَى شَرْطِ إِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ كَأَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُكِ عَلَى مَا سَيُسْتَحَقُّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ وَهُوَ كَذَا، فَإِذَا حَلَّ الْمَالُ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّتْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَهُوَ مِمَّا يَتَأَيَّدُ بِهِ حَدِيثُ أَنَسٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا لَمَّا جَاءَتْ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجَكِ؟ قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهَا كِتَابَتَهَا أَنْ يَصِيرَ وَلَاؤُهَا لِمُكَاتِبِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا قَدْ فَعَلْتُ رَضِيتُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَوَّضَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ عَنْهَا فَصَارَتْ لَهُ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَمَا صَنَعَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، أَوْ يَكُونُ ثَابِتٌ لَمَّا بَلَغَتْهُ رَغْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهَبَهَا لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُ أَمَتَهُ إِذَا أَعْتَقَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ وَلَا حَاكِمٍ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ يَأْتِي فِي بَابِ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ بَابًا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَإِنْ قِيلَ ثَوَابُ الْعِتْقِ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ فَوَّتَهُ حَيْثُ جَعَلَهُ مَهْرًا؟ وَكَانَ يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَهْرِ غَيْرَهُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتُ مَلِكٍ، وَمِثْلُهَا لَا يَقْنَعُ إِلَّا بِالْمَهْرِ الْكَثِيرِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
النَّاس: لا ندرِي أتزَّوجها أم اتَّخذَها أمَّ ولدٍ؟ (فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّا) أي: هيَّأ (لَهَا) شيئًا تقعد عليهِ (خَلْفَهُ) أي: على الرَّاحلةِ (وَمَدَّ الحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ).
قيل: ومطابقةُ الحديث للترجمةِ من تردُّدِ الصَّحابة هل صفيَّة زوجةٌ أو سُرِّيَّةٌ؟
(١٣ م) (بابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الأَمَةِ صَدَاقَهَا) هل يصحُّ أم لا؟
٥٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (وَشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحَابِ) بحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة ثانية، البصريِّ، كلاهما (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ) بنتَ حييٍّ (وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) أي: أعتَقَها بشرطِ أن يتزوَّجَها، فوجب لهُ عليها قيمَتُها، وكانت معلومةً فتزوَّجها بها. وفي رواية حمادٍ، عن ثابتٍ وعبد العزيزِ، عن أنسٍ قال: وصارت صفيَّةُ لرسول الله ﷺ، ثمَّ تزوَّجها وجعلَ عِتقها صَدَاقها. فقال عبدُ العزيز لثابتٍ: يا أبا محمد، أنتَ سألتَ أنسًا ما أمهرهَا؟ قال: أمهرَها نفسهَا، فتبسَّمَ [خ¦٩٤٧]. فهو ظاهرٌ جدًّا في أنَّ المجعولَ مهرًا هو نفسُ العتقِ، وقد تمسَّكَ بظاهرهِ أبو يوسف وأحمد، فقالا: إذا أعتقَ أمتهُ على أن يجعلَ عتقَهَا صَدَاقها صحَّ العقدُ والعتقُ والمهرُ على ظاهرِ الحديث، وعبارةُ المرداويِّ من الحنابلةِ في «تنقيحه»: وإذا قال لأمتِهِ -القِن، أو المدَبَّرةِ، أو المكاتبةِ، أو أمِّ ولدِهِ، أو المعلَّقِ عتقها على صفةٍ-: أعتقتُكِ وجعلتُ عتقَكِ صداقَكِ صحَّ إن كان مُتَّصلًا بحضرةِ شاهدين، ويصحُّ جعلُ صداقِ مَن بعضُها رقيقٌ عتقَ ذلك البعضِ صداقًا (١). انتهى.
ومنهم من جعلَهُ من خصائصِهِ ﷺ، وممَّن جزمَ بذلك الماورديُّ ويحيى بن أكثَم، ونقلهُ المزنيُّ عن الشَّافعيِّ. قال: وموضعُ الخصوصيَّةِ أنَّه أعتَقَها مطلقًا، وتزوَّجَها بغير مهرٍ ولا وليٍّ ولا شهودٍ، وهذا بخلافِ غيره، وقيل: المعنى أعتقها ثمَّ تزوَّجها، فلمَّا لم يعلَمْ أنسٌ أنَّه ساقَ لها صداقًا قال: أصدَقها نفسَها، أي: لم يصدقْها شيئًا فيما أعلمُ، فلم ينفِ أصل الصَّداقِ، ولهذا قال الطَّبريُّ من الشَّافعيَّةِ، وابنُ المرابطِ من المالكيَّةِ، ومن تبعهما: إنُّه -قولُ أنسٍ- قاله ظنًّا من قبلِ نفسِهِ، ولم يرفعْهُ، وعورضَ بما أخرجه الطَّبرانيُّ وأبو الشَّيخ من حديثِ صفيَّةَ نفسِها أنَّها قالت: «أَعتقني النَّبيُّ ﷺ وجعلَ عِتقي صَدَاقي». فيردُّ على القائلِ بأنَّ أنسًا قاله من قبلِ نفسهِ.
وهذا الحديث سبقَ في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٠٠].
(١٤) (بابُ) جوازِ (تَزْوِيجِ المُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء﴾) من المالِ (﴿يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]) فالإعسارُ في الحالِ لا يمنَعُ التَّزويجَ (١) لاحتمالِ حصولِ المالِ في المآلِ، وعن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: رغَّبَهم الله تعالى في التَّزويجِ، وأمرَ به الأحرارَ والعبيدَ. يعني: في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ ووعدَهُم عليه الغِنَى فقال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وعن سعيد بن عبد العزيزِ قال: بلغني أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق ﵁ قال: أطيعُوا اللهَ فيما أَمَركم به من النِّكاح، ينجِز لكُم ما وعدَكُم من الغِنَى، قال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ رواهُ ابنُ أبي حاتم، وعن ابنِ مسعود أنَّهُ قال: «التَمِسُوا الرِّزقَ في النِّكاحِ بقول الله: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾» رواه ابنُ جرير. وذكرَ البغويُّ عن عمر (٢) نحوه. وفي حديثِ أبي هُريرة عند أحمدَ والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ ماجه: قال رسولُ الله ﷺ: «ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونهُم: النَّاكِحُ يريدُ العفافَ … » الحديثَ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
شُهُودٍ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ فِي تَزْوِيجِ صَفِيَّةَ شُهُودٌ لَمَا خَفِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ حَتَّى يَتَرَدَّدُوا، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا التَّزْوِيجَ غَيْرُ الَّذِينَ تَرَدَّدُوا، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ تَرَدَّدُوا فَذَلِكَ مَذْكُورٌ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ أَوَّلِ الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِتْقِ فِي الَّذِي بَعْدَهُ
١٣ - بَاب مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا
٥٠٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا) كَذَا أَوْرَدَهُ غَيْرَ جَازِمٍ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا صَحَّ الْعَقْدُ وَالْعِتْقُ وَالْمَهْرُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا أَيْ لَفْظُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهَا وَكَانَتْ مَعْلُومَةً فَتَزَوَّجَهَا بِهَا.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: سَبَى النَّبِيُّ ﷺ صَفِيَّةَ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ: مَا أَصْدَقَهَا قَالَ نَفْسَهَا، فَأَعْتَقَهَا. هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثٍ قَالَ وَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. فَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ الْمَجْهُولَ مَهْرًا هُوَ نَفْسُ الْعِتْقِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوَاعِدِ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مَجْهُولَةً، فَإِنَّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْسَ الْعِتْقِ الْمَهْرَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا مَعْنَاهُ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا، أَيْ لَمْ يُصْدِقْهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ، وَلَمْ يَنْفِ أَصْلَ الصَّدَاقِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْمُرَابِطِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا: أَنَّهُ قَوْلُ أَنَسٍ، قَالَهُ ظَنًّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرُبَّمَا تَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ - وَيُقَالُ أَمَةُ اللَّهِ - بِنْتُ رَزِينَةَ عَنِ أُمِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَمْهَرَهَا رَزِينَةَ، وَكَانَ أَتَى بِهَا مَسْبِيَّةً مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَهَذَا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ نَفْسِهَا قَالَتْ أَعْتَقَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ أَنَسًا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ. وَقَدْ خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مَا عَلَيْهِ كَافَّةُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ صَفِيَّةَ مِنْ سَبْيِ خَيْبَرَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، فَلَزِمَهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْقَ يَحِلُّ مَحَلَّ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، قَالَ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ قَالَ وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ. وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبَاتِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ،
قَالَ: وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا حَتَّى يَجْعَلَ لَهَا مَهْرًا سِوَى الْعِتْقِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، لَكِنْ لَعَلَّ مُرَادَ مَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ صُورَةُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَلَا سِيَّمَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهَا لَهُ قِيمَتُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِعِتْقِهَا مَجَّانًا فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنْ رَضِيَتْ وَتَزَوَّجَتْهُ عَلَى مَهْرٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَعَلَيْهَا لَهُ قِيمَتُهَا. فَإِنِ اتَّحَدَا تَقَاصَّا.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ حِبَّانَ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الظَّاهِرُ مَعَ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَالْقِيَاسُ مَعَ الْآخَرِينَ ; فَيَتَرَدَّدُ الْحَالُ بَيْنَ ظَنٍّ نَشَأَ عَنْ قِيَاسٍ وَبَيْنَ ظَنٍّ نَشَأَ عَنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ مَعَ مَا تَحْتَمِلُهُ الْوَاقِعَةُ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَكِنْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِكَثْرَةِ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النِّكَاحِ، وَخُصُوصًا خُصُوصِيَّتَهُ بِتَزْوِيجِ الْوَاهِبَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْخَصَائِصِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَمَوْضِعُ الْخُصُوصِيَّةِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا مُطْلَقًا وَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَعْتِقَ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَتَقَرَّرَ اسْتِحَالَتُهُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا إِمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ عِتْقِهَا وَهُوَ مُحَالٌ لِتَنَاقُضِ الْحُكْمَيْنِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حُكْمُهَا الِاسْتِقْلَالِ وَالرِّقُّ ضِدُّهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلِزَوَالِ حُكْمِ الْجَبْرِ عَنْهَا بِالْعِتْقِ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا تَرْضَى وَحِينَئِذٍ لَا تُنْكَحُ إِلَّا بِرِضَاهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا إِذَا جَعَلْنَا الْعِتْقَ صَدَاقًا فَإِمَّا أَنْ يَتَقَرَّرَ الْعِتْقُ حَالَةَ الرِّقِّ وَهُوَ مُحَالٌ لِتَنَاقُضِهِمَا، أَوْ حَالَةَ الْحُرِّيَّةِ فَيَلْزَمُ أَسْبَقِيَّتُهُ عَلَى الْعَقْدِ، فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْعِتْقِ حَالَةَ فَرْضِ عَدَمِهِ وَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ عَلَى الزَّوْجِ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا حُكْمًا حَتَّى تَمْلِكَ الزَّوْجَةُ طَلَبَهُ. فَإِنِ اعْتَلُّوا بِنِكَاحِ التَّفْوِيضِ فَقَدْ تَحَرَّزْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا حُكْمًا، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَيْءٌ لَكِنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَيْءٌ تُطَالِبُ بِهِ الزَّوْجَ، وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَتُعَقِّبَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الصَّدَاقِ عَلَى شَرْطِ إِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ كَأَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُكِ عَلَى مَا سَيُسْتَحَقُّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ وَهُوَ كَذَا، فَإِذَا حَلَّ الْمَالُ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّتْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَهُوَ مِمَّا يَتَأَيَّدُ بِهِ حَدِيثُ أَنَسٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا لَمَّا جَاءَتْ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجَكِ؟ قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهَا كِتَابَتَهَا أَنْ يَصِيرَ وَلَاؤُهَا لِمُكَاتِبِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا قَدْ فَعَلْتُ رَضِيتُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَوَّضَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ عَنْهَا فَصَارَتْ لَهُ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَمَا صَنَعَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، أَوْ يَكُونُ ثَابِتٌ لَمَّا بَلَغَتْهُ رَغْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهَبَهَا لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُ أَمَتَهُ إِذَا أَعْتَقَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ وَلَا حَاكِمٍ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ يَأْتِي فِي بَابِ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ بَابًا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَإِنْ قِيلَ ثَوَابُ الْعِتْقِ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ فَوَّتَهُ حَيْثُ جَعَلَهُ مَهْرًا؟ وَكَانَ يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَهْرِ غَيْرَهُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتُ مَلِكٍ، وَمِثْلُهَا لَا يَقْنَعُ إِلَّا بِالْمَهْرِ الْكَثِيرِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
النَّاس: لا ندرِي أتزَّوجها أم اتَّخذَها أمَّ ولدٍ؟ (فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّا) أي: هيَّأ (لَهَا) شيئًا تقعد عليهِ (خَلْفَهُ) أي: على الرَّاحلةِ (وَمَدَّ الحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ).
قيل: ومطابقةُ الحديث للترجمةِ من تردُّدِ الصَّحابة هل صفيَّة زوجةٌ أو سُرِّيَّةٌ؟
(١٣ م) (بابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الأَمَةِ صَدَاقَهَا) هل يصحُّ أم لا؟
٥٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (وَشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحَابِ) بحاءين مهملتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة ثانية، البصريِّ، كلاهما (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ) بنتَ حييٍّ (وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) أي: أعتَقَها بشرطِ أن يتزوَّجَها، فوجب لهُ عليها قيمَتُها، وكانت معلومةً فتزوَّجها بها. وفي رواية حمادٍ، عن ثابتٍ وعبد العزيزِ، عن أنسٍ قال: وصارت صفيَّةُ لرسول الله ﷺ، ثمَّ تزوَّجها وجعلَ عِتقها صَدَاقها. فقال عبدُ العزيز لثابتٍ: يا أبا محمد، أنتَ سألتَ أنسًا ما أمهرهَا؟ قال: أمهرَها نفسهَا، فتبسَّمَ [خ¦٩٤٧]. فهو ظاهرٌ جدًّا في أنَّ المجعولَ مهرًا هو نفسُ العتقِ، وقد تمسَّكَ بظاهرهِ أبو يوسف وأحمد، فقالا: إذا أعتقَ أمتهُ على أن يجعلَ عتقَهَا صَدَاقها صحَّ العقدُ والعتقُ والمهرُ على ظاهرِ الحديث، وعبارةُ المرداويِّ من الحنابلةِ في «تنقيحه»: وإذا قال لأمتِهِ -القِن، أو المدَبَّرةِ، أو المكاتبةِ، أو أمِّ ولدِهِ، أو المعلَّقِ عتقها على صفةٍ-: أعتقتُكِ وجعلتُ عتقَكِ صداقَكِ صحَّ إن كان مُتَّصلًا بحضرةِ شاهدين، ويصحُّ جعلُ صداقِ مَن بعضُها رقيقٌ عتقَ ذلك البعضِ صداقًا (١). انتهى.
ومنهم من جعلَهُ من خصائصِهِ ﷺ، وممَّن جزمَ بذلك الماورديُّ ويحيى بن أكثَم، ونقلهُ المزنيُّ عن الشَّافعيِّ. قال: وموضعُ الخصوصيَّةِ أنَّه أعتَقَها مطلقًا، وتزوَّجَها بغير مهرٍ ولا وليٍّ ولا شهودٍ، وهذا بخلافِ غيره، وقيل: المعنى أعتقها ثمَّ تزوَّجها، فلمَّا لم يعلَمْ أنسٌ أنَّه ساقَ لها صداقًا قال: أصدَقها نفسَها، أي: لم يصدقْها شيئًا فيما أعلمُ، فلم ينفِ أصل الصَّداقِ، ولهذا قال الطَّبريُّ من الشَّافعيَّةِ، وابنُ المرابطِ من المالكيَّةِ، ومن تبعهما: إنُّه -قولُ أنسٍ- قاله ظنًّا من قبلِ نفسِهِ، ولم يرفعْهُ، وعورضَ بما أخرجه الطَّبرانيُّ وأبو الشَّيخ من حديثِ صفيَّةَ نفسِها أنَّها قالت: «أَعتقني النَّبيُّ ﷺ وجعلَ عِتقي صَدَاقي». فيردُّ على القائلِ بأنَّ أنسًا قاله من قبلِ نفسهِ.
وهذا الحديث سبقَ في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢٠٠].
(١٤) (بابُ) جوازِ (تَزْوِيجِ المُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء﴾) من المالِ (﴿يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]) فالإعسارُ في الحالِ لا يمنَعُ التَّزويجَ (١) لاحتمالِ حصولِ المالِ في المآلِ، وعن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: رغَّبَهم الله تعالى في التَّزويجِ، وأمرَ به الأحرارَ والعبيدَ. يعني: في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ ووعدَهُم عليه الغِنَى فقال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وعن سعيد بن عبد العزيزِ قال: بلغني أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق ﵁ قال: أطيعُوا اللهَ فيما أَمَركم به من النِّكاح، ينجِز لكُم ما وعدَكُم من الغِنَى، قال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ رواهُ ابنُ أبي حاتم، وعن ابنِ مسعود أنَّهُ قال: «التَمِسُوا الرِّزقَ في النِّكاحِ بقول الله: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾» رواه ابنُ جرير. وذكرَ البغويُّ عن عمر (٢) نحوه. وفي حديثِ أبي هُريرة عند أحمدَ والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ ماجه: قال رسولُ الله ﷺ: «ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونهُم: النَّاكِحُ يريدُ العفافَ … » الحديثَ.