«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١

الحديث رقم ٦١ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦١ في صحيح البخاري

«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ. ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ».

بَابُ طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ

إسناد حديث البخاري رقم ٦١

٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَةِ، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاحِ فَفِيهِ الْخِلَافُ: فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا رَأْيُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَأَكْثَرِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، وَعَلَيْهِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمَغَارِبَةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى إِطْلَاقَ ذَلِكَ حَيْثُ يَقْرَأُ الشَّيْخُ مِنْ لَفْظِهِ وَتَقْيِيدِهِ حَيْثُ يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وهو مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الصِّيَغِ بِحَسَبِ افْتِرَاقِ التَّحَمُّلِ: فَيَخُصُّونَ التَّحْدِيثَ بِمَا يَلْفِظُ بِهِ الشَّيْخُ، وَالْإِخْبَارُ بِمَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ وَهْبٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ. ثُمَّ أَحْدَثَ أَتْبَاعُهُمْ تَفْصِيلًا آخَرَ: فَمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَفْرَدَ فَقَالَ حَدَّثَنِي وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ جَمَعَ، وَمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى الشَّيْخِ أَفْرَدَ فَقَالَ أَخْبَرَنِي، وَمَنْ سَمِعَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ جَمَعَ. وَكَذَا خَصَّصُوا الْإِنْبَاءَ بِالْإِجَازَةِ الَّتِي يُشَافِهُ بِهَا الشَّيْخُ مَنْ يُجِيزُهُ، وكُلُّ هَذَا مُسْتَحْسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا التَّمْيِيزَ بَيْنَ أَحْوَالِ التَّحَمُّلِ. وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ: فَتَكَلَّفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ لَهُ وَعَلَيْهِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. نَعَمْ يَحْتَاجُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى مُرَاعَاةِ الِاصْطِلَاحِ الْمَذْكُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ ; لِأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً عِنْدَهُمْ، فَمَنْ تَجَوَّزَ عَنْهَا احْتَاجَ إِلَى الْإِتْيَانِ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَنُ اخْتِلَاطُ الْمَسْمُوعِ بِالْمَجَازِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِاصْطِلَاحِ، فَيُحْمَلُ مَا يَرِدُ مِنَ أَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى مَحْمَلٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ.

٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ، ثم قالوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يا رسول الله؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ.

[الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦١٤٤، ٦١٢٢، ٥٤٤٨، ٥٤٤٤، ٤٦٩٨، ٢٢٠٩، ١٢١، ٧٢، ٦٢]

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ. وَلَهُ عَنْهُ فِي الْبُيُوعِ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وهو يَأْكُلُ جُمَّارًا.

قَوْلُهُ: (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِكَسْرِ مِيمِ مِثْلِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةِ بِفَتْحِهَا وَهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مِثْلُهُ وَمَثَلُهُ كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ كَمَا يُقَالُ شِبْهُهُ وَشَبَهُهُ بِمَعْنًى، قَالَ: وَالْمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا مَا يُضْرَبُ مِنَ الْأَمْثَالِ، انْتَهَى. وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ النَّخْلَةِ وَالْمُسْلِمِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِ الْوَرَقِ مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: إِنَّ مِثْلَ الْمُؤْمِنِ كَمِثْلِ شَجَرَةِ لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ، لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، وَلَا تَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبَرَكَةُ النَّخْلَةِ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا، مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي عَلْفِ الدَّوَابِّ وَاللِّيفِ فِي الْحِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا

يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ الْمُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا كَذَا ذَكَرَ النَّفْيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ، فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهَا وَلَا يُعْدَمُ فَيْؤُهَا وَلَا يَبْطُلُ نَفْعُهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ النَّفْيِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَظَنَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: تُؤْتِي أُكُلَهَا فَاسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ: لَعَلَّ لَا زَائِدَةٌ وَلَعَلَّهُ وَتُؤْتِي أُكُلَهَا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ مَعْمُولُ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ: تُؤْتِي ابْتِدَاءُ كَلَامٍ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ.

وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِتَقْدِيمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا فَسَلِمَ مِنَ الْإِشْكَالِ.

قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ النَّاسُ) أَيْ ذَهَبَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي أَشْجَارِ الْبَادِيَةِ، فَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُفَسِّرُهَا بِنَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ وَذَهِلُوا عَنِ النَّخْلَةِ، يُقَالُ وَقَعَ الطَّائِرُ عَلَى الشَّجَرَةِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي) بَيَّنَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجْهَ ذَلِكَ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَجْلِ الْجُمَّارِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُلْغَزَ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَطَّنَ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ السُّؤَالِ، وَأَنَّ الْمُلْغِزَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي التَّعْمِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَجْعَلُ لِلْمُلْغَزِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ، بَلْ كُلَّمَا قَرَّبَهُ كَانَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَيْتُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ ; فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ. وَلَهُ فِي الْأَطْعِمَةِ: فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ: وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا وَكَذَا. زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَحْسَبُهُ قَالَ: حُمْرُ النَّعَمِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ امْتِحَانُ الْعَالِمِ أَذْهَانَ الطَّلَبَةِ بِمَا يَخْفَى مَعَ بَيَانِهِ لَهُمْ إِنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَدُ رُوَاتِهِ: هِيَ صِعَابُ الْمَسَائِلِ - فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ مَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ تَعَنُّتِ الْمَسْئُولِ أَوْ تَعْجِيزِهِ، وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بَابُ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ، وَلِهَذَا تَمَنَّى عُمَرُ أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ لَمْ يَسْكُتْ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِلْمِ وَفِي الْأَدَبِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَرَكَةِ النَّخْلَةِ وَمَا تُثْمِرُهُ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا.

وَفِيهِ دَلِيلٌ على أَنَّ بَيْعَ الْجُمَّارِ جَائِزٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَكْلُهُ جَازَ بَيْعُهُ، وَلِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبُيُوعِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَعَلَّ مُتَخَيِّلًا يَتَخَيَّلُ أَنَّ هَذَا مِنْ ذَاكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَجْمِيرِ النَّخْلِ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إِضَاعَةِ الْمَالِ. وَأَوْرَدَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ النَّخْلَةُ. وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَمَنَعَنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ مَكَانُ سِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هِيَ النَّخْلَةُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أُتِيَ بِالْجُمَّارِ فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ تَالِيًا لِلْآيَةِ قَائِلًا: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً إِلَى آخِرِهِ.

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ يُخْبِرُنِي عَنْ شَجَرَةٍ مِثْلُهَا مِثْلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فِيمَا يَرْوِي (١) عَنْ رَبِّهِ) ﷿ (وَقَالَ أَنَسٌ) بن مالكٍ : (عَنِ النَّبِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿ وللأَصيليِّ: «فيما يرويه عن ربِّه» (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿ ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «» بدلًا عن قوله: «﷿» (٢) بكاف الخطاب مع ميم الجمع، وهذه التَّعاليق الثَّلاثة وصلها المؤلِّف في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٨] وأوردها هنا تنبيهًا على حكم المُعنعَن، والذي ذهب إليه هو وأئمَّة (٣) جمهور المحدِّثين أنَّه موصولٌ إذا أتى عن رواةٍ مُسمَّين معروفين بشرط السَّلامة واللِّقاء، وهو مذهب ابن المدينيِّ وابن عبد البرِّ والخطيب وغيرهم، وعَزَاه النَّوويُّ للمحقِّقين، بل هو مُقتضى كلام الشَّافعيِّ. نعم؛ لم يشترطه مسلمٌ، بل أنكر اشتراطه في مقدِّمة «صحيحه»، وادَّعى أنَّه قول مُخترَعٌ لم يسبق قائله إليه، وأنَّ القول الشَّائع المُتفَّق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا (٤) ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه، لكنَّه اشترط تعاصرهما فقط، وإن لم يأت في خبرٍ قطُّ أنَّهما اجتمعا أو (٥) تشافها؛ يعني: تحسينًا للظَّنِّ بالثقة، وفيما قاله نظرٌ يطول ذكره.

٦١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) زاد في رواية ابن عساكر: «ابن سعيدٍ» -وقد مرَّ- قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المذكور في «باب علامة المنافق» [خ¦٣٣] (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) السَّابق في «باب أمور الإيمان» [خ¦٩] (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ) أي: من جنسه (شَجَرَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ»، وخبرها الجارُّ والمجرور، و «من» للتَّبعيض، وقوله: (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا) في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «شجرةً»، وهي

صفةٌ سلبيَّةٌ تبيِّن أنَّ موصوفها مُختَصٌّ بها دون غيرها (وَإِنَّهَا مِثْلُ المُسْلِمِ) بكسر الهمزة عطفًا على «إنَّ» الأولى، وبكسر ميم «مِثْل» وسكون المُثلَّثة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، وفي رواية الأَصيليِّ وكريمة: «مَثَلُ» بفتحهما كشِبْه وشَبَه لفظًا ومعنًى، واستُعير «المثل» هنا -كاستعارة الأسد للمِقدَام-للحال العجيبة أو الصِّفة الغريبة، كأنَّه قِيل (١): حال المسلم العجيب الشَّأن كحال النَّخلة، أو صفته الغريبة كصفتها، فـ «المسلم» هو المُشبَّه، و «النَّخلة» هي المُشبَّه بها، وقوله: (فَحَدِّثُونِي) فعل أمرٍ، أي: إن عرفتموها فحدِّثوني (مَا هِيَ؟) جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ سدَّت مسدَّ مفعولي التَّحديث (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي) أي: جعل كلٌّ منهم يفسِّرها بنوعٍ من الأنواع، وذهلوا عن النَّخلة (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب : (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ) بالرَّفع خبر «أنَّ»، وبفتح الهمزة؛ لأنَّها فاعل «وقع» (فَاسْتَحْيَيْتُ) أن أتكلَّم وعنده أبو بكرٍ وعمر وغيرهما هيبةً منه وتوقيرًا لهم (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا) بكسر الدَّال وسكون المُثلَّثة (٢) (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) : (هِيَ النَّخْلَةُ) وعند المؤلِّف في «التَّفسير» من طريق نافعٍ عن ابن عمر، قال: كنَّا عند رسول الله فقال: «أخبروني بشجرةٍ كالرَّجل المسلم، لا يتحاتُّ ورقها ولا ولا ولا» [خ¦٤٦٩٨] ذكر النَّفيَ ثلاث مرَّاتٍ على طريق الاكتفاء، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يُعدَم فيئها (٣)، ولا يبطل نفعها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَةِ، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاحِ فَفِيهِ الْخِلَافُ: فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا رَأْيُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَأَكْثَرِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، وَعَلَيْهِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمَغَارِبَةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى إِطْلَاقَ ذَلِكَ حَيْثُ يَقْرَأُ الشَّيْخُ مِنْ لَفْظِهِ وَتَقْيِيدِهِ حَيْثُ يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وهو مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الصِّيَغِ بِحَسَبِ افْتِرَاقِ التَّحَمُّلِ: فَيَخُصُّونَ التَّحْدِيثَ بِمَا يَلْفِظُ بِهِ الشَّيْخُ، وَالْإِخْبَارُ بِمَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ وَهْبٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ. ثُمَّ أَحْدَثَ أَتْبَاعُهُمْ تَفْصِيلًا آخَرَ: فَمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَفْرَدَ فَقَالَ حَدَّثَنِي وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ جَمَعَ، وَمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى الشَّيْخِ أَفْرَدَ فَقَالَ أَخْبَرَنِي، وَمَنْ سَمِعَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ جَمَعَ. وَكَذَا خَصَّصُوا الْإِنْبَاءَ بِالْإِجَازَةِ الَّتِي يُشَافِهُ بِهَا الشَّيْخُ مَنْ يُجِيزُهُ، وكُلُّ هَذَا مُسْتَحْسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا التَّمْيِيزَ بَيْنَ أَحْوَالِ التَّحَمُّلِ. وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ: فَتَكَلَّفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ لَهُ وَعَلَيْهِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. نَعَمْ يَحْتَاجُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى مُرَاعَاةِ الِاصْطِلَاحِ الْمَذْكُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ ; لِأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً عِنْدَهُمْ، فَمَنْ تَجَوَّزَ عَنْهَا احْتَاجَ إِلَى الْإِتْيَانِ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَنُ اخْتِلَاطُ الْمَسْمُوعِ بِالْمَجَازِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِاصْطِلَاحِ، فَيُحْمَلُ مَا يَرِدُ مِنَ أَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى مَحْمَلٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ.

٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ، ثم قالوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يا رسول الله؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ.

[الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦١٤٤، ٦١٢٢، ٥٤٤٨، ٥٤٤٤، ٤٦٩٨، ٢٢٠٩، ١٢١، ٧٢، ٦٢]

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ. وَلَهُ عَنْهُ فِي الْبُيُوعِ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وهو يَأْكُلُ جُمَّارًا.

قَوْلُهُ: (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِكَسْرِ مِيمِ مِثْلِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةِ بِفَتْحِهَا وَهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مِثْلُهُ وَمَثَلُهُ كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ كَمَا يُقَالُ شِبْهُهُ وَشَبَهُهُ بِمَعْنًى، قَالَ: وَالْمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا مَا يُضْرَبُ مِنَ الْأَمْثَالِ، انْتَهَى. وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ النَّخْلَةِ وَالْمُسْلِمِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِ الْوَرَقِ مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: إِنَّ مِثْلَ الْمُؤْمِنِ كَمِثْلِ شَجَرَةِ لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ، لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ، وَلَا تَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبَرَكَةُ النَّخْلَةِ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا، مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي عَلْفِ الدَّوَابِّ وَاللِّيفِ فِي الْحِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا

يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ الْمُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا كَذَا ذَكَرَ النَّفْيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ، فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهَا وَلَا يُعْدَمُ فَيْؤُهَا وَلَا يَبْطُلُ نَفْعُهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ النَّفْيِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَظَنَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: تُؤْتِي أُكُلَهَا فَاسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ: لَعَلَّ لَا زَائِدَةٌ وَلَعَلَّهُ وَتُؤْتِي أُكُلَهَا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ مَعْمُولُ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ: تُؤْتِي ابْتِدَاءُ كَلَامٍ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ.

وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِتَقْدِيمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا فَسَلِمَ مِنَ الْإِشْكَالِ.

قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ النَّاسُ) أَيْ ذَهَبَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي أَشْجَارِ الْبَادِيَةِ، فَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُفَسِّرُهَا بِنَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ وَذَهِلُوا عَنِ النَّخْلَةِ، يُقَالُ وَقَعَ الطَّائِرُ عَلَى الشَّجَرَةِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي) بَيَّنَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجْهَ ذَلِكَ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَجْلِ الْجُمَّارِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُلْغَزَ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَطَّنَ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ السُّؤَالِ، وَأَنَّ الْمُلْغِزَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي التَّعْمِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَجْعَلُ لِلْمُلْغَزِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ، بَلْ كُلَّمَا قَرَّبَهُ كَانَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَيْتُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ ; فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ. وَلَهُ فِي الْأَطْعِمَةِ: فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ: وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا وَكَذَا. زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَحْسَبُهُ قَالَ: حُمْرُ النَّعَمِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ امْتِحَانُ الْعَالِمِ أَذْهَانَ الطَّلَبَةِ بِمَا يَخْفَى مَعَ بَيَانِهِ لَهُمْ إِنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَدُ رُوَاتِهِ: هِيَ صِعَابُ الْمَسَائِلِ - فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ مَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ تَعَنُّتِ الْمَسْئُولِ أَوْ تَعْجِيزِهِ، وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بَابُ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ، وَلِهَذَا تَمَنَّى عُمَرُ أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ لَمْ يَسْكُتْ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِلْمِ وَفِي الْأَدَبِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَرَكَةِ النَّخْلَةِ وَمَا تُثْمِرُهُ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا.

وَفِيهِ دَلِيلٌ على أَنَّ بَيْعَ الْجُمَّارِ جَائِزٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَكْلُهُ جَازَ بَيْعُهُ، وَلِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبُيُوعِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَعَلَّ مُتَخَيِّلًا يَتَخَيَّلُ أَنَّ هَذَا مِنْ ذَاكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَجْمِيرِ النَّخْلِ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إِضَاعَةِ الْمَالِ. وَأَوْرَدَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ النَّخْلَةُ. وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هِيَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَمَنَعَنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ مَكَانُ سِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هِيَ النَّخْلَةُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أُتِيَ بِالْجُمَّارِ فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ تَالِيًا لِلْآيَةِ قَائِلًا: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً إِلَى آخِرِهِ.

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ يُخْبِرُنِي عَنْ شَجَرَةٍ مِثْلُهَا مِثْلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فِيمَا يَرْوِي (١) عَنْ رَبِّهِ) ﷿ (وَقَالَ أَنَسٌ) بن مالكٍ : (عَنِ النَّبِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿ وللأَصيليِّ: «فيما يرويه عن ربِّه» (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿ ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «» بدلًا عن قوله: «﷿» (٢) بكاف الخطاب مع ميم الجمع، وهذه التَّعاليق الثَّلاثة وصلها المؤلِّف في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٨] وأوردها هنا تنبيهًا على حكم المُعنعَن، والذي ذهب إليه هو وأئمَّة (٣) جمهور المحدِّثين أنَّه موصولٌ إذا أتى عن رواةٍ مُسمَّين معروفين بشرط السَّلامة واللِّقاء، وهو مذهب ابن المدينيِّ وابن عبد البرِّ والخطيب وغيرهم، وعَزَاه النَّوويُّ للمحقِّقين، بل هو مُقتضى كلام الشَّافعيِّ. نعم؛ لم يشترطه مسلمٌ، بل أنكر اشتراطه في مقدِّمة «صحيحه»، وادَّعى أنَّه قول مُخترَعٌ لم يسبق قائله إليه، وأنَّ القول الشَّائع المُتفَّق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا (٤) ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه، لكنَّه اشترط تعاصرهما فقط، وإن لم يأت في خبرٍ قطُّ أنَّهما اجتمعا أو (٥) تشافها؛ يعني: تحسينًا للظَّنِّ بالثقة، وفيما قاله نظرٌ يطول ذكره.

٦١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) زاد في رواية ابن عساكر: «ابن سعيدٍ» -وقد مرَّ- قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المذكور في «باب علامة المنافق» [خ¦٣٣] (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) السَّابق في «باب أمور الإيمان» [خ¦٩] (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ) أي: من جنسه (شَجَرَةً) بالنَّصب اسم «إنَّ»، وخبرها الجارُّ والمجرور، و «من» للتَّبعيض، وقوله: (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا) في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «شجرةً»، وهي

صفةٌ سلبيَّةٌ تبيِّن أنَّ موصوفها مُختَصٌّ بها دون غيرها (وَإِنَّهَا مِثْلُ المُسْلِمِ) بكسر الهمزة عطفًا على «إنَّ» الأولى، وبكسر ميم «مِثْل» وسكون المُثلَّثة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، وفي رواية الأَصيليِّ وكريمة: «مَثَلُ» بفتحهما كشِبْه وشَبَه لفظًا ومعنًى، واستُعير «المثل» هنا -كاستعارة الأسد للمِقدَام-للحال العجيبة أو الصِّفة الغريبة، كأنَّه قِيل (١): حال المسلم العجيب الشَّأن كحال النَّخلة، أو صفته الغريبة كصفتها، فـ «المسلم» هو المُشبَّه، و «النَّخلة» هي المُشبَّه بها، وقوله: (فَحَدِّثُونِي) فعل أمرٍ، أي: إن عرفتموها فحدِّثوني (مَا هِيَ؟) جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ سدَّت مسدَّ مفعولي التَّحديث (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي) أي: جعل كلٌّ منهم يفسِّرها بنوعٍ من الأنواع، وذهلوا عن النَّخلة (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب : (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ) بالرَّفع خبر «أنَّ»، وبفتح الهمزة؛ لأنَّها فاعل «وقع» (فَاسْتَحْيَيْتُ) أن أتكلَّم وعنده أبو بكرٍ وعمر وغيرهما هيبةً منه وتوقيرًا لهم (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا) بكسر الدَّال وسكون المُثلَّثة (٢) (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) : (هِيَ النَّخْلَةُ) وعند المؤلِّف في «التَّفسير» من طريق نافعٍ عن ابن عمر، قال: كنَّا عند رسول الله فقال: «أخبروني بشجرةٍ كالرَّجل المسلم، لا يتحاتُّ ورقها ولا ولا ولا» [خ¦٤٦٩٨] ذكر النَّفيَ ثلاث مرَّاتٍ على طريق الاكتفاء، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يُعدَم فيئها (٣)، ولا يبطل نفعها.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله