«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٤٧

الحديث رقم ٧٠٤٧ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه…

«كَانَ رَسُولُ اللهِ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟. قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى، قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ: فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللهَبُ ضَوْضَوْا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ

⦗٤٥⦘

يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ، كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ، فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ، قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا، قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَ: قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا، فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ، قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ، قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا، وَأَنْتَ دَاخِلُهُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ

⦗٤٦⦘

الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ.»

سند حديث: ٧٠٤٧ - حَدَّثَنِي مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ…

٧٠٤٧ - حَدَّثَنِي مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه…

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن رؤية رآها في المنام، ثم إنه قَصَّها على أصحابه بعد صلاة الفجر، كما في بعض روايات الحديث.
فيخبر عن نفسه فيقول: أنه أتاني في ليلتي آتِيَان قالا لي: انْطَلق، فانطلقت معهما، فأتوا على رجل مضطجع أو مُسْتَلق على قَفَاه وأخر قائما عليه معه صخرة وهي الحجر الكبيرة فيرمِيه بها حتى يَشَّق رأسه، فيَتَدَحْرجُ الحجر إلى جهة الضارب، فيأخذ الحجر ولا يرجع إلى المضروب حتى يعود رأسه كما كان، فإذا التئم رأسه وعاد على ما كان عليه قبل شقه عاد عليه مرة أخرى، فَفَعل به مِثْل ما فعل في المرَّة الأولى.
قال: قلت لهما متعجبا مما رآه من حال الرجلين: سُبحان الله! ما هذان؟
قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقنا، فأتوا على رجُل مُمتدٍّ على قفاه وآخر قائم عليه يحمل معه حديدة، يضعها على أحد شقَّي وجه الآخر، فيَشق جانبا من وجهه، حتى يَبْلغَ به قَفَاه، ومتى ما فرغ من شق إحدى الجهتين، تَحَول إلى جانب الشق الآخر من الوجه، فَيُفْعَل به ما فعل بالجانب الأول من شقه، وإذا فرغ من شق الجانب الآخر، كان الشق الأول قد التئم وعاد كما كان عليه قبل شقه، فيفعل به كما في المرة الأولى، ثم يعود للشق الثاني وقد التئم، فيفعل به كما فعل به في المرة الأولى وهكذا كلَّما التئم الشق عاد عليه.
قال: قلت: سُبْحان الله! ما هذان؟
قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقْنا، فَأَتَيْنَا على مِثْلِ التَّنُّورِ أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار، ويسمع منه أصوات مختلطة لا تُفهم.
فاطلعوا على ما في التنور فوجدوا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هُمْ يَأتِيِهمْ لَهَبٌ من أسْفَلَ منهم، فإذا أتاهُمْ ضجوا وصاحوا بِمَا لَا يُفهم منه إلا الاستِغاثة مما هم فِيهِ.
قلت: ما هؤلاء؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فانْطَلقنا، فأتينا على نَهْر من دم، رأوا فيه رجلا يسبح وآخر قائم على شَطِّ النهر، قد جُمعت عنده حجارة كثيرة، ثم إن السابح يأتي إلى الرجل القائم على شطِّ النهر، فيفتح له فاه فيرمه بالحجر، فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه مرة ثانية وفي كل مرة يرجع إليه يفتح له فاه فَيُلقِمه الحجر، وهكذا.
قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على رَجُل قبيح المنظر.
فإذا عنده نار يَحُشُّهَا ويَسْعَى حولها يوقدها.
قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انْطَلِق انْطَلِق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على رَوضَة خَصْبة فيها من كل الزهور، وإذا في وسطها رجُلٌ طَويل لا أكَادُ أرى رأسه طُولا في السماء وإذا حَول الرجُل أكثر ولدان رَأيْتُهُمْ قَطّ.
قلت: ما هذا؟ وما هؤلاء؟ قالا لي: انْطَلق انْطَلق، فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا على شجرة عظيمة لم أر روضة قط، أعظم منها ولا أحسن منها في جمالها ونظارتها.
قالا لي: اصعد في تلك الشجرة.
فصعدوا في تلك الشجرة، فإذا هُم في مدينة مُشَيَّدة بالذهب والفضة.
فطلبوا من أهل تلك المدينة أن يفتحوا لهم باب المدينة، فَفُتِح لهم فدخلوها.
فَتَلَقَّانَا رِجال نِصف خِلقَتْهم وصورتهم كأجمل صورة تراها العين، والنصف الآخر كأقبح صورة تراها العين. قال لهم الملكان: اذهبوا إلى ذلك النَّهر، فاغتسلوا فيه.
وإذا هو نَهْر مُعْتَرِضٌ يَجري كأن ماءه اللَّبَنُ الخالص غير المُخْتَلطِ بشيء، وشبهه بالبياض الذي هو صفة اللَّبَنُ.
فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فيه، ثم رجَعُوا إلينا وقد زال عنهم ما كان فيهم من القُبْح والبَشَاعة، فصاروا على أجمل صورة.
وأخبراه بأن هذه المدينة هي جنات عدن وأن ذاك منزلك فيها.
فارتفع بصره إلى فوق صلى الله عليه وسلم كثيرا، فرأى قصرًا، مثل السحاب البيضاء، فأطلعاه على منزله.
فدعا لهما وطلب منهما أن يسمحا له بالدخول إلى ذاك المنزل.
فلم يسمحوا له بدخوله؛ لأنه قد بقي له من العُمْر بقية، وأخبروه أنه سيدخل هذا القصر حال استكمال أجله.
وبعد أن انتهوا من عرض بعض صور الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم لهما: إني رأيت أمورا عجيبة، ثم سألهم عنها بقوله: "فما هذا الذي رأيت؟"
قالا لي: أما إنَّا سَنُخْبِرُكَ: أما الرُّجُل الأول الذي رأيته يَشُقُّ رأسه بالحَجر، هو من حفظ القرآن، ثم تركه ولم يعمل به وينام عن الصلاة المكتوبة، ورفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس.
وأما الرجل الذي رأيته يقطع جانبا من وجهه، فذاك الذي يَكْذِبُ الكَذْبَة، فتَنْتَشر فِي أطراف الأرض.
وإنما استحق التعذيب لما يَنْشأ عن تلك الكَذْبَة من المفاسد وهو فيها مختار غير مُكْرَه ولا مُلْجَأ.
وأما ما رأيت من الرجال والنساء في ذلك التَّنُّورِ، فهؤلاء الزُّنَاة والزواني.
ومناسبة العُري لهم لاستحقاقهم أن يُفضحوا؛ لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك.
وأما الرَّجل الذي أتيت عليه يَسْبَح في النَّهر، ويُلْقِم الحِجَارة، فإنه آكِل الرِبَا
وأما الرجل الذي رأيته كرِيه المنظر قاعد عند النار يوقدها، فإنه مالك خازن النار.
وإنما كان كرِيه الرؤية؛ لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار.
وأما الرَّجُل الطَّويل الذي في الرَّوْضَةِ، فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم .
وأما الأولاد الذين رأيتهم حول إبراهيم -عليه السلام- فهم كل من مات على فطرة الإسلام قبل البلوغ أو ولد على فطرة الإسلام، ثم مات قبل البلوغ.
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حكم أولاد المشركين في الآخرة، كحكم أولاد المسلمين.
وأما القوم الذين نصفهم حسن والنصف الآخر قبيح، فإنهم جمعوا بين الحسنات والسيئات معا، فظهرت الحسنات في صورتهم الجميلة، وظهرت السيئات في صورتهم القبيحة، عفا الله عنهم، وأدخلهم الجنة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمر الرؤيا.
  • إجادة النبي -صلى الله عليه وسلم- تعبير الرؤيا؛ لأن الإكثار من قوله: "هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا؟" دليل على علمه بذلك وإلا لما سألهم.
  • استحباب السؤال عمن رأى رؤيا وسماعها.
  • تعبير الرؤيا وقت الصبح أفضل من غيره من الأوقات لقرب عهد الرائي بها وصفاء ذهن المعبر.
  • أن رؤيا الأنبياء حق.
  • إثبات عذاب القبر وأن بعض العصاة يعذبون في البرزخ.
  • أن الملائكة قادرون على التَّشَكُّل على أشكال البشر.
  • إشارة إلى أن للجنة درجات، وأن كل ما يكون أعلى فهو أعلى من الأدنى.
  • استحباب التسبيح عند وجود أمر يُتعجب منه.
  • الترهيب من نسيان القرآن بعد حفظه، والتحذير من ترك العمل به.
  • الوعيد الشديد لمن يتكاسل عن الصلاة المفروضة.
  • الترهيب من الكذب وبيان عذابه الشديد.
  • التحذير من الزنا وأكل الربا.
  • بيان عُلُّو منزلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجَنَّة.
  • بيان فضيلة إبراهيم -عليه السلام-.
  • أن من مات قبل البلوغ دخل الجنة ولو من أبوين كافرين.
  • بيان فضل الشهداء، وأن منازلهم أرفع المنازل.
  • من استوت حسناته وسيئاته يتجاوز الله عنهم.
  • بيان أن النعيم في الجنة والعذاب في النار حق لا ريب فيه.
  • أن الذي له قصر في الجنَّة لا يُقيم فيه وهو في الدنيا، بل إذا مات حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- والشهيد.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

انْبِسَاطِ أَبِي بَكْرٍ مَعَهُ وَإِدْلَالُهُ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَعْبُرُ الرُّؤْيَا إِلَّا عَالِمٌ نَاصِحٌ أَمِينٌ حَبِيبٌ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَابِرَ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ، وَأَنَّ لِلْعَالمِ بِالتَّعْبِيرِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا أَوْ بَعْضِهَا عِنْدَ رُجْحَانِ الْكِتْمَانِ عَلَى الذِّكْرِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ عُمُومٌ، فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مَخْصُوصَةً بِوَاحِدٍ مَثَلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْبِرَهُ لِيُعِدَّ الصَّبْرَ وَيَكُونَ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ نُزُولِ الْحَادِثَةِ.

وَفِيهِ جَوَازُ إِظْهَارِ الْعَالِمِ مَا يَحْسُنُ مِنَ الْعِلْمِ إِذَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ وَأَمِنَ الْعُجْبَ، وَكَلَامُ الْعَالِمِ بِالْعِلْمِ بِحَضْرَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ مِثْلِهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ، وَأَنَّ لِلتِّلْمِيذِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مُعَلِّمِهِ أَنْ يُفِيدَهُ الْحِكَمَ.

٤٨ - بَاب تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ

٧٠٤٧ - حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هاشم، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يعني مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لنا ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَدهده الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ. قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ.

قَالَ: وأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ. قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ، حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا.

قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ، فارتقيت فِيهَا.

قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ. قَالَ: قَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ. قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ من الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا، فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ. قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ. قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا، وَأَنْتَ دَاخِلَهُ.

قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فهم الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَن وَشَطْرًا قَبِيح فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ عُمَلَائِهِمْ قَالَ: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا تُخْبِرْ بِهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّعْبِيرِ: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الرَّابِعَةِ وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى قَبْلِ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَعْبِيرِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ بِكَرَاهَةِ تَعْبِيرِهَا فِي أَوْقَاتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ لِحِفْظِ صَاحِبِهَا لَهَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِهَا وَقَبْلَ مَا يَعْرِضُ لَهُ نِسْيَانُهَا، وَلِحُضُورِ ذِهْنِ الْعَابِرِ وَقِلَّةِ شُغْلِهِ بِالْفِكْرَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهِ

وَلِيَعْرِفَ الرَّائِي مَا يَعْرِضُ لَهُ بِسَبَبِ رُؤْيَا فَيَسْتَبْشِرُ بِالْخَيْرِ وَيَحْذَرُ مِنَ الشَّرِّ وَيَتَأَهَّبُ لِذَلِكَ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي الرُّؤْيَا تَحْذِيرٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَيَكُفُّ عَنْهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ إِنْذَارًا لِأَمْرٍ فَيَكُونُ لَهُ مُتَرَقِّبًا، قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوَائِدَ لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا أَوَّلَ النَّهَارِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنِي.

قَوْلُهُ: (مُؤَمَّلٌ) بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ مَهْمُوزٌ (ابْنُ هِشَامٍ أَبُو هَاشِمٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَقَالَ: الصَّوَابُ أَبُو هِشَامٍ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَكَانَ صِهْرَ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ابْنَتِهِ، وَلَمْ يخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ غَيْرِ إِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا تَامًّا، وَأَخْرَجَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي التَّفْسِيرِ عَنْهُ بِهَذَا السَّنَدِ أَطْرَافًا، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا تَامًّا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، وَأَخْرَجَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي التَّهَجُّدِ وَفِي الْبُيُوعِ وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَفِي الْجِهَادِ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي الْأَدَبِ عَنْهُ مِنْهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَطْرَافًا، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِطْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ جَرِيرٍ بِتَمَامِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ عَنْهُ عَنْ عَوْفٍ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَشَيْخُهُ عَوْفٌ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ وَاسْمُهُ عِمْرَانُ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْنِي مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِإِسْقَاطِ يَعْنِي وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَاقِينَ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مَا نَقَلَ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهَا بِمَعْنَى مِمَّا يُكْثِرُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِمَّا يُكْثِرُ خَبَرُ كَانَ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَيُكْثِرُ صِلَتُهُ وَالضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى مَا فَاعِلُ يَقُولُ وَأَنْ يَقُولَ فَاعِلُ يُكْثِرُ وَهَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ هُوَ الْمَقُولُ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ كَائِنًا مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ كَثُرَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ، فَوَضَعَ مَا مَوْضِعَ منْ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا لِجَانِبِهِ، وَتَحْرِيرُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُجِيدُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، وَكَانَ لَهُ مُشَارِكٌ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِمَّنْ تَدَرَّبَ فِيهِ وَوَثِقَ بِإِصَابَتِهِ كَقَوْلِكَ: كَانَ زَيْدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّحْوِ وَمِنْهُ قَوْلُ صَاحِبَيِ السِّجْنِ لِيُوسُفَ : ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ مِنَ الْمُجِيدِينَ فِي عِبَارَةِ الرُّؤْيَا، وَعُلَمَاءِ ذَلِكَ مِمَّا رَأَيَاهُ مِنْهُ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الْبَيَانُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّحْوُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّا يُكْثِرُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقُولَهُ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ الْوَجْهِ السَّابِقِ وَالْمُتَبَادِرُ هُوَ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشَّارِحِينَ.

قَوْلُهُ: (فَيُقَصُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: (مَا شَاءَ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِلْمَقْصُوصِ وَمَنْ فِي الثَّانِيَةِ لِلْقَاصِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَسَأَلَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَعْبُرَ لَهُمُ الرُّؤْيَا، فَلَمَّا قَالُوا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا لَكِنِّي رَأَيْتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلْدَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَاسْمُهُ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا، فَلَمْ يُحَدِّثْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاسْمَعُوا مِنِّي أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ) لَفْظُ: ذَاتَ زَائِدٌ أَوْ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى اسْمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْهُ كَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ إِذَا صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ

وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا صَلَاةَ الْفَجْرِ فَجَلَسَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ زَيْدٍ ضَعِيفٌ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا هِيَ حَقٌّ فَاعْقِلُوهَا فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ أَشْيَاءُ يُشْبِهُ بَعْضُهَا مَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ، لَكِنْ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ، فَإِنَّ فِي أَوَّلِهِ أَتَانِي رَجُلٌ فَأَخَذَ بِيَدِي فَاسْتَتْبَعَنِي حَتَّى أَتَى جَبَلًا طَوِيلًا وَعِرًا فَقَالَ لِي: ارْقَهُ، فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: إِنِّي سَأُسَهِّلُهُ لَكَ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا وَضَعْتُ قَدَمِي وَضَعْتُهَا عَلَى دَرَجِهِ حَتَّى اسْتَوَيْتُ عَلَى سَوَاءِ الْجَبَلِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ) بِالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ: (آتِيَانِ) فِي رِوَايَةِ هَوْذَةَ، عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ اثْنَانِ أَوْ آتِيَانِ بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَأَيْتُ مَلَكَيْنِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَبَعْدَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُثَلَّثَةٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَمَعْنَى ابْتَعَثَانِي أَرْسَلَانِي، كَذَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ: بَعَثَهُ وَابْتَعَثَهُ أَرْسَلْتُهُ، يُقَالُ ابْتَعَثَهُ إِذَا أَثَارَهُ وَأَذْهَبَهُ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَعْنَى ابْتَعَثَانِي: أَيْقَظَانِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُمَا أَيْقَظَاهُ فَرَأَى مَا رَأَى فِي الْمَنَامِ وَوَصَفَهُ بَعْدَ أَنْ أَفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنَامَهُ كَالْيَقَظَةِ، لَكِنْ لَمَّا رَأَى مِثَالًا كَشَفَهُ التَّعْبِيرُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَنَامًا.

قَوْلُهُ: (وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) زَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي رِوَايَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ إِلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ أَوْ أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَانْطَلَقَا بِي إِلَى السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَمَرَرْتُ عَلَى مَلَكٍ وَأَمَامَهُ آدَمِيٌّ وَبِيَدِ الْمَلَكِ صَخْرَةٌ يَضْرِبُ بِهَا هَامَةَ الْآدَمِيِّ.

قَوْلُهُ: (يَهْوِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ يَسْقُطُ، يُقَالُ هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي هُوِيًّا سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ، وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَيُقَالُ أَهْوَى مِنْ بُعْدٍ وَهَوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ مِنْ قُرْبٍ.

قَوْلُهُ: (بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ يَشْدَخُهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيَشْدَخُ وَالشَّدْخُ كَسْرُ الشَّيْءِ الْأَجْوَفِ.

قَوْلُهُ: (فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَيَتَدَأْدَأُ بِهَمْزَتَيْنِ بَدَلَ الْهَاءَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَيَتَدَهْدَأُ بِهَاءٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَكُلٌّ بِمَعْنًى. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ دَفَعَهُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَتَدَهْدَهَ إِذَا انْحَطَّ، وَالْهَمْزَةُ تُبْدَلُ مِنَ الْهَاءِ كَثِيرًا وَتَدَأْدَأَ تَدَحْرَجَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (هَاهُنَا) أَيْ إِلَى جِهَةِ الضَّارِبِ.

قَوْلُهُ: (فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ) أَيِ الَّذِي رَمَى بِهِ (فَيَأْخُذُهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَإِذَا ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الَّذِي شَدَخَ رَأْسَهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ حَتَّى يَلْتَئِمَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ عَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَيَقَعُ دِمَاغُهُ جَانِبًا وَتَقَعُ الصَّخْرَةُ جَانِبًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيَعُودُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (مِثْلُ مَا فَعَلَ بِهِ مَرَّةً الْأُولَى) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ الْمَرَّةَ الْأُولَى وَهُوَ الْمُرَادُ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: جُعِلَتِ الْعُقُوبَةُ فِي رَأْسِ هَذِهِ النَّوْمَةِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالنَّوْمُ مَوْضِعُهُ الرَّأْسُ.

قَوْلُهُ: (انْطَلِقِ انْطَلِقْ) كَذَا فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا بِالتَّكْرِيرِ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا التَّكْرَارُ لِبَعْضِهِمْ، وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَلَيْسَ فِيهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَفِيهَا انْطَلِقْ مَرَّةً وَاحِدَةً.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ) تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ ضَبْطُ الْكَلُّوبِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ وَأَمَامَهُ آدَمِيٌّ، وَبِيَدِ الْمَلَكِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فَيَضَعُهُ فِي شِدْقِهِ الْأَيْمَنِ فَيَشُقُّهُ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ) أَيْ يَقْطَعُهُ شَقًّا، وَالشِّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيُدْخِلَهُ فِي شَقِّهِ فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْخِرَهُ) كَذَا بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَمَنْخِرَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ) أَيْ بَدَلَ فَيُشَرْشِرُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إِلَخْ) اخْتَصَرَهُ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَلَفْظُهُ: ثُمَّ يُخْرِجُهُ، فَيُدْخِلُهُ فِي شِقِّهِ الْآخَرِ وَيَلْتَئِمُ هَذَا الشِّقُّ فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: شَرْشَرَةُ شِدْقِ الْكَاذِبِ إِنْزَالُ الْعُقُوبَةِ بِمَحَلِّ الْمَعْصِيَةِ، وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِ الدُّنْيَا. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُقَدَّمَةٌ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَلَى قِصَّةِ الَّذِي يُشْدَخُ رَأْسُهُ.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِهِ مُسْتَلْقِيًا وَفِي الْأُخْرَى مُضْطَجِعًا وَالْآخَرُ كَانَ جَالِسًا وَفِي الْأُخْرَى قَائِمًا يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مِثْلَ بِنَاءِ التَّنُّورِ زَادَ جَرِيرٌ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يُوقَدُ تَحْتَهُ نَارًا كَذَا فِيهِ بِالنَّصْبِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ بِالرَّفْعِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ.

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ يُوقَدُ تَحْتَهُ نَارًا بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَأَسْنَدَ يُوقَدُ إِلَى ضَمِيرٍ عَائِدٍ عَلَى النَّقْبِ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ يَتَضَوَّعُ مِنْ أَرْدَانِهَا طِيبًا وَالتَّقْدِيرُ: يَتَضَوَّعُ طِيبٌ مِنْ أَرْدَانِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تُوقَدُ نَارُهُ تَحْتَهُ فَيَصِحُّ نَصْبُ نَارًا عَلَى التَّمْيِيزِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ تُوقَدُ مَوْصُولًا بِتَحْتِهِ فَحُذِفَ وَبَقِيَتْ صِلَتُهُ دَالَّةً عَلَيْهِ لِوُضُوحِ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: يَتَوَقَّدُ الَّذِي تَحْتَهُ نَارًا وَهُوَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْضًا، وَذُكِرَ لِحَذْفِ الْمَوْصُولِ فِي مِثْلِ هَذَا عِدَّةُ شَوَاهِدَ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ثُقْبٌ قَدْ بُنِيَ بِنَاءَ التَّنُّورِ وَفِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا) بِغَيْرِ هَمْزَةٍ لِلْأَكْثَرِ وَحَكَى الْهَمْزَ أَيْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ مُخْتَلِطَةً وَمِنْهُمْ مَنْ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الضَّوْضَاةُ أَصْوَاتُ النَّاسِ وَلَغَطُهُمْ وَكَذَا الضَّوْضَى بِلَا هَاءٍ مَقْصُورٌ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: الْمَصْدَرُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَإِذَا اقْتَرَبَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا، وَعِنْدَ أَحْمَدَ فَإِذَا أُوقِدَتْ بَدَلَ اقْتَرَبَتْ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرُ مِثْلُ الدَّمِ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ وَلَمْ يَقُلْ حَسِبْتُ.

قَوْلُهُ: (سَابِحٌ يَسْبَحُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ يَعُومُ.

قَوْلُهُ: (سَبَحَ مَا سَبَحَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُوَحَّدَةُ خَفِيفَةٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي) فَاعِلُ يَأْتِي هُوَ السَّابِحُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (فَيَفْغَرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ أَيْ يَفْتَحُهُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَفَغَرَ لَهُ فَاهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلَ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ وَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَغَرَ فَاهُ وَأَنَّهُ يُلْقِمُهُ الْحَجَرَ يُرْمِيهِ إِيَّاهُ.

قَوْلُهُ: (كَرِيهَ الْمَرْآةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصْلُهُ الْمَرْأَيَةُ تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا

فَقُلِبَتْ أَلِفًا وَزْنُهُ مَفْعَلَةٌ.

قَوْلُهُ: (كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عِنْدَ نَارٍ.

قَوْلُهُ: (يَحُشُّهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَحَكَى فِي الْمَطَالِعِ ضَمَّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ يَحْشُشُهَا بِسُكُونِ الْحَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُكَرَّرَةِ.

قَوْلُهُ: (وَيَسْعَى حَوْلَهَا) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَيُوقِدُهَا وَهُوَ تَفْسِيرُ يَحُشُّهَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حَشَشْتُ النَّارَ أَحُشُّهَا حَشًّا أَوْقَدْتُهَا، وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ: حَشَشْتُ النَّارَ بِالْحَطَبِ ضَمَمْتُ مَا تَفَرَّقَ مِنَ الْحَطَبِ إِلَى النَّاِرِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حَشَّ نَارَهُ حَرَّكَهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ.

وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ يُقَالُ: أَعْتَمَ الْبَيْتُ إِذَا اكْتَهَلَ وَنَخْلَةٌ عَتِيمَةٌ: طَوِيلَةٌ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ أَعْتَمَتِ الرَّوْضَةُ: غَطَّاهَا الْخِصْبُ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَا يَظْهَرُ لِلتَّخْفِيفِ وَجْهٌ، قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الْعَتَمَةِ وَهُوَ شِدَّةُ الظَّلَّامِ فَوَصَفَهَا بِشِدَّةِ الْخُضْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ وَضَبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ رَوْضَةٍ مِغِنِّمَةٍ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ: وَادٍ أَغَنُّ وَمُغْنٍ إِذَا كَثُرَ شَجَرُهُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَوْضَةٌ غَنَّاءُ كَثِيرَةُ الْعُشْبِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَإِذَا فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ.

قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَوْرٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَبِرَاءٍ بَدَلَ لَوْنٍ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالنَّوْرُ بِالْفَتْحِ الزَّهْرُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ تَثْنِيَةُ ظَهْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ وَهُمَا بِمَعْنًى وَالْمُرَادُ وَسَطُهَا.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ طَوِيلٌ) زَادَ النَّضْرُ قَائِمٌ.

قَوْلُهُ: (لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ ولْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلُ وِلْدَانٌ مَا رَأَيْتُ وِلْدَانًا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَمَّا أَنْ كَانَ هَذَا التَّرْكِيبُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى النَّفْيِ جَازَتْ زِيَادَةُ مِنْ وَقَطُّ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَازَ اسْتِعْمَالُ قَطُّ فِي الْمُثْبَتِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَغَفَلَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَخَصُّوهُ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ.

قُلْتُ: وَالَّذِي وَجَّهَهُ بِهِ الطِّيبِيُّ حَسَنٌ جِدًّا، وَوَجَّهَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالنَّفْيِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ التَّرْكِيبِ إِذِ الْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَوِ النَّفْيُ مُقَدَّرٌ. وَسَبَقَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ) فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مَا هَذَا وَعَلَيْهَا شَرْحُ الطِّيبِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ، قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فَارْتَقَيْتُ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي عَوَانَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَى دَوْحَةٍ بَدَلَ رَوْضَةٍ وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ، وَفِيهِ فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَهِيَ الَّتِي تُنَاسِبُ الرُّقِيَّ وَالصُّعُودَ.

قَوْلُهُ: (فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ) اللَّبَنُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ لَبِنَةٍ وَأَصْلُهَا مَا يُبْنَى بِهِ مِنْ طِينٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَفِتْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ هَيْئَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ شَطْرٌ مُبْتَدَأٌ وَكَأَحْسَنِ الْخَبَرُ وَالْكَافُ زَائِدَةٌ وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ رِجَالٍ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ نِصْفَهُمْ حَسَنٌ كُلُّهُ وَنِصْفَهُمْ قَبِيحٌ كُلُّهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُهُ حَسَنٌ وَنِصْفُهُ قَبِيحٌ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ فِي صِفَتِهِ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ خَلَطُوا أَيْ عَمِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَمَلًا

صَالِحًا وَخَلَطَهُ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ بِالْوُقُوعِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَنْغَمِسُونَ فِيهِ لِيَغْسِلَ تِلْكَ الصِّفَةَ بِهَذَا الْمَاءِ الْخَاصِّ.

قَوْلُهُ: (نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ) أَيْ يَجْرِي عَرْضًا.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ اللَّبَنُ الْخَالِصُ عَنِ الْمَاءِ حُلْوًا كَانَ أَوْ حَامِضًا، وَقَدْ بَيَّنَ جِهَةَ التَّشْبِيهِ بِقَوْله: مِنَ الْبَيَاضِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي الْبَيَاضِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُمْ سَمَّوُا اللَّبَنَ بِالصِّفَةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ صَافٍ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَاءِ الْمَذْكُورِ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَوِ التَّوْبَةُ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) أَيْ صَارَ الْقَبِيحُ كَالشَّطْرِ الْحَسَنِ، فَذَلِكَ قَالَ: وَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ) يَعْنِي الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ: (فَسَمَا) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ نَظَرَ إِلَى فَوْقٍ وَقَوْلُهُ: (صُعُدًا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ ارْتَفَعَ كَثِيرًا. وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاسْتَبْعَدَ ضَمَّهَا.

قَوْلُهُ: (مِثْلُ الرَّبَابَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهِيَ السَّحَابَةُ الْبَيْضَاءُ، وَيُقَالُ لِكُلِّ سَحَابَةٍ مُنْفَرِدَةٍ دُونَ السَّحَابِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيْضَاءَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الرَّبَابَةُ السَّحَابَةُ الَّتِي رُكِّبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ فِي السَّحَابِ.

قَوْلُهُ: (ذَرَانِي فَأَدْخُلُهُ، قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَقُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، وَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ، قَالَ قَالَا أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ (إِنَّا سَنُخْبِرُكَ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، فَقُلْتُ: طَوَّفْتُمَا بِيَ اللَّيْلَةَ وَهِيَ بِمُوَحَّدَةٍ وَلِبَعْضِهِمْ بِنُونٍ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَ نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (فَيَرْفِضُهُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَيُقَالُ بِضَمِّهَا. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: رَفْضُ الْقُرْآنِ بَعْدَ حِفْظِهِ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ رَأَى فِيهِ مَا يُوجِبُ رَفْضَهُ، فَلَمَّا رَفَضَ أَشْرَفَ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْقُرْآنُ عُوقِبَ فِي أَشْرَفِ أَعْضَائِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ.

قَوْلُهُ: (وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) هَذَا أَوْضَحُ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ بِلَفْظِ: عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يُعَذَّبُ عَلَى تَرْكِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ عَوْفٍ فَإِنَّهُ عَلَى تَرْكِهِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْذِيبُ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ؛ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ.

قَوْلُهُ: (يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ) أَيْ يَخْرُجُ مِنْهُ مُبَكِّرًا.

قَوْلُهُ: (فَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَكَذُوبٌ يُحَدِّثُ بِالْكِذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ وَالرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ.

قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: لَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ الْمَوْصُوفِ الَّذِي هُنَا لِلْمُعَيَّنِ كَالْعَامِّ حَتَّى جَازَ دُخُولُ الْفَاءِ فِي خَبَرِهِ، أَيِ الْمُرَادُ هُوَ وَأَمْثَالُهُ، كَذَا نَقَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَلَفْظُ ابْنِ مَالِكٍ فِي هَذَا شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُسْتَحَقُّ بِجُزْءِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا يَجُوزُ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى خَبَرِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ شَبِيهًا بِمَنِ الشَّرْطِيَّةِ فِي الْعُمُومِ وَاسْتِقْبَالِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى، نَحْوَ الَّذِي يَأْتِينِي فَمُكْرَمٌ، لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالَّذِي مُعَيَّنًا زَالَتْ مُشَابَهَتُهُ بِمَنْ وَامْتَنَعَ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا يَمْتَنِعُ دُخُولُهَا عَلَى أَخْبَارِ الْمُبْتَدَآتِ الْمَقْصُودِ بِهَا التَّعْيِينُ نَحْوَ: زَيْدٌ فَمُكْرَمٌ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ الَّذِي يَأْتِينِي إِذَا قَصَدْتَ بِهِ مُعَيَّنًا، لَكِنَّ الَّذِي يَبْنِي عِنْدَ قَصْدِ التَّعْيِينِ شَبِيهٌ فِي اللَّفْظِ بِالَّذِي يَأْتِينِي عِنْدَ قَصْدِ الْعُمُومِ، فَجَازَ دُخُولُ الْفَاءِ حَمْلًا لِلشَّبِيهِ عَلَى الشَّبِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فَإِنَّ مَدْلُولَ مَا مُعَيَّنٌ وَمَدْلُولَ أَصَابَكُمْ مَاضٍ، إِلَّا أَنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ التَّشْبِيهُ اللَّفْظِيُّ لِشَبَهِ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فَأُجْرِيَ مَا فِي مُصَاحَبَةِ الْفَاءِ مَجْرًى وَاحِدًا. انْتَهَى.

قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ،

لَكِنْ جَوَابُ الْمَلَكَيْنِ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الْمُتَعَدِّدَةِ الْمُبْهَمَةِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ كَلِمَةِ التَّفْصِيلِ أَوْ تَقْدِيرِهَا فَالْفَاءُ جَوَابُ أَمَّا ثُمَّ قَالَ: وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَوْلَادُ النَّاسِ جَازَ دُخُولُهَا عَلَى الْخَبَرِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَدْخُولِ أَمَّا فِي قَوْلِهِ: أَمَّا الرَّجُلُ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْفَاءُ فِي بَعْضِ الْمَحْذُوفَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَمَّا لَمَّا حُذِفَتْ حُذِفَ مُقْتَضَاهَا وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَقَوْلُهُ تُحْمَلُ بِالتَّخْفِيفِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّشْدِيدِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ التَّعْذِيبَ لِمَا يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الْكِذْبَةِ مِنَ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ فِيهَا مُخْتَارٌ غَيْرُ مُكْرَهٍ وَلَا مُلْجَإٍ.

قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَمَّا كَانَ الْكَاذِبُ يُسَاعِدُ أَنْفُهُ وَعَيْنُهُ لِسَانَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِتَرْوِيجِ بَاطِلِهِ وَقَعَتِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْعُقُوبَةِ.

قَوْلُهُ: (فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي النَّقْبِ.

قَوْلُهُ: (فَهُمُ الزُّنَاةُ) مُنَاسَبَةُ الْعُرْيِ لَهُمْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْ يُفْضَحُوا لِأَنَّ عَادَتَهُمْ أَنْ يَسْتَتِرُوا فِي الْخَلْوَةِ فَعُوقِبُوا بِالْهَتْكِ، وَالْحِكْمَةُ فِي إِتْيَانِ الْعَذَابِ مِنْ تَحْتِهِمْ كَوْنُ جِنَايَتِهِمْ مِنْ أَعْضَائِهِمُ السُّفْلَى.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِنَّمَا عُوقِبَ آكِلُ الرِّبَا بِسِبَاحَتِهِ فِي النَّهَرِ الْأَحْمَرِ وَإِلْقَامِهِ الْحِجَارَةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرِّبَا يَجْرِي فِي الذَّهَبِ وَالذَّهَبُ أَحْمَرُ، وَأَمَّا إِلْقَامُ الْمَلَكِ لَهُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الرِّبَا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَتَخَيَّلُ أَنَّ مَالَهُ يَزْدَادُ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِ مَحَقَهُ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي عِنْدَ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عِنْدَهُ النَّارُ.

قَوْلُهُ: (خَازِنُ جَهَنَّمَ) إِنَّمَا كَانَ كَرِيهَ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً فِي عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ وَإِنَّمَا اخْتُصَّ إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ أَبُو الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الْآيَةَ (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَهِيَ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَأَوْلَادُ النَّاسِ لَمْ أَرَ ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِجِوَارٍ وَغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ بَيْنَ نَهَرَيْنِ، فَقُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَهُمْ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ وَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرًا مِنْهُمْ قَبِيحٌ) كَذَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِنَصْبِ شَطْرًا وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ شَطْرٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ وَحَسَنًا وَقَبِيحًا بِالنَّصْبِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، وَلِلنَّسَفِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالرَّفْعِ فِي الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَامَّةٌ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَزَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي رِوَايَتِهِ وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارَ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ الدَّارُ دَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَقْبَحُ شَيْءٍ مَنْظَرًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا كَأَنَّمَا رِيحُهُمُ الْمَرَاحِيضُ، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الزَّوَانِي وَالزُّنَاةُ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِمَوْتَى أَشَدُّ شَيْءٍ انْتِفَاخًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْكُفَّارِ. ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ نِيَامٍ تَحْتَ ظِلَالِ الشَّجَرِ، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُ رِيحًا، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ، هَؤُلَاءِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ الْحَدِيثَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَقَعَ مِرَارًا يَقَظَةً وَمَنَامًا عَلَى أَنْحَاءٍ شَتَّى.

وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخِ.

وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ تَلْخِيصِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ الْقَضَايَا جُمْلَةً ثُمَّ يُفَسِّرَهَا عَلَى الْوَلَاءِ لِيَجْتَمِعَ تَصَوُّرُهَا فِي الذِّهْنِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْ رَفْضِ الْقُرْآنِ

لِمَنْ يَحْفَظُهُ، وَعَنِ الزِّنَا وَأَكْلِ الرِّبَا وَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يُقِيمُ فِيهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا بَلْ إِذَا مَاتَ، حَتَّى النَّبِيُّ وَالشَّهِيدُ.

وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ ذَلِكَ.

وَفِيهِ فَضْلُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَّ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا أَرْفَعَ دَرَجَةٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ إِقَامَتَهُ. هُنَاكَ بِسَبَبِ كَفَالَتِهِ الْوِلْدَانَ، وَمَنْزِلُهُ هُوَ فِي الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ رَأَى آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَرَى نَسَمَ بَنِيهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَمِنْ أَهْلِ الشَّرِّ فَيَضْحَكُ وَيَبْكِي مَعَ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ هُوَ فِي عِلِّيِّينَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اسْتَقَرَّ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مَنْزِلَتِهِ.

وَفِيهِ أَنَّ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ يَتَجَاوَزِ اللَّهُ عَنْهُمْ، اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَفِيهِ أَنَّ الِاهْتِمَامَ بِأَمْرِ الرُّؤْيَا بِالسُّؤَالِ عَنْهَا وَفَضْلِ تَعْبِيرِهَا وَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْبَالُ مُجْتَمِعًا.

وَفِيهِ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا رَاتِبَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَعِظَهُمْ أَوْ يُفْتِيَهُمْ أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ.

وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُشْرَعُ كَالْخَطِيبِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ الْعُقُوبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ لِلْجِنَايَاتِ ظَاهِرَةٌ إِلَّا الزُّنَاةَ فَفِيهَا خَفَاءٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعُرْيَ فَضِيحَةٌ كَالزِّنَا، وَالزَّانِيَ مِنْ شَأْنِهِ طَلَبُ الْخَلْوَةِ فَنَاسَبَ التَّنُّورَ، ثُمَّ هُوَ خَائِفٌ حَذِرٌ حَالَ الْفِعْلِ كَأَنَّ تَحْتَهُ النَّارَ، وَقَالَ أَيْضًا: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْعُصَاةِ دُونَ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، فَالْأَوَّلُ عَلَى وُجُودِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْهُ أَنْ يُقَالَ، وَالثَّانِي إِمَّا بَدَنِيٌّ وَإِمَّا مَالِيٌّ فَذَكَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثَالًا يُنَبِّهُ بِهِ عَلَى مَنْ عَدَاهُ، كَمَا نَبَّهَ بِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ وَأَنَّهُمْ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ؛ دَرَجَاتُ النَّبِيِّ، وَدَرَجَاتُ الْأُمَّةِ أَعْلَاهَا الشُّهَدَاءُ، وَثَانِيهَا مَنْ بَلَغَ، وَثَالِثُهَا مَنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَ كِتَابُ التَّعْبِيرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَا بَيْنَ مُعَلَّقٍ وَمُتَابَعَةُ، الْمُكَرَّرِ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا وَحَدِيثَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَحَدِيثَ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ مَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ، وَمَنْ صَوَّرَ وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ يَرَ وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ) بألف بعد الشين فيهما، وعند أبي (١) ذرٍّ: «أبو هاشم» وقال: صوابه: أبو هشام، أي: بألف بعد الشين، بموافقة كنيته لاسم أبيه (٢)، ومؤمَّل -بفتح الميم الثانية، بوزن محمد- اليشكريُّ البصريُّ، ختنُ إسماعيل ابن عُلَيَّة، روى عنه البخاريُّ هنا، وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٥٢] و «التَّهجُّد» [خ¦١١٤٣] و «بدء الخلق» [خ¦٣٣٥٤] و «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٤] قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور

بابن عُلَيَّة أمِّه قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ) بضم الدال وفتحها ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ مِمَّا يُكْثِرُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعني (١): ممَّا يُكثر» (أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟) قال في «شرح المشكاة» ممَّا قرأتُه فيه: «ممَّا» خبر «كان»، و «ما» موصولةٌ، و «يكثر» صلته، والضَّمير الرَّاجع إلى «ما» فاعل «يقول»، و «أن يقول» فاعل «يكثر»، و «هل رأى أحدٌ منكم» هو المقول، أي: رسول الله كائنًا من النَّفر الَّذين كَثُر منهم هذا القول، فوضعَ «ما» مَوضع «من» تفخيمًا وتعظيمًا لجانبهِ، كقولهِ تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وسبحان ما سخَّركنَّ لنا، وتحريرُه: كان رسولُ الله ممَّن يجيدُ تعبير الرُّؤيا، وكان له مشاركٌ في ذلك (٢) منهم؛ لأنَّ الإكثار من هذا القولِ لا يصدرُ إلَّا ممَّن تدرَّب فيه، ووثقَ (٣) بإصابتهِ، كقولك: كان زيدٌ من العلماء بالنَّحو، ومنه قول صاحبي السِّجن ليوسف : ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: المجيدين في عبارة الرُّؤيا، وعلمَا ذلك ممَّا رأياهُ منه؛ إذ (٤) يقصُّ عليه بعضُ أهل السِّجن (٥) هذا من حيث البيان، وأمَّا من طريقِ النَّحو فيحتملُ أن يكون قوله: «هلْ رأى أحدٌ منكمْ من رؤيا؟» مبتدأً، والخبرُ مقدَّم عليه على تأويلِ هذا القول: ممَّا يكثر رسول الله أن يقوله، ولكن أين الثُّريَّا من الثرى! انتهى.

فأشار بقولهِ: ولكن أين الثُّريَّا -كما قال في «الفتح» -: إلى ترجيح الوجه السَّابق، والمتبادر هو الثَّاني، وهو الَّذي اتَّفق عليه أكثر الشَّارحين.

(قَالَ) سَمُرةُ بن جندب: (فَيَقُصُّ عَلَيْهِ) (مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ) بفتح الياء وضم القاف فيهما، كذا في رواية النَّسفيِّ: «مَن» بالنون، ولغيره: «ما» وهي للمقصوصِ و «مَن» للقاصِّ (وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا) لفظ: «لنا» ثابتٌ في بعضِ الأصولِ المعتمدةِ، ساقطٌ من «اليونينيَّة» (ذَاتَ غَدَاةٍ) لفظ الذَّات مقحمٌ، أو هو من إضافةِ المسمَّى إلى اسمه (إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) بمدِّ

الهمزة وكسر الفوقية، وفي حديث عليٍّ -عند ابنِ أبي حاتم-: «ملكان»، وفي «الجنائز» من رواية جرير أنَّهما جبريل وميكائيل [خ¦١٣٨٦] (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) بموحدة ساكنة وفوقية فعين مهملة فمثلَّثة وبعد الألف نون، أرسلاني، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «انبعثا بي» بنون فموحدة وبعد الألف موحدة (وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ) بكسر اللام (١) مرَّة واحدة (وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) معطوفٌ على قولهِ: «وإنَّهما قالا لي» (٢) أي: حصل منهما القول ومنِّي الانطلاق، وزاد جرير بن حازمٍ في روايته: «إلى الأرض المقدَّسة»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء» (وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ) وفي رواية جرير [خ¦١٣٨٦] «مستلقٍ على قفاه». قال الطِّيبيُّ: وذكر «إنَّ» المؤكّدة أربع مرَّات تحقيقًا لما رآه وتقريرًا لقولهِ: «الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة» (وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي) بفتح الياء وكسر الواو بينهما هاء ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «يُهوي» بضم أوله من الرُّباعي (بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ) بفتح التحتية وسكون المثلثة وبعد اللام المفتوحة غين معجمة، أي: فيشدخُ (رَأْسَهُ) والشَّدخُ كسر الشَّيء الأجوف (فَيَتَهَدْهَدُ) بتحتية ففوقية فهاء مفتوحات فدالين مهملتين الأولى منهما ساكنة بينهما هاء مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فَيَتَدَهْدَأ» بزيادة همزة آخره، وفي الفرع كأصله علامة ابنِ عساكرَ فوق الهمزة لكنَّه ضبَّب على العلامة المذكورة، وللكُشمِيهنيِّ: «فيتدادا» بدالين بينهما ألف وآخره ألف أخرى من غير همز ولا هاء، وله ممَّا في «الفتح»: «فيتدأْدأ» بهمزتين الأولى ساكنة والهمزة تبدل من الهاء كثيرًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فَيَتَدَهْده» بدالين بينهما هاء ساكنة وآخره هاء أخرى، فيتدحرج (الحَجَرُ) ويندفع (٣) من علو إلى سفل (هَهُنَا) أي: إلى جهةِ الضَّارب (فَيَتْبَعُ) بالتخفيف الرَّجلُ القائم (الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ) ليصنعَ به كما صنع أوَّلًا (٤) (فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ) إلى الَّذي ثُلغ رأسهُ (حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) الرَّجل (عَلَيْهِ) على المضطجعِ (فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ (٥) المَرَّةَ الأُولَى) ولأبي ذرٍّ: «مرَّة الأولى» (قَالَ) : (قُلْتُ لَهُمَا) أي: للملكين: (سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؟ (قَالَ) : (قَالَا) أي:

الملكان (لِي: انْطَلِق انْطَلِقْ) بالتِّكرار مرَّتين (١) لأبي ذرٍّ في الفرع كأصله، وفي الأوَّل (٢) بغير تكرارٍ.

وقال في «الفتح»: بالتَّكرار في المواضعِ كلِّها، وسقطَ في بعضها التَّكرار لبعضِهم (قَالَ) : (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ) بفتح الكاف وتضم وضم اللام المشددة، له شعبٌ يعلق بها اللَّحم (وَإِذَا هُوَ) أي: الرَّجل القائم (يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ) أي: وجهِ المستلقِي لقفاه (فَيُشَرْشِرُ) بمعجمتين وراءين. قال صاحب «العين»: فيشرشر، أي: فيقطِّعُ (شِدْقَهُ) بكسر المعجمة والإفراد، جانبَ فمه (إِلَى قَفَاهُ وَ) يقطعُ (مَنْخِرَهُ) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة (إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ) بإفراد العين كالمنْخر (قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ: (فَيَشُقُّ) بدل: فيُشَرْشر (قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ) شقِّ (٣) (ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ (٤) ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) الرَّجل (عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ) به (مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ) لهما: (سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؟ أي: ما شأنهما؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِق انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين لأبي ذرٍّ، وكذا في (٥) نسخة لابنِ عساكرَ (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح الفوقية وتشديد النون المضمومة، الَّذي يُخبزُ فيه، وفي رواية جرير في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «فانطلقنَا إلى ثَقْبٍ (٦) مثلِ التَّنُّور أعلاه ضيِّقٌ وأسفلُه واسعٌ يتوقَّدُ تحتَهُ نارًا». قال الدَّاوديُّ: ولعلَّ ذلك التَّنُّور على جهنَّم (قَالَ: فَأَحْسِبُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأحسب» (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ) بالمعجمة ثمَّ المهملة، جلبَةٌ وصيحةٌ لا يُفهم معناها (وَأَصْوَاتٌ، قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ) في الثَّقب (فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ) بفتح الهاء، وهو لسان النَّار، أو شدَّةُ اشتعالها (مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا) بضادين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره واو أخرى ساكنة أيضًا بلا همز بلفظ الماضي، صاحوا (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «لهم»: (مَا هَؤُلَاءِ) الرِّجال والنِّساء العراة؟

(قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنَّه كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ) عائمٌ يعوم (وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ) بصيغة المضارع فيهما، وفي «الفتح»: بفتحتين وتخفيف الموحدة في الثَّاني (ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ) الرَّجل (الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ) بتحتية مفتوحة ففاء ساكنة فغين معجمة مفتوحة، فيفتحُ (لَهُ فَاهُ) فمه (فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا) بضم التَّحتية (فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ) في النَّهر (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كما» (رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ) فتح (لَهُ فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا) شأن (هَذَانِ) الرَّجلان؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الراء (١) وهمزة ممدودة ثمَّ هاء تأنيث، أي: كريه المنظرِ (كَأَكْرَهِ) بفتح الهاء وكسرها (مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) بفتح الميم (وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا) بحاء مهملة وشين معجمة مشددة مضمومتين، يحرِّكها ويُوقدها، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «نارٌ له يحشُّها» (وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرَّجل؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية فميم مشدَّدة مفتوحتين آخره هاء تأنيث طويلة النَّبات، وقيل: غطَّاها الخصبُ والكلأ كالعمامة على الرَّأس، وضبطها بعضُهم بكسر الفوقية وتخفيف الميم. قال السَّفاقِسيُّ: ولا يظهرُ له وجهٌ. وأجاب في «المصابيح» فقال: يلوح لي فيه وجه مقبولٌ، وذلك أنَّ خضرة الزَّرع إذا اشتدَّت وصفتْ بما يقتضِي السَّواد، كقولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى. فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥] وقد ذهب الزَّجَّاج: إلى أنَّ ﴿أَحْوَى﴾ حالٌ من ﴿الْمَرْعَى﴾ أخر عن الجملةِ المعطوفة، وأنَّ المراد وصفه بالسَّواد لأجل خضرتهِ، فكذلك تقول: وصفت الرَّوضة بشدة خضرتها بالسَّواد، فقيل: معتمة من قولك: أعتم اللَّيل إذا أظلمَ، فتأمَّله. انتهى.

وبه قال الحافظُ ابن حجرٍ ولفظه: الَّذي يظهرُ لي أنَّه من العتمة، وهي (٢) شدَّة الظَّلام، فوصفَها بشدَّة الخضرةِ، كقولهِ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (فِيهَا) في الرَّوضة (مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ) بفتح النون، أي: زهره، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من كلِّ لون الرَّبيع» (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ

الرَّوْضَةِ) بفتح الراء وكسر التحتية، تثنيةُ ظهر، أي: وسطها (رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ) بنصب «طولًا» على التَّمييز (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) قال في «شرح المشكاة»: أصلُ التركيب: وإذا حول الرَّجل ولدانٌ ما رأيتُ ولدانًا قطُّ أكثر منهم، ولما كان هذا التَّركيب متضمِّنًا معنى النَّفي جازَ زيادة «مِن» و «قَطّ» الَّتي تختصُّ بالماضِي المنفي (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرَّجل الطَّويل؟ (مَا هَؤُلَاءِ) الولدان؟ قال الطِّيبيُّ: ومن حقِّ الظَّاهر أن يقول: من هذا؟ فكأنَّه لمَّا رأى حالَه من الطُّول المفرطِ (١) خفِي عليه أنَّه من أيِّ جنسٍ هو أبشرٌ أم ملكٌ أم غير ذلك؟ وسقط لأبي ذرٍّ «ما هذا» (قَالَ: قَالَا لِي (٢): انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ) وعند الإمام أحمد والنَّسائيِّ: «إلى دوحةٍ (٣)» بدل: «روضة»، وهي الشَّجرة الكبيرة (قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا) أي: في الشَّجرة (قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا) وفي رواية الإمام أحمد والنَّسائيِّ: «فصعدا بي في الشَّجرة» (فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ) بكسر الموحدة وفتح اللَّام مِن «بِلَبن ذهبٍ» (وَلَبِنِ فِضَّةٍ) جمع: لَبِنَة، وأصلها: ما يبنى به من طينٍ (فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا) ها (فَفُتِحَ لَنَا) بضم الفاء مبنيًّا للمفعول (فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) نصف (مِنْ خَلْقِهِمْ) بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف، هيئتهم (كَأَحْسَنِ) خبر قوله: «شطرٌ»، والكاف زائدة (مَا أَنْتَ رَاءٍ) بهمزة منوَّنة، ولأبي ذرٍّ: «رائي» بتحتية ساكنة بعد الهمزة، والجملة صفة «رجالٍ» (وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «رائي» ويحتملُ أن يكون بعضُهم موصوفين بأنَّ خلقتهم حسنةٌ وبعضهم قبيحةٌ، وأن يكون كلُّ واحدٍ منهم بعضه حسنٌ وبعضه قبيحٌ (قَالَ: قَالَا) أي: الملكان (لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) لتغسل تلك الصِّفة القبيحة بهذا الماءِ الخالص (قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي) عرضًا (كَأَنَّ مَاءَهُ المَحْضُ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، اللَّبن الخالصُ (٤) (فِي البَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ) في النَّهر (ثُمَّ

رَجَعُوا إِلَيْنَا) حالَ كونهم (قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) وهو القبحُ (فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ) : (قَالَا لِي: هَذهِ) المدينة (جَنَّةُ عَدْنٍ) أي: إقامة (وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَسَمَا) بفتح المهملة والميم مخففة، أي: نظرَ (بَصَرِي صُعُدًا) بضم المهملتين وتنوين الدال المهملة، ارتفعَ كثيرًا (فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ) بفتح الراء والموحدتين بينهما ألف، السَّحابة (البَيْضَاءِ قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي) بفتح المعجمة والراء المخففة، اتركَاني (فَأَدْخُلَْهُ) جواب الأمر منصوبٌ بتقدير «أنْ»، أو مجزومٌ على الجوابِ (قَالَا: أَمَّا الآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ) في الأخرى، وفي رواية جريرٍ في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «قالا: إنَّه بقِيَ لك عمرٌ لم تستكملْه فلو استكملتَ أتيتَ منزلكَ»، وقد قيل: إنَّه رفع بعد موتهِ إلى الجنَّة، وعورضَ بقولهِ : «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرضُ» فإنَّه يشعر (١) بأنَّه في قبرهِ الشَّريف. وأُجيب باحتمال أنَّ لروحه الشَّريفة انتقالاتٍ من مكانٍ إلى آخر، وتصرُّفاتٍ في الكونِ كيف شاء الله.

(قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا) سقط «قد» لأبي ذرٍّ (فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا) بفتح الهمزة والميم المخففة (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (سَنُخْبِرُكَ) عنه: (أَمَّا) بالتَّشديد (الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ) بضم الفاء الثانية وكسرها يتركه (وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ) جعلت (٢) العقوبةُ في رأسه لنومهِ عن الصَّلاة، والنَّومُ موضعُه الرَّأس (وَأَمَّا الرَّجُلُ (٣) الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ) بفتح الشينين (شِدْقُهُ) بكسر الشين (إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو) بالغين المعجمة، يخرجُ (مِنْ بَيْتِهِ) مبكِّرًا (فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ) بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة (تَبْلُغُ الآفَاقَ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «فيُصنع به إلى يوم القيامة»، وإنَّما استحقَّ التَّعذيبَ لما ينشأُ عن تلك الكَذْبة من المفاسدِ، وهو فيها غير مكره.

وقال ابنُ العربيِّ: شَرْشرة شِدْق الكاذبِ إنزالُ العقوبةِ بمحلِّ المعصية. وقال ابنُ هُبيرة:

لما كان الكاذبُ يساعد أنفُه وعينُه لسانَه على الكذبِ بترويجِ باطلهِ (١) وقعتِ المشاركةُ بينهم في العقوبة (وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) ومناسبة العُري؛ لأنَّ عادتهم التَّستُّر بالخلوةِ، فعوقبوا بالهتكِ، ولمَّا كانت جنايتُهم من أعضائهِم السُّفلى ناسبَ أن يكون عذابهم من تحتِهم (وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ) بضم التحتية وفتح القاف، «والحجرَ» نصبٌ مفعولٌ ثانٍ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «الحجارة» بالجمع (فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) بمدِّ همزة «آكِل» وكسر كافها، وفي إلقامهِ الحجر إشارةٌ إلى أنَّه لا يغني عنه شيئًا كما أنَّ المرابي يتخيَّل أنَّ مالهُ يزدادُ والله يمحقُه (وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الراء وبالمدّ (الَّذِي عِنْدَ النَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عنده النار» بزيادةِ الضَّمير والرَّفع (يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ) وإنَّما كان كريهَ المنظر؛ لأنَّ فيه زيادة في عذابِ أهل النَّار (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة.

(قَالَ) سَمُرةُ: (فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ) الَّذين ماتوا على الفطرةِ داخلون في زُمرةِ هؤلاء الولدانِ؟ سقطَتْ الواو الأولى من قولهِ «وأولاد» لابنِ عساكرَ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) مجيبًا: (وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ) منهم (٢)، وظاهره: الحكمُ لهم بالجنَّة، ولا يعارضُه قوله: «إنَّهم مع (٣) آبائهم»؛ لأنَّ ذلك في الدُّنيا (وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا) ولأبي ذرٍّ: «شطرًا منهم حسنٌ» بنصب الأول ورفع الثَّاني، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ برفع «شطر» و «حسن» (وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ بنصب الأول ورفع الثَّاني، وفي نسخة أبي ذرٍّ: والصَّواب: شطرٌ … وشطرٌ بالرفع. كذا رأيتُه في حاشية الفرع منسوبًا لـ «اليونينيَّة»، ثمَّ رأيتُه فيها كذلك، وللنَّسفيِّ والإسماعيليِّ بالرَّفع في الجميعِ على أن «كان» تامَّة، والجملة حاليَّة (فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا) بتخفيف اللام (عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ).

خاتمة: ومن آداب المعبِّر ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن عمر: أنَّه كتب إلى أبي موسى: إذا رأى أحدُكم رؤيا فقصَّها على أخيهِ فليقل: خيرٌ لنا وشرٌّ لأعدائنا. ورجاله ثقاتٌ، لكن سندهُ منقطعٌ، وعند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «الدَّلائل» من حديث ابن زِمْل الجهنيِّ -وهو بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام- قال: كان النَّبيُّ إذا صلَّى الصُّبح قال: «هلْ رَأى أحدٌ منكُم شيئًا؟» قال ابن زِمْل: فقلتُ: أنا يا رسولَ الله. قال: «خيرًا تلقاهُ، وشرًا تتوقَّاه، وخيرٌ لنا وشرٌّ على أعدائنا، والحمد لله ربِّ العالمين، اقصصْ رؤياكَ … » الحديثَ. وسندُه ضعيفٌ جدًّا.

وينبغي أن يكون العابرُ (١) ديِّنًا، حافظًا، تقيًّا، ذا علمٍ (٢) وصيانةٍ، كاتمًا لأسرارِ النَّاس في رُؤياهم، وأن يستغرقَ السُّؤال من السَّائل بأجمعهِ، وأن يردَّ الجوابَ على قدرِ السُّؤال للشريفِ والوضيعِ، ولا يعبِّر عند طلوعِ الشَّمس، ولا عند غروبها، ولا عند الزَّوال، ولا في اللَّيل.

ومن آداب (٣) الرَّائي أن يكون صادق اللَّهجة، وأن ينامَ على وضوءٍ على جنبهِ الأيمن، وأن يقرأَ (٤) عنده: و ﴿وَالشَّمْسِ﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ﴾ و ﴿وَالتِّينِ﴾ وسورتَي الإخلاص والمعوِّذتين، ويقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من سَيِّئ الأحلامِ، وأستجيرُ بك من تلاعبِ الشَّيطان في اليقظةِ والمنام، اللَّهم إنِّي أسألكَ رؤيا صالحة صادقةً نافعةً حافظةً غير منسيَّةٍ، اللَّهمَّ أَرني في منامِي ما أحبُّ، ومن آدابهِ أن لا يُقصَّها على امرأةٍ، ولا على (٥) عدوٍّ، ولا على جاهلٍ.

وهذا (٦) آخر «كتاب التَّعبير»، فرغ منه يوم الاثنين، العشرين من شعبان (٧) سنة ٩١٥ (٨).

((٩٢)) (كتاب الفِتَن) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة، جمع: فتنة؛ وهي المحنة والعذاب والشِّدَّة، وكلُّ مكروهٍ وآيلٍ (١) إليه؛ كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومةٌ، فقد ذمَّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الاية [البروج: ١٠].

(بسم الله الرحمن الرحيم) قالَ في «الفتح»: كذا في رواية الأَصيليِّ وكريمة تأخير البسملة، ولغيرهما تقديمُها، والذي في الفرع كأصله (٢) رقم عليه (٣) علامة أبي ذرٍّ بعد التصحيح، وعلامة التَّقديم والتَّأخير عليهما لابن عساكر.

(١) (مَا جَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ ما جاء» (فِي) بيان (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]) أي: اتَّقوا ذنبًا يعمُّكم أثره؛ كإقرار المُنْكِر بين أظهركم، والمُدَاهَنَة في الأمر بالمعروف، وافتراقِ الكلمة، وظهورِ البدع، والتَّكاسل في الجهاد (٤) على أنَّ قولَه: ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ﴾ إمَّا جوابُ الأمر على معنى: إن أصابتكم لا تصيب الظَّالمين منكم، وفيه: أنَّ جوابَ الشَّرط متردَّدٌ، فلا تليق به النُّون المؤكِّدة، لكنَّه لمَّا تضمَّن معنى النَّهي ساغ فيه

كقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] وإمَّا صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾ و ﴿لاَّ﴾ للنَّفي، وفيه شذوذٌ؛ لأنَّ النُّون لا تدخل النَّفي (١) في غير القَسَم، أو للنَّهي على إرادة القول كقوله:

حتَّى إذا جنَّ الظَّلام واختلط

جاؤوا بمذقٍ هل رأيت الذِّئب قط

وإمَّا جوابُ قسمٍ محذوفٍ؛ كقراءة من قرأ: (لَتصيبنَّ) وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتِّقاء الذَّنب عنِ التَّعرُّض للظُّلم، فإنَّ وباله يُصيب الظَّالم خاصَّةً ويعود عليه، و «مِنْ» في ﴿مِنكُمْ﴾ على الوجه الأوَّل: للتَّبعيض (٢)، وعلى الأخيرين (٣): للتَّبيين (٤)، وفائدته: التَّنبيه على أنَّ الظُّلم منكم أقبحُ من غيركم، قاله في «أسرار التَّنزيل» (٥)، وروى أحمد والبزَّار من طريق مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير قال: قلنا للزُّبير -يعني: في قصَّة الجمل-: يا أبا عبد الله؛ ما جاء بكم؟ ضيَّعتم الخليفة الذي قُتِل -يعني: عثمان- بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه -يعني: بالبصرة! - فقال الزُّبير: إنَّا قرأنا على عهد رسول الله : ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتَّى وقعت منَّا حيث وقعت، وعند أحمد بسندٍ حسنٍ من حديث عديِّ بن عميرة: سمعت رسول الله يقول: «إنَّ الله لا يُعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتَّى يرَوا المُنْكَر بين ظهرانَيهم، وهم قادرون على أن يُنكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك؛ عذَّب الله الخاصَّة والعامَّة» (وَ) بيان (مَا كَانَ النَّبِيُّ يُحَذِّرُ) بتشديد المعجمة (مِنَ الفِتَنِ) في أحاديث الباب وغيره المتضمِّنة للوعيد على التَّبديل والإحداث؛ لأنَّ الفتن غالبًا إنَّما تنشأ عن (٦) ذلك.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لَا تكَرر يَمِينك فَإِنِّي لَا أخْبرك. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنَّك إِذْ تفكرت فِيمَا أَخْطَأت بِهِ عَلمته. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: قد أَمر النَّبِي بإبرار الْقسم؟ . قلت: ذَلِك مَخْصُوص بِمَا لم تكن فِيهِ مفْسدَة وَهَاهُنَا لَو أبره لزم مفاسد مثل: بَيَان قتل عُثْمَان وَنَحْوه، أَو مِمَّا يجوز الِاطِّلَاع عَلَيْهِ بِأَن لَا يكون من أَمر الْغَيْب وَنَحْوه، أَو بِمَا لَا يسْتَلْزم توبيخاً على أحد بَين النَّاس بالإنكار مثلا، على مبادرته، أَو على ترك تعْيين الرِّجَال الَّذين يَأْخُذُونَ بِالسَّبَبِ، وَكَانَ فِي بَيَانه أعيانهم مفاسد. وَفِي التَّوْضِيح وَكَذَا إِذا أقسم على مَا لَا يجوز أَن يقسم عَلَيْهِ كشرب الْخمر والمعاصي فَفرض عَلَيْهِ ألَاّ يبره.

وَفِيه: جَوَاز فَتْوَى الْمَفْضُول بِحَضْرَة الْفَاضِل إِذا كَانَ مشاراً إِلَيْهِ بِالْعلمِ والإمامة. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يخطىء وَقد يُصِيب.

٤٨ - (بابُ تَعْبِير الرُّؤْيا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْبِير الرُّؤْيَا بعد صَلَاة الصُّبْح، قيل: فِيهِ إِشَارَة إِلَى ضعف مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سعيد بن عبد الرحمان عَن بعض عُلَمَائهمْ قَالَ: لَا تقصص رُؤْيَاك على امْرَأَة وَلَا تخبر بهَا حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الرَّد على من قَالَ من أهل التَّعْبِير: إِن الْمُسْتَحبّ أَن يكون التَّعْبِير من بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى الرَّابِعَة، وَمن الْعَصْر إِلَى قبل الْغُرُوب. فَإِن الحَدِيث يدل على اسْتِحْبَاب تعبيرها قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقَالَ الْمُهلب مَا ملخصه: إِن تَعْبِير الرُّؤْيَا عِنْد صَلَاة الصُّبْح أولى من غَيره من الْأَوْقَات لحفظ صَاحبهَا لَهَا لقرب عَهده بهَا ولحضور ذهن العابر فِيمَا يَقُوله.

٧٠٤٧ - حدّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشامٍ أبُو هِشامٍ، حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ، حدّثنا عَوْفٌ، حدّثنا أبُو رَجاءٍ، حدّثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدبٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كَانَ رسولُ الله مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصْحابِهِ: هَلْ رَأى أحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شاءَ الله أنْ يَقُصَّ، وإنهُ قَالَ لَنا ذاتَ غداةٍ: إنّه أُتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعثانِي وإنَّهُما قَالَا لِي: انْطَلِقْ. وإنّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذا هُوَ يهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأسِهِ فَيَثْلَغُ رَأسَهُ فَيَتَهَدْهَدُهُ الحَجَرُ هاهُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَر فَيَأخُذُهُ فَلا يَرْجِعُ إليْهِ حتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَمَا كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: سُبْحَانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذا هُوَ يَأتِي أحدَ شِقّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَةُ إِلَى قَفاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفاهُ وعَيْنَهُ إِلَى قَفاهُ قَالَ: ورُبَّما قَالَ أبُو رَجاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجانِبِ حتَّى يَصِحَّ ذالِكَ الجانِبُ كَمَا كانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المرَّةَ الأولى، قَالَ: قُلْتُ: سُبْحانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلقْ فانْطَلَقْنا فأتَينا عَلى مِثْل التَّنُّورِ قَالَ: فأحْسِبُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذا فِيهِ لَغَطٌ وأصْوات قَالَ: فاطلَعْنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وَإِذا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذا أتاهُمْ ذالِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَؤُوا. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاؤُلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ أحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذا فِي النَّهَر رجُلٌ سابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذا عَلى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجارةً كَثِيرَةً، وَإِذا ذالِكَ السَّابِح يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذالِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجارَةَ فَيَفْغَرُ لهُ فاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجراً، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ

ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلَّما رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ لهُ فاهُ، فألْقَمَهُ حَجَراً. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ كأكْرَهِ مَا أنْتَ راءٍ رَجُلاً مَرْآةً، وَإِذا عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعاى حَوْلَها، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقِ فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتَمِةٍ فِيها مِنْ كُلِّ نُوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أكادُ أراى رَأسَهُ طُولاً فِي السَّماءِ، وَإِذا حَوْل الرَّجُلِ مِنْ أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ مَا هاؤلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فانْتهَيْنا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمةٍ لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنْها وَلَا أحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَهْ فِيها. قَالَ: فارْتَقَيْنا فِيها فانْتَهَيْنا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ ولَبِنِ فِضةٍ، فأتيْنا بابَ المَدِينَةِ فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا، فَدَخَلْناها فَتَلقانا فِيهَا رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ مَا أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ مَا أنْتَ راءٍ، قَالَ: قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ: وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءَهُ المَحْضُ فِي البَياضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءِ عنْهُمْ، فَصارُوا فِي أحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنَ، هاذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَما بَصَرِي صُعُداً فَإِذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البَيْضاءِ، قَالَ: قَالَا لِي: هاذَاكَ مَنْزِلُكِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: بارِكَ الله فِيكُما ذراني فأدخُلهُ، قَالَا: أمَّا الآنَ فَلَا، وأنْتَ داخِلُهُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: فإنِّي قَدْ رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً، فَما هاذا الّذِي رَأيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لي: أما إنّا سَنُخْبِرُكَ: أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الّذِي أتيْتَ عَلَيْهِ يُثلَغْ رأسَهُ بالحَجَرِ فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وأمَّا الرَّجُلُ الّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفاهُ ومنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِه فَيكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ، وأمّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُرَاةُ الّذِينَ فِي مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ فإنّهُمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمّا الرجُلُ الذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ ويُلْقَمُ الحَجَرَ فإنّهُ آكِلُ الرِّبا، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريةُ المَرْأةِ الّذِي عِنْدَ النَّار، يَحْشُّها ويَسعَى حَوْلَها، فإنَّهُ مالِكٌ خازِنُ جَهنَّم، وأمَّا الوِلْدَانُ الّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رسولَ الله وأوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رسولُ الله وأوْلَادُ المُشْرِكِينَ وأمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَناً وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحاً فإنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجاوَزَ الله عَنْهُمْ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ذَات غَدَاة لِأَن الْغَدَاة مَا قبل طُلُوع الشَّمْس. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وطلوع الشَّمْس، وَلَفظ: ذَات، مقحم أَو هُوَ من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه.

ومؤمل على وزن مُحَمَّد ابْن هِشَام أَبُو هَاشم، كَذَا لأبي ذَر عَن بعض مشايخه، وَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو هِشَام، وَكَذَا هُوَ عِنْد غير أبي ذَر، وَهُوَ مِمَّن وَافق كنيته اسْم أَبِيه وَهُوَ ختن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن علية اسْم أمه وَهُوَ الَّذِي يروي عَنهُ مُؤَمل الْمَذْكُور، وعَوْف هُوَ الْمَشْهُور بالأعرابي،

وَأَبُو رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم المخففة اسْمه عمرَان العطاردي، وَالرِّجَال كلهم بصريون.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّلَاة وَفِي الْجِنَازَة وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّلَاة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير وَهنا عَن مُؤَمل، وَلم يُخرجهُ تَاما إلَاّ هُنَا وَفِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار بأكثره، وَقد مضى الْكَلَام فِي أَكْثَره فِي كتاب الْجَنَائِز، ولنذكر هُنَا شرح الْأَلْفَاظ الَّتِي لم تذكر هُنَاكَ.

قَوْله حَدثنَا مُؤَمل بن هِشَام وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر. حَدثنِي. قَوْله: كَانَ رَسُول الله مِمَّا يكثر أَن يَقُول لأَصْحَابه وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: كَانَ رَسُول الله يَعْنِي مِمَّا يكثر، وَله عَن غَيره بِإِسْقَاط: يَعْنِي، كَذَا وَقع عِنْد البَاقِينَ. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: مِمَّا يكثر خبر: كَانَ وَمَا مَوْصُولَة، وَيكثر صلته، وَأَن يَقُول فَاعل يكثر. قَوْله: هَل رأى أحد مِنْكُم هُوَ الْمَقُول. قَوْله: فيقص بِفَتْح الْيَاء وَضم الْقَاف، يُقَال: قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا أقصها قصاً، والقص الْبَيَان. قَوْله: من شَاءَ الله هَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا شَاءَ الله، وَكلمَة: من، للقاص، وَكلمَة: مَا، للمقصوص. قَوْله: اللَّيْلَة بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: آتيان تَثْنِيَة: آتٍ، من الْإِتْيَان ويروى: اثْنَان من التَّثْنِيَة، وَعند ابْن أبي شيبَة: اثْنَان أَو آتيان، بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة جرير: رَأَيْت رجلَيْنِ، وَفِي رِوَايَة عَليّ: رَأَيْت ملكَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي آخر الحَدِيث أَنَّهُمَا: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، عَلَيْهِمَا السَّلَام. قَوْله: ابتعثاني بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعد الْعين الْمُهْملَة ثاء مُثَلّثَة أَي: أرسلاني. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: بعثته وابتعثته أَرْسلتهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: انبعثا بِي، بنُون سَاكِنة وياء مُوَحدَة. قَوْله: مُضْطَجع وَفِي رِوَايَة جرير: مستلق على قَفاهُ. قَوْله: وَإِذا آخر أَي: وَإِذا رجل آخر، وَكلمَة: إِذْ، للمفاجأة. قَوْله: بصخرة وَفِي رِوَايَة جرير: بفهر أَو صَخْرَة. قَوْله: يهوي بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْوَاو من هوى بِالْفَتْح يهوي هوياً أَي: سقط إِلَى أَسْفَل، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم الْيَاء من الإهواء، يُقَال: أَهْوى من بعد وَهوى بِفَتْح الْوَاو من قرب. قَوْله: فيثلغ بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام، وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يشدخ والشدخ كسر الشَّيْء الأجوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الثلغ ضربك الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس حَتَّى يتشدخ. قَوْله: فيتدهده الْحجر أَي: ينحط من علو إِلَى أَسْفَل، يُقَال: تدهده يتدهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فيتدأدأ، بهمزتين بدل الهاءين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فيتدهدأ، بِهَمْزَة فِي آخِره بدل الْهَاء، وَالْكل بِمَعْنى. قَوْله: هَاهُنَا أَي: إِلَى جِهَة الضَّارِب. قَوْله: حَتَّى يَصح رَأسه وَفِي رِوَايَة جرير: حَتَّى يلتئم، وَعند أَحْمد: عَاد رَأسه كَمَا كَانَ، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: فَيَقَع دماغه جانباً وَتَقَع الصَّخْرَة جانباً، قَوْله: ثمَّ يعود عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة جرير: يعود إِلَيْهِ. قَوْله: انْطلق انْطلق كَذَا فِي الْمَوَاضِع كلهَا بالتكرير، وَسقط فِي بعض الرِّوَايَات التّكْرَار، وَأما فِي رِوَايَة جرير، فَلَيْسَ فِيهَا: سُبْحَانَ الله، فِيهَا: انْطلق، مرّة وَاحِدَة. قَوْله: بكلوب بِفَتْح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة، وَجَاء الضَّم فِي الْكَاف، وَيُقَال: الْكلاب وَالْجمع كلاليب وَهُوَ المنشال من حَدِيد ينشل بهَا اللَّحْم من الْقدر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ كالسكين وَنَحْوهَا. قَوْله: فيشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ أَي: يقطعهُ، والشدق جَانب الْفَم، وَقَالَ صَاحب الْعين شرشره قطع شرشره وشق أَيْضا. قَوْله: أَبُو رَجَاء هُوَ رَاوِي الحَدِيث، أَرَادَ: أَن أَبَا رَجَاء قَالَ: يشق شدقه. قَوْله: مثل التَّنور وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر: مثل بِنَاء التَّنور، وَزَاد جرير: أَعْلَاهُ ضيق وأسفله وَاسع. قَوْله: لغط أَي: جلبة وصيحة لَا يفهم مَعْنَاهَا. قَوْله: لَهب هُوَ لِسَان النَّار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ شدَّة الوقيد والاشتعال. قَوْله: حسبت أَنه كَانَ يَقُول: أَحْمَر مثل الدَّم وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: على نهر من دم، وَلم يقل: حسبت. قَوْله: يسبح أَي: يعوم. قَوْله: ضوضؤوا أَي: ضجوا وصاحوا. قَالَ الْكرْمَانِي: ضوضؤوا بِفَتْح المعجمتين وَسُكُون الواوين بِلَفْظ الْمَاضِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ غير مَهْمُوز أَصله: ضوضوا استثقلت الضمة على الْوَاو فحذفت فَاجْتمع ساكنان فحذفت الْوَاو الأولى لِاجْتِمَاع الساكنين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ضوضوا، وَضبط بِالْهَمْزَةِ أَي: ضجوا واستغلوا، والضوضأة: أصوات

النَّاس وغلبتهم وَهُوَ مصدر. قَوْله: يفغر لَهُ فَاه أَي: يَفْتَحهُ، يُقَال: فغر فَاه وفغر فوه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى، ومادته: فَاء وغين مُعْجمَة وَرَاء. قَوْله: فيلقمه بِضَم الْيَاء من الإلقام. قَوْله: كلما رَجَعَ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فغر لَهُ فَاه، أَي: فتح. قَوْله: كريه الْمرْآة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وهمزة ممدودة بعْدهَا هَاء تَأْنِيث أَي: كريه المنظر، وَأَصلهَا المراية تحركت الْيَاء وَانْفَتح ماقبلها فقلبت ألفا، ووزنها: مفعلة بِفَتْح الْمِيم، والمرآة بِكَسْر الْمِيم الْآلَة الَّتِي ينظر فِيهَا. قَوْله: يحشها بِفَتْح الْيَاء وَضم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يحركها لتتقد، يُقَال: حشيت النَّار أحشها حَشا، إِذا أوقدتها وجمعت الْحَطب إِلَيْهَا، وَحكى فِي الْمطَالع بِضَم أَوله من الإحشاش، وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: يحششها، بِسُكُون الْحَاء وَضم الشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَيسْعَى حولهَا أَي: حول النَّار. قَوْله: معتمة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم بعْدهَا هَاء تَأْنِيث، ويروى بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم: من أعتم النبت إِذا كثر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أعتمت الرَّوْضَة غطاها الخصب، وَأورد ابْن بطال: مغنة، فَقَط بالغين الْمُعْجَمَة وَالنُّون، ثمَّ قَالَ ابْن دُرَيْد: وأدغن ومغن إِذا كثر شَجَره، وَلَا يعرف الْأَصْمَعِي الأغن وَحده، وَقَالَ صَاحب الْعين رَوْضَة غناء كَثِيرَة العشب والذباب: وقرية غناء كَثِيرَة الْأَهْل. قَوْله: من كل نور الرّبيع بِفَتْح النُّون وَهُوَ نور الشّجر أَي: زهره، ونورت الشَّجَرَة أخرجت نورها. وَقَوله: نور الرّبيع رِوَايَة الْكشميهني: وَفِي رِوَايَة غَيره: من كل لون الرّبيع، بِالْوَاو وَالنُّون. قَوْله: بَين ظَهْري الرَّوْضَة تَثْنِيَة ظهر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: بَين ظهراني الرَّوْضَة، مَعْنَاهُمَا وَسطهَا. قَوْله: طولا نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: وَإِذا حول الرجل من أَكثر ولدان رَأَيْتهمْ قطّ قَالَ الطَّيِّبِيّ شيخ شَيْخي: أصل هَذَا الْكَلَام، وَإِذا حول الرجل ولدان مَا رَأَيْت ولداناً قطّ أَكثر مِنْهُم، وَنَظِيره قَوْله بعد ذَلِك: لم أر رَوْضَة قطّ أعظم مِنْهَا، وَلما كَانَ هَذَا التَّرْكِيب متضمناً معنى النَّفْي جَازَت زِيَادَة: من وقط، الَّتِي تخْتَص بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ ابْن مَالك: جَاءَ اسْتِعْمَال قطّ فِي الْمُثبت فِي هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ جَائِز، وغفل أَكْثَرهم عَن ذَلِك فخصوه بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنه اكْتفي بالمنفي الَّذِي لزم من التَّرْكِيب إِذْ مَعْنَاهُ: مَا رَأَيْته أَكثر من ذَلِك، أَو يُقَال: إِن النَّفْي مُقَدّر. قَوْله: إِلَى رَوْضَة وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَأبي عوَانَة والإسماعيلي: إِلَى دَرَجَة، وَهِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة. قَوْله: ارقه أَمر من رقى يرقى، وَالْهَاء فِيهِ للسكت. قَوْله: إِلَى مَدِينَة من مدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ على وزن فعيلة وَيجمع على مَدَائِن بِالْهَمْزَةِ، وَقيل: هِيَ مفعلة من دنت أَي: ملكت، فعلى هَذَا لَا يهمز جمعهَا فَإِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول قلت: مدنِي وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني، وَإِلَى مَدِينَة كسْرَى قلت: مدايني. قَوْله: بِلَبن ذهب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء جمع لبنة وَهِي من الطين النيء. قَوْله: شطر أَي: نصف من خلقهمْ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا قَاف أَي: هيئتهم. قَوْله: شطر مُبْتَدأ وَقَوله: كأحسن خَبره، وَالْكَاف زَائِدَة وَالْجُمْلَة صفة رجال. قَوْله: فقعوا بِفَتْح الْقَاف وَضم الْعين أَمر للْجَمَاعَة بالوقوع أَصله: أوقعوا، لِأَنَّهُ من وَقع يَقع حذفت الْوَاو تبعا لحذفها فِي الْمُضَارع، واستغني عَن الْهمزَة فَبَقيَ: قعوا، على وزن: علوا، فَافْهَم. قَوْله: معترض أَي: يجْرِي عرضا. قَوْله: الْمَحْض بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة هُوَ اللَّبن الْخَالِص من المَاء حلواً كَانَ أَو حامضاً، وَقد بَين جِهَة التَّشْبِيه بقوله: فِي الْبيَاض هَكَذَا رِوَايَة النَّسَفِيّ، والإسماعيلي: فِي الْبيَاض، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: من الْبيَاض، قَوْله: فَذهب ذَلِك السوء عَنْهُم أَي: صَار الشّطْر الْقَبِيح كالشطر الْحسن، فَلذَلِك قَالَ: فصاروا فِي أحسن صُورَة. قَوْله: جنَّة عدن أَي: إِقَامَة وَأَشَارَ بقوله هَذِه إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: فسما بَصرِي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَي: نظر إِلَى فَوق. قَوْله: صعداً بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: ارْتَفع كثيرا، قَالَ الْكرْمَانِي صعداً بِمَعْنى صاعداً، وَقيل: صعداً، بِضَم الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد، وَمِنْه: تنفس الصعداء، أَي: تنفس تنفساً ممدوداً، وَكَذَا ضَبطه ابْن التِّين. قَوْله: فَإِذا قصر كلمة: إِذْ، للمفاجاة. قَوْله: مثل الربابة بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين وَهِي السحابة الْبَيْضَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: السحابة الَّتِي ركب بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَالَ صَاحب الْعين الربَاب السَّحَاب وَاحِدهَا ربابة، وَيُقَال: إِنَّه السَّحَاب الَّذِي ترَاهُ كَأَنَّهُ دون السَّحَاب قد يكون أَبيض وَقد يكون أسود: وَقَالَ الدَّاودِيّ: الربابة السحابة الْبَعِيدَة فِي السَّمَاء. قَوْله: ذراني أَي: دَعَاني واتركاني، وَهُوَ بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

انْبِسَاطِ أَبِي بَكْرٍ مَعَهُ وَإِدْلَالُهُ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَعْبُرُ الرُّؤْيَا إِلَّا عَالِمٌ نَاصِحٌ أَمِينٌ حَبِيبٌ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَابِرَ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ، وَأَنَّ لِلْعَالمِ بِالتَّعْبِيرِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا أَوْ بَعْضِهَا عِنْدَ رُجْحَانِ الْكِتْمَانِ عَلَى الذِّكْرِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ عُمُومٌ، فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مَخْصُوصَةً بِوَاحِدٍ مَثَلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْبِرَهُ لِيُعِدَّ الصَّبْرَ وَيَكُونَ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ نُزُولِ الْحَادِثَةِ.

وَفِيهِ جَوَازُ إِظْهَارِ الْعَالِمِ مَا يَحْسُنُ مِنَ الْعِلْمِ إِذَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ وَأَمِنَ الْعُجْبَ، وَكَلَامُ الْعَالِمِ بِالْعِلْمِ بِحَضْرَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ مِثْلِهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ، وَأَنَّ لِلتِّلْمِيذِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مُعَلِّمِهِ أَنْ يُفِيدَهُ الْحِكَمَ.

٤٨ - بَاب تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ

٧٠٤٧ - حَدَّثَنا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هاشم، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يعني مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لنا ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَدهده الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ. قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ.

قَالَ: وأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ. قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ، حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا.

قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ، فارتقيت فِيهَا.

قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ. قَالَ: قَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ. قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ من الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا، فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ. قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ. قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا، وَأَنْتَ دَاخِلَهُ.

قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ: أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فهم الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَن وَشَطْرًا قَبِيح فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ عُمَلَائِهِمْ قَالَ: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا تُخْبِرْ بِهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّعْبِيرِ: إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الرَّابِعَةِ وَمِنَ الْعَصْرِ إِلَى قَبْلِ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَعْبِيرِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ بِكَرَاهَةِ تَعْبِيرِهَا فِي أَوْقَاتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ لِحِفْظِ صَاحِبِهَا لَهَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِهَا وَقَبْلَ مَا يَعْرِضُ لَهُ نِسْيَانُهَا، وَلِحُضُورِ ذِهْنِ الْعَابِرِ وَقِلَّةِ شُغْلِهِ بِالْفِكْرَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهِ

وَلِيَعْرِفَ الرَّائِي مَا يَعْرِضُ لَهُ بِسَبَبِ رُؤْيَا فَيَسْتَبْشِرُ بِالْخَيْرِ وَيَحْذَرُ مِنَ الشَّرِّ وَيَتَأَهَّبُ لِذَلِكَ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي الرُّؤْيَا تَحْذِيرٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَيَكُفُّ عَنْهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ إِنْذَارًا لِأَمْرٍ فَيَكُونُ لَهُ مُتَرَقِّبًا، قَالَ: فَهَذِهِ عِدَّةُ فَوَائِدَ لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا أَوَّلَ النَّهَارِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنِي.

قَوْلُهُ: (مُؤَمَّلٌ) بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ مَهْمُوزٌ (ابْنُ هِشَامٍ أَبُو هَاشِمٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَقَالَ: الصَّوَابُ أَبُو هِشَامٍ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَتْ كُنْيَتُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَكَانَ صِهْرَ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ابْنَتِهِ، وَلَمْ يخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ غَيْرِ إِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا تَامًّا، وَأَخْرَجَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي التَّفْسِيرِ عَنْهُ بِهَذَا السَّنَدِ أَطْرَافًا، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا تَامًّا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، وَأَخْرَجَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي التَّهَجُّدِ وَفِي الْبُيُوعِ وَفِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَفِي الْجِهَادِ وَفِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي الْأَدَبِ عَنْهُ مِنْهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَطْرَافًا، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِطْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ جَرِيرٍ بِتَمَامِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ عَنْهُ عَنْ عَوْفٍ بِتَمَامِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَشَيْخُهُ عَوْفٌ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ وَاسْمُهُ عِمْرَانُ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْنِي مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِإِسْقَاطِ يَعْنِي وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَاقِينَ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مَا نَقَلَ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهَا بِمَعْنَى مِمَّا يُكْثِرُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِمَّا يُكْثِرُ خَبَرُ كَانَ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَيُكْثِرُ صِلَتُهُ وَالضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى مَا فَاعِلُ يَقُولُ وَأَنْ يَقُولَ فَاعِلُ يُكْثِرُ وَهَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ هُوَ الْمَقُولُ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ كَائِنًا مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ كَثُرَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ، فَوَضَعَ مَا مَوْضِعَ منْ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا لِجَانِبِهِ، وَتَحْرِيرُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُجِيدُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، وَكَانَ لَهُ مُشَارِكٌ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِمَّنْ تَدَرَّبَ فِيهِ وَوَثِقَ بِإِصَابَتِهِ كَقَوْلِكَ: كَانَ زَيْدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّحْوِ وَمِنْهُ قَوْلُ صَاحِبَيِ السِّجْنِ لِيُوسُفَ : ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ مِنَ الْمُجِيدِينَ فِي عِبَارَةِ الرُّؤْيَا، وَعُلَمَاءِ ذَلِكَ مِمَّا رَأَيَاهُ مِنْهُ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الْبَيَانُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّحْوُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّا يُكْثِرُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقُولَهُ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ الْوَجْهِ السَّابِقِ وَالْمُتَبَادِرُ هُوَ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشَّارِحِينَ.

قَوْلُهُ: (فَيُقَصُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: (مَا شَاءَ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ، وَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِلْمَقْصُوصِ وَمَنْ فِي الثَّانِيَةِ لِلْقَاصِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَسَأَلَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَعْبُرَ لَهُمُ الرُّؤْيَا، فَلَمَّا قَالُوا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا لَكِنِّي رَأَيْتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَلْدَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَاسْمُهُ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا، فَلَمْ يُحَدِّثْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاسْمَعُوا مِنِّي أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ) لَفْظُ: ذَاتَ زَائِدٌ أَوْ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى اسْمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْهُ كَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ إِذَا صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ

وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا صَلَاةَ الْفَجْرِ فَجَلَسَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ نَحْوَ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ زَيْدٍ ضَعِيفٌ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا هِيَ حَقٌّ فَاعْقِلُوهَا فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ أَشْيَاءُ يُشْبِهُ بَعْضُهَا مَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ، لَكِنْ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ، فَإِنَّ فِي أَوَّلِهِ أَتَانِي رَجُلٌ فَأَخَذَ بِيَدِي فَاسْتَتْبَعَنِي حَتَّى أَتَى جَبَلًا طَوِيلًا وَعِرًا فَقَالَ لِي: ارْقَهُ، فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: إِنِّي سَأُسَهِّلُهُ لَكَ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا وَضَعْتُ قَدَمِي وَضَعْتُهَا عَلَى دَرَجِهِ حَتَّى اسْتَوَيْتُ عَلَى سَوَاءِ الْجَبَلِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ) بِالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ: (آتِيَانِ) فِي رِوَايَةِ هَوْذَةَ، عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ اثْنَانِ أَوْ آتِيَانِ بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَأَيْتُ مَلَكَيْنِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَبَعْدَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُثَلَّثَةٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَمَعْنَى ابْتَعَثَانِي أَرْسَلَانِي، كَذَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ: بَعَثَهُ وَابْتَعَثَهُ أَرْسَلْتُهُ، يُقَالُ ابْتَعَثَهُ إِذَا أَثَارَهُ وَأَذْهَبَهُ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَعْنَى ابْتَعَثَانِي: أَيْقَظَانِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُمَا أَيْقَظَاهُ فَرَأَى مَا رَأَى فِي الْمَنَامِ وَوَصَفَهُ بَعْدَ أَنْ أَفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنَامَهُ كَالْيَقَظَةِ، لَكِنْ لَمَّا رَأَى مِثَالًا كَشَفَهُ التَّعْبِيرُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَنَامًا.

قَوْلُهُ: (وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) زَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي رِوَايَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ إِلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ أَوْ أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَانْطَلَقَا بِي إِلَى السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَمَرَرْتُ عَلَى مَلَكٍ وَأَمَامَهُ آدَمِيٌّ وَبِيَدِ الْمَلَكِ صَخْرَةٌ يَضْرِبُ بِهَا هَامَةَ الْآدَمِيِّ.

قَوْلُهُ: (يَهْوِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ يَسْقُطُ، يُقَالُ هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي هُوِيًّا سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ، وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَيُقَالُ أَهْوَى مِنْ بُعْدٍ وَهَوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ مِنْ قُرْبٍ.

قَوْلُهُ: (بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ يَشْدَخُهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيَشْدَخُ وَالشَّدْخُ كَسْرُ الشَّيْءِ الْأَجْوَفِ.

قَوْلُهُ: (فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَيَتَدَأْدَأُ بِهَمْزَتَيْنِ بَدَلَ الْهَاءَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَيَتَدَهْدَأُ بِهَاءٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَكُلٌّ بِمَعْنًى. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ دَفَعَهُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَتَدَهْدَهَ إِذَا انْحَطَّ، وَالْهَمْزَةُ تُبْدَلُ مِنَ الْهَاءِ كَثِيرًا وَتَدَأْدَأَ تَدَحْرَجَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (هَاهُنَا) أَيْ إِلَى جِهَةِ الضَّارِبِ.

قَوْلُهُ: (فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ) أَيِ الَّذِي رَمَى بِهِ (فَيَأْخُذُهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَإِذَا ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الَّذِي شَدَخَ رَأْسَهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ حَتَّى يَلْتَئِمَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ عَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَيَقَعُ دِمَاغُهُ جَانِبًا وَتَقَعُ الصَّخْرَةُ جَانِبًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيَعُودُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (مِثْلُ مَا فَعَلَ بِهِ مَرَّةً الْأُولَى) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ الْمَرَّةَ الْأُولَى وَهُوَ الْمُرَادُ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: جُعِلَتِ الْعُقُوبَةُ فِي رَأْسِ هَذِهِ النَّوْمَةِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالنَّوْمُ مَوْضِعُهُ الرَّأْسُ.

قَوْلُهُ: (انْطَلِقِ انْطَلِقْ) كَذَا فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا بِالتَّكْرِيرِ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا التَّكْرَارُ لِبَعْضِهِمْ، وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَلَيْسَ فِيهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَفِيهَا انْطَلِقْ مَرَّةً وَاحِدَةً.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ) تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ ضَبْطُ الْكَلُّوبِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ وَأَمَامَهُ آدَمِيٌّ، وَبِيَدِ الْمَلَكِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ فَيَضَعُهُ فِي شِدْقِهِ الْأَيْمَنِ فَيَشُقُّهُ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ) أَيْ يَقْطَعُهُ شَقًّا، وَالشِّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَيُدْخِلَهُ فِي شَقِّهِ فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْخِرَهُ) كَذَا بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَمَنْخِرَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ) أَيْ بَدَلَ فَيُشَرْشِرُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إِلَخْ) اخْتَصَرَهُ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَلَفْظُهُ: ثُمَّ يُخْرِجُهُ، فَيُدْخِلُهُ فِي شِقِّهِ الْآخَرِ وَيَلْتَئِمُ هَذَا الشِّقُّ فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: شَرْشَرَةُ شِدْقِ الْكَاذِبِ إِنْزَالُ الْعُقُوبَةِ بِمَحَلِّ الْمَعْصِيَةِ، وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِ الدُّنْيَا. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُقَدَّمَةٌ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَلَى قِصَّةِ الَّذِي يُشْدَخُ رَأْسُهُ.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِهِ مُسْتَلْقِيًا وَفِي الْأُخْرَى مُضْطَجِعًا وَالْآخَرُ كَانَ جَالِسًا وَفِي الْأُخْرَى قَائِمًا يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مِثْلَ بِنَاءِ التَّنُّورِ زَادَ جَرِيرٌ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يُوقَدُ تَحْتَهُ نَارًا كَذَا فِيهِ بِالنَّصْبِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ بِالرَّفْعِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ.

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ يُوقَدُ تَحْتَهُ نَارًا بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَأَسْنَدَ يُوقَدُ إِلَى ضَمِيرٍ عَائِدٍ عَلَى النَّقْبِ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ يَتَضَوَّعُ مِنْ أَرْدَانِهَا طِيبًا وَالتَّقْدِيرُ: يَتَضَوَّعُ طِيبٌ مِنْ أَرْدَانِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تُوقَدُ نَارُهُ تَحْتَهُ فَيَصِحُّ نَصْبُ نَارًا عَلَى التَّمْيِيزِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ تُوقَدُ مَوْصُولًا بِتَحْتِهِ فَحُذِفَ وَبَقِيَتْ صِلَتُهُ دَالَّةً عَلَيْهِ لِوُضُوحِ الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: يَتَوَقَّدُ الَّذِي تَحْتَهُ نَارًا وَهُوَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْضًا، وَذُكِرَ لِحَذْفِ الْمَوْصُولِ فِي مِثْلِ هَذَا عِدَّةُ شَوَاهِدَ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ثُقْبٌ قَدْ بُنِيَ بِنَاءَ التَّنُّورِ وَفِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا) بِغَيْرِ هَمْزَةٍ لِلْأَكْثَرِ وَحَكَى الْهَمْزَ أَيْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ مُخْتَلِطَةً وَمِنْهُمْ مَنْ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الضَّوْضَاةُ أَصْوَاتُ النَّاسِ وَلَغَطُهُمْ وَكَذَا الضَّوْضَى بِلَا هَاءٍ مَقْصُورٌ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: الْمَصْدَرُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَإِذَا اقْتَرَبَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا، وَعِنْدَ أَحْمَدَ فَإِذَا أُوقِدَتْ بَدَلَ اقْتَرَبَتْ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرُ مِثْلُ الدَّمِ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ وَلَمْ يَقُلْ حَسِبْتُ.

قَوْلُهُ: (سَابِحٌ يَسْبَحُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ يَعُومُ.

قَوْلُهُ: (سَبَحَ مَا سَبَحَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُوَحَّدَةُ خَفِيفَةٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي) فَاعِلُ يَأْتِي هُوَ السَّابِحُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (فَيَفْغَرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ أَيْ يَفْتَحُهُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَفَغَرَ لَهُ فَاهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلَ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ وَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَغَرَ فَاهُ وَأَنَّهُ يُلْقِمُهُ الْحَجَرَ يُرْمِيهِ إِيَّاهُ.

قَوْلُهُ: (كَرِيهَ الْمَرْآةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصْلُهُ الْمَرْأَيَةُ تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا

فَقُلِبَتْ أَلِفًا وَزْنُهُ مَفْعَلَةٌ.

قَوْلُهُ: (كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عَوْفٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عِنْدَ نَارٍ.

قَوْلُهُ: (يَحُشُّهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَحَكَى فِي الْمَطَالِعِ ضَمَّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ يَحْشُشُهَا بِسُكُونِ الْحَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُكَرَّرَةِ.

قَوْلُهُ: (وَيَسْعَى حَوْلَهَا) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَيُوقِدُهَا وَهُوَ تَفْسِيرُ يَحُشُّهَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حَشَشْتُ النَّارَ أَحُشُّهَا حَشًّا أَوْقَدْتُهَا، وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ: حَشَشْتُ النَّارَ بِالْحَطَبِ ضَمَمْتُ مَا تَفَرَّقَ مِنَ الْحَطَبِ إِلَى النَّاِرِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حَشَّ نَارَهُ حَرَّكَهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ.

وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ يُقَالُ: أَعْتَمَ الْبَيْتُ إِذَا اكْتَهَلَ وَنَخْلَةٌ عَتِيمَةٌ: طَوِيلَةٌ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ أَعْتَمَتِ الرَّوْضَةُ: غَطَّاهَا الْخِصْبُ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَا يَظْهَرُ لِلتَّخْفِيفِ وَجْهٌ، قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الْعَتَمَةِ وَهُوَ شِدَّةُ الظَّلَّامِ فَوَصَفَهَا بِشِدَّةِ الْخُضْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ وَضَبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ رَوْضَةٍ مِغِنِّمَةٍ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ: وَادٍ أَغَنُّ وَمُغْنٍ إِذَا كَثُرَ شَجَرُهُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَوْضَةٌ غَنَّاءُ كَثِيرَةُ الْعُشْبِ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَإِذَا فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ.

قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَوْرٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَبِرَاءٍ بَدَلَ لَوْنٍ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالنَّوْرُ بِالْفَتْحِ الزَّهْرُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ تَثْنِيَةُ ظَهْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ وَهُمَا بِمَعْنًى وَالْمُرَادُ وَسَطُهَا.

قَوْلُهُ: (رَجُلٌ طَوِيلٌ) زَادَ النَّضْرُ قَائِمٌ.

قَوْلُهُ: (لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ ولْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلُ وِلْدَانٌ مَا رَأَيْتُ وِلْدَانًا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَمَّا أَنْ كَانَ هَذَا التَّرْكِيبُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى النَّفْيِ جَازَتْ زِيَادَةُ مِنْ وَقَطُّ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَازَ اسْتِعْمَالُ قَطُّ فِي الْمُثْبَتِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَغَفَلَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَخَصُّوهُ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ.

قُلْتُ: وَالَّذِي وَجَّهَهُ بِهِ الطِّيبِيُّ حَسَنٌ جِدًّا، وَوَجَّهَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالنَّفْيِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ التَّرْكِيبِ إِذِ الْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَوِ النَّفْيُ مُقَدَّرٌ. وَسَبَقَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ) فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مَا هَذَا وَعَلَيْهَا شَرْحُ الطِّيبِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ، قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فَارْتَقَيْتُ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي عَوَانَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَى دَوْحَةٍ بَدَلَ رَوْضَةٍ وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ، وَفِيهِ فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَهِيَ الَّتِي تُنَاسِبُ الرُّقِيَّ وَالصُّعُودَ.

قَوْلُهُ: (فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ) اللَّبَنُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ لَبِنَةٍ وَأَصْلُهَا مَا يُبْنَى بِهِ مِنْ طِينٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَفِتْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ هَيْئَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ شَطْرٌ مُبْتَدَأٌ وَكَأَحْسَنِ الْخَبَرُ وَالْكَافُ زَائِدَةٌ وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ رِجَالٍ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ نِصْفَهُمْ حَسَنٌ كُلُّهُ وَنِصْفَهُمْ قَبِيحٌ كُلُّهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُهُ حَسَنٌ وَنِصْفُهُ قَبِيحٌ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ فِي صِفَتِهِ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ خَلَطُوا أَيْ عَمِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَمَلًا

صَالِحًا وَخَلَطَهُ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ بِالْوُقُوعِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَنْغَمِسُونَ فِيهِ لِيَغْسِلَ تِلْكَ الصِّفَةَ بِهَذَا الْمَاءِ الْخَاصِّ.

قَوْلُهُ: (نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ) أَيْ يَجْرِي عَرْضًا.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ اللَّبَنُ الْخَالِصُ عَنِ الْمَاءِ حُلْوًا كَانَ أَوْ حَامِضًا، وَقَدْ بَيَّنَ جِهَةَ التَّشْبِيهِ بِقَوْله: مِنَ الْبَيَاضِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي الْبَيَاضِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُمْ سَمَّوُا اللَّبَنَ بِالصِّفَةِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ صَافٍ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَاءِ الْمَذْكُورِ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَوِ التَّوْبَةُ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) أَيْ صَارَ الْقَبِيحُ كَالشَّطْرِ الْحَسَنِ، فَذَلِكَ قَالَ: وَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ) يَعْنِي الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ: (فَسَمَا) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ نَظَرَ إِلَى فَوْقٍ وَقَوْلُهُ: (صُعُدًا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ ارْتَفَعَ كَثِيرًا. وَضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاسْتَبْعَدَ ضَمَّهَا.

قَوْلُهُ: (مِثْلُ الرَّبَابَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ وَهِيَ السَّحَابَةُ الْبَيْضَاءُ، وَيُقَالُ لِكُلِّ سَحَابَةٍ مُنْفَرِدَةٍ دُونَ السَّحَابِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيْضَاءَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الرَّبَابَةُ السَّحَابَةُ الَّتِي رُكِّبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ فِي السَّحَابِ.

قَوْلُهُ: (ذَرَانِي فَأَدْخُلُهُ، قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَقُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، وَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ، قَالَ قَالَا أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ (إِنَّا سَنُخْبِرُكَ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، فَقُلْتُ: طَوَّفْتُمَا بِيَ اللَّيْلَةَ وَهِيَ بِمُوَحَّدَةٍ وَلِبَعْضِهِمْ بِنُونٍ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَ نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (فَيَرْفِضُهُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَيُقَالُ بِضَمِّهَا. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: رَفْضُ الْقُرْآنِ بَعْدَ حِفْظِهِ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ رَأَى فِيهِ مَا يُوجِبُ رَفْضَهُ، فَلَمَّا رَفَضَ أَشْرَفَ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْقُرْآنُ عُوقِبَ فِي أَشْرَفِ أَعْضَائِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ.

قَوْلُهُ: (وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ) هَذَا أَوْضَحُ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ بِلَفْظِ: عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يُعَذَّبُ عَلَى تَرْكِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ عَوْفٍ فَإِنَّهُ عَلَى تَرْكِهِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْذِيبُ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ؛ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ.

قَوْلُهُ: (يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ) أَيْ يَخْرُجُ مِنْهُ مُبَكِّرًا.

قَوْلُهُ: (فَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فَكَذُوبٌ يُحَدِّثُ بِالْكِذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ وَالرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ.

قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: لَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ الْمَوْصُوفِ الَّذِي هُنَا لِلْمُعَيَّنِ كَالْعَامِّ حَتَّى جَازَ دُخُولُ الْفَاءِ فِي خَبَرِهِ، أَيِ الْمُرَادُ هُوَ وَأَمْثَالُهُ، كَذَا نَقَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ، وَلَفْظُ ابْنِ مَالِكٍ فِي هَذَا شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُسْتَحَقُّ بِجُزْءِ الْعِلَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا يَجُوزُ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى خَبَرِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ شَبِيهًا بِمَنِ الشَّرْطِيَّةِ فِي الْعُمُومِ وَاسْتِقْبَالِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى، نَحْوَ الَّذِي يَأْتِينِي فَمُكْرَمٌ، لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالَّذِي مُعَيَّنًا زَالَتْ مُشَابَهَتُهُ بِمَنْ وَامْتَنَعَ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا يَمْتَنِعُ دُخُولُهَا عَلَى أَخْبَارِ الْمُبْتَدَآتِ الْمَقْصُودِ بِهَا التَّعْيِينُ نَحْوَ: زَيْدٌ فَمُكْرَمٌ لَمْ يَجُزْ، فَكَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ الَّذِي يَأْتِينِي إِذَا قَصَدْتَ بِهِ مُعَيَّنًا، لَكِنَّ الَّذِي يَبْنِي عِنْدَ قَصْدِ التَّعْيِينِ شَبِيهٌ فِي اللَّفْظِ بِالَّذِي يَأْتِينِي عِنْدَ قَصْدِ الْعُمُومِ، فَجَازَ دُخُولُ الْفَاءِ حَمْلًا لِلشَّبِيهِ عَلَى الشَّبِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فَإِنَّ مَدْلُولَ مَا مُعَيَّنٌ وَمَدْلُولَ أَصَابَكُمْ مَاضٍ، إِلَّا أَنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ التَّشْبِيهُ اللَّفْظِيُّ لِشَبَهِ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فَأُجْرِيَ مَا فِي مُصَاحَبَةِ الْفَاءِ مَجْرًى وَاحِدًا. انْتَهَى.

قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ،

لَكِنْ جَوَابُ الْمَلَكَيْنِ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الْمُتَعَدِّدَةِ الْمُبْهَمَةِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ كَلِمَةِ التَّفْصِيلِ أَوْ تَقْدِيرِهَا فَالْفَاءُ جَوَابُ أَمَّا ثُمَّ قَالَ: وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَوْلَادُ النَّاسِ جَازَ دُخُولُهَا عَلَى الْخَبَرِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَدْخُولِ أَمَّا فِي قَوْلِهِ: أَمَّا الرَّجُلُ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْفَاءُ فِي بَعْضِ الْمَحْذُوفَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَمَّا لَمَّا حُذِفَتْ حُذِفَ مُقْتَضَاهَا وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَقَوْلُهُ تُحْمَلُ بِالتَّخْفِيفِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّشْدِيدِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ التَّعْذِيبَ لِمَا يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الْكِذْبَةِ مِنَ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ فِيهَا مُخْتَارٌ غَيْرُ مُكْرَهٍ وَلَا مُلْجَإٍ.

قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَمَّا كَانَ الْكَاذِبُ يُسَاعِدُ أَنْفُهُ وَعَيْنُهُ لِسَانَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِتَرْوِيجِ بَاطِلِهِ وَقَعَتِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْعُقُوبَةِ.

قَوْلُهُ: (فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي النَّقْبِ.

قَوْلُهُ: (فَهُمُ الزُّنَاةُ) مُنَاسَبَةُ الْعُرْيِ لَهُمْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْ يُفْضَحُوا لِأَنَّ عَادَتَهُمْ أَنْ يَسْتَتِرُوا فِي الْخَلْوَةِ فَعُوقِبُوا بِالْهَتْكِ، وَالْحِكْمَةُ فِي إِتْيَانِ الْعَذَابِ مِنْ تَحْتِهِمْ كَوْنُ جِنَايَتِهِمْ مِنْ أَعْضَائِهِمُ السُّفْلَى.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِنَّمَا عُوقِبَ آكِلُ الرِّبَا بِسِبَاحَتِهِ فِي النَّهَرِ الْأَحْمَرِ وَإِلْقَامِهِ الْحِجَارَةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرِّبَا يَجْرِي فِي الذَّهَبِ وَالذَّهَبُ أَحْمَرُ، وَأَمَّا إِلْقَامُ الْمَلَكِ لَهُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الرِّبَا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَتَخَيَّلُ أَنَّ مَالَهُ يَزْدَادُ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِ مَحَقَهُ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي عِنْدَ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عِنْدَهُ النَّارُ.

قَوْلُهُ: (خَازِنُ جَهَنَّمَ) إِنَّمَا كَانَ كَرِيهَ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً فِي عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ وَإِنَّمَا اخْتُصَّ إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ أَبُو الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الْآيَةَ (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَهِيَ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَأَوْلَادُ النَّاسِ لَمْ أَرَ ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِجِوَارٍ وَغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ بَيْنَ نَهَرَيْنِ، فَقُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَهُمْ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ وَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرًا مِنْهُمْ قَبِيحٌ) كَذَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِنَصْبِ شَطْرًا وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ شَطْرٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ وَحَسَنًا وَقَبِيحًا بِالنَّصْبِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، وَلِلنَّسَفِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالرَّفْعِ فِي الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَامَّةٌ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَزَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي رِوَايَتِهِ وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارَ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ الدَّارُ دَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَقْبَحُ شَيْءٍ مَنْظَرًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا كَأَنَّمَا رِيحُهُمُ الْمَرَاحِيضُ، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الزَّوَانِي وَالزُّنَاةُ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِمَوْتَى أَشَدُّ شَيْءٍ انْتِفَاخًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْكُفَّارِ. ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ نِيَامٍ تَحْتَ ظِلَالِ الشَّجَرِ، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُ رِيحًا، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ، هَؤُلَاءِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ الْحَدِيثَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَقَعَ مِرَارًا يَقَظَةً وَمَنَامًا عَلَى أَنْحَاءٍ شَتَّى.

وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخِ.

وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ تَلْخِيصِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ الْقَضَايَا جُمْلَةً ثُمَّ يُفَسِّرَهَا عَلَى الْوَلَاءِ لِيَجْتَمِعَ تَصَوُّرُهَا فِي الذِّهْنِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْ رَفْضِ الْقُرْآنِ

لِمَنْ يَحْفَظُهُ، وَعَنِ الزِّنَا وَأَكْلِ الرِّبَا وَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يُقِيمُ فِيهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا بَلْ إِذَا مَاتَ، حَتَّى النَّبِيُّ وَالشَّهِيدُ.

وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ ذَلِكَ.

وَفِيهِ فَضْلُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَّ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا أَرْفَعَ دَرَجَةٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ إِقَامَتَهُ. هُنَاكَ بِسَبَبِ كَفَالَتِهِ الْوِلْدَانَ، وَمَنْزِلُهُ هُوَ فِي الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ رَأَى آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَرَى نَسَمَ بَنِيهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَمِنْ أَهْلِ الشَّرِّ فَيَضْحَكُ وَيَبْكِي مَعَ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ هُوَ فِي عِلِّيِّينَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اسْتَقَرَّ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مَنْزِلَتِهِ.

وَفِيهِ أَنَّ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ يَتَجَاوَزِ اللَّهُ عَنْهُمْ، اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَفِيهِ أَنَّ الِاهْتِمَامَ بِأَمْرِ الرُّؤْيَا بِالسُّؤَالِ عَنْهَا وَفَضْلِ تَعْبِيرِهَا وَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْبَالُ مُجْتَمِعًا.

وَفِيهِ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا رَاتِبَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَعِظَهُمْ أَوْ يُفْتِيَهُمْ أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ.

وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُشْرَعُ كَالْخَطِيبِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ الْعُقُوبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ لِلْجِنَايَاتِ ظَاهِرَةٌ إِلَّا الزُّنَاةَ فَفِيهَا خَفَاءٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعُرْيَ فَضِيحَةٌ كَالزِّنَا، وَالزَّانِيَ مِنْ شَأْنِهِ طَلَبُ الْخَلْوَةِ فَنَاسَبَ التَّنُّورَ، ثُمَّ هُوَ خَائِفٌ حَذِرٌ حَالَ الْفِعْلِ كَأَنَّ تَحْتَهُ النَّارَ، وَقَالَ أَيْضًا: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْعُصَاةِ دُونَ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، فَالْأَوَّلُ عَلَى وُجُودِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْهُ أَنْ يُقَالَ، وَالثَّانِي إِمَّا بَدَنِيٌّ وَإِمَّا مَالِيٌّ فَذَكَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثَالًا يُنَبِّهُ بِهِ عَلَى مَنْ عَدَاهُ، كَمَا نَبَّهَ بِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ وَأَنَّهُمْ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ؛ دَرَجَاتُ النَّبِيِّ، وَدَرَجَاتُ الْأُمَّةِ أَعْلَاهَا الشُّهَدَاءُ، وَثَانِيهَا مَنْ بَلَغَ، وَثَالِثُهَا مَنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَ كِتَابُ التَّعْبِيرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَا بَيْنَ مُعَلَّقٍ وَمُتَابَعَةُ، الْمُكَرَّرِ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا وَحَدِيثَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَحَدِيثَ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ مَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ، وَمَنْ صَوَّرَ وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ يَرَ وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ) بألف بعد الشين فيهما، وعند أبي (١) ذرٍّ: «أبو هاشم» وقال: صوابه: أبو هشام، أي: بألف بعد الشين، بموافقة كنيته لاسم أبيه (٢)، ومؤمَّل -بفتح الميم الثانية، بوزن محمد- اليشكريُّ البصريُّ، ختنُ إسماعيل ابن عُلَيَّة، روى عنه البخاريُّ هنا، وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٥٢] و «التَّهجُّد» [خ¦١١٤٣] و «بدء الخلق» [خ¦٣٣٥٤] و «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٤] قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور

بابن عُلَيَّة أمِّه قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ) بضم الدال وفتحها ( قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ مِمَّا يُكْثِرُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعني (١): ممَّا يُكثر» (أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟) قال في «شرح المشكاة» ممَّا قرأتُه فيه: «ممَّا» خبر «كان»، و «ما» موصولةٌ، و «يكثر» صلته، والضَّمير الرَّاجع إلى «ما» فاعل «يقول»، و «أن يقول» فاعل «يكثر»، و «هل رأى أحدٌ منكم» هو المقول، أي: رسول الله كائنًا من النَّفر الَّذين كَثُر منهم هذا القول، فوضعَ «ما» مَوضع «من» تفخيمًا وتعظيمًا لجانبهِ، كقولهِ تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وسبحان ما سخَّركنَّ لنا، وتحريرُه: كان رسولُ الله ممَّن يجيدُ تعبير الرُّؤيا، وكان له مشاركٌ في ذلك (٢) منهم؛ لأنَّ الإكثار من هذا القولِ لا يصدرُ إلَّا ممَّن تدرَّب فيه، ووثقَ (٣) بإصابتهِ، كقولك: كان زيدٌ من العلماء بالنَّحو، ومنه قول صاحبي السِّجن ليوسف : ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: المجيدين في عبارة الرُّؤيا، وعلمَا ذلك ممَّا رأياهُ منه؛ إذ (٤) يقصُّ عليه بعضُ أهل السِّجن (٥) هذا من حيث البيان، وأمَّا من طريقِ النَّحو فيحتملُ أن يكون قوله: «هلْ رأى أحدٌ منكمْ من رؤيا؟» مبتدأً، والخبرُ مقدَّم عليه على تأويلِ هذا القول: ممَّا يكثر رسول الله أن يقوله، ولكن أين الثُّريَّا من الثرى! انتهى.

فأشار بقولهِ: ولكن أين الثُّريَّا -كما قال في «الفتح» -: إلى ترجيح الوجه السَّابق، والمتبادر هو الثَّاني، وهو الَّذي اتَّفق عليه أكثر الشَّارحين.

(قَالَ) سَمُرةُ بن جندب: (فَيَقُصُّ عَلَيْهِ) (مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ) بفتح الياء وضم القاف فيهما، كذا في رواية النَّسفيِّ: «مَن» بالنون، ولغيره: «ما» وهي للمقصوصِ و «مَن» للقاصِّ (وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا) لفظ: «لنا» ثابتٌ في بعضِ الأصولِ المعتمدةِ، ساقطٌ من «اليونينيَّة» (ذَاتَ غَدَاةٍ) لفظ الذَّات مقحمٌ، أو هو من إضافةِ المسمَّى إلى اسمه (إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) بمدِّ

الهمزة وكسر الفوقية، وفي حديث عليٍّ -عند ابنِ أبي حاتم-: «ملكان»، وفي «الجنائز» من رواية جرير أنَّهما جبريل وميكائيل [خ¦١٣٨٦] (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) بموحدة ساكنة وفوقية فعين مهملة فمثلَّثة وبعد الألف نون، أرسلاني، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «انبعثا بي» بنون فموحدة وبعد الألف موحدة (وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ) بكسر اللام (١) مرَّة واحدة (وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) معطوفٌ على قولهِ: «وإنَّهما قالا لي» (٢) أي: حصل منهما القول ومنِّي الانطلاق، وزاد جرير بن حازمٍ في روايته: «إلى الأرض المقدَّسة»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء» (وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ) وفي رواية جرير [خ¦١٣٨٦] «مستلقٍ على قفاه». قال الطِّيبيُّ: وذكر «إنَّ» المؤكّدة أربع مرَّات تحقيقًا لما رآه وتقريرًا لقولهِ: «الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة» (وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي) بفتح الياء وكسر الواو بينهما هاء ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «يُهوي» بضم أوله من الرُّباعي (بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ) بفتح التحتية وسكون المثلثة وبعد اللام المفتوحة غين معجمة، أي: فيشدخُ (رَأْسَهُ) والشَّدخُ كسر الشَّيء الأجوف (فَيَتَهَدْهَدُ) بتحتية ففوقية فهاء مفتوحات فدالين مهملتين الأولى منهما ساكنة بينهما هاء مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فَيَتَدَهْدَأ» بزيادة همزة آخره، وفي الفرع كأصله علامة ابنِ عساكرَ فوق الهمزة لكنَّه ضبَّب على العلامة المذكورة، وللكُشمِيهنيِّ: «فيتدادا» بدالين بينهما ألف وآخره ألف أخرى من غير همز ولا هاء، وله ممَّا في «الفتح»: «فيتدأْدأ» بهمزتين الأولى ساكنة والهمزة تبدل من الهاء كثيرًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فَيَتَدَهْده» بدالين بينهما هاء ساكنة وآخره هاء أخرى، فيتدحرج (الحَجَرُ) ويندفع (٣) من علو إلى سفل (هَهُنَا) أي: إلى جهةِ الضَّارب (فَيَتْبَعُ) بالتخفيف الرَّجلُ القائم (الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ) ليصنعَ به كما صنع أوَّلًا (٤) (فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ) إلى الَّذي ثُلغ رأسهُ (حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) الرَّجل (عَلَيْهِ) على المضطجعِ (فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ (٥) المَرَّةَ الأُولَى) ولأبي ذرٍّ: «مرَّة الأولى» (قَالَ) : (قُلْتُ لَهُمَا) أي: للملكين: (سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؟ (قَالَ) : (قَالَا) أي:

الملكان (لِي: انْطَلِق انْطَلِقْ) بالتِّكرار مرَّتين (١) لأبي ذرٍّ في الفرع كأصله، وفي الأوَّل (٢) بغير تكرارٍ.

وقال في «الفتح»: بالتَّكرار في المواضعِ كلِّها، وسقطَ في بعضها التَّكرار لبعضِهم (قَالَ) : (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ) بفتح الكاف وتضم وضم اللام المشددة، له شعبٌ يعلق بها اللَّحم (وَإِذَا هُوَ) أي: الرَّجل القائم (يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ) أي: وجهِ المستلقِي لقفاه (فَيُشَرْشِرُ) بمعجمتين وراءين. قال صاحب «العين»: فيشرشر، أي: فيقطِّعُ (شِدْقَهُ) بكسر المعجمة والإفراد، جانبَ فمه (إِلَى قَفَاهُ وَ) يقطعُ (مَنْخِرَهُ) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة (إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ) بإفراد العين كالمنْخر (قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ: (فَيَشُقُّ) بدل: فيُشَرْشر (قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ) شقِّ (٣) (ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ (٤) ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) الرَّجل (عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ) به (مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ) لهما: (سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؟ أي: ما شأنهما؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِق انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين لأبي ذرٍّ، وكذا في (٥) نسخة لابنِ عساكرَ (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح الفوقية وتشديد النون المضمومة، الَّذي يُخبزُ فيه، وفي رواية جرير في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «فانطلقنَا إلى ثَقْبٍ (٦) مثلِ التَّنُّور أعلاه ضيِّقٌ وأسفلُه واسعٌ يتوقَّدُ تحتَهُ نارًا». قال الدَّاوديُّ: ولعلَّ ذلك التَّنُّور على جهنَّم (قَالَ: فَأَحْسِبُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأحسب» (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ) بالمعجمة ثمَّ المهملة، جلبَةٌ وصيحةٌ لا يُفهم معناها (وَأَصْوَاتٌ، قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ) في الثَّقب (فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ) بفتح الهاء، وهو لسان النَّار، أو شدَّةُ اشتعالها (مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا) بضادين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره واو أخرى ساكنة أيضًا بلا همز بلفظ الماضي، صاحوا (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «لهم»: (مَا هَؤُلَاءِ) الرِّجال والنِّساء العراة؟

(قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنَّه كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ) عائمٌ يعوم (وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ) بصيغة المضارع فيهما، وفي «الفتح»: بفتحتين وتخفيف الموحدة في الثَّاني (ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ) الرَّجل (الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ) بتحتية مفتوحة ففاء ساكنة فغين معجمة مفتوحة، فيفتحُ (لَهُ فَاهُ) فمه (فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا) بضم التَّحتية (فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ) في النَّهر (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كما» (رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ) فتح (لَهُ فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا) شأن (هَذَانِ) الرَّجلان؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الراء (١) وهمزة ممدودة ثمَّ هاء تأنيث، أي: كريه المنظرِ (كَأَكْرَهِ) بفتح الهاء وكسرها (مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) بفتح الميم (وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا) بحاء مهملة وشين معجمة مشددة مضمومتين، يحرِّكها ويُوقدها، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «نارٌ له يحشُّها» (وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرَّجل؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية فميم مشدَّدة مفتوحتين آخره هاء تأنيث طويلة النَّبات، وقيل: غطَّاها الخصبُ والكلأ كالعمامة على الرَّأس، وضبطها بعضُهم بكسر الفوقية وتخفيف الميم. قال السَّفاقِسيُّ: ولا يظهرُ له وجهٌ. وأجاب في «المصابيح» فقال: يلوح لي فيه وجه مقبولٌ، وذلك أنَّ خضرة الزَّرع إذا اشتدَّت وصفتْ بما يقتضِي السَّواد، كقولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى. فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥] وقد ذهب الزَّجَّاج: إلى أنَّ ﴿أَحْوَى﴾ حالٌ من ﴿الْمَرْعَى﴾ أخر عن الجملةِ المعطوفة، وأنَّ المراد وصفه بالسَّواد لأجل خضرتهِ، فكذلك تقول: وصفت الرَّوضة بشدة خضرتها بالسَّواد، فقيل: معتمة من قولك: أعتم اللَّيل إذا أظلمَ، فتأمَّله. انتهى.

وبه قال الحافظُ ابن حجرٍ ولفظه: الَّذي يظهرُ لي أنَّه من العتمة، وهي (٢) شدَّة الظَّلام، فوصفَها بشدَّة الخضرةِ، كقولهِ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (فِيهَا) في الرَّوضة (مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ) بفتح النون، أي: زهره، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من كلِّ لون الرَّبيع» (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ

الرَّوْضَةِ) بفتح الراء وكسر التحتية، تثنيةُ ظهر، أي: وسطها (رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ) بنصب «طولًا» على التَّمييز (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) قال في «شرح المشكاة»: أصلُ التركيب: وإذا حول الرَّجل ولدانٌ ما رأيتُ ولدانًا قطُّ أكثر منهم، ولما كان هذا التَّركيب متضمِّنًا معنى النَّفي جازَ زيادة «مِن» و «قَطّ» الَّتي تختصُّ بالماضِي المنفي (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرَّجل الطَّويل؟ (مَا هَؤُلَاءِ) الولدان؟ قال الطِّيبيُّ: ومن حقِّ الظَّاهر أن يقول: من هذا؟ فكأنَّه لمَّا رأى حالَه من الطُّول المفرطِ (١) خفِي عليه أنَّه من أيِّ جنسٍ هو أبشرٌ أم ملكٌ أم غير ذلك؟ وسقط لأبي ذرٍّ «ما هذا» (قَالَ: قَالَا لِي (٢): انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ) وعند الإمام أحمد والنَّسائيِّ: «إلى دوحةٍ (٣)» بدل: «روضة»، وهي الشَّجرة الكبيرة (قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا) أي: في الشَّجرة (قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا) وفي رواية الإمام أحمد والنَّسائيِّ: «فصعدا بي في الشَّجرة» (فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ) بكسر الموحدة وفتح اللَّام مِن «بِلَبن ذهبٍ» (وَلَبِنِ فِضَّةٍ) جمع: لَبِنَة، وأصلها: ما يبنى به من طينٍ (فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا) ها (فَفُتِحَ لَنَا) بضم الفاء مبنيًّا للمفعول (فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) نصف (مِنْ خَلْقِهِمْ) بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف، هيئتهم (كَأَحْسَنِ) خبر قوله: «شطرٌ»، والكاف زائدة (مَا أَنْتَ رَاءٍ) بهمزة منوَّنة، ولأبي ذرٍّ: «رائي» بتحتية ساكنة بعد الهمزة، والجملة صفة «رجالٍ» (وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «رائي» ويحتملُ أن يكون بعضُهم موصوفين بأنَّ خلقتهم حسنةٌ وبعضهم قبيحةٌ، وأن يكون كلُّ واحدٍ منهم بعضه حسنٌ وبعضه قبيحٌ (قَالَ: قَالَا) أي: الملكان (لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) لتغسل تلك الصِّفة القبيحة بهذا الماءِ الخالص (قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي) عرضًا (كَأَنَّ مَاءَهُ المَحْضُ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، اللَّبن الخالصُ (٤) (فِي البَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ) في النَّهر (ثُمَّ

رَجَعُوا إِلَيْنَا) حالَ كونهم (قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) وهو القبحُ (فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ) : (قَالَا لِي: هَذهِ) المدينة (جَنَّةُ عَدْنٍ) أي: إقامة (وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَسَمَا) بفتح المهملة والميم مخففة، أي: نظرَ (بَصَرِي صُعُدًا) بضم المهملتين وتنوين الدال المهملة، ارتفعَ كثيرًا (فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ) بفتح الراء والموحدتين بينهما ألف، السَّحابة (البَيْضَاءِ قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي) بفتح المعجمة والراء المخففة، اتركَاني (فَأَدْخُلَْهُ) جواب الأمر منصوبٌ بتقدير «أنْ»، أو مجزومٌ على الجوابِ (قَالَا: أَمَّا الآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ) في الأخرى، وفي رواية جريرٍ في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «قالا: إنَّه بقِيَ لك عمرٌ لم تستكملْه فلو استكملتَ أتيتَ منزلكَ»، وقد قيل: إنَّه رفع بعد موتهِ إلى الجنَّة، وعورضَ بقولهِ : «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرضُ» فإنَّه يشعر (١) بأنَّه في قبرهِ الشَّريف. وأُجيب باحتمال أنَّ لروحه الشَّريفة انتقالاتٍ من مكانٍ إلى آخر، وتصرُّفاتٍ في الكونِ كيف شاء الله.

(قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا) سقط «قد» لأبي ذرٍّ (فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا) بفتح الهمزة والميم المخففة (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (سَنُخْبِرُكَ) عنه: (أَمَّا) بالتَّشديد (الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ) بضم الفاء الثانية وكسرها يتركه (وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ) جعلت (٢) العقوبةُ في رأسه لنومهِ عن الصَّلاة، والنَّومُ موضعُه الرَّأس (وَأَمَّا الرَّجُلُ (٣) الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ) بفتح الشينين (شِدْقُهُ) بكسر الشين (إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو) بالغين المعجمة، يخرجُ (مِنْ بَيْتِهِ) مبكِّرًا (فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ) بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة (تَبْلُغُ الآفَاقَ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «فيُصنع به إلى يوم القيامة»، وإنَّما استحقَّ التَّعذيبَ لما ينشأُ عن تلك الكَذْبة من المفاسدِ، وهو فيها غير مكره.

وقال ابنُ العربيِّ: شَرْشرة شِدْق الكاذبِ إنزالُ العقوبةِ بمحلِّ المعصية. وقال ابنُ هُبيرة:

لما كان الكاذبُ يساعد أنفُه وعينُه لسانَه على الكذبِ بترويجِ باطلهِ (١) وقعتِ المشاركةُ بينهم في العقوبة (وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) ومناسبة العُري؛ لأنَّ عادتهم التَّستُّر بالخلوةِ، فعوقبوا بالهتكِ، ولمَّا كانت جنايتُهم من أعضائهِم السُّفلى ناسبَ أن يكون عذابهم من تحتِهم (وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ) بضم التحتية وفتح القاف، «والحجرَ» نصبٌ مفعولٌ ثانٍ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «الحجارة» بالجمع (فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) بمدِّ همزة «آكِل» وكسر كافها، وفي إلقامهِ الحجر إشارةٌ إلى أنَّه لا يغني عنه شيئًا كما أنَّ المرابي يتخيَّل أنَّ مالهُ يزدادُ والله يمحقُه (وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الراء وبالمدّ (الَّذِي عِنْدَ النَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عنده النار» بزيادةِ الضَّمير والرَّفع (يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ) وإنَّما كان كريهَ المنظر؛ لأنَّ فيه زيادة في عذابِ أهل النَّار (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة.

(قَالَ) سَمُرةُ: (فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ) الَّذين ماتوا على الفطرةِ داخلون في زُمرةِ هؤلاء الولدانِ؟ سقطَتْ الواو الأولى من قولهِ «وأولاد» لابنِ عساكرَ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ) مجيبًا: (وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ) منهم (٢)، وظاهره: الحكمُ لهم بالجنَّة، ولا يعارضُه قوله: «إنَّهم مع (٣) آبائهم»؛ لأنَّ ذلك في الدُّنيا (وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا) ولأبي ذرٍّ: «شطرًا منهم حسنٌ» بنصب الأول ورفع الثَّاني، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ برفع «شطر» و «حسن» (وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ بنصب الأول ورفع الثَّاني، وفي نسخة أبي ذرٍّ: والصَّواب: شطرٌ … وشطرٌ بالرفع. كذا رأيتُه في حاشية الفرع منسوبًا لـ «اليونينيَّة»، ثمَّ رأيتُه فيها كذلك، وللنَّسفيِّ والإسماعيليِّ بالرَّفع في الجميعِ على أن «كان» تامَّة، والجملة حاليَّة (فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا) بتخفيف اللام (عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ).

خاتمة: ومن آداب المعبِّر ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن عمر: أنَّه كتب إلى أبي موسى: إذا رأى أحدُكم رؤيا فقصَّها على أخيهِ فليقل: خيرٌ لنا وشرٌّ لأعدائنا. ورجاله ثقاتٌ، لكن سندهُ منقطعٌ، وعند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «الدَّلائل» من حديث ابن زِمْل الجهنيِّ -وهو بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام- قال: كان النَّبيُّ إذا صلَّى الصُّبح قال: «هلْ رَأى أحدٌ منكُم شيئًا؟» قال ابن زِمْل: فقلتُ: أنا يا رسولَ الله. قال: «خيرًا تلقاهُ، وشرًا تتوقَّاه، وخيرٌ لنا وشرٌّ على أعدائنا، والحمد لله ربِّ العالمين، اقصصْ رؤياكَ … » الحديثَ. وسندُه ضعيفٌ جدًّا.

وينبغي أن يكون العابرُ (١) ديِّنًا، حافظًا، تقيًّا، ذا علمٍ (٢) وصيانةٍ، كاتمًا لأسرارِ النَّاس في رُؤياهم، وأن يستغرقَ السُّؤال من السَّائل بأجمعهِ، وأن يردَّ الجوابَ على قدرِ السُّؤال للشريفِ والوضيعِ، ولا يعبِّر عند طلوعِ الشَّمس، ولا عند غروبها، ولا عند الزَّوال، ولا في اللَّيل.

ومن آداب (٣) الرَّائي أن يكون صادق اللَّهجة، وأن ينامَ على وضوءٍ على جنبهِ الأيمن، وأن يقرأَ (٤) عنده: و ﴿وَالشَّمْسِ﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ﴾ و ﴿وَالتِّينِ﴾ وسورتَي الإخلاص والمعوِّذتين، ويقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من سَيِّئ الأحلامِ، وأستجيرُ بك من تلاعبِ الشَّيطان في اليقظةِ والمنام، اللَّهم إنِّي أسألكَ رؤيا صالحة صادقةً نافعةً حافظةً غير منسيَّةٍ، اللَّهمَّ أَرني في منامِي ما أحبُّ، ومن آدابهِ أن لا يُقصَّها على امرأةٍ، ولا على (٥) عدوٍّ، ولا على جاهلٍ.

وهذا (٦) آخر «كتاب التَّعبير»، فرغ منه يوم الاثنين، العشرين من شعبان (٧) سنة ٩١٥ (٨).

((٩٢)) (كتاب الفِتَن) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة، جمع: فتنة؛ وهي المحنة والعذاب والشِّدَّة، وكلُّ مكروهٍ وآيلٍ (١) إليه؛ كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومةٌ، فقد ذمَّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الاية [البروج: ١٠].

(بسم الله الرحمن الرحيم) قالَ في «الفتح»: كذا في رواية الأَصيليِّ وكريمة تأخير البسملة، ولغيرهما تقديمُها، والذي في الفرع كأصله (٢) رقم عليه (٣) علامة أبي ذرٍّ بعد التصحيح، وعلامة التَّقديم والتَّأخير عليهما لابن عساكر.

(١) (مَا جَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ ما جاء» (فِي) بيان (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]) أي: اتَّقوا ذنبًا يعمُّكم أثره؛ كإقرار المُنْكِر بين أظهركم، والمُدَاهَنَة في الأمر بالمعروف، وافتراقِ الكلمة، وظهورِ البدع، والتَّكاسل في الجهاد (٤) على أنَّ قولَه: ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ﴾ إمَّا جوابُ الأمر على معنى: إن أصابتكم لا تصيب الظَّالمين منكم، وفيه: أنَّ جوابَ الشَّرط متردَّدٌ، فلا تليق به النُّون المؤكِّدة، لكنَّه لمَّا تضمَّن معنى النَّهي ساغ فيه

كقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] وإمَّا صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾ و ﴿لاَّ﴾ للنَّفي، وفيه شذوذٌ؛ لأنَّ النُّون لا تدخل النَّفي (١) في غير القَسَم، أو للنَّهي على إرادة القول كقوله:

حتَّى إذا جنَّ الظَّلام واختلط

جاؤوا بمذقٍ هل رأيت الذِّئب قط

وإمَّا جوابُ قسمٍ محذوفٍ؛ كقراءة من قرأ: (لَتصيبنَّ) وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتِّقاء الذَّنب عنِ التَّعرُّض للظُّلم، فإنَّ وباله يُصيب الظَّالم خاصَّةً ويعود عليه، و «مِنْ» في ﴿مِنكُمْ﴾ على الوجه الأوَّل: للتَّبعيض (٢)، وعلى الأخيرين (٣): للتَّبيين (٤)، وفائدته: التَّنبيه على أنَّ الظُّلم منكم أقبحُ من غيركم، قاله في «أسرار التَّنزيل» (٥)، وروى أحمد والبزَّار من طريق مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير قال: قلنا للزُّبير -يعني: في قصَّة الجمل-: يا أبا عبد الله؛ ما جاء بكم؟ ضيَّعتم الخليفة الذي قُتِل -يعني: عثمان- بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه -يعني: بالبصرة! - فقال الزُّبير: إنَّا قرأنا على عهد رسول الله : ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتَّى وقعت منَّا حيث وقعت، وعند أحمد بسندٍ حسنٍ من حديث عديِّ بن عميرة: سمعت رسول الله يقول: «إنَّ الله لا يُعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتَّى يرَوا المُنْكَر بين ظهرانَيهم، وهم قادرون على أن يُنكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك؛ عذَّب الله الخاصَّة والعامَّة» (وَ) بيان (مَا كَانَ النَّبِيُّ يُحَذِّرُ) بتشديد المعجمة (مِنَ الفِتَنِ) في أحاديث الباب وغيره المتضمِّنة للوعيد على التَّبديل والإحداث؛ لأنَّ الفتن غالبًا إنَّما تنشأ عن (٦) ذلك.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لَا تكَرر يَمِينك فَإِنِّي لَا أخْبرك. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنَّك إِذْ تفكرت فِيمَا أَخْطَأت بِهِ عَلمته. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: قد أَمر النَّبِي بإبرار الْقسم؟ . قلت: ذَلِك مَخْصُوص بِمَا لم تكن فِيهِ مفْسدَة وَهَاهُنَا لَو أبره لزم مفاسد مثل: بَيَان قتل عُثْمَان وَنَحْوه، أَو مِمَّا يجوز الِاطِّلَاع عَلَيْهِ بِأَن لَا يكون من أَمر الْغَيْب وَنَحْوه، أَو بِمَا لَا يسْتَلْزم توبيخاً على أحد بَين النَّاس بالإنكار مثلا، على مبادرته، أَو على ترك تعْيين الرِّجَال الَّذين يَأْخُذُونَ بِالسَّبَبِ، وَكَانَ فِي بَيَانه أعيانهم مفاسد. وَفِي التَّوْضِيح وَكَذَا إِذا أقسم على مَا لَا يجوز أَن يقسم عَلَيْهِ كشرب الْخمر والمعاصي فَفرض عَلَيْهِ ألَاّ يبره.

وَفِيه: جَوَاز فَتْوَى الْمَفْضُول بِحَضْرَة الْفَاضِل إِذا كَانَ مشاراً إِلَيْهِ بِالْعلمِ والإمامة. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يخطىء وَقد يُصِيب.

٤٨ - (بابُ تَعْبِير الرُّؤْيا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْبِير الرُّؤْيَا بعد صَلَاة الصُّبْح، قيل: فِيهِ إِشَارَة إِلَى ضعف مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سعيد بن عبد الرحمان عَن بعض عُلَمَائهمْ قَالَ: لَا تقصص رُؤْيَاك على امْرَأَة وَلَا تخبر بهَا حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الرَّد على من قَالَ من أهل التَّعْبِير: إِن الْمُسْتَحبّ أَن يكون التَّعْبِير من بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى الرَّابِعَة، وَمن الْعَصْر إِلَى قبل الْغُرُوب. فَإِن الحَدِيث يدل على اسْتِحْبَاب تعبيرها قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقَالَ الْمُهلب مَا ملخصه: إِن تَعْبِير الرُّؤْيَا عِنْد صَلَاة الصُّبْح أولى من غَيره من الْأَوْقَات لحفظ صَاحبهَا لَهَا لقرب عَهده بهَا ولحضور ذهن العابر فِيمَا يَقُوله.

٧٠٤٧ - حدّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشامٍ أبُو هِشامٍ، حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ، حدّثنا عَوْفٌ، حدّثنا أبُو رَجاءٍ، حدّثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدبٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كَانَ رسولُ الله مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصْحابِهِ: هَلْ رَأى أحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شاءَ الله أنْ يَقُصَّ، وإنهُ قَالَ لَنا ذاتَ غداةٍ: إنّه أُتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعثانِي وإنَّهُما قَالَا لِي: انْطَلِقْ. وإنّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذا هُوَ يهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأسِهِ فَيَثْلَغُ رَأسَهُ فَيَتَهَدْهَدُهُ الحَجَرُ هاهُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَر فَيَأخُذُهُ فَلا يَرْجِعُ إليْهِ حتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَمَا كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: سُبْحَانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذا هُوَ يَأتِي أحدَ شِقّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَةُ إِلَى قَفاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفاهُ وعَيْنَهُ إِلَى قَفاهُ قَالَ: ورُبَّما قَالَ أبُو رَجاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجانِبِ حتَّى يَصِحَّ ذالِكَ الجانِبُ كَمَا كانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المرَّةَ الأولى، قَالَ: قُلْتُ: سُبْحانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلقْ فانْطَلَقْنا فأتَينا عَلى مِثْل التَّنُّورِ قَالَ: فأحْسِبُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذا فِيهِ لَغَطٌ وأصْوات قَالَ: فاطلَعْنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وَإِذا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذا أتاهُمْ ذالِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَؤُوا. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاؤُلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ أحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذا فِي النَّهَر رجُلٌ سابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذا عَلى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجارةً كَثِيرَةً، وَإِذا ذالِكَ السَّابِح يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذالِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجارَةَ فَيَفْغَرُ لهُ فاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجراً، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ

ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلَّما رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ لهُ فاهُ، فألْقَمَهُ حَجَراً. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ كأكْرَهِ مَا أنْتَ راءٍ رَجُلاً مَرْآةً، وَإِذا عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعاى حَوْلَها، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقِ فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتَمِةٍ فِيها مِنْ كُلِّ نُوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أكادُ أراى رَأسَهُ طُولاً فِي السَّماءِ، وَإِذا حَوْل الرَّجُلِ مِنْ أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ مَا هاؤلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فانْتهَيْنا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمةٍ لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنْها وَلَا أحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَهْ فِيها. قَالَ: فارْتَقَيْنا فِيها فانْتَهَيْنا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ ولَبِنِ فِضةٍ، فأتيْنا بابَ المَدِينَةِ فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا، فَدَخَلْناها فَتَلقانا فِيهَا رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ مَا أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ مَا أنْتَ راءٍ، قَالَ: قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ: وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءَهُ المَحْضُ فِي البَياضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءِ عنْهُمْ، فَصارُوا فِي أحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنَ، هاذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَما بَصَرِي صُعُداً فَإِذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البَيْضاءِ، قَالَ: قَالَا لِي: هاذَاكَ مَنْزِلُكِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: بارِكَ الله فِيكُما ذراني فأدخُلهُ، قَالَا: أمَّا الآنَ فَلَا، وأنْتَ داخِلُهُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: فإنِّي قَدْ رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً، فَما هاذا الّذِي رَأيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لي: أما إنّا سَنُخْبِرُكَ: أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الّذِي أتيْتَ عَلَيْهِ يُثلَغْ رأسَهُ بالحَجَرِ فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وأمَّا الرَّجُلُ الّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفاهُ ومنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِه فَيكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ، وأمّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُرَاةُ الّذِينَ فِي مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ فإنّهُمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمّا الرجُلُ الذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ ويُلْقَمُ الحَجَرَ فإنّهُ آكِلُ الرِّبا، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريةُ المَرْأةِ الّذِي عِنْدَ النَّار، يَحْشُّها ويَسعَى حَوْلَها، فإنَّهُ مالِكٌ خازِنُ جَهنَّم، وأمَّا الوِلْدَانُ الّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رسولَ الله وأوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رسولُ الله وأوْلَادُ المُشْرِكِينَ وأمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَناً وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحاً فإنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجاوَزَ الله عَنْهُمْ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ذَات غَدَاة لِأَن الْغَدَاة مَا قبل طُلُوع الشَّمْس. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وطلوع الشَّمْس، وَلَفظ: ذَات، مقحم أَو هُوَ من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه.

ومؤمل على وزن مُحَمَّد ابْن هِشَام أَبُو هَاشم، كَذَا لأبي ذَر عَن بعض مشايخه، وَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو هِشَام، وَكَذَا هُوَ عِنْد غير أبي ذَر، وَهُوَ مِمَّن وَافق كنيته اسْم أَبِيه وَهُوَ ختن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن علية اسْم أمه وَهُوَ الَّذِي يروي عَنهُ مُؤَمل الْمَذْكُور، وعَوْف هُوَ الْمَشْهُور بالأعرابي،

وَأَبُو رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم المخففة اسْمه عمرَان العطاردي، وَالرِّجَال كلهم بصريون.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّلَاة وَفِي الْجِنَازَة وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّلَاة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير وَهنا عَن مُؤَمل، وَلم يُخرجهُ تَاما إلَاّ هُنَا وَفِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار بأكثره، وَقد مضى الْكَلَام فِي أَكْثَره فِي كتاب الْجَنَائِز، ولنذكر هُنَا شرح الْأَلْفَاظ الَّتِي لم تذكر هُنَاكَ.

قَوْله حَدثنَا مُؤَمل بن هِشَام وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر. حَدثنِي. قَوْله: كَانَ رَسُول الله مِمَّا يكثر أَن يَقُول لأَصْحَابه وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: كَانَ رَسُول الله يَعْنِي مِمَّا يكثر، وَله عَن غَيره بِإِسْقَاط: يَعْنِي، كَذَا وَقع عِنْد البَاقِينَ. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: مِمَّا يكثر خبر: كَانَ وَمَا مَوْصُولَة، وَيكثر صلته، وَأَن يَقُول فَاعل يكثر. قَوْله: هَل رأى أحد مِنْكُم هُوَ الْمَقُول. قَوْله: فيقص بِفَتْح الْيَاء وَضم الْقَاف، يُقَال: قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا أقصها قصاً، والقص الْبَيَان. قَوْله: من شَاءَ الله هَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا شَاءَ الله، وَكلمَة: من، للقاص، وَكلمَة: مَا، للمقصوص. قَوْله: اللَّيْلَة بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: آتيان تَثْنِيَة: آتٍ، من الْإِتْيَان ويروى: اثْنَان من التَّثْنِيَة، وَعند ابْن أبي شيبَة: اثْنَان أَو آتيان، بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة جرير: رَأَيْت رجلَيْنِ، وَفِي رِوَايَة عَليّ: رَأَيْت ملكَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي آخر الحَدِيث أَنَّهُمَا: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، عَلَيْهِمَا السَّلَام. قَوْله: ابتعثاني بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعد الْعين الْمُهْملَة ثاء مُثَلّثَة أَي: أرسلاني. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: بعثته وابتعثته أَرْسلتهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: انبعثا بِي، بنُون سَاكِنة وياء مُوَحدَة. قَوْله: مُضْطَجع وَفِي رِوَايَة جرير: مستلق على قَفاهُ. قَوْله: وَإِذا آخر أَي: وَإِذا رجل آخر، وَكلمَة: إِذْ، للمفاجأة. قَوْله: بصخرة وَفِي رِوَايَة جرير: بفهر أَو صَخْرَة. قَوْله: يهوي بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْوَاو من هوى بِالْفَتْح يهوي هوياً أَي: سقط إِلَى أَسْفَل، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم الْيَاء من الإهواء، يُقَال: أَهْوى من بعد وَهوى بِفَتْح الْوَاو من قرب. قَوْله: فيثلغ بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام، وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يشدخ والشدخ كسر الشَّيْء الأجوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الثلغ ضربك الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس حَتَّى يتشدخ. قَوْله: فيتدهده الْحجر أَي: ينحط من علو إِلَى أَسْفَل، يُقَال: تدهده يتدهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فيتدأدأ، بهمزتين بدل الهاءين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فيتدهدأ، بِهَمْزَة فِي آخِره بدل الْهَاء، وَالْكل بِمَعْنى. قَوْله: هَاهُنَا أَي: إِلَى جِهَة الضَّارِب. قَوْله: حَتَّى يَصح رَأسه وَفِي رِوَايَة جرير: حَتَّى يلتئم، وَعند أَحْمد: عَاد رَأسه كَمَا كَانَ، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: فَيَقَع دماغه جانباً وَتَقَع الصَّخْرَة جانباً، قَوْله: ثمَّ يعود عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة جرير: يعود إِلَيْهِ. قَوْله: انْطلق انْطلق كَذَا فِي الْمَوَاضِع كلهَا بالتكرير، وَسقط فِي بعض الرِّوَايَات التّكْرَار، وَأما فِي رِوَايَة جرير، فَلَيْسَ فِيهَا: سُبْحَانَ الله، فِيهَا: انْطلق، مرّة وَاحِدَة. قَوْله: بكلوب بِفَتْح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة، وَجَاء الضَّم فِي الْكَاف، وَيُقَال: الْكلاب وَالْجمع كلاليب وَهُوَ المنشال من حَدِيد ينشل بهَا اللَّحْم من الْقدر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ كالسكين وَنَحْوهَا. قَوْله: فيشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ أَي: يقطعهُ، والشدق جَانب الْفَم، وَقَالَ صَاحب الْعين شرشره قطع شرشره وشق أَيْضا. قَوْله: أَبُو رَجَاء هُوَ رَاوِي الحَدِيث، أَرَادَ: أَن أَبَا رَجَاء قَالَ: يشق شدقه. قَوْله: مثل التَّنور وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر: مثل بِنَاء التَّنور، وَزَاد جرير: أَعْلَاهُ ضيق وأسفله وَاسع. قَوْله: لغط أَي: جلبة وصيحة لَا يفهم مَعْنَاهَا. قَوْله: لَهب هُوَ لِسَان النَّار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ شدَّة الوقيد والاشتعال. قَوْله: حسبت أَنه كَانَ يَقُول: أَحْمَر مثل الدَّم وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: على نهر من دم، وَلم يقل: حسبت. قَوْله: يسبح أَي: يعوم. قَوْله: ضوضؤوا أَي: ضجوا وصاحوا. قَالَ الْكرْمَانِي: ضوضؤوا بِفَتْح المعجمتين وَسُكُون الواوين بِلَفْظ الْمَاضِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ غير مَهْمُوز أَصله: ضوضوا استثقلت الضمة على الْوَاو فحذفت فَاجْتمع ساكنان فحذفت الْوَاو الأولى لِاجْتِمَاع الساكنين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ضوضوا، وَضبط بِالْهَمْزَةِ أَي: ضجوا واستغلوا، والضوضأة: أصوات

النَّاس وغلبتهم وَهُوَ مصدر. قَوْله: يفغر لَهُ فَاه أَي: يَفْتَحهُ، يُقَال: فغر فَاه وفغر فوه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى، ومادته: فَاء وغين مُعْجمَة وَرَاء. قَوْله: فيلقمه بِضَم الْيَاء من الإلقام. قَوْله: كلما رَجَعَ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فغر لَهُ فَاه، أَي: فتح. قَوْله: كريه الْمرْآة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وهمزة ممدودة بعْدهَا هَاء تَأْنِيث أَي: كريه المنظر، وَأَصلهَا المراية تحركت الْيَاء وَانْفَتح ماقبلها فقلبت ألفا، ووزنها: مفعلة بِفَتْح الْمِيم، والمرآة بِكَسْر الْمِيم الْآلَة الَّتِي ينظر فِيهَا. قَوْله: يحشها بِفَتْح الْيَاء وَضم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يحركها لتتقد، يُقَال: حشيت النَّار أحشها حَشا، إِذا أوقدتها وجمعت الْحَطب إِلَيْهَا، وَحكى فِي الْمطَالع بِضَم أَوله من الإحشاش، وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: يحششها، بِسُكُون الْحَاء وَضم الشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَيسْعَى حولهَا أَي: حول النَّار. قَوْله: معتمة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم بعْدهَا هَاء تَأْنِيث، ويروى بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم: من أعتم النبت إِذا كثر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أعتمت الرَّوْضَة غطاها الخصب، وَأورد ابْن بطال: مغنة، فَقَط بالغين الْمُعْجَمَة وَالنُّون، ثمَّ قَالَ ابْن دُرَيْد: وأدغن ومغن إِذا كثر شَجَره، وَلَا يعرف الْأَصْمَعِي الأغن وَحده، وَقَالَ صَاحب الْعين رَوْضَة غناء كَثِيرَة العشب والذباب: وقرية غناء كَثِيرَة الْأَهْل. قَوْله: من كل نور الرّبيع بِفَتْح النُّون وَهُوَ نور الشّجر أَي: زهره، ونورت الشَّجَرَة أخرجت نورها. وَقَوله: نور الرّبيع رِوَايَة الْكشميهني: وَفِي رِوَايَة غَيره: من كل لون الرّبيع، بِالْوَاو وَالنُّون. قَوْله: بَين ظَهْري الرَّوْضَة تَثْنِيَة ظهر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: بَين ظهراني الرَّوْضَة، مَعْنَاهُمَا وَسطهَا. قَوْله: طولا نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: وَإِذا حول الرجل من أَكثر ولدان رَأَيْتهمْ قطّ قَالَ الطَّيِّبِيّ شيخ شَيْخي: أصل هَذَا الْكَلَام، وَإِذا حول الرجل ولدان مَا رَأَيْت ولداناً قطّ أَكثر مِنْهُم، وَنَظِيره قَوْله بعد ذَلِك: لم أر رَوْضَة قطّ أعظم مِنْهَا، وَلما كَانَ هَذَا التَّرْكِيب متضمناً معنى النَّفْي جَازَت زِيَادَة: من وقط، الَّتِي تخْتَص بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ ابْن مَالك: جَاءَ اسْتِعْمَال قطّ فِي الْمُثبت فِي هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ جَائِز، وغفل أَكْثَرهم عَن ذَلِك فخصوه بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنه اكْتفي بالمنفي الَّذِي لزم من التَّرْكِيب إِذْ مَعْنَاهُ: مَا رَأَيْته أَكثر من ذَلِك، أَو يُقَال: إِن النَّفْي مُقَدّر. قَوْله: إِلَى رَوْضَة وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَأبي عوَانَة والإسماعيلي: إِلَى دَرَجَة، وَهِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة. قَوْله: ارقه أَمر من رقى يرقى، وَالْهَاء فِيهِ للسكت. قَوْله: إِلَى مَدِينَة من مدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ على وزن فعيلة وَيجمع على مَدَائِن بِالْهَمْزَةِ، وَقيل: هِيَ مفعلة من دنت أَي: ملكت، فعلى هَذَا لَا يهمز جمعهَا فَإِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول قلت: مدنِي وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني، وَإِلَى مَدِينَة كسْرَى قلت: مدايني. قَوْله: بِلَبن ذهب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء جمع لبنة وَهِي من الطين النيء. قَوْله: شطر أَي: نصف من خلقهمْ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا قَاف أَي: هيئتهم. قَوْله: شطر مُبْتَدأ وَقَوله: كأحسن خَبره، وَالْكَاف زَائِدَة وَالْجُمْلَة صفة رجال. قَوْله: فقعوا بِفَتْح الْقَاف وَضم الْعين أَمر للْجَمَاعَة بالوقوع أَصله: أوقعوا، لِأَنَّهُ من وَقع يَقع حذفت الْوَاو تبعا لحذفها فِي الْمُضَارع، واستغني عَن الْهمزَة فَبَقيَ: قعوا، على وزن: علوا، فَافْهَم. قَوْله: معترض أَي: يجْرِي عرضا. قَوْله: الْمَحْض بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة هُوَ اللَّبن الْخَالِص من المَاء حلواً كَانَ أَو حامضاً، وَقد بَين جِهَة التَّشْبِيه بقوله: فِي الْبيَاض هَكَذَا رِوَايَة النَّسَفِيّ، والإسماعيلي: فِي الْبيَاض، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: من الْبيَاض، قَوْله: فَذهب ذَلِك السوء عَنْهُم أَي: صَار الشّطْر الْقَبِيح كالشطر الْحسن، فَلذَلِك قَالَ: فصاروا فِي أحسن صُورَة. قَوْله: جنَّة عدن أَي: إِقَامَة وَأَشَارَ بقوله هَذِه إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: فسما بَصرِي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَي: نظر إِلَى فَوق. قَوْله: صعداً بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: ارْتَفع كثيرا، قَالَ الْكرْمَانِي صعداً بِمَعْنى صاعداً، وَقيل: صعداً، بِضَم الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد، وَمِنْه: تنفس الصعداء، أَي: تنفس تنفساً ممدوداً، وَكَذَا ضَبطه ابْن التِّين. قَوْله: فَإِذا قصر كلمة: إِذْ، للمفاجاة. قَوْله: مثل الربابة بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين وَهِي السحابة الْبَيْضَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: السحابة الَّتِي ركب بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَالَ صَاحب الْعين الربَاب السَّحَاب وَاحِدهَا ربابة، وَيُقَال: إِنَّه السَّحَاب الَّذِي ترَاهُ كَأَنَّهُ دون السَّحَاب قد يكون أَبيض وَقد يكون أسود: وَقَالَ الدَّاودِيّ: الربابة السحابة الْبَعِيدَة فِي السَّمَاء. قَوْله: ذراني أَي: دَعَاني واتركاني، وَهُوَ بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله