الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٤٦
الحديث رقم ٧٠٤٦ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
⦗٤٤⦘
اعْبُرْ
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنه رأى في منامه سحابةً تقطر السمن والعسل، والناس يأخذون منها بأكفهم، فمنهم الآخذ كثيرًا ومنهم الآخذ قليلًا، وإذا حبل واصل من الأرض إلى السماء، فأراك يا رسول الله أخذتَ به فعلوت، ثم أخذ بالحبل رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وُصل الحبل مرة أخرى، أي: فعلا به. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله أفديك بأبي، وأقسم عليك أن تتركني أفسرها له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: فسرها، فقال أبو بكر: السحابة هي الإسلام، وذلك لأن السحابة تظل الإنسان وتحميه من الأذى وينعمه بالمطر بإذن الله، وكذلك الإسلام يحمي المؤمن من الأذى والهلاك، وينعم به في الدنيا والآخرة. ثم قال: وأما الذي يقطر من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تقطر، فمن الناس من يستكثر من أخذ القرآن ومنهم المقل، وأما الحبل الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه يارسول الله تأخذ به فيرفعك الله به، ثم يأخد به رجل من بعدك فيعلو به، وكان هذا الرجل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ لأنه يقوم بالحق بعده صلى الله عليه وسلم في أمته، ثم يأخذ بالحبل رجل آخر، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به، وهو إشارة إلى قتل عثمان ووصل الخلافة لعلي رضي الله عنهما أو الفتن التي تقع لعثمان ثم يوصل فيعلو، ثم قال أبو بكر: أخبرني يا رسول الله هل أصبت في تعبير هذه الرؤيا أم أخطأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: أصبت في بعضها وأخطأت في بعضها. قيل: إنه أخطأ لكونه عبر السمن والعسل بالقرآن فقط، وهما شيئان كان من حقه أن يعبرهما بالقرآن والسنة؛ لأنها بيان للكتاب المنزل عليه، وبهما تتم الأحكام كتمام اللذة بهما. وقيل: وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو السحابة، والسمن والعسل القرآن والسنة، وقيل: يحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل وقيل الفهم والحفظ. وقيل: الأولى السكوت عن بيان ما أخطأ فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن ذلك. ثم أقسم أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره بالذي أخطأ فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تُقْسِم» أي: لا تكرر قسمك؛ لأن أبا بكر كان قد أقسم. قيل: إنما لم يبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم أبي بكر؛ لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن هناك مفسدة ولا مشقة ظاهرة، ولعل المفسدة في ذلك ما علمه من انقطاع الحبل بعثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المريبة فكره ذكرها خوف انتشارها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا وَلَا يَذْكُرْهَا) كَذَا جَمَعَ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ لَفْظَيِ الْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ فِي التَّرْجَمَةِ فَلَا يُخْبِرْ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: فَلَا يُحَدِّثْ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي) عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى أُعْرَى وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أُحَمُّ لِخَوْفِي مِنْ ظَاهِرِهَا فِي ظَنٍّ، يُقَالُ عُرِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مُخَفَّفًا يَعْرَى بِفَتْحَتَيْنِ إِذَا أَصَابَهُ عُرَاءٌ بِضَمِّ ثُمَّ فَتْحٍ وَمَدٍّ وَهُوَ نَفْضُ الْحُمَّى، وَمَعْنَى لَا أُزَمَّلُ وَهُوَ بِزَايٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ أَتَلَفَّفُ مِنْ بَرْدِ الْحُمَّى، وَوَقَعَ مِثْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَلَكِنْ قَالَ: أَلْقَى مِنْهَا شِدَّةً بَدَلَ أُعْرَى مِنْهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ أَنِّي لَا أُعَاد، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ إِنْ كُنْتُ لَأُرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لَأُرَى بِزِيَادَةِ اللَّامِ، وَالْأُولَى أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِالرُّؤْيَا الْحَسَنَةِ مَنْ لَا يُحِبُّ قَدْ يُفَسِّرُهَا لَهُ بِمَا لَا يُحِبُّ إِمَّا بُغْضًا وَإِمَّا حَسَدًا فَقَدْ تَقَعُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ يَتَعَجَّلُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حُزْنًا وَنَكَدًا، فَأُمِرَ بِتَرْكِ تَحْدِيثِ مَنْ لَا يُحِبُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) تَقَدَّمَ فِي (بَابِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ.
٤٧ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ
٧٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا. فَقَالَ ﷺ: اعْبُرْهَا. قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ به رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ: أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا. قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: لَا تُقْسِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِيهِ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ رَفَعَهُ: الرُّؤْيَا عَلَى رَجُلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ سَقَطَتْ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي قِلَابَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا يُعْبَرُ، مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَفَعَ فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَضَعُهَا، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَنَسٍ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ يُقَالُ الرُّؤْيَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ.
وَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ تَاجِرٌ يَخْتَلِفُ - يَعْنِي فِي التِّجَارَةِ - فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي غَائِبٌ وَتَرَكَنِي حَامِلًا، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ سَارِيَةَ بَيْتِي انْكَسَرَتْ وَأَنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا أَعْوَرَ، فَقَالَ: خَيْرٌ، يَرْجِعُ زَوْجُكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَالِحًا وَتَلِدِينَ غُلَامًا بَرًّا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَائِبٌ، فَسَأَلْتُهَا فَأَخْبَرَتْنِي بِالْمَنَامِ، فَقُلْتُ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَيَمُوتَنَّ زَوْجُكِ وَتَلِدِينَ غُلَامًا فَاجِرًا، فَقَعَدَتْ تَبْكِي، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَهْ يَا عَائِشَةُ. إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى خَيْرٍ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا.
وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ جَائِزَ بَيْتِي انْكَسَرَ - وَكَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا - فَقَالَ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكِ زَوْجَكِ، فَرَجَعَ سَالِمًا الْحَدِيثَ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ هُوَ الَّذِي عَبَرَ لَهَا الرُّؤْيَا الْأَخِيرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ الْخَبَرُ الْأَخِيرُ الْمَرْفُوعُ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْعَابِرُ مُصِيبًا فِي تَعْبِيرِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ لَوْ بَيَّنَهُ لَهُ لَكَانَ الَّذِي بَيَّنَهُ لَهُ هُوَ التَّعْبِيرَ الصَّحِيحَ وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّعْبِيرِ الْأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا كَانَ الْعَابِرُ الْأَوَّلُ عَالِمًا فَعَبَرَ فَأَصَابَ وَجْهَ التَّعْبِيرِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَصَابَ بَعْدَهُ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَدَارُ إِلَّا عَلَى إِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي تَعْبِيرِ الْمَنَامِ، لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ فِيمَا ضَرَبَهُ مِنَ الْمَثَلِ، فَإِذَا أَصَابَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيَسْأَلِ الثَّانِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ وَيُبَيِّنَ مَا جَهِلَ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُسَاعِدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ: إِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَخْصِيصَ عُبِرَتْ بِأَنَّ عَابِرَهَا يَكُونُ عَالِمًا مُصِيبًا، فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةِ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حِكْمَةِ هَذَا النَّهْيِ أَنَّهُ رُبَّمَا فَسَّرَهَا تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مَحْبُوبَةً فِي الْبَاطِنِ فَتَقَعَ عَلَى مَا فُسِّرَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّائِي، فَلَهُ إِذَا قَصَّهَا عَلَى أَحَدٍ فَفَسَّرَهَا لَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ أَنْ يُبَادِرَ فَيَسْأَلَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُصِيبُ فَلَا يَتَحَتَّمُ وُقُوعُ الْأَوَّلِ، بَلْ وَيَقَعُ تَأْوِيلُ مَنْ أَصَابَ، فَإِنْ قَصَّرَ الرَّائِي فَلَمْ يَسْأَلِ الثَّانِيَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فَسَّرَ الْأَوَّلُ. وَمِنْ أَدَبِ الْمُعَبِّرِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا فَقَصَّهَا عَلَى أَخِيهِ فَلْيَقُلْ: خَيْرٌ لَنَا وَشَرٌّ لِأَعْدَائِنَا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَلَكِنْ سَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ زِمْلٍ الْجُهَنِيِّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ وَلَمْ يُسَمَّ فِي الرِّوَايَةِ، وَسَمَّاهُ أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ قَالَ ابْنُ زِمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: خَيْرًا تَلْقَاهُ وَشَرًّا تَتَوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اقْصُصْ رُؤْيَاكَ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَذَكَرَ أَئِمَّةُ التَّعْبِيرِ أَنَّ
مِنْ أَدَبِ الرَّائِي أَنْ يَكُونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ وَأَنْ يَنَامَ عَلَى وُضُوءٍ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَأَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ نَوْمِهِ الشَّمْسَ وَاللَّيْلَ وَالتِّينَ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ سَيِّئِ الْأَحْلَامِ، وَأَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رُؤْيَا صَالِحَةً صَادِقَةً نَافِعَةً حَافِظَةً غَيْرَ مُنْسِيَةٍ، اللَّهُمَّ أَرِنِي فِي مَنَامِي مَا أُحِبُّ. وَمِنْ أَدَبِهِ أَنْ لَا يَقُصَّهَا عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا عَدُوٍّ وَلَا جَاهِلٍ. وَمِنْ أَدَبَ الْعَابِرِ أَنْ لَا يَعْبُرَهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَا فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ لِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ إِلَّا فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ عَسُرَ عَلَى أَصْحَابِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَالْبَرْقَانِيِّ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَسَعِيدِ بْنِ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ) كَذَا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَتَرَدَّدَ الزُّبَيْدِيُّ هَلْ هُوَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ أَحْيَانًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ الدِّيرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَبْدَ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَاقْتَصَرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: قَالَ إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَانَ مَعْمَرٌ يَتَرَدَّدُ فِيهِ حَتَّى جَاءَهُ زَمْعَةُ بِكِتَابٍ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ لَا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ هَكَذَا بِالشَّكِّ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ، وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ لَا يَذْكُرُ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ صَحِيحُهُ آخِرَ زَمَانِهِ أَثْبَتَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ هَكَذَا، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ مُسْتَوْعَبًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ رُؤْيَا بِاللَّيْلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الذُّهْلِيُّ: الْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ، وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ يُونُسَ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تُقْسِمْ، فَجَزَمَ بِأَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرُهَا لَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلْيَقُصَّهَا لِيَذْكُرْ قِصَّتَهَا وَيَتَّبِعْ جُزْئِيَّاتِهَا حَتَّى لَا يَتْرُكَ مِنْهَا شَيْئًا، مِنْ قَصَصْتُ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعْتُهُ، وَأَعْبُرُهَا أَيْ أُفَسِّرُهَا.
وَوَقَعَ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ سَوَاءٌ كَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالْمَدِينَةِ، أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ صَغِيرًا مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأُحُدٌ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَأَمَّا
أَبُو هُرَيْرَةَ فَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي رَأَيْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: إِنَى أَرَى كَأَنَّهُ لِقُوَّةِ تَحَقُّقِهِ الرُّؤْيَا كَانَتْ مُمَثَّلَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهَا حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (ظُلَّةٌ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةٌ لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ ثَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الظُّلَّةُ أَوَّلُ شَيْءٍ يُظِلُّ، زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَمَعْنَاهُ تَقْطُرُ بِقَافٍ وَطَاءٍ مَضْمُومَةٍ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا يُقَالُ نَطَفَ الْمَاءُ إِذَا سَالَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لَيْلَةَ نَطُوفُ أُمْطِرَتْ إِلَى الصُّبْحِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِأَيْدِيهِمْ قَالَ الْخَلِيلُ: تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ يَسْتَقُونَ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ أَيْ يَأْخُذُونَ فِي الْأَسْقِيَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَتَكَفَّفُونَ يَأْخُذُونَ كِفَايَتَهُمْ وَهُوَ أَلْيَقُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ.
قُلْتُ: وَمَا أَدْرِي كَيْفَ جَوَّزَ أَخْذَ كَفَى مِنْ كَفَّفَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيِ الْآخِذُ كَثِيرًا وَالْآخِذُ قَلِيلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَمَنْ بَيْنَ مُسْتَكْثِرٍ وَمُسْتَقِلٍّ وَبَيْنَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا سَبَبٌ) أَيْ حَبْلٌ.
قَوْلُهُ: (وَاصِلٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ: وَرَأَيْتُ لَهَا سَبَبًا وَاصِلًا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَكَأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ: فَأَعْلَاكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ ثُمَّ أَخَذَهُ زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ بَعْدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ حُسَيْنٍ مِنْ بَعْدِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَا بِهِ) زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فَأَعْلَاهُ اللَّهُ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ هُنَا بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكُمْ فَأَخَذَ بِهِ فَقُطِعَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ وُصِلَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَوُصِلَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ فَقُطِعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَبِي أَنْتَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأُمِّي.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ائْذَنْ لِي.
قَوْلُهُ: (فَأَعْبُرُهَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَلَأَعْبُرَنَّهَا بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ بِاللَّامِ وَالنُّونِ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَعْبُرُهَا) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ عَبَّرَهَا بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَأَذِنَ لَهُ، زَادَ سُلَيْمَانُ وَكَانَ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَا لِمَعْمَرٍ، وَالزُّبَيْدِيِّ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ كَرِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَكَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَهِيَ الَّتِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهَا.
قَوْلُهُ: (فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطِفُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَمَعْمَرٍ، وَبَيَّنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ فَالْقُرْآنُ فِي حَلَاوَةِ الْعَسَلِ وَلِينِ السَّمْنِ.
قَوْلُهُ: (فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَ هَذَا وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَالْآخِذُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَقَلِيلًا، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا السَّبَبُ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَأَمَّا السَّبَبُ فَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ تَعْلُو فَيُعْلِيكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ) زَادَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ بَعْدِكَ زَادَ سُفْيَانُ
بْنُ حُسَيْنٍ عَلَى مَنَاهِجِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدُ كَمَا رَجُلٌ يَأْخُذُ مَأْخَذَكُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ آخَرُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقْطَعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) زَادَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فَيُعْلِيهِ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ هَلْ أَصَبْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ أَخْطَأْتُ.
قَوْلُهُ: (أَصَبْتُ بَعْضًا وَأَخْطَأْتُ بَعْضًا) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَوَاللَّهِ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّفَقَا لَتُحَدِّثُنِي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَصَبْتُ مِنَ الَّذِي أَخْطَأْتُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَاقِيَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَا تُقْسِمْ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَمِثْلُهُ لِمَعْمَرٍ لَكِنْ دُونَ قَوْلِهِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مَا الَّذِي أَصَبْتُ وَمَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ: لَا تُقْسِمْ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: تَوْجِيهُ تَعْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الظُّلَّةَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَقِي الْأَذَى وَيَنْعَمُ بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْعَسَلُ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ شِفَاءً لِلنَّاسِ، وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الْقُرْآنَ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ وَقَالَ إِنَّهُ ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَهُوَ حُلْوٌ عَلَى الْأَسْمَاعِ كَحَلَاوَةِ الْعَسَلِ فِي الْمَذَاقِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ فِي السَّمْنِ شِفَاءً.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يَكُونُ عَبَرَ الظُّلَّةَ بِذَلِكَ لَمَّا نَطَفْتِ الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ اللَّذَيْنِ عَبَرَهُمَا بِالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْلُ وَالْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَالَّذِينَ أَخَذُوا بِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ هُمُ الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ وَعُثْمَانُ هُوَ الَّذِي انْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ اتَّصَلَ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَمَوْضِعُ الْخَطَإِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ وَصَلَ لَهُ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ وَصَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ.
قُلْتُ: بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَهُ وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ كُلُّهُمْ عَنْ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ: فَوَصَلَ لَهُ فَاتَّصَلَ، ثُمَّ ابْنُ الْمُهَلَّبِ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ وَقَفَتِ الرُّؤْيَا وَلَا يَذْكُرَ الْمَوْصُولَ لَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ عُثْمَانَ انْقَطَعَ بِهِ الْحَبْلُ ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ أَيْ وُصِلَتِ الْخِلَافَةُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ لَفْظَةَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ عُثْمَانَ كاد يَنْقَطِعُ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ، ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ بِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَبْلَ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ، فَلَمْ يَتِمَّ فِي تَبْيِينِ الْخَطَإِ فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ مَا تَوَهَّمَهُ الْمُهَلَّبُ.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ قِيلَ خَطَؤُهُ فِي قَوْلِهِ: فَيُوصَلُ لَهُ وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهُ يُوصَلُ وَلَيْسَ فِيهَا لَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُوصَلْ لِعُثْمَانَ، وَإِنَّمَا وُصِلَتِ الْخِلَافَةُ لِعَلِيٍّ، وَمَوْضِعُ التَّعَجُّبِ سُكُوتُهُ عَنْ تَعَقُّبِ هَذَا الْكَلَامِ مَعَ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهِيَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ الْخَطَأُ هُنَا بِمَعْنَى التَّرْكِ أَيْ تَرَكْتَ بَعْضًا لَمْ تُفَسِّرْهُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قِيلَ السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ: وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا قَصَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رُؤْيَاهُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَقَّ
بِتَعْبِيرِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمَّا طَلَبَ تَعْبِيرَهَا؟ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً فَقَالَ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: قِيلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَإِنَّهُ الْقَائِلُ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْطَأَ فِي مُبَادَرَتِهِ بِتَفْسِيرِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَقَالَ: هَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ اعْبُرْهَا.
قُلْتُ: مُرَادُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ابْتِدَاءً بَلْ بَادَرَ هُوَ فَسَأَلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَعْبِيرِهَا فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: أَخْطَأْتَ فِي مُبَادَرَتِكَ لِلسُّؤَالِ أَنْ تَتَوَلَّى تَعْبِيرَهَا، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَخْطَأْتَ فِي تَعْبِيرِكَ، لَكِنْ فِي إِطْلَاقِ الْخَطَأِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَتَبَادَرُ لِلسَّمْعِ مِنْ جَوَابِ قَوْلِهِ: هَلْ أَصَبْتَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِصَابَةَ وَالْخَطَأَ فِي تَعْبِيرِهِ لَا لِكَوْنِهِ الْتَمَسَ التَّعْبِيرَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ بَعْدَهُ الْأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، أَيْ أَخْطَأْتَ فِي بَعْضِ تَأْوِيلِكَ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ؛ حَيْثُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، وَالدَّاوُدِيِّ نَحْوَ مَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَفْظُهُمْ: أَخْطَأَ فِي سُؤَالِهِ أَنْ يَعْبُرَهَا، وَفِي تَعْبِيرِهِ لَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: إِنَّمَا كَانَ الْخَطَأُ لِكَوْنِهِ أَقْسَمَ لَيَعْبُرَنَّهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ لَمْ يُقِرَّهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تُقْسِمُ فَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَهَا فَيُسْمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَقُولُهُ فَيَعْرِفَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ عِلْمَ نَفْسِهِ لِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ فِي الرُّؤْيَا شَيْئَيْنِ: الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ، فَفَسَّرَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ.
قُلْتُ: وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّعْبِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: قَالُوا هُنَا وَهِمَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّمْنُ وَالْعَسَلُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا الْفَهْمَ وَالْحِفْظَ، وَأَيَّدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَا نُسِبَ لِلطَّحَاوِيِّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي إِحْدَى إِصْبَعَيَّ سَمْنًا وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا فَأَلْعَقُهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تَقْرَأُ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا.
قُلْتُ: فَفَسَّرَ الْعَسَلَ بِشَيْءٍ وَالسَّمْنَ بِشَيْءٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَبَرَّ النَّبِيُّ ﷺ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَلَا إِبْرَارَ، وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنْ سَبَبِ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ لَهُ السَّبَبَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُوَبِّخَهُ بَيْنَ النَّاسِ لِمُبَادَرَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَطَؤُهُ فِي تَرْكِ تَعْيِينِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، فَلَوْ أَبَرَّ قَسَمَهُ لَلَزِمَ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ عَيَّنَهُمْ لَكَانَ نَصًّا عَلَى خِلَافَتِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ أَنَّ الْخِلَافَةَ تَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَتَرَكَ تَعْيِينَهُمْ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ عِلْمُ غَيْبٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ وَيُخْفِيَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأْتَ وَأَصَبْتَ أَنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا مَرْجِعُهُ الظَّنُّ، وَالظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَقِيلَ لَمَّا أَرَادَ الِاسْتِبْدَادَ وَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى يُفَادَ جَازَ مَنْعُهُ مَا يُسْتَفَادُ فَكَانَ الْمَنْعُ كَالتَّأْدِيبِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظِ الْخَطَإِ وَالتَّوَهُّمِ وَالتَّأْدِيبِ وَغَيْرِهِمَا إِنَّمَا أَحْكِيهِ عَنْ قَائِلِهِ وَلَسْتُ رَاضِيًا بِإِطْلَاقِهِ فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ، وَقِيلَ الْخَطَأُ فِي خَلْعِ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ فِي الْمَنَامِ رَأَى أَنَّهُ آخِذٌ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْخِلَاعِهِ بِنَفْسِهِ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ، وَعُثْمَانُ قَدْ قُتِلَ قَهْرًا وَلَمْ يَخْلَعْ نَفْسَهُ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ وَصْلُهُ عَلَى وِلَايَةِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ إِبْرَارَ الْقَسَمِ لِمَا يَدْخُلُ فِي النُّفُوسِ لَا سِيَّمَا مِنَ
الَّذِي انْقَطَعَ فِي يَدِهِ السَّبَبُ وَإِنْ كَانَ وَصَلَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: فَقُطِعَ فَقِيلَ مَعْنَاهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ.
فَقَالَ: لَيْسَ مَعْنَى قُطِعَ قُتِلَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَشَارَكَهُ عُمَرُ، لَكِنَّ قَتْلَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الْعُلُوِّ بَلْ بِجِهَةِ عَدَاوَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَتْلُ عُثْمَانَ كَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَةُ فَلِذَلِكَ جَعَلَ قَتْلَهُ قَطْعًا قَالَ: وَقَوْلُهُ ثُمَّ وُصِلَ يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ فَكَانَ الْحَبْلُ مَوْصُولًا وَلَكِنْ لَمْ يَرَ فِيهِ عُلُوًّا، كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ مَا نَصُّهُ: وَالَّذِي انْقَطَعَ بِهِ وَوُصِلَ لَهُ هُوَ عُمَرُ، لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ وُصِلَ لَهُ بِأَهْلِ الشُّورَى وَبِعُثْمَانَ، كَذَا قَالَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ مِنَ الرِّجَالِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ فَقَطْ، وَهُوَ اخْتِصَارٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ ثَلَاثَةٌ، وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَوْلُهُ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْخَطَإِ فَقِيلَ: وَجْهُ الْخَطَإِ تَسَوُّرُهُ عَلَى التَّعْبِيرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَكَانِهِ مِنْهُ.
قُلْت: تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَالَ: وَقِيلَ أَخْطَأَ لِقَسَمِهِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لِجَعْلِهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ وَأَيَّدُوهُ بِأَنَّهُ قَالَ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا وَأَصَبْتَ بَعْضًا وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْيَسَارِ أَوْ فِي الْيَمِينِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرُّؤْيَا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتَ لِتَعْبِيرِهِ الرُّؤْيَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بَلْ هَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَخْطَأْتَ فِي بَعْضِ مَا جَرَى وَأَصَبْتَ فِي الْبَعْضِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ قِيلَ: وَجْهُ الْخَطَإِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي التَّعْبِيرِ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الظُّلَّةُ وَالسَّمْنَ وَالْعَسَلَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَقِيلَ: وَجْهُ الْخَطَإِ أَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ الْحَقَّ وَعُثْمَانُ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ أَنَّ الْوِلَايَةَ كَانَتْ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ صَارَتْ بِالْخِلَافَةِ فَاتَّصَلَتْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلِعُمَرَ ثُمَّ انْقَطَعَتْ بِعُثْمَانَ لِمَا كَانَ ظَنَّ بِهِ ثُمَّ صَحَّتْ بَرَاءَتُهُ فَأَعْلَاهُ اللَّهُ وَلَحِقَ بِأَصْحَابِهِ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ عَنْ تَعْيِينِ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَنِ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَلَئِنْ كَانَ تَقَدُّمُ أَبِي بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّعْبِيرِ خَطَأً فَالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ لِتَعْيِينِ خَطَئِهِ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدِّينُ وَالْحَزْمُ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّمَا أَقْدَمُوا عَلَى تَبَيُّنِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ تَبْيِينِهِ مَفْسَدَةٌ إِذْ ذَاكَ فَزَالَتْ بَعْدَهُ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ وَلَا جَزْمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ لِأَوَّلِ عَابِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، لَكِنْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُعَبِّرُ لَا يُغَيِّرُ الرُّؤْيَا عَنْ وَجْهِهَا عِبَارَةُ عَابِرٍ وَلَا غَيْرُهُ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ مَخْلُوقٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَا كَانَتْ نُسْخَتُهُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَدَرَّبْ فِي عِلْمِ التَّأْوِيلِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَا سَبَقَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُشَكُّ فِي أَمَانَتِهِ وَدِينِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمَرَائِيَ تُنْسَخُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ عَلَى وَفْقِ مَا يَعْبُرُهَا الْعَارِفُ، وَمَا الْمَانِعُ أَنَّهَا تُنْسَخُ عَلَى وَفْقِ مَا يَعْبُرُهَا أَوَّلُ عَابِرٍ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِبْرَارُ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ أُقْسِمُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: أَقْسَمْتُ كَذَا قَالَهُ عِيَاضٌ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي وَهَذَا صَرِيحُ يَمِينٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ خَاصٌّ بِمَا يَجُوزُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِكَوْنِهِ سَأَلَ مَا لَا يَجُوزُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ لِكُلِّ أَحَدٍ.
قُلْتُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنَعَهُ ذَلِكَ لَمَّا سَأَلَهُ جِهَارًا وَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ سِرًّا. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيمِ عِلْمِ الرُّؤْيَا وَعَلَى تَعْبِيرِهَا وَتَرْكِ إِغْفَالِ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَفَضِيلَتِهَا لِمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ وَأَسْرَارِ الْكَائِنَاتِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَفِي السُّؤَالِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلًا وَآخِرًا وَجَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ دَلَالَةٌ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأصاب وجه التَّعبير وإلَّا فهي لمن أصاب بعدَه، لكن يُعارضه حديث أبي رزين: أنَّ الرُّؤيا إذا (١) عُبِّرت وقعت، إلَّا أن يُدَّعى تخصيص عُبِّرت بأن يكون عابرها عالمًا مُصيبًا، ويعكِّر عليه قوله في الرُّؤيا المكروهةِ: «ولا يُحدِّث بها أحدًا»، فقيلَ في حكمةِ النَّهي: أنَّه ربَّما فسَّرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهرِها مع احتمالِ أن تكون محبوبةً في الباطن، فتقعُ على ما فُسِّر. وأُجيب باحتمالِ أن تكون تتعلَّق بالرَّائي، فله إذا قصَّها على أحدٍ ففسَّرها له على المكروهِ أن (٢) يبادرَ غيره ممَّن يصيبُ فيسأله، فإن قصَّر الرَّائي فلم يسألِ الثَّاني وقعتْ على ما فسَّر الأوَّل.
٧٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَناَ يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بن بُكير المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -بالميم- ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ) وفي مسلم من طريق سليمان بن كثير عن الزُّهريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ
كان (١) ممَّا يقول لأصحابه: «مَن رأى منكُم رؤيا فليقصَّها أعبُرها» فجاء رجل. وعنده أيضًا من رواية (٢) سفيان بن عُيينة: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ مُنْصَرَفه من أُحُدٍ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، سحابةً لأنَّها تظلُّ ما تحتها، وزاد الدَّارميُّ من طريق سليمان بن كثير وابنُ ماجه من طريق سفيان بن عُيينة: بين السَّماء والأرض (تَنْطُِفُ) بسكون النون وضم الطاء المهملة وكسرها، تقطرُ (السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ) أي: يأخذونُ بأكفِّهم (مِنْهَا فَالمُسْتَكْثِرُ) أي: فمنهم المستكثرُ في الأخذ (وَ) منهم (المُسْتَقِلُّ) فيه، أي: منهم الآخذُ كثيرًا والآخذُ قليلًا (وَإِذَا سَبَبٌ) أي: حبلٌ (وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ) يا رسولَ الله (أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة: فأعلاكَ الله (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) أي: بالسبب، ولابنِ عساكرَ: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) ولابنِ عساكرَ أيضًا: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) ولابنِ عساكرَ أيضًا: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ) بضم الواو وكسر الصاد (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (وَاللهِ لَتَدَعَنِّي) بفتح اللام للتَّأكيد، والدال والعين وكسر النون المشدَّدة، لَتَتركنِّي (فَأَعْبُرَهَا) بضم الموحدة وفتح الراء، وزاد سليمان في روايته: وكان من أعبر النَّاس للرُّؤيا بعد رسولِ الله ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) له: (اعْبُرْ) ولأبي ذرٍّ: «اعبرها» بالضَّمير (٣) المنصوب (قَالَ) أبو بكر: (أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ) لأنَّ الظُّلة نعمةٌ من نعمِ الله على أهلِ الجنَّة، وكذلك كانتْ على بني إسرائيل، وكذلك كان ﷺ تظلُّه الغمامةُ قبل نبوَّته، وكذلك الإسلامُ يقي الأذى ويَنْعم به المؤمن في الدُّنيا والآخرة (وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُِفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالقُرْآنُ (٤) حَلَاوَتُهُ تَنْطُِفُ) قال تعالى في العسل: ﴿شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿شِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ولا ريبَ أنَّ تلاوة القرآن تحلو في الأسماعِ كحلاوة العسلِ في المذَاقِ بل أحلى (فَالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ) منه (وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ) أي: يرفعكُ به (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ
رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ) فسِّر بالصِّدِّيق ﵁؛ لأنَّه يقوم بالحقِّ بعده ﷺ في أمَّته (ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «يأخذُ به رجلٌ» (آخَرُ) هو عمرُ بن الخطَّاب ﵁ (فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثمَّ يأخذُ به» (رَجُلٌ آخَرُ) هو: عثمانُ بن عفَّان ﵁ (فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوْصَلُ) بالتَّخفيف، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ثمَّ يُوَصَّل» بالتَّشديد (٢) (لَهُ فَيَعْلُو بِهِ (٣)) يعني: أنَّ عثمان كاد أن ينقطع عن اللَّحاق بصاحبيهِ بسبب ما وقعَ له من تلك القضايا الَّتي أنكروهَا، فعبَّر عنها بانقطاعِ الحبل، ثمَّ وقعتْ له الشَّهادة فاتَّصل فالتَحق بهم (فَأَخْبِرْنِي) بكسر الموحدة وسكون الراء (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (أَصَبْتُ) في هذا التَّعبير (أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) له: (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) قيل: خطؤه في التَّعبير؛ لكونه عبَّر بحضورهِ ﷺ؛ إذ كان ﷺ أحقَّ بتعبيرها (٤)، وقيل: أخطأَ لمبادرتِهِ (٥) تعبيرَها قبلَ أن يأمرَه به. وتعقِّب بأنَّه ﵊ أذنَ له في ذلك، وقال: «اعبرْهَا».
وأُجيب بأنَّه لم يأذنْ له ابتداء بل بادرَ هو بالسُّؤال أن يأذنَ له في تعبيرها فأذنَ له، وقال: أخطأتَ في مبادرتك للسُّؤال أن تتولَّى تعبيرهَا، لكن في إطلاقِ الخطأ على ذلك نظرٌ، فالظَّاهر أنَّه أراد الخطأَ في التَّعبير لا لكونهِ التمسَ التَّعبير.
وقال ابنُ هُبَيرة: إنَّما أخطأَ لكونه أقسمَ ليعبرنَّها بحضرتهِ ﷺ، ولو كان أخطأَ في التَّعبير لم يقرَّه عليه، وقيل: أخطأَ؛ لكونه عبَّر السَّمن والعسل بالقرآن فقط وهما شيئان، وكان من حقِّه أن يعبِّرهما بالقرآن والسُّنة؛ لأنَّها بيانٌ للكتاب المنزَّل عليه وبهما (٦) تتمُّ الأحكامُ كتمام اللَّذة بهما، وقيل: وجه الخطأ أنَّ الصَّواب في التَّعبير أنَّ الرَّسول ﷺ هو الظُّلَّة، والسَّمن والعسل هو (٧) القرآن والسُّنة، وقيل: يحتملُ أن يكون السَّمنُ والعسلُ العلمَ
والعملَ، وقيل: الفهم والحفظ. وتعقَّب ذلك في «المصابيح» فقال: لا يكادُ ينقضي العجب من هؤلاء الَّذين تعرَّضوا إلى تبيين الخطأ في هذه الواقعةِ مع سكوتِ النَّبيِّ ﷺ عن ذلك، وامتناعهِ منه بعد سؤالِ أبي بكرٍ له في ذلك حيثُ (قَالَ: فَوَاللهِ يَا رَسُوْلَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ) فيه، وثبت قولهُ: «يا رسولَ الله» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ (قَالَ) ﷺ: (لَا تُقْسِمْ) فكيف لا يسع هؤلاء من السُّكوت ما وسعَ النَّبيَّ ﷺ، وماذا يترتَّب على ذلك من الفائدةِ، فالسُّكوت عن ذلك هو المتعيَّن. انتهى.
وحكى ابنُ العربيِّ: أنَّ بعضَهم سُئِل عن بيان الوجه الَّذي أخطأَ فيه أبو بكر، فقال: من الَّذي يعرفُه؟ ولئن كان تَقَدُّم أبي بكرٍ بين يدي النَّبيِّ (١) ﷺ للتَّعبير خطأٌ، فالتَّقدُّم بين يدي أبي بكرٍ لتعيين خطئهِ أعظم وأعظم، فالَّذي يقتضيهِ الدِّين (٢) الكفُّ عن ذلك.
وأجاب في «الكواكب» بأنَّهم إنَّما أقدموا على تبيينِ ذلك مع أنَّه ﷺ لم يبيِّنه؛ لأنَّ هذه الاحتمالات لا جزمَ فيها، أو لأنَّه (٣) كان يلزم في بيانهِ مفاسد للنَّاس، واليوم زالَ ذلك إرشادًا.
قال الحافظ ابن حجرٍ -أثابه الله-: جميعُ ما ذكر من لفظِ الخطأ ونحوه إنَّما أحكيهِ عن قائليهِ ولست راضيًا بإطلاقهِ في حقِّ الصِّدِّيق ﵁. انتهى.
وقولهُ ﵊: «لا تُقْسم» بعد إقسامِ أبي بكر ﵁، أي: لا تكرِّر يمينكَ. قال النَّوويُّ: قيل: إنَّما لم يبرَّ النَّبيُّ ﷺ قسمَ أبي بكرٍ؛ لأنَّ إبرارَ القسم مخصوصٌ بما إذا لم يكن هناك مفسدةٌ ولا مشقَّةٌ ظاهرةٌ. قال: ولعلَّ المفسدة في ذلك ما علمه من (٤) انقطاع السَّبب بعثمان وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المريبة، فكره (٥) ذكرهَا خوفَ شيوعها (٦).
والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّعبير» وأبو داود في «الأيمان والنُّذور» والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الرُّؤيا».
(٤٨) (باب) جواز (تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) قبلَ طلوع الشَّمس، أو استحبابها لحفظِ صاحبهَا لها؛ لقربِ عهدِه بها ومعرفتهِ ما يستبشرُ به من الخيرِ، أو يحذر (١) من الشَّرِّ، ولحضورِ ذهنِ العابرِ، وقلَّة شغله بالتَّفكُّر في معاشه، قاله المهلَّب.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
إِمَّا بغضاً وَإِمَّا حسداً، فقد يَقع على تِلْكَ الصّفة، والمحب لَا يعبرها إلَاّ بِخَير والعبارة لأوّل عَابِر. وَقَالَ الرُّؤْيَا لأوّل عَابِر، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: لَا تقص الرُّؤْيَا إلَاّ على عَالم أَو نَاصح. قَوْله: وليتفل أَي: ليبصق، وَذَاكَ لطرد الشَّيْطَان واستقذاره، من تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وبالفاء يتفل بِضَم الْفَاء وَكسرهَا. قَوْله: ثَلَاثًا أَي: ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: فَإِنَّهَا لن تضره قَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد مَا كَانَ من الشَّيْطَان، وَأما مَا كَانَ من الله من خير أَو شَرّ فَهُوَ وَاقع لَا محَالة.
٧٠٤٥ - حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ حَمْزَةَ، حدّثني ابنُ أبي حازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا رأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يُحِبُّها فإنَّها مِنَ الله فَلْيَحْمِدَ الله عَلَيْها ولْيُحَدِّثْ بِها، وإذَا رأى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّما هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ، فلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها ولَا يَذْكُرْها لأحَدٍ فإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ
انْظُر الحَدِيث ٦٩٨٥
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة أَبُو إِسْحَاق الزبير الْأَسدي الْمدنِي، يروي عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار، والدراوردي عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، وَقد تقدم فِي: بَاب الرُّؤْيَا من الله وَكَذَلِكَ الحَدِيث مضى فِيهِ.
٤٧ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيا لأِوَّلِ عابِرٍ إِذا لَمْ يُصِبْ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ من لم ير إِلَى آخِره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُعْتَبر فِي أَقْوَال العابرين قَول العابر الأول، فَيقبل إِذا كَانَ مصيباً فِي وَجه الْعبارَة، أما إِذا لم يصب فَلَا يقبل إِذْ لَيْسَ الْمدَار إلَاّ على إِصَابَة الصَّوَاب، فَمَعْنَى التَّرْجَمَة: من لم يعْتَقد أَن تَفْسِير الرُّؤْيَا هُوَ للعابر الأول إِذا كَانَ مخطئاً، وَلِهَذَا قَالَ للصديق: اخطأت بَعْضًا، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله فَذكر حَدِيثا فِيهِ: والرؤيا لأوّل عَابِر، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف فِيهِ يزِيد الرقاشِي وَلَكِن لَهُ شَاهد، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِسَنَد حسن، وَصَححهُ الْحَاكِم عَن أبي رزين الْعقيلِيّ، رَفعه: الرُّؤْيَا على رجل طَائِر مَا لم تعبر، فَإِذا عبرت وَقعت. لفظ أبي دَاوُد فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سَقَطت. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه غير مُنَاسِب لِمَعْنى التَّرْجَمَة يفهمهُ من لَهُ أدنى إِدْرَاك وذوق.
٦٤٠٧ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ يُونُسَ، عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، كَانَ يُحَدِّث: أنَّ رَجُلاً أتَى رسولَ الله فَقَالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنامِ ظُلةً تَنْطُفُ السَّمْنَ والعَسَل، فأراى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْها، فالمُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ، وَإِذا سَبَبٌ واصِلٌ مِنَ السَّماءِ، إِلَى الأرْضِ فأراكَ أخَذْتَ بِهِ فعلَوْتَ، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا بِه، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا رسولَ الله بِأبي أنْتَ، وَالله لَتَدَعَنِّي فأعْبُرَها. فَقَالَ النَّبِي اعْبُرْها قَالَ: أمَّا الظُّلَّةُ فالإسْلامُ، وأمَّا الّذِي يَنْطفُ مِنَ العَسَلِ والسَّمْنِ فالقُرْآنُ حَلاوَتُهُ تَنْطُفُ، فالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ والمُسْتَقِلُّ، وأمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأرْضِ فالحَقُّ الّذِي أنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ، فَيُعْلِيكَ الله، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لهُ فَيَعْلُو بِهِ، فأخْبِرْنِي يَا رسولَ الله بِأبي أنْتَ. أصَبْتُ
أمْ أخْطَأتُ؟ قَالَ النبيُّ أصَبتَ بَعْضاً وأخْطَأْتَ بَعْضاً قَالَ: فَوالله يَا رسولَ الله لَتُحَدِّثنِّي بالّذِي أخْطَأْتُ.
قَالَ: لَا تُقْسِمْ ٠ انْظُر الحَدِيث ٧٠٠٠
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي التَّعْبِير عَن حَرْمَلَة وَعَن آخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يَعْقُوب بن حميد. قَوْله: ظلة بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة أَي: سَحَابَة لَهَا ظلة وكل مَا أظل من سَقِيفَة وَنَحْوهَا يُسمى ظلة، قَالَه الْخطابِيّ، وَقَالَ ابْن فَارس: الظلة أول شَيْء يظل، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: ظلة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. قَوْله: تنطف أَي: تقطر، من نطف المَاء إِذا سَالَ وَيجوز الضَّم وَالْكَسْر فِي الطَّاء. قَوْله: يَتَكَفَّفُونَ أَي: يَأْخُذُونَ بأكفهم، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: بِأَيْدِيهِم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: يستقون، أَي: يَأْخُذُونَ بالأسقية. قَوْله: فالمستكثر مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف أَي: فيهم المستكثر فِي الْأَخْذ أَي: يَأْخُذ كثيرا. قَوْله: والمستقل أَي: وَمِنْهُم المستقل فِي الْأَخْذ، أَي: يَأْخُذ قَلِيلا. قَوْله: سَبَب أَي: حَبل. قَوْله: وَاصل من الْوُصُول، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى الْمَوْصُول كَقَوْلِه: {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أَي: مرضية. قَوْله: فعلوت من الْعُلُوّ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن كثير: فأعلاك الله. قَوْله: ثمَّ أَخذ بِهِ كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، ويروى: ثمَّ أَخذه. قَوْله: وصل على بِنَاء الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة شَيبَان بن حُصَيْن: ثمَّ وصل لَهُ قَوْله: بِأبي أَنْت وَأمي أَي: مفدًى بهما، هَكَذَا فِي رِوَايَة معمر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بِأبي، فَقَط. قَوْله: لتدعني بِفَتْح اللَّام للتَّأْكِيد أَي: لتتركني وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: ائْذَنْ لي. قَوْله: فأعبرها فِي رِوَايَة ابْن وهب: فلأعبرنها، بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد وَالنُّون، وَمثله فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. قَوْله: اعبر أَمر من عبر يعبر. قَوْله: ثمَّ يَأْخُذ بِهِ رجل من بعْدك أَي: ثمَّ يَأْخُذ بالحبل رجل، وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيقوم بِالْحَقِّ فِي أمته بعده. قَوْله: ثمَّ يَأْخُذ رجل آخر فيعلو بِهِ وَهُوَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: ثمَّ يَأْخُذ بِهِ رجل آخر فَيَنْقَطِع بِهِ وَهُوَ عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ قَالَ الْمُهلب: الْخَطَأ فِيهِ حَيْثُ زَاد لَهُ والوصل لغيره وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يقف حَيْثُ وقفت الرُّؤْيَا، وَيَقُول: ثمَّ يُوصل، على نَص الرُّؤْيَا وَلَا يذكر الْمَوْصُول لَهُ، وَمعنى كِتْمَانه مَوضِع الْخَطَأ لِئَلَّا يحزن النَّاس بالعارض لعُثْمَان فَهُوَ الرَّابِع الَّذِي انْقَطع لَهُ ثمَّ وصل أَي الْخلَافَة لغيره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قيل: خَطؤُهُ فِي قَوْله: ويوصل لَهُ وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا إلَاّ أَنه: يُوصل، وَلَيْسَ فِيهَا: لَهُ وَلذَلِك لم توصل لعُثْمَان وَإِنَّمَا وصلت الْخلَافَة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ بَعضهم: لَفْظَة: لَهُ، ثَابِتَة فِي رِوَايَة ابْن وهب وَغَيره، كلهم عَن يُونُس عِنْد مُسلم وَغَيره ثمَّ لفق الْكَلَام. وَقَالَ: الْمَعْنى أَن عُثْمَان كَاد أَن يَنْقَطِع بِهِ الْحَبل عَن اللحوق بصاحبيه بِسَبَب مَا وَقع لَهُ من تِلْكَ القضايا الَّتِي أنكروها، فَعبر عَنْهَا بِانْقِطَاع الْحَبل، ثمَّ وَقعت لَهُ الشَّهَادَة فاتصل بهم فَعبر عَنهُ بِأَن الْحَبل وصل لَهُ فاتصل فالتحق بهم انْتهى. قلت: هَذَا خلاف مَا يَقْتَضِيهِ معنى قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ فيعلو بِهِ. قَوْله: فَأَخْبرنِي يَا رَسُول الله بِأبي يَعْنِي: أَنْت مفدى بِأبي. قَوْله: أصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا أما الَّذِي أصَاب فَهُوَ تَعْبِير أَن تكون الظلة نعْمَة الْإِسْلَام إِلَى قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ. فيعلو بِهِ، وَأما الَّذِي أَخطَأ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْمُهلب: مَوضِع الْخَطَأ فِي قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الْخَطَأ هُوَ أَن الرجل لما قصّ على النَّبِي رُؤْيَاهُ كَانَ النَّبِي أَحَق بتعبيرها من غَيره، فَلَمَّا طلب أَبُو بكر تعبيرها كَانَ ذَلِك خطأ، وَهَذَا نَقله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن قُتَيْبَة وَوَافَقَهُ على ذَلِك جمَاعَة، وَتعقبه النَّوَوِيّ تبعا لغيره، فَقَالَ: هَذَا فَاسد لِأَنَّهُ قد أذن لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ لَهُ: اعبر، قيل: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لم يَأْذَن لَهُ ابْتِدَاء بل بَادر هُوَ فَسَأَلَ أَن يَأْذَن لَهُ فِي تعبيرها، فَأذن لَهُ. فَقَالَ: أَخْطَأت فِي مبادرتك للسؤال بِأَن تتولى تعبيرها، لَا أَنه أَخْطَأت فِي تعبيرك. وَقيل: أَخطَأ فِي تَفْسِيره لَهَا بِحَضْرَة النَّبِي وَلَو كَانَ الْخَطَأ فِي التَّعْبِير لم يقره عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: الْخَطَأ لكَونه الْمَذْكُور فِي الرُّؤْيَا شَيْئَيْنِ: الْعَسَل وَالسمن، ففسرهما بِشَيْء وَاحِد وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يفسرهما بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، وَقيل: المُرَاد بقوله: أَخْطَأت وأصبت، أَن تَعْبِير الرُّؤْيَا مرجعه الظَّن والظان يخطىء ويصيب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم يبين رَسُول الله مَوضِع الْخَطَأ. فَلم تبينون أَنْتُم؟ . قلت: هَذِه احتمالات لَا جزم فِيهَا. أَو: لِأَنَّهُ كَانَ يلْزم فِي بَيَانه مفاسد للنَّاس وَالْيَوْم زَالَ ذَلِك. قَوْله: لَا تقسم قَالَ الدَّاودِيّ: أَي
لَا تكَرر يَمِينك فَإِنِّي لَا أخْبرك. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنَّك إِذْ تفكرت فِيمَا أَخْطَأت بِهِ عَلمته. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: قد أَمر النَّبِي بإبرار الْقسم؟ . قلت: ذَلِك مَخْصُوص بِمَا لم تكن فِيهِ مفْسدَة وَهَاهُنَا لَو أبره لزم مفاسد مثل: بَيَان قتل عُثْمَان وَنَحْوه، أَو مِمَّا يجوز الِاطِّلَاع عَلَيْهِ بِأَن لَا يكون من أَمر الْغَيْب وَنَحْوه، أَو بِمَا لَا يسْتَلْزم توبيخاً على أحد بَين النَّاس بالإنكار مثلا، على مبادرته، أَو على ترك تعْيين الرِّجَال الَّذين يَأْخُذُونَ بِالسَّبَبِ، وَكَانَ فِي بَيَانه أعيانهم مفاسد. وَفِي التَّوْضِيح وَكَذَا إِذا أقسم على مَا لَا يجوز أَن يقسم عَلَيْهِ كشرب الْخمر والمعاصي فَفرض عَلَيْهِ ألَاّ يبره.
وَفِيه: جَوَاز فَتْوَى الْمَفْضُول بِحَضْرَة الْفَاضِل إِذا كَانَ مشاراً إِلَيْهِ بِالْعلمِ والإمامة. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يخطىء وَقد يُصِيب.
٤٨ - (بابُ تَعْبِير الرُّؤْيا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْبِير الرُّؤْيَا بعد صَلَاة الصُّبْح، قيل: فِيهِ إِشَارَة إِلَى ضعف مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سعيد بن عبد الرحمان عَن بعض عُلَمَائهمْ قَالَ: لَا تقصص رُؤْيَاك على امْرَأَة وَلَا تخبر بهَا حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الرَّد على من قَالَ من أهل التَّعْبِير: إِن الْمُسْتَحبّ أَن يكون التَّعْبِير من بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى الرَّابِعَة، وَمن الْعَصْر إِلَى قبل الْغُرُوب. فَإِن الحَدِيث يدل على اسْتِحْبَاب تعبيرها قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقَالَ الْمُهلب مَا ملخصه: إِن تَعْبِير الرُّؤْيَا عِنْد صَلَاة الصُّبْح أولى من غَيره من الْأَوْقَات لحفظ صَاحبهَا لَهَا لقرب عَهده بهَا ولحضور ذهن العابر فِيمَا يَقُوله.
٧٠٤٧ - حدّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشامٍ أبُو هِشامٍ، حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ، حدّثنا عَوْفٌ، حدّثنا أبُو رَجاءٍ، حدّثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدبٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كَانَ رسولُ الله مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصْحابِهِ: هَلْ رَأى أحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شاءَ الله أنْ يَقُصَّ، وإنهُ قَالَ لَنا ذاتَ غداةٍ: إنّه أُتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعثانِي وإنَّهُما قَالَا لِي: انْطَلِقْ. وإنّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذا هُوَ يهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأسِهِ فَيَثْلَغُ رَأسَهُ فَيَتَهَدْهَدُهُ الحَجَرُ هاهُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَر فَيَأخُذُهُ فَلا يَرْجِعُ إليْهِ حتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَمَا كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: سُبْحَانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذا هُوَ يَأتِي أحدَ شِقّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَةُ إِلَى قَفاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفاهُ وعَيْنَهُ إِلَى قَفاهُ قَالَ: ورُبَّما قَالَ أبُو رَجاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجانِبِ حتَّى يَصِحَّ ذالِكَ الجانِبُ كَمَا كانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المرَّةَ الأولى، قَالَ: قُلْتُ: سُبْحانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلقْ فانْطَلَقْنا فأتَينا عَلى مِثْل التَّنُّورِ قَالَ: فأحْسِبُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذا فِيهِ لَغَطٌ وأصْوات قَالَ: فاطلَعْنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وَإِذا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذا أتاهُمْ ذالِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَؤُوا. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاؤُلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ أحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذا فِي النَّهَر رجُلٌ سابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذا عَلى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجارةً كَثِيرَةً، وَإِذا ذالِكَ السَّابِح يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذالِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجارَةَ فَيَفْغَرُ لهُ فاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجراً، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ
ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلَّما رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ لهُ فاهُ، فألْقَمَهُ حَجَراً. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ كأكْرَهِ مَا أنْتَ راءٍ رَجُلاً مَرْآةً، وَإِذا عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعاى حَوْلَها، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقِ فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتَمِةٍ فِيها مِنْ كُلِّ نُوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أكادُ أراى رَأسَهُ طُولاً فِي السَّماءِ، وَإِذا حَوْل الرَّجُلِ مِنْ أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ مَا هاؤلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فانْتهَيْنا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمةٍ لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنْها وَلَا أحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَهْ فِيها. قَالَ: فارْتَقَيْنا فِيها فانْتَهَيْنا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ ولَبِنِ فِضةٍ، فأتيْنا بابَ المَدِينَةِ فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا، فَدَخَلْناها فَتَلقانا فِيهَا رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ مَا أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ مَا أنْتَ راءٍ، قَالَ: قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ: وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءَهُ المَحْضُ فِي البَياضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءِ عنْهُمْ، فَصارُوا فِي أحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنَ، هاذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَما بَصَرِي صُعُداً فَإِذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البَيْضاءِ، قَالَ: قَالَا لِي: هاذَاكَ مَنْزِلُكِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: بارِكَ الله فِيكُما ذراني فأدخُلهُ، قَالَا: أمَّا الآنَ فَلَا، وأنْتَ داخِلُهُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: فإنِّي قَدْ رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً، فَما هاذا الّذِي رَأيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لي: أما إنّا سَنُخْبِرُكَ: أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الّذِي أتيْتَ عَلَيْهِ يُثلَغْ رأسَهُ بالحَجَرِ فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وأمَّا الرَّجُلُ الّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفاهُ ومنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِه فَيكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ، وأمّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُرَاةُ الّذِينَ فِي مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ فإنّهُمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمّا الرجُلُ الذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ ويُلْقَمُ الحَجَرَ فإنّهُ آكِلُ الرِّبا، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريةُ المَرْأةِ الّذِي عِنْدَ النَّار، يَحْشُّها ويَسعَى حَوْلَها، فإنَّهُ مالِكٌ خازِنُ جَهنَّم، وأمَّا الوِلْدَانُ الّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رسولَ الله وأوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رسولُ الله وأوْلَادُ المُشْرِكِينَ وأمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَناً وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحاً فإنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجاوَزَ الله عَنْهُمْ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ذَات غَدَاة لِأَن الْغَدَاة مَا قبل طُلُوع الشَّمْس. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وطلوع الشَّمْس، وَلَفظ: ذَات، مقحم أَو هُوَ من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه.
ومؤمل على وزن مُحَمَّد ابْن هِشَام أَبُو هَاشم، كَذَا لأبي ذَر عَن بعض مشايخه، وَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو هِشَام، وَكَذَا هُوَ عِنْد غير أبي ذَر، وَهُوَ مِمَّن وَافق كنيته اسْم أَبِيه وَهُوَ ختن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن علية اسْم أمه وَهُوَ الَّذِي يروي عَنهُ مُؤَمل الْمَذْكُور، وعَوْف هُوَ الْمَشْهُور بالأعرابي،
وَأَبُو رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم المخففة اسْمه عمرَان العطاردي، وَالرِّجَال كلهم بصريون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّلَاة وَفِي الْجِنَازَة وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّلَاة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير وَهنا عَن مُؤَمل، وَلم يُخرجهُ تَاما إلَاّ هُنَا وَفِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار بأكثره، وَقد مضى الْكَلَام فِي أَكْثَره فِي كتاب الْجَنَائِز، ولنذكر هُنَا شرح الْأَلْفَاظ الَّتِي لم تذكر هُنَاكَ.
قَوْله حَدثنَا مُؤَمل بن هِشَام وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر. حَدثنِي. قَوْله: كَانَ رَسُول الله مِمَّا يكثر أَن يَقُول لأَصْحَابه وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: كَانَ رَسُول الله يَعْنِي مِمَّا يكثر، وَله عَن غَيره بِإِسْقَاط: يَعْنِي، كَذَا وَقع عِنْد البَاقِينَ. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: مِمَّا يكثر خبر: كَانَ وَمَا مَوْصُولَة، وَيكثر صلته، وَأَن يَقُول فَاعل يكثر. قَوْله: هَل رأى أحد مِنْكُم هُوَ الْمَقُول. قَوْله: فيقص بِفَتْح الْيَاء وَضم الْقَاف، يُقَال: قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا أقصها قصاً، والقص الْبَيَان. قَوْله: من شَاءَ الله هَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا شَاءَ الله، وَكلمَة: من، للقاص، وَكلمَة: مَا، للمقصوص. قَوْله: اللَّيْلَة بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: آتيان تَثْنِيَة: آتٍ، من الْإِتْيَان ويروى: اثْنَان من التَّثْنِيَة، وَعند ابْن أبي شيبَة: اثْنَان أَو آتيان، بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة جرير: رَأَيْت رجلَيْنِ، وَفِي رِوَايَة عَليّ: رَأَيْت ملكَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي آخر الحَدِيث أَنَّهُمَا: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، عَلَيْهِمَا السَّلَام. قَوْله: ابتعثاني بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعد الْعين الْمُهْملَة ثاء مُثَلّثَة أَي: أرسلاني. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: بعثته وابتعثته أَرْسلتهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: انبعثا بِي، بنُون سَاكِنة وياء مُوَحدَة. قَوْله: مُضْطَجع وَفِي رِوَايَة جرير: مستلق على قَفاهُ. قَوْله: وَإِذا آخر أَي: وَإِذا رجل آخر، وَكلمَة: إِذْ، للمفاجأة. قَوْله: بصخرة وَفِي رِوَايَة جرير: بفهر أَو صَخْرَة. قَوْله: يهوي بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْوَاو من هوى بِالْفَتْح يهوي هوياً أَي: سقط إِلَى أَسْفَل، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم الْيَاء من الإهواء، يُقَال: أَهْوى من بعد وَهوى بِفَتْح الْوَاو من قرب. قَوْله: فيثلغ بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام، وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يشدخ والشدخ كسر الشَّيْء الأجوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الثلغ ضربك الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس حَتَّى يتشدخ. قَوْله: فيتدهده الْحجر أَي: ينحط من علو إِلَى أَسْفَل، يُقَال: تدهده يتدهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فيتدأدأ، بهمزتين بدل الهاءين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فيتدهدأ، بِهَمْزَة فِي آخِره بدل الْهَاء، وَالْكل بِمَعْنى. قَوْله: هَاهُنَا أَي: إِلَى جِهَة الضَّارِب. قَوْله: حَتَّى يَصح رَأسه وَفِي رِوَايَة جرير: حَتَّى يلتئم، وَعند أَحْمد: عَاد رَأسه كَمَا كَانَ، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: فَيَقَع دماغه جانباً وَتَقَع الصَّخْرَة جانباً، قَوْله: ثمَّ يعود عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة جرير: يعود إِلَيْهِ. قَوْله: انْطلق انْطلق كَذَا فِي الْمَوَاضِع كلهَا بالتكرير، وَسقط فِي بعض الرِّوَايَات التّكْرَار، وَأما فِي رِوَايَة جرير، فَلَيْسَ فِيهَا: سُبْحَانَ الله، فِيهَا: انْطلق، مرّة وَاحِدَة. قَوْله: بكلوب بِفَتْح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة، وَجَاء الضَّم فِي الْكَاف، وَيُقَال: الْكلاب وَالْجمع كلاليب وَهُوَ المنشال من حَدِيد ينشل بهَا اللَّحْم من الْقدر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ كالسكين وَنَحْوهَا. قَوْله: فيشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ أَي: يقطعهُ، والشدق جَانب الْفَم، وَقَالَ صَاحب الْعين شرشره قطع شرشره وشق أَيْضا. قَوْله: أَبُو رَجَاء هُوَ رَاوِي الحَدِيث، أَرَادَ: أَن أَبَا رَجَاء قَالَ: يشق شدقه. قَوْله: مثل التَّنور وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر: مثل بِنَاء التَّنور، وَزَاد جرير: أَعْلَاهُ ضيق وأسفله وَاسع. قَوْله: لغط أَي: جلبة وصيحة لَا يفهم مَعْنَاهَا. قَوْله: لَهب هُوَ لِسَان النَّار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ شدَّة الوقيد والاشتعال. قَوْله: حسبت أَنه كَانَ يَقُول: أَحْمَر مثل الدَّم وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: على نهر من دم، وَلم يقل: حسبت. قَوْله: يسبح أَي: يعوم. قَوْله: ضوضؤوا أَي: ضجوا وصاحوا. قَالَ الْكرْمَانِي: ضوضؤوا بِفَتْح المعجمتين وَسُكُون الواوين بِلَفْظ الْمَاضِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ غير مَهْمُوز أَصله: ضوضوا استثقلت الضمة على الْوَاو فحذفت فَاجْتمع ساكنان فحذفت الْوَاو الأولى لِاجْتِمَاع الساكنين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ضوضوا، وَضبط بِالْهَمْزَةِ أَي: ضجوا واستغلوا، والضوضأة: أصوات
النَّاس وغلبتهم وَهُوَ مصدر. قَوْله: يفغر لَهُ فَاه أَي: يَفْتَحهُ، يُقَال: فغر فَاه وفغر فوه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى، ومادته: فَاء وغين مُعْجمَة وَرَاء. قَوْله: فيلقمه بِضَم الْيَاء من الإلقام. قَوْله: كلما رَجَعَ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فغر لَهُ فَاه، أَي: فتح. قَوْله: كريه الْمرْآة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وهمزة ممدودة بعْدهَا هَاء تَأْنِيث أَي: كريه المنظر، وَأَصلهَا المراية تحركت الْيَاء وَانْفَتح ماقبلها فقلبت ألفا، ووزنها: مفعلة بِفَتْح الْمِيم، والمرآة بِكَسْر الْمِيم الْآلَة الَّتِي ينظر فِيهَا. قَوْله: يحشها بِفَتْح الْيَاء وَضم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يحركها لتتقد، يُقَال: حشيت النَّار أحشها حَشا، إِذا أوقدتها وجمعت الْحَطب إِلَيْهَا، وَحكى فِي الْمطَالع بِضَم أَوله من الإحشاش، وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: يحششها، بِسُكُون الْحَاء وَضم الشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَيسْعَى حولهَا أَي: حول النَّار. قَوْله: معتمة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم بعْدهَا هَاء تَأْنِيث، ويروى بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم: من أعتم النبت إِذا كثر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أعتمت الرَّوْضَة غطاها الخصب، وَأورد ابْن بطال: مغنة، فَقَط بالغين الْمُعْجَمَة وَالنُّون، ثمَّ قَالَ ابْن دُرَيْد: وأدغن ومغن إِذا كثر شَجَره، وَلَا يعرف الْأَصْمَعِي الأغن وَحده، وَقَالَ صَاحب الْعين رَوْضَة غناء كَثِيرَة العشب والذباب: وقرية غناء كَثِيرَة الْأَهْل. قَوْله: من كل نور الرّبيع بِفَتْح النُّون وَهُوَ نور الشّجر أَي: زهره، ونورت الشَّجَرَة أخرجت نورها. وَقَوله: نور الرّبيع رِوَايَة الْكشميهني: وَفِي رِوَايَة غَيره: من كل لون الرّبيع، بِالْوَاو وَالنُّون. قَوْله: بَين ظَهْري الرَّوْضَة تَثْنِيَة ظهر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: بَين ظهراني الرَّوْضَة، مَعْنَاهُمَا وَسطهَا. قَوْله: طولا نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: وَإِذا حول الرجل من أَكثر ولدان رَأَيْتهمْ قطّ قَالَ الطَّيِّبِيّ شيخ شَيْخي: أصل هَذَا الْكَلَام، وَإِذا حول الرجل ولدان مَا رَأَيْت ولداناً قطّ أَكثر مِنْهُم، وَنَظِيره قَوْله بعد ذَلِك: لم أر رَوْضَة قطّ أعظم مِنْهَا، وَلما كَانَ هَذَا التَّرْكِيب متضمناً معنى النَّفْي جَازَت زِيَادَة: من وقط، الَّتِي تخْتَص بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ ابْن مَالك: جَاءَ اسْتِعْمَال قطّ فِي الْمُثبت فِي هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ جَائِز، وغفل أَكْثَرهم عَن ذَلِك فخصوه بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنه اكْتفي بالمنفي الَّذِي لزم من التَّرْكِيب إِذْ مَعْنَاهُ: مَا رَأَيْته أَكثر من ذَلِك، أَو يُقَال: إِن النَّفْي مُقَدّر. قَوْله: إِلَى رَوْضَة وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَأبي عوَانَة والإسماعيلي: إِلَى دَرَجَة، وَهِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة. قَوْله: ارقه أَمر من رقى يرقى، وَالْهَاء فِيهِ للسكت. قَوْله: إِلَى مَدِينَة من مدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ على وزن فعيلة وَيجمع على مَدَائِن بِالْهَمْزَةِ، وَقيل: هِيَ مفعلة من دنت أَي: ملكت، فعلى هَذَا لَا يهمز جمعهَا فَإِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول قلت: مدنِي وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني، وَإِلَى مَدِينَة كسْرَى قلت: مدايني. قَوْله: بِلَبن ذهب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء جمع لبنة وَهِي من الطين النيء. قَوْله: شطر أَي: نصف من خلقهمْ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا قَاف أَي: هيئتهم. قَوْله: شطر مُبْتَدأ وَقَوله: كأحسن خَبره، وَالْكَاف زَائِدَة وَالْجُمْلَة صفة رجال. قَوْله: فقعوا بِفَتْح الْقَاف وَضم الْعين أَمر للْجَمَاعَة بالوقوع أَصله: أوقعوا، لِأَنَّهُ من وَقع يَقع حذفت الْوَاو تبعا لحذفها فِي الْمُضَارع، واستغني عَن الْهمزَة فَبَقيَ: قعوا، على وزن: علوا، فَافْهَم. قَوْله: معترض أَي: يجْرِي عرضا. قَوْله: الْمَحْض بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة هُوَ اللَّبن الْخَالِص من المَاء حلواً كَانَ أَو حامضاً، وَقد بَين جِهَة التَّشْبِيه بقوله: فِي الْبيَاض هَكَذَا رِوَايَة النَّسَفِيّ، والإسماعيلي: فِي الْبيَاض، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: من الْبيَاض، قَوْله: فَذهب ذَلِك السوء عَنْهُم أَي: صَار الشّطْر الْقَبِيح كالشطر الْحسن، فَلذَلِك قَالَ: فصاروا فِي أحسن صُورَة. قَوْله: جنَّة عدن أَي: إِقَامَة وَأَشَارَ بقوله هَذِه إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: فسما بَصرِي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَي: نظر إِلَى فَوق. قَوْله: صعداً بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: ارْتَفع كثيرا، قَالَ الْكرْمَانِي صعداً بِمَعْنى صاعداً، وَقيل: صعداً، بِضَم الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد، وَمِنْه: تنفس الصعداء، أَي: تنفس تنفساً ممدوداً، وَكَذَا ضَبطه ابْن التِّين. قَوْله: فَإِذا قصر كلمة: إِذْ، للمفاجاة. قَوْله: مثل الربابة بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين وَهِي السحابة الْبَيْضَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: السحابة الَّتِي ركب بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَالَ صَاحب الْعين الربَاب السَّحَاب وَاحِدهَا ربابة، وَيُقَال: إِنَّه السَّحَاب الَّذِي ترَاهُ كَأَنَّهُ دون السَّحَاب قد يكون أَبيض وَقد يكون أسود: وَقَالَ الدَّاودِيّ: الربابة السحابة الْبَعِيدَة فِي السَّمَاء. قَوْله: ذراني أَي: دَعَاني واتركاني، وَهُوَ بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا وَلَا يَذْكُرْهَا) كَذَا جَمَعَ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ لَفْظَيِ الْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ فِي التَّرْجَمَةِ فَلَا يُخْبِرْ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: فَلَا يُحَدِّثْ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي) عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى أُعْرَى وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أُحَمُّ لِخَوْفِي مِنْ ظَاهِرِهَا فِي ظَنٍّ، يُقَالُ عُرِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مُخَفَّفًا يَعْرَى بِفَتْحَتَيْنِ إِذَا أَصَابَهُ عُرَاءٌ بِضَمِّ ثُمَّ فَتْحٍ وَمَدٍّ وَهُوَ نَفْضُ الْحُمَّى، وَمَعْنَى لَا أُزَمَّلُ وَهُوَ بِزَايٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ أَتَلَفَّفُ مِنْ بَرْدِ الْحُمَّى، وَوَقَعَ مِثْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَلَكِنْ قَالَ: أَلْقَى مِنْهَا شِدَّةً بَدَلَ أُعْرَى مِنْهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ أَنِّي لَا أُعَاد، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ إِنْ كُنْتُ لَأُرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لَأُرَى بِزِيَادَةِ اللَّامِ، وَالْأُولَى أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِالرُّؤْيَا الْحَسَنَةِ مَنْ لَا يُحِبُّ قَدْ يُفَسِّرُهَا لَهُ بِمَا لَا يُحِبُّ إِمَّا بُغْضًا وَإِمَّا حَسَدًا فَقَدْ تَقَعُ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ يَتَعَجَّلُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حُزْنًا وَنَكَدًا، فَأُمِرَ بِتَرْكِ تَحْدِيثِ مَنْ لَا يُحِبُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) تَقَدَّمَ فِي (بَابِ الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ) أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ.
٤٧ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ
٧٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَأَعْبُرَهَا. فَقَالَ ﷺ: اعْبُرْهَا. قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ به رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ: أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا. قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ. قَالَ: لَا تُقْسِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِيهِ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ رَفَعَهُ: الرُّؤْيَا عَلَى رَجُلٍ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ سَقَطَتْ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي قِلَابَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرُّؤْيَا تَقَعُ عَلَى مَا يُعْبَرُ، مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَفَعَ فَهُوَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَضَعُهَا، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَنَسٍ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ يُقَالُ الرُّؤْيَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ.
وَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ تَاجِرٌ يَخْتَلِفُ - يَعْنِي فِي التِّجَارَةِ - فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي غَائِبٌ وَتَرَكَنِي حَامِلًا، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ سَارِيَةَ بَيْتِي انْكَسَرَتْ وَأَنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا أَعْوَرَ، فَقَالَ: خَيْرٌ، يَرْجِعُ زَوْجُكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَالِحًا وَتَلِدِينَ غُلَامًا بَرًّا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَائِبٌ، فَسَأَلْتُهَا فَأَخْبَرَتْنِي بِالْمَنَامِ، فَقُلْتُ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَيَمُوتَنَّ زَوْجُكِ وَتَلِدِينَ غُلَامًا فَاجِرًا، فَقَعَدَتْ تَبْكِي، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَهْ يَا عَائِشَةُ. إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى خَيْرٍ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا.
وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ جَائِزَ بَيْتِي انْكَسَرَ - وَكَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا - فَقَالَ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكِ زَوْجَكِ، فَرَجَعَ سَالِمًا الْحَدِيثَ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ هُوَ الَّذِي عَبَرَ لَهَا الرُّؤْيَا الْأَخِيرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ الْخَبَرُ الْأَخِيرُ الْمَرْفُوعُ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْعَابِرُ مُصِيبًا فِي تَعْبِيرِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ لَوْ بَيَّنَهُ لَهُ لَكَانَ الَّذِي بَيَّنَهُ لَهُ هُوَ التَّعْبِيرَ الصَّحِيحَ وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّعْبِيرِ الْأَوَّلِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا كَانَ الْعَابِرُ الْأَوَّلُ عَالِمًا فَعَبَرَ فَأَصَابَ وَجْهَ التَّعْبِيرِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَصَابَ بَعْدَهُ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَدَارُ إِلَّا عَلَى إِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي تَعْبِيرِ الْمَنَامِ، لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ فِيمَا ضَرَبَهُ مِنَ الْمَثَلِ، فَإِذَا أَصَابَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلْيَسْأَلِ الثَّانِيَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ وَيُبَيِّنَ مَا جَهِلَ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُسَاعِدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ: إِنَّ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَخْصِيصَ عُبِرَتْ بِأَنَّ عَابِرَهَا يَكُونُ عَالِمًا مُصِيبًا، فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةِ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حِكْمَةِ هَذَا النَّهْيِ أَنَّهُ رُبَّمَا فَسَّرَهَا تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مَحْبُوبَةً فِي الْبَاطِنِ فَتَقَعَ عَلَى مَا فُسِّرَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّائِي، فَلَهُ إِذَا قَصَّهَا عَلَى أَحَدٍ فَفَسَّرَهَا لَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ أَنْ يُبَادِرَ فَيَسْأَلَ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُصِيبُ فَلَا يَتَحَتَّمُ وُقُوعُ الْأَوَّلِ، بَلْ وَيَقَعُ تَأْوِيلُ مَنْ أَصَابَ، فَإِنْ قَصَّرَ الرَّائِي فَلَمْ يَسْأَلِ الثَّانِيَ وَقَعَتْ عَلَى مَا فَسَّرَ الْأَوَّلُ. وَمِنْ أَدَبِ الْمُعَبِّرِ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا فَقَصَّهَا عَلَى أَخِيهِ فَلْيَقُلْ: خَيْرٌ لَنَا وَشَرٌّ لِأَعْدَائِنَا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَلَكِنْ سَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ زِمْلٍ الْجُهَنِيِّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ وَلَمْ يُسَمَّ فِي الرِّوَايَةِ، وَسَمَّاهُ أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا؟ قَالَ ابْنُ زِمْلٍ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: خَيْرًا تَلْقَاهُ وَشَرًّا تَتَوَقَّاهُ، وَخَيْرٌ لَنَا وَشَرٌّ عَلَى أَعْدَائِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اقْصُصْ رُؤْيَاكَ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَذَكَرَ أَئِمَّةُ التَّعْبِيرِ أَنَّ
مِنْ أَدَبِ الرَّائِي أَنْ يَكُونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ وَأَنْ يَنَامَ عَلَى وُضُوءٍ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَأَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ نَوْمِهِ الشَّمْسَ وَاللَّيْلَ وَالتِّينَ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ سَيِّئِ الْأَحْلَامِ، وَأَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رُؤْيَا صَالِحَةً صَادِقَةً نَافِعَةً حَافِظَةً غَيْرَ مُنْسِيَةٍ، اللَّهُمَّ أَرِنِي فِي مَنَامِي مَا أُحِبُّ. وَمِنْ أَدَبِهِ أَنْ لَا يَقُصَّهَا عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا عَدُوٍّ وَلَا جَاهِلٍ. وَمِنْ أَدَبَ الْعَابِرِ أَنْ لَا يَعْبُرَهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا وَلَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَا فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ لِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ إِلَّا فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ عَسُرَ عَلَى أَصْحَابِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَالْبَرْقَانِيِّ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَسَعِيدِ بْنِ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ) كَذَا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَتَرَدَّدَ الزُّبَيْدِيُّ هَلْ هُوَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ أَحْيَانًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ الدِّيرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَبْدَ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ انْتَهَى.
وَأَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَاقْتَصَرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: قَالَ إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَانَ مَعْمَرٌ يَتَرَدَّدُ فِيهِ حَتَّى جَاءَهُ زَمْعَةُ بِكِتَابٍ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ لَا يَشُكُّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ هَكَذَا بِالشَّكِّ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ، وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ لَا يَذْكُرُ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ صَحِيحُهُ آخِرَ زَمَانِهِ أَثْبَتَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ هَكَذَا، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ مُسْتَوْعَبًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ رُؤْيَا بِاللَّيْلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الذُّهْلِيُّ: الْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ، وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ يُونُسَ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ ابْنَ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تُقْسِمْ، فَجَزَمَ بِأَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرُهَا لَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلْيَقُصَّهَا لِيَذْكُرْ قِصَّتَهَا وَيَتَّبِعْ جُزْئِيَّاتِهَا حَتَّى لَا يَتْرُكَ مِنْهَا شَيْئًا، مِنْ قَصَصْتُ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعْتُهُ، وَأَعْبُرُهَا أَيْ أُفَسِّرُهَا.
وَوَقَعَ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ سَوَاءٌ كَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِالْمَدِينَةِ، أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ صَغِيرًا مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأُحُدٌ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَأَمَّا
أَبُو هُرَيْرَةَ فَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي رَأَيْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: إِنَى أَرَى كَأَنَّهُ لِقُوَّةِ تَحَقُّقِهِ الرُّؤْيَا كَانَتْ مُمَثَّلَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهَا حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (ظُلَّةٌ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةٌ لَهَا ظِلٌّ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ ثَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظُلَّةً قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الظُّلَّةُ أَوَّلُ شَيْءٍ يُظِلُّ، زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ) بِنُونٍ وَطَاءٍ مَكْسُورَةٍ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَمَعْنَاهُ تَقْطُرُ بِقَافٍ وَطَاءٍ مَضْمُومَةٍ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا يُقَالُ نَطَفَ الْمَاءُ إِذَا سَالَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لَيْلَةَ نَطُوفُ أُمْطِرَتْ إِلَى الصُّبْحِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا) أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِأَيْدِيهِمْ قَالَ الْخَلِيلُ: تَكَفَّفَ بَسَطَ كَفَّهُ لِيَأْخُذَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ يَسْتَقُونَ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ أَيْ يَأْخُذُونَ فِي الْأَسْقِيَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى يَتَكَفَّفُونَ يَأْخُذُونَ كِفَايَتَهُمْ وَهُوَ أَلْيَقُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ.
قُلْتُ: وَمَا أَدْرِي كَيْفَ جَوَّزَ أَخْذَ كَفَى مِنْ كَفَّفَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ) أَيِ الْآخِذُ كَثِيرًا وَالْآخِذُ قَلِيلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَمَنْ بَيْنَ مُسْتَكْثِرٍ وَمُسْتَقِلٍّ وَبَيْنَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا سَبَبٌ) أَيْ حَبْلٌ.
قَوْلُهُ: (وَاصِلٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ: وَرَأَيْتُ لَهَا سَبَبًا وَاصِلًا، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَكَأَنَّ سَبَبًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ: فَأَعْلَاكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ ثُمَّ أَخَذَهُ زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ بَعْدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ حُسَيْنٍ مِنْ بَعْدِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَا بِهِ) زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فَأَعْلَاهُ اللَّهُ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ هُنَا بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكُمْ فَأَخَذَ بِهِ فَقُطِعَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ وُصِلَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَوُصِلَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ فَقُطِعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَبِي أَنْتَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأُمِّي.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ائْذَنْ لِي.
قَوْلُهُ: (فَأَعْبُرُهَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَلَأَعْبُرَنَّهَا بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ بِاللَّامِ وَالنُّونِ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَعْبُرُهَا) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ عَبَّرَهَا بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَأَذِنَ لَهُ، زَادَ سُلَيْمَانُ وَكَانَ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَا لِمَعْمَرٍ، وَالزُّبَيْدِيِّ فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ كَرِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَكَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَهِيَ الَّتِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهَا.
قَوْلُهُ: (فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطِفُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَمَعْمَرٍ، وَبَيَّنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ فَالْقُرْآنُ فِي حَلَاوَةِ الْعَسَلِ وَلِينِ السَّمْنِ.
قَوْلُهُ: (فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَ هَذَا وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَالْآخِذُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَقَلِيلًا، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا السَّبَبُ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَأَمَّا السَّبَبُ فَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ تَعْلُو فَيُعْلِيكَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ) زَادَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ بَعْدِكَ زَادَ سُفْيَانُ
بْنُ حُسَيْنٍ عَلَى مَنَاهِجِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدُ كَمَا رَجُلٌ يَأْخُذُ مَأْخَذَكُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ آخَرُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقْطَعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ) زَادَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فَيُعْلِيهِ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ هَلْ أَصَبْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ أَخْطَأْتُ.
قَوْلُهُ: (أَصَبْتُ بَعْضًا وَأَخْطَأْتُ بَعْضًا) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فَوَاللَّهِ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّفَقَا لَتُحَدِّثُنِي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَصَبْتُ مِنَ الَّذِي أَخْطَأْتُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ: مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَاقِيَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَا تُقْسِمْ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَمِثْلُهُ لِمَعْمَرٍ لَكِنْ دُونَ قَوْلِهِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مَا الَّذِي أَصَبْتُ وَمَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ: لَا تُقْسِمْ أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: تَوْجِيهُ تَعْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الظُّلَّةَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَقِي الْأَذَى وَيَنْعَمُ بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْعَسَلُ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ شِفَاءً لِلنَّاسِ، وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ الْقُرْآنَ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ وَقَالَ إِنَّهُ ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَهُوَ حُلْوٌ عَلَى الْأَسْمَاعِ كَحَلَاوَةِ الْعَسَلِ فِي الْمَذَاقِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ فِي السَّمْنِ شِفَاءً.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ يَكُونُ عَبَرَ الظُّلَّةَ بِذَلِكَ لَمَّا نَطَفْتِ الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ اللَّذَيْنِ عَبَرَهُمَا بِالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْلُ وَالْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَالَّذِينَ أَخَذُوا بِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ هُمُ الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ وَعُثْمَانُ هُوَ الَّذِي انْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ اتَّصَلَ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَمَوْضِعُ الْخَطَإِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ وَصَلَ لَهُ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ وَصَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ.
قُلْتُ: بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَهُ وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ كُلُّهُمْ عَنْ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ: فَوَصَلَ لَهُ فَاتَّصَلَ، ثُمَّ ابْنُ الْمُهَلَّبِ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ وَقَفَتِ الرُّؤْيَا وَلَا يَذْكُرَ الْمَوْصُولَ لَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ عُثْمَانَ انْقَطَعَ بِهِ الْحَبْلُ ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ أَيْ وُصِلَتِ الْخِلَافَةُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ لَفْظَةَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ عُثْمَانَ كاد يَنْقَطِعُ عَنِ اللَّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ، ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ بِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَبْلَ وُصِلَ لَهُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ، فَلَمْ يَتِمَّ فِي تَبْيِينِ الْخَطَإِ فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ مَا تَوَهَّمَهُ الْمُهَلَّبُ.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ قِيلَ خَطَؤُهُ فِي قَوْلِهِ: فَيُوصَلُ لَهُ وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا إِلَّا أَنَّهُ يُوصَلُ وَلَيْسَ فِيهَا لَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُوصَلْ لِعُثْمَانَ، وَإِنَّمَا وُصِلَتِ الْخِلَافَةُ لِعَلِيٍّ، وَمَوْضِعُ التَّعَجُّبِ سُكُوتُهُ عَنْ تَعَقُّبِ هَذَا الْكَلَامِ مَعَ كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهِيَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ الْخَطَأُ هُنَا بِمَعْنَى التَّرْكِ أَيْ تَرَكْتَ بَعْضًا لَمْ تُفَسِّرْهُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: قِيلَ السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ: وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا قَصَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رُؤْيَاهُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَقَّ
بِتَعْبِيرِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمَّا طَلَبَ تَعْبِيرَهَا؟ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً فَقَالَ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: قِيلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَإِنَّهُ الْقَائِلُ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْطَأَ فِي مُبَادَرَتِهِ بِتَفْسِيرِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَقَالَ: هَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ اعْبُرْهَا.
قُلْتُ: مُرَادُ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ابْتِدَاءً بَلْ بَادَرَ هُوَ فَسَأَلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَعْبِيرِهَا فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: أَخْطَأْتَ فِي مُبَادَرَتِكَ لِلسُّؤَالِ أَنْ تَتَوَلَّى تَعْبِيرَهَا، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَخْطَأْتَ فِي تَعْبِيرِكَ، لَكِنْ فِي إِطْلَاقِ الْخَطَأِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَتَبَادَرُ لِلسَّمْعِ مِنْ جَوَابِ قَوْلِهِ: هَلْ أَصَبْتَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِصَابَةَ وَالْخَطَأَ فِي تَعْبِيرِهِ لَا لِكَوْنِهِ الْتَمَسَ التَّعْبِيرَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ بَعْدَهُ الْأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، أَيْ أَخْطَأْتَ فِي بَعْضِ تَأْوِيلِكَ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ؛ حَيْثُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، وَالدَّاوُدِيِّ نَحْوَ مَا نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَفْظُهُمْ: أَخْطَأَ فِي سُؤَالِهِ أَنْ يَعْبُرَهَا، وَفِي تَعْبِيرِهِ لَهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: إِنَّمَا كَانَ الْخَطَأُ لِكَوْنِهِ أَقْسَمَ لَيَعْبُرَنَّهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ لَمْ يُقِرَّهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تُقْسِمُ فَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِيمَا أَخْطَأْتَ بِهِ عَلِمْتَهُ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَهَا فَيُسْمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَقُولُهُ فَيَعْرِفَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ عِلْمَ نَفْسِهِ لِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقِيلَ أَخْطَأَ لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ فِي الرُّؤْيَا شَيْئَيْنِ: الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ، فَفَسَّرَهُمَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَهُمَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ.
قُلْتُ: وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّعْبِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: قَالُوا هُنَا وَهِمَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّمْنُ وَالْعَسَلُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا الْفَهْمَ وَالْحِفْظَ، وَأَيَّدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَا نُسِبَ لِلطَّحَاوِيِّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي إِحْدَى إِصْبَعَيَّ سَمْنًا وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا فَأَلْعَقُهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تَقْرَأُ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةَ وَالْفُرْقَانَ فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا.
قُلْتُ: فَفَسَّرَ الْعَسَلَ بِشَيْءٍ وَالسَّمْنَ بِشَيْءٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَبَرَّ النَّبِيُّ ﷺ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَلَا إِبْرَارَ، وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ مِنْ سَبَبِ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بِعُثْمَانَ وَهُوَ قَتْلُهُ وَتِلْكَ الْحُرُوبُ وَالْفِتَنُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ ذِكْرَهَا خَوْفَ شُيُوعِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ لَهُ السَّبَبَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُوَبِّخَهُ بَيْنَ النَّاسِ لِمُبَادَرَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَطَؤُهُ فِي تَرْكِ تَعْيِينِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، فَلَوْ أَبَرَّ قَسَمَهُ لَلَزِمَ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ عَيَّنَهُمْ لَكَانَ نَصًّا عَلَى خِلَافَتِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ أَنَّ الْخِلَافَةَ تَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَتَرَكَ تَعْيِينَهُمْ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ عِلْمُ غَيْبٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ وَيُخْفِيَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأْتَ وَأَصَبْتَ أَنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا مَرْجِعُهُ الظَّنُّ، وَالظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَقِيلَ لَمَّا أَرَادَ الِاسْتِبْدَادَ وَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى يُفَادَ جَازَ مَنْعُهُ مَا يُسْتَفَادُ فَكَانَ الْمَنْعُ كَالتَّأْدِيبِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظِ الْخَطَإِ وَالتَّوَهُّمِ وَالتَّأْدِيبِ وَغَيْرِهِمَا إِنَّمَا أَحْكِيهِ عَنْ قَائِلِهِ وَلَسْتُ رَاضِيًا بِإِطْلَاقِهِ فِي حَقِّ الصِّدِّيقِ، وَقِيلَ الْخَطَأُ فِي خَلْعِ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ فِي الْمَنَامِ رَأَى أَنَّهُ آخِذٌ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْخِلَاعِهِ بِنَفْسِهِ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ، وَعُثْمَانُ قَدْ قُتِلَ قَهْرًا وَلَمْ يَخْلَعْ نَفْسَهُ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ وَصْلُهُ عَلَى وِلَايَةِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ إِبْرَارَ الْقَسَمِ لِمَا يَدْخُلُ فِي النُّفُوسِ لَا سِيَّمَا مِنَ
الَّذِي انْقَطَعَ فِي يَدِهِ السَّبَبُ وَإِنْ كَانَ وَصَلَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: فَقُطِعَ فَقِيلَ مَعْنَاهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ.
فَقَالَ: لَيْسَ مَعْنَى قُطِعَ قُتِلَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَشَارَكَهُ عُمَرُ، لَكِنَّ قَتْلَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الْعُلُوِّ بَلْ بِجِهَةِ عَدَاوَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَتْلُ عُثْمَانَ كَانَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي عَلَا بِهَا وَهِيَ الْوِلَايَةُ فَلِذَلِكَ جَعَلَ قَتْلَهُ قَطْعًا قَالَ: وَقَوْلُهُ ثُمَّ وُصِلَ يَعْنِي بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ فَكَانَ الْحَبْلُ مَوْصُولًا وَلَكِنْ لَمْ يَرَ فِيهِ عُلُوًّا، كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ مَا نَصُّهُ: وَالَّذِي انْقَطَعَ بِهِ وَوُصِلَ لَهُ هُوَ عُمَرُ، لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ وُصِلَ لَهُ بِأَهْلِ الشُّورَى وَبِعُثْمَانَ، كَذَا قَالَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ مِنَ الرِّجَالِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ فَقَطْ، وَهُوَ اخْتِصَارٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ ثَلَاثَةٌ، وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَوْلُهُ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْخَطَإِ فَقِيلَ: وَجْهُ الْخَطَإِ تَسَوُّرُهُ عَلَى التَّعْبِيرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَكَانِهِ مِنْهُ.
قُلْت: تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَالَ: وَقِيلَ أَخْطَأَ لِقَسَمِهِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لِجَعْلِهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُمَا مَعْنَيَانِ وَأَيَّدُوهُ بِأَنَّهُ قَالَ: أَخْطَأْتَ بَعْضًا وَأَصَبْتَ بَعْضًا وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْيَسَارِ أَوْ فِي الْيَمِينِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرُّؤْيَا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتَ لِتَعْبِيرِهِ الرُّؤْيَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بَلْ هَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَخْطَأْتَ فِي بَعْضِ مَا جَرَى وَأَصَبْتَ فِي الْبَعْضِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ قِيلَ: وَجْهُ الْخَطَإِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي التَّعْبِيرِ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الظُّلَّةُ وَالسَّمْنَ وَالْعَسَلَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَقِيلَ: وَجْهُ الْخَطَإِ أَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ الْحَقَّ وَعُثْمَانُ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ أَنَّ الْوِلَايَةَ كَانَتْ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ صَارَتْ بِالْخِلَافَةِ فَاتَّصَلَتْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلِعُمَرَ ثُمَّ انْقَطَعَتْ بِعُثْمَانَ لِمَا كَانَ ظَنَّ بِهِ ثُمَّ صَحَّتْ بَرَاءَتُهُ فَأَعْلَاهُ اللَّهُ وَلَحِقَ بِأَصْحَابِهِ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ عَنْ تَعْيِينِ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَنِ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَلَئِنْ كَانَ تَقَدُّمُ أَبِي بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّعْبِيرِ خَطَأً فَالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ لِتَعْيِينِ خَطَئِهِ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدِّينُ وَالْحَزْمُ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّمَا أَقْدَمُوا عَلَى تَبَيُّنِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ تَبْيِينِهِ مَفْسَدَةٌ إِذْ ذَاكَ فَزَالَتْ بَعْدَهُ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ وَلَا جَزْمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ لِأَوَّلِ عَابِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، لَكِنْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُعَبِّرُ لَا يُغَيِّرُ الرُّؤْيَا عَنْ وَجْهِهَا عِبَارَةُ عَابِرٍ وَلَا غَيْرُهُ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ مَخْلُوقٌ أَنْ يُغَيِّرَ مَا كَانَتْ نُسْخَتُهُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَدَرَّبْ فِي عِلْمِ التَّأْوِيلِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَا سَبَقَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُشَكُّ فِي أَمَانَتِهِ وَدِينِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمَرَائِيَ تُنْسَخُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ عَلَى وَفْقِ مَا يَعْبُرُهَا الْعَارِفُ، وَمَا الْمَانِعُ أَنَّهَا تُنْسَخُ عَلَى وَفْقِ مَا يَعْبُرُهَا أَوَّلُ عَابِرٍ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِبْرَارُ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ أُقْسِمُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: أَقْسَمْتُ كَذَا قَالَهُ عِيَاضٌ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي وَهَذَا صَرِيحُ يَمِينٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ خَاصٌّ بِمَا يَجُوزُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِكَوْنِهِ سَأَلَ مَا لَا يَجُوزُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ لِكُلِّ أَحَدٍ.
قُلْتُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنَعَهُ ذَلِكَ لَمَّا سَأَلَهُ جِهَارًا وَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ سِرًّا. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيمِ عِلْمِ الرُّؤْيَا وَعَلَى تَعْبِيرِهَا وَتَرْكِ إِغْفَالِ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَفَضِيلَتِهَا لِمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ وَأَسْرَارِ الْكَائِنَاتِ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَفِي السُّؤَالِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلًا وَآخِرًا وَجَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ دَلَالَةٌ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأصاب وجه التَّعبير وإلَّا فهي لمن أصاب بعدَه، لكن يُعارضه حديث أبي رزين: أنَّ الرُّؤيا إذا (١) عُبِّرت وقعت، إلَّا أن يُدَّعى تخصيص عُبِّرت بأن يكون عابرها عالمًا مُصيبًا، ويعكِّر عليه قوله في الرُّؤيا المكروهةِ: «ولا يُحدِّث بها أحدًا»، فقيلَ في حكمةِ النَّهي: أنَّه ربَّما فسَّرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهرِها مع احتمالِ أن تكون محبوبةً في الباطن، فتقعُ على ما فُسِّر. وأُجيب باحتمالِ أن تكون تتعلَّق بالرَّائي، فله إذا قصَّها على أحدٍ ففسَّرها له على المكروهِ أن (٢) يبادرَ غيره ممَّن يصيبُ فيسأله، فإن قصَّر الرَّائي فلم يسألِ الثَّاني وقعتْ على ما فسَّر الأوَّل.
٧٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَناَ يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بن بُكير المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -بالميم- ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ) وفي مسلم من طريق سليمان بن كثير عن الزُّهريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ
كان (١) ممَّا يقول لأصحابه: «مَن رأى منكُم رؤيا فليقصَّها أعبُرها» فجاء رجل. وعنده أيضًا من رواية (٢) سفيان بن عُيينة: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ مُنْصَرَفه من أُحُدٍ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، سحابةً لأنَّها تظلُّ ما تحتها، وزاد الدَّارميُّ من طريق سليمان بن كثير وابنُ ماجه من طريق سفيان بن عُيينة: بين السَّماء والأرض (تَنْطُِفُ) بسكون النون وضم الطاء المهملة وكسرها، تقطرُ (السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ) أي: يأخذونُ بأكفِّهم (مِنْهَا فَالمُسْتَكْثِرُ) أي: فمنهم المستكثرُ في الأخذ (وَ) منهم (المُسْتَقِلُّ) فيه، أي: منهم الآخذُ كثيرًا والآخذُ قليلًا (وَإِذَا سَبَبٌ) أي: حبلٌ (وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ) يا رسولَ الله (أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة: فأعلاكَ الله (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) أي: بالسبب، ولابنِ عساكرَ: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) ولابنِ عساكرَ أيضًا: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) ولابنِ عساكرَ أيضًا: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ) بضم الواو وكسر الصاد (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (وَاللهِ لَتَدَعَنِّي) بفتح اللام للتَّأكيد، والدال والعين وكسر النون المشدَّدة، لَتَتركنِّي (فَأَعْبُرَهَا) بضم الموحدة وفتح الراء، وزاد سليمان في روايته: وكان من أعبر النَّاس للرُّؤيا بعد رسولِ الله ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) له: (اعْبُرْ) ولأبي ذرٍّ: «اعبرها» بالضَّمير (٣) المنصوب (قَالَ) أبو بكر: (أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ) لأنَّ الظُّلة نعمةٌ من نعمِ الله على أهلِ الجنَّة، وكذلك كانتْ على بني إسرائيل، وكذلك كان ﷺ تظلُّه الغمامةُ قبل نبوَّته، وكذلك الإسلامُ يقي الأذى ويَنْعم به المؤمن في الدُّنيا والآخرة (وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُِفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالقُرْآنُ (٤) حَلَاوَتُهُ تَنْطُِفُ) قال تعالى في العسل: ﴿شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿شِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ولا ريبَ أنَّ تلاوة القرآن تحلو في الأسماعِ كحلاوة العسلِ في المذَاقِ بل أحلى (فَالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ) منه (وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ) أي: يرفعكُ به (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ
رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ) فسِّر بالصِّدِّيق ﵁؛ لأنَّه يقوم بالحقِّ بعده ﷺ في أمَّته (ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «يأخذُ به رجلٌ» (آخَرُ) هو عمرُ بن الخطَّاب ﵁ (فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثمَّ يأخذُ به» (رَجُلٌ آخَرُ) هو: عثمانُ بن عفَّان ﵁ (فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوْصَلُ) بالتَّخفيف، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ثمَّ يُوَصَّل» بالتَّشديد (٢) (لَهُ فَيَعْلُو بِهِ (٣)) يعني: أنَّ عثمان كاد أن ينقطع عن اللَّحاق بصاحبيهِ بسبب ما وقعَ له من تلك القضايا الَّتي أنكروهَا، فعبَّر عنها بانقطاعِ الحبل، ثمَّ وقعتْ له الشَّهادة فاتَّصل فالتَحق بهم (فَأَخْبِرْنِي) بكسر الموحدة وسكون الراء (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (أَصَبْتُ) في هذا التَّعبير (أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) له: (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) قيل: خطؤه في التَّعبير؛ لكونه عبَّر بحضورهِ ﷺ؛ إذ كان ﷺ أحقَّ بتعبيرها (٤)، وقيل: أخطأَ لمبادرتِهِ (٥) تعبيرَها قبلَ أن يأمرَه به. وتعقِّب بأنَّه ﵊ أذنَ له في ذلك، وقال: «اعبرْهَا».
وأُجيب بأنَّه لم يأذنْ له ابتداء بل بادرَ هو بالسُّؤال أن يأذنَ له في تعبيرها فأذنَ له، وقال: أخطأتَ في مبادرتك للسُّؤال أن تتولَّى تعبيرهَا، لكن في إطلاقِ الخطأ على ذلك نظرٌ، فالظَّاهر أنَّه أراد الخطأَ في التَّعبير لا لكونهِ التمسَ التَّعبير.
وقال ابنُ هُبَيرة: إنَّما أخطأَ لكونه أقسمَ ليعبرنَّها بحضرتهِ ﷺ، ولو كان أخطأَ في التَّعبير لم يقرَّه عليه، وقيل: أخطأَ؛ لكونه عبَّر السَّمن والعسل بالقرآن فقط وهما شيئان، وكان من حقِّه أن يعبِّرهما بالقرآن والسُّنة؛ لأنَّها بيانٌ للكتاب المنزَّل عليه وبهما (٦) تتمُّ الأحكامُ كتمام اللَّذة بهما، وقيل: وجه الخطأ أنَّ الصَّواب في التَّعبير أنَّ الرَّسول ﷺ هو الظُّلَّة، والسَّمن والعسل هو (٧) القرآن والسُّنة، وقيل: يحتملُ أن يكون السَّمنُ والعسلُ العلمَ
والعملَ، وقيل: الفهم والحفظ. وتعقَّب ذلك في «المصابيح» فقال: لا يكادُ ينقضي العجب من هؤلاء الَّذين تعرَّضوا إلى تبيين الخطأ في هذه الواقعةِ مع سكوتِ النَّبيِّ ﷺ عن ذلك، وامتناعهِ منه بعد سؤالِ أبي بكرٍ له في ذلك حيثُ (قَالَ: فَوَاللهِ يَا رَسُوْلَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ) فيه، وثبت قولهُ: «يا رسولَ الله» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ (قَالَ) ﷺ: (لَا تُقْسِمْ) فكيف لا يسع هؤلاء من السُّكوت ما وسعَ النَّبيَّ ﷺ، وماذا يترتَّب على ذلك من الفائدةِ، فالسُّكوت عن ذلك هو المتعيَّن. انتهى.
وحكى ابنُ العربيِّ: أنَّ بعضَهم سُئِل عن بيان الوجه الَّذي أخطأَ فيه أبو بكر، فقال: من الَّذي يعرفُه؟ ولئن كان تَقَدُّم أبي بكرٍ بين يدي النَّبيِّ (١) ﷺ للتَّعبير خطأٌ، فالتَّقدُّم بين يدي أبي بكرٍ لتعيين خطئهِ أعظم وأعظم، فالَّذي يقتضيهِ الدِّين (٢) الكفُّ عن ذلك.
وأجاب في «الكواكب» بأنَّهم إنَّما أقدموا على تبيينِ ذلك مع أنَّه ﷺ لم يبيِّنه؛ لأنَّ هذه الاحتمالات لا جزمَ فيها، أو لأنَّه (٣) كان يلزم في بيانهِ مفاسد للنَّاس، واليوم زالَ ذلك إرشادًا.
قال الحافظ ابن حجرٍ -أثابه الله-: جميعُ ما ذكر من لفظِ الخطأ ونحوه إنَّما أحكيهِ عن قائليهِ ولست راضيًا بإطلاقهِ في حقِّ الصِّدِّيق ﵁. انتهى.
وقولهُ ﵊: «لا تُقْسم» بعد إقسامِ أبي بكر ﵁، أي: لا تكرِّر يمينكَ. قال النَّوويُّ: قيل: إنَّما لم يبرَّ النَّبيُّ ﷺ قسمَ أبي بكرٍ؛ لأنَّ إبرارَ القسم مخصوصٌ بما إذا لم يكن هناك مفسدةٌ ولا مشقَّةٌ ظاهرةٌ. قال: ولعلَّ المفسدة في ذلك ما علمه من (٤) انقطاع السَّبب بعثمان وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المريبة، فكره (٥) ذكرهَا خوفَ شيوعها (٦).
والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّعبير» وأبو داود في «الأيمان والنُّذور» والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الرُّؤيا».
(٤٨) (باب) جواز (تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) قبلَ طلوع الشَّمس، أو استحبابها لحفظِ صاحبهَا لها؛ لقربِ عهدِه بها ومعرفتهِ ما يستبشرُ به من الخيرِ، أو يحذر (١) من الشَّرِّ، ولحضورِ ذهنِ العابرِ، وقلَّة شغله بالتَّفكُّر في معاشه، قاله المهلَّب.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
إِمَّا بغضاً وَإِمَّا حسداً، فقد يَقع على تِلْكَ الصّفة، والمحب لَا يعبرها إلَاّ بِخَير والعبارة لأوّل عَابِر. وَقَالَ الرُّؤْيَا لأوّل عَابِر، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: لَا تقص الرُّؤْيَا إلَاّ على عَالم أَو نَاصح. قَوْله: وليتفل أَي: ليبصق، وَذَاكَ لطرد الشَّيْطَان واستقذاره، من تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وبالفاء يتفل بِضَم الْفَاء وَكسرهَا. قَوْله: ثَلَاثًا أَي: ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: فَإِنَّهَا لن تضره قَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد مَا كَانَ من الشَّيْطَان، وَأما مَا كَانَ من الله من خير أَو شَرّ فَهُوَ وَاقع لَا محَالة.
٧٠٤٥ - حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ حَمْزَةَ، حدّثني ابنُ أبي حازِمٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا رأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يُحِبُّها فإنَّها مِنَ الله فَلْيَحْمِدَ الله عَلَيْها ولْيُحَدِّثْ بِها، وإذَا رأى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّما هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ، فلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها ولَا يَذْكُرْها لأحَدٍ فإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ
انْظُر الحَدِيث ٦٩٨٥
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة أَبُو إِسْحَاق الزبير الْأَسدي الْمدنِي، يروي عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار، والدراوردي عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، وَقد تقدم فِي: بَاب الرُّؤْيَا من الله وَكَذَلِكَ الحَدِيث مضى فِيهِ.
٤٧ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيا لأِوَّلِ عابِرٍ إِذا لَمْ يُصِبْ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ من لم ير إِلَى آخِره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُعْتَبر فِي أَقْوَال العابرين قَول العابر الأول، فَيقبل إِذا كَانَ مصيباً فِي وَجه الْعبارَة، أما إِذا لم يصب فَلَا يقبل إِذْ لَيْسَ الْمدَار إلَاّ على إِصَابَة الصَّوَاب، فَمَعْنَى التَّرْجَمَة: من لم يعْتَقد أَن تَفْسِير الرُّؤْيَا هُوَ للعابر الأول إِذا كَانَ مخطئاً، وَلِهَذَا قَالَ للصديق: اخطأت بَعْضًا، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى حَدِيث أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله فَذكر حَدِيثا فِيهِ: والرؤيا لأوّل عَابِر، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف فِيهِ يزِيد الرقاشِي وَلَكِن لَهُ شَاهد، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِسَنَد حسن، وَصَححهُ الْحَاكِم عَن أبي رزين الْعقيلِيّ، رَفعه: الرُّؤْيَا على رجل طَائِر مَا لم تعبر، فَإِذا عبرت وَقعت. لفظ أبي دَاوُد فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سَقَطت. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه غير مُنَاسِب لِمَعْنى التَّرْجَمَة يفهمهُ من لَهُ أدنى إِدْرَاك وذوق.
٦٤٠٧ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ يُونُسَ، عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، كَانَ يُحَدِّث: أنَّ رَجُلاً أتَى رسولَ الله فَقَالَ: إنِّي رَأيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنامِ ظُلةً تَنْطُفُ السَّمْنَ والعَسَل، فأراى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْها، فالمُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ، وَإِذا سَبَبٌ واصِلٌ مِنَ السَّماءِ، إِلَى الأرْضِ فأراكَ أخَذْتَ بِهِ فعلَوْتَ، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا بِه، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا رسولَ الله بِأبي أنْتَ، وَالله لَتَدَعَنِّي فأعْبُرَها. فَقَالَ النَّبِي اعْبُرْها قَالَ: أمَّا الظُّلَّةُ فالإسْلامُ، وأمَّا الّذِي يَنْطفُ مِنَ العَسَلِ والسَّمْنِ فالقُرْآنُ حَلاوَتُهُ تَنْطُفُ، فالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ والمُسْتَقِلُّ، وأمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأرْضِ فالحَقُّ الّذِي أنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ، فَيُعْلِيكَ الله، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لهُ فَيَعْلُو بِهِ، فأخْبِرْنِي يَا رسولَ الله بِأبي أنْتَ. أصَبْتُ
أمْ أخْطَأتُ؟ قَالَ النبيُّ أصَبتَ بَعْضاً وأخْطَأْتَ بَعْضاً قَالَ: فَوالله يَا رسولَ الله لَتُحَدِّثنِّي بالّذِي أخْطَأْتُ.
قَالَ: لَا تُقْسِمْ ٠ انْظُر الحَدِيث ٧٠٠٠
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي التَّعْبِير عَن حَرْمَلَة وَعَن آخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يَعْقُوب بن حميد. قَوْله: ظلة بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة أَي: سَحَابَة لَهَا ظلة وكل مَا أظل من سَقِيفَة وَنَحْوهَا يُسمى ظلة، قَالَه الْخطابِيّ، وَقَالَ ابْن فَارس: الظلة أول شَيْء يظل، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: ظلة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. قَوْله: تنطف أَي: تقطر، من نطف المَاء إِذا سَالَ وَيجوز الضَّم وَالْكَسْر فِي الطَّاء. قَوْله: يَتَكَفَّفُونَ أَي: يَأْخُذُونَ بأكفهم، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: بِأَيْدِيهِم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: يستقون، أَي: يَأْخُذُونَ بالأسقية. قَوْله: فالمستكثر مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف أَي: فيهم المستكثر فِي الْأَخْذ أَي: يَأْخُذ كثيرا. قَوْله: والمستقل أَي: وَمِنْهُم المستقل فِي الْأَخْذ، أَي: يَأْخُذ قَلِيلا. قَوْله: سَبَب أَي: حَبل. قَوْله: وَاصل من الْوُصُول، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى الْمَوْصُول كَقَوْلِه: {فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أَي: مرضية. قَوْله: فعلوت من الْعُلُوّ، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن كثير: فأعلاك الله. قَوْله: ثمَّ أَخذ بِهِ كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، ويروى: ثمَّ أَخذه. قَوْله: وصل على بِنَاء الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة شَيبَان بن حُصَيْن: ثمَّ وصل لَهُ قَوْله: بِأبي أَنْت وَأمي أَي: مفدًى بهما، هَكَذَا فِي رِوَايَة معمر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بِأبي، فَقَط. قَوْله: لتدعني بِفَتْح اللَّام للتَّأْكِيد أَي: لتتركني وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان: ائْذَنْ لي. قَوْله: فأعبرها فِي رِوَايَة ابْن وهب: فلأعبرنها، بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد وَالنُّون، وَمثله فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. قَوْله: اعبر أَمر من عبر يعبر. قَوْله: ثمَّ يَأْخُذ بِهِ رجل من بعْدك أَي: ثمَّ يَأْخُذ بالحبل رجل، وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيقوم بِالْحَقِّ فِي أمته بعده. قَوْله: ثمَّ يَأْخُذ رجل آخر فيعلو بِهِ وَهُوَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: ثمَّ يَأْخُذ بِهِ رجل آخر فَيَنْقَطِع بِهِ وَهُوَ عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ قَالَ الْمُهلب: الْخَطَأ فِيهِ حَيْثُ زَاد لَهُ والوصل لغيره وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يقف حَيْثُ وقفت الرُّؤْيَا، وَيَقُول: ثمَّ يُوصل، على نَص الرُّؤْيَا وَلَا يذكر الْمَوْصُول لَهُ، وَمعنى كِتْمَانه مَوضِع الْخَطَأ لِئَلَّا يحزن النَّاس بالعارض لعُثْمَان فَهُوَ الرَّابِع الَّذِي انْقَطع لَهُ ثمَّ وصل أَي الْخلَافَة لغيره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قيل: خَطؤُهُ فِي قَوْله: ويوصل لَهُ وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا إلَاّ أَنه: يُوصل، وَلَيْسَ فِيهَا: لَهُ وَلذَلِك لم توصل لعُثْمَان وَإِنَّمَا وصلت الْخلَافَة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ بَعضهم: لَفْظَة: لَهُ، ثَابِتَة فِي رِوَايَة ابْن وهب وَغَيره، كلهم عَن يُونُس عِنْد مُسلم وَغَيره ثمَّ لفق الْكَلَام. وَقَالَ: الْمَعْنى أَن عُثْمَان كَاد أَن يَنْقَطِع بِهِ الْحَبل عَن اللحوق بصاحبيه بِسَبَب مَا وَقع لَهُ من تِلْكَ القضايا الَّتِي أنكروها، فَعبر عَنْهَا بِانْقِطَاع الْحَبل، ثمَّ وَقعت لَهُ الشَّهَادَة فاتصل بهم فَعبر عَنهُ بِأَن الْحَبل وصل لَهُ فاتصل فالتحق بهم انْتهى. قلت: هَذَا خلاف مَا يَقْتَضِيهِ معنى قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ فيعلو بِهِ. قَوْله: فَأَخْبرنِي يَا رَسُول الله بِأبي يَعْنِي: أَنْت مفدى بِأبي. قَوْله: أصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا أما الَّذِي أصَاب فَهُوَ تَعْبِير أَن تكون الظلة نعْمَة الْإِسْلَام إِلَى قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ. فيعلو بِهِ، وَأما الَّذِي أَخطَأ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْمُهلب: مَوضِع الْخَطَأ فِي قَوْله: ثمَّ يُوصل لَهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الْخَطَأ هُوَ أَن الرجل لما قصّ على النَّبِي رُؤْيَاهُ كَانَ النَّبِي أَحَق بتعبيرها من غَيره، فَلَمَّا طلب أَبُو بكر تعبيرها كَانَ ذَلِك خطأ، وَهَذَا نَقله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن قُتَيْبَة وَوَافَقَهُ على ذَلِك جمَاعَة، وَتعقبه النَّوَوِيّ تبعا لغيره، فَقَالَ: هَذَا فَاسد لِأَنَّهُ قد أذن لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ لَهُ: اعبر، قيل: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لم يَأْذَن لَهُ ابْتِدَاء بل بَادر هُوَ فَسَأَلَ أَن يَأْذَن لَهُ فِي تعبيرها، فَأذن لَهُ. فَقَالَ: أَخْطَأت فِي مبادرتك للسؤال بِأَن تتولى تعبيرها، لَا أَنه أَخْطَأت فِي تعبيرك. وَقيل: أَخطَأ فِي تَفْسِيره لَهَا بِحَضْرَة النَّبِي وَلَو كَانَ الْخَطَأ فِي التَّعْبِير لم يقره عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: الْخَطَأ لكَونه الْمَذْكُور فِي الرُّؤْيَا شَيْئَيْنِ: الْعَسَل وَالسمن، ففسرهما بِشَيْء وَاحِد وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يفسرهما بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، وَقيل: المُرَاد بقوله: أَخْطَأت وأصبت، أَن تَعْبِير الرُّؤْيَا مرجعه الظَّن والظان يخطىء ويصيب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم يبين رَسُول الله مَوضِع الْخَطَأ. فَلم تبينون أَنْتُم؟ . قلت: هَذِه احتمالات لَا جزم فِيهَا. أَو: لِأَنَّهُ كَانَ يلْزم فِي بَيَانه مفاسد للنَّاس وَالْيَوْم زَالَ ذَلِك. قَوْله: لَا تقسم قَالَ الدَّاودِيّ: أَي
لَا تكَرر يَمِينك فَإِنِّي لَا أخْبرك. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنَّك إِذْ تفكرت فِيمَا أَخْطَأت بِهِ عَلمته. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: قد أَمر النَّبِي بإبرار الْقسم؟ . قلت: ذَلِك مَخْصُوص بِمَا لم تكن فِيهِ مفْسدَة وَهَاهُنَا لَو أبره لزم مفاسد مثل: بَيَان قتل عُثْمَان وَنَحْوه، أَو مِمَّا يجوز الِاطِّلَاع عَلَيْهِ بِأَن لَا يكون من أَمر الْغَيْب وَنَحْوه، أَو بِمَا لَا يسْتَلْزم توبيخاً على أحد بَين النَّاس بالإنكار مثلا، على مبادرته، أَو على ترك تعْيين الرِّجَال الَّذين يَأْخُذُونَ بِالسَّبَبِ، وَكَانَ فِي بَيَانه أعيانهم مفاسد. وَفِي التَّوْضِيح وَكَذَا إِذا أقسم على مَا لَا يجوز أَن يقسم عَلَيْهِ كشرب الْخمر والمعاصي فَفرض عَلَيْهِ ألَاّ يبره.
وَفِيه: جَوَاز فَتْوَى الْمَفْضُول بِحَضْرَة الْفَاضِل إِذا كَانَ مشاراً إِلَيْهِ بِالْعلمِ والإمامة. وَفِيه: أَن الْعَالم قد يخطىء وَقد يُصِيب.
٤٨ - (بابُ تَعْبِير الرُّؤْيا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْبِير الرُّؤْيَا بعد صَلَاة الصُّبْح، قيل: فِيهِ إِشَارَة إِلَى ضعف مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سعيد بن عبد الرحمان عَن بعض عُلَمَائهمْ قَالَ: لَا تقصص رُؤْيَاك على امْرَأَة وَلَا تخبر بهَا حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الرَّد على من قَالَ من أهل التَّعْبِير: إِن الْمُسْتَحبّ أَن يكون التَّعْبِير من بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى الرَّابِعَة، وَمن الْعَصْر إِلَى قبل الْغُرُوب. فَإِن الحَدِيث يدل على اسْتِحْبَاب تعبيرها قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقَالَ الْمُهلب مَا ملخصه: إِن تَعْبِير الرُّؤْيَا عِنْد صَلَاة الصُّبْح أولى من غَيره من الْأَوْقَات لحفظ صَاحبهَا لَهَا لقرب عَهده بهَا ولحضور ذهن العابر فِيمَا يَقُوله.
٧٠٤٧ - حدّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشامٍ أبُو هِشامٍ، حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ، حدّثنا عَوْفٌ، حدّثنا أبُو رَجاءٍ، حدّثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدبٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كَانَ رسولُ الله مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصْحابِهِ: هَلْ رَأى أحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شاءَ الله أنْ يَقُصَّ، وإنهُ قَالَ لَنا ذاتَ غداةٍ: إنّه أُتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعثانِي وإنَّهُما قَالَا لِي: انْطَلِقْ. وإنّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذا هُوَ يهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأسِهِ فَيَثْلَغُ رَأسَهُ فَيَتَهَدْهَدُهُ الحَجَرُ هاهُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَر فَيَأخُذُهُ فَلا يَرْجِعُ إليْهِ حتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَمَا كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: سُبْحَانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وَإِذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذا هُوَ يَأتِي أحدَ شِقّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَةُ إِلَى قَفاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفاهُ وعَيْنَهُ إِلَى قَفاهُ قَالَ: ورُبَّما قَالَ أبُو رَجاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجانِبِ حتَّى يَصِحَّ ذالِكَ الجانِبُ كَمَا كانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المرَّةَ الأولى، قَالَ: قُلْتُ: سُبْحانَ الله مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلقْ فانْطَلَقْنا فأتَينا عَلى مِثْل التَّنُّورِ قَالَ: فأحْسِبُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذا فِيهِ لَغَطٌ وأصْوات قَالَ: فاطلَعْنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وَإِذا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذا أتاهُمْ ذالِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَؤُوا. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاؤُلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنّهُ كَانَ يَقُولُ أحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذا فِي النَّهَر رجُلٌ سابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذا عَلى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجارةً كَثِيرَةً، وَإِذا ذالِكَ السَّابِح يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذالِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجارَةَ فَيَفْغَرُ لهُ فاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجراً، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ
ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلَّما رَجَعَ إلَيْهِ فَغَرَ لهُ فاهُ، فألْقَمَهُ حَجَراً. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذان؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ كأكْرَهِ مَا أنْتَ راءٍ رَجُلاً مَرْآةً، وَإِذا عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعاى حَوْلَها، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ قَالَ: قَالَا لي: انْطَلِقِ انْطَلِقِ فانْطَلَقْنا فأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتَمِةٍ فِيها مِنْ كُلِّ نُوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أكادُ أراى رَأسَهُ طُولاً فِي السَّماءِ، وَإِذا حَوْل الرَّجُلِ مِنْ أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: مَا هاذا؟ مَا هاؤلاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فانْطَلَقْنا فانْتهَيْنا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمةٍ لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنْها وَلَا أحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَهْ فِيها. قَالَ: فارْتَقَيْنا فِيها فانْتَهَيْنا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ ولَبِنِ فِضةٍ، فأتيْنا بابَ المَدِينَةِ فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا، فَدَخَلْناها فَتَلقانا فِيهَا رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ مَا أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ مَا أنْتَ راءٍ، قَالَ: قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ: وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءَهُ المَحْضُ فِي البَياضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءِ عنْهُمْ، فَصارُوا فِي أحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنَ، هاذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ: فَسَما بَصَرِي صُعُداً فَإِذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ البَيْضاءِ، قَالَ: قَالَا لِي: هاذَاكَ مَنْزِلُكِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُما: بارِكَ الله فِيكُما ذراني فأدخُلهُ، قَالَا: أمَّا الآنَ فَلَا، وأنْتَ داخِلُهُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُما: فإنِّي قَدْ رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً، فَما هاذا الّذِي رَأيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لي: أما إنّا سَنُخْبِرُكَ: أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الّذِي أتيْتَ عَلَيْهِ يُثلَغْ رأسَهُ بالحَجَرِ فإنَّهُ الرَّجُلُ يأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وأمَّا الرَّجُلُ الّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفاهُ ومنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِه فَيكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ، وأمّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُرَاةُ الّذِينَ فِي مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ فإنّهُمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمّا الرجُلُ الذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ ويُلْقَمُ الحَجَرَ فإنّهُ آكِلُ الرِّبا، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريةُ المَرْأةِ الّذِي عِنْدَ النَّار، يَحْشُّها ويَسعَى حَوْلَها، فإنَّهُ مالِكٌ خازِنُ جَهنَّم، وأمَّا الوِلْدَانُ الّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رسولَ الله وأوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رسولُ الله وأوْلَادُ المُشْرِكِينَ وأمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَناً وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحاً فإنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجاوَزَ الله عَنْهُمْ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ذَات غَدَاة لِأَن الْغَدَاة مَا قبل طُلُوع الشَّمْس. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة مَا بَين صَلَاة الْغَدَاة وطلوع الشَّمْس، وَلَفظ: ذَات، مقحم أَو هُوَ من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه.
ومؤمل على وزن مُحَمَّد ابْن هِشَام أَبُو هَاشم، كَذَا لأبي ذَر عَن بعض مشايخه، وَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو هِشَام، وَكَذَا هُوَ عِنْد غير أبي ذَر، وَهُوَ مِمَّن وَافق كنيته اسْم أَبِيه وَهُوَ ختن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن علية اسْم أمه وَهُوَ الَّذِي يروي عَنهُ مُؤَمل الْمَذْكُور، وعَوْف هُوَ الْمَشْهُور بالأعرابي،
وَأَبُو رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم المخففة اسْمه عمرَان العطاردي، وَالرِّجَال كلهم بصريون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّلَاة وَفِي الْجِنَازَة وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد وَفِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل فِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الصَّلَاة وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير وَهنا عَن مُؤَمل، وَلم يُخرجهُ تَاما إلَاّ هُنَا وَفِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن بشار مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي التَّفْسِير عَن بنْدَار بأكثره، وَقد مضى الْكَلَام فِي أَكْثَره فِي كتاب الْجَنَائِز، ولنذكر هُنَا شرح الْأَلْفَاظ الَّتِي لم تذكر هُنَاكَ.
قَوْله حَدثنَا مُؤَمل بن هِشَام وَفِي رِوَايَة غير أبي ذَر. حَدثنِي. قَوْله: كَانَ رَسُول الله مِمَّا يكثر أَن يَقُول لأَصْحَابه وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: كَانَ رَسُول الله يَعْنِي مِمَّا يكثر، وَله عَن غَيره بِإِسْقَاط: يَعْنِي، كَذَا وَقع عِنْد البَاقِينَ. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: مِمَّا يكثر خبر: كَانَ وَمَا مَوْصُولَة، وَيكثر صلته، وَأَن يَقُول فَاعل يكثر. قَوْله: هَل رأى أحد مِنْكُم هُوَ الْمَقُول. قَوْله: فيقص بِفَتْح الْيَاء وَضم الْقَاف، يُقَال: قصصت الرُّؤْيَا على فلَان إِذا أخْبرته بهَا أقصها قصاً، والقص الْبَيَان. قَوْله: من شَاءَ الله هَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا شَاءَ الله، وَكلمَة: من، للقاص، وَكلمَة: مَا، للمقصوص. قَوْله: اللَّيْلَة بِالنّصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: آتيان تَثْنِيَة: آتٍ، من الْإِتْيَان ويروى: اثْنَان من التَّثْنِيَة، وَعند ابْن أبي شيبَة: اثْنَان أَو آتيان، بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة جرير: رَأَيْت رجلَيْنِ، وَفِي رِوَايَة عَليّ: رَأَيْت ملكَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي آخر الحَدِيث أَنَّهُمَا: جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، عَلَيْهِمَا السَّلَام. قَوْله: ابتعثاني بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعد الْعين الْمُهْملَة ثاء مُثَلّثَة أَي: أرسلاني. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: بعثته وابتعثته أَرْسلتهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: انبعثا بِي، بنُون سَاكِنة وياء مُوَحدَة. قَوْله: مُضْطَجع وَفِي رِوَايَة جرير: مستلق على قَفاهُ. قَوْله: وَإِذا آخر أَي: وَإِذا رجل آخر، وَكلمَة: إِذْ، للمفاجأة. قَوْله: بصخرة وَفِي رِوَايَة جرير: بفهر أَو صَخْرَة. قَوْله: يهوي بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْوَاو من هوى بِالْفَتْح يهوي هوياً أَي: سقط إِلَى أَسْفَل، وَضَبطه ابْن التِّين بِضَم الْيَاء من الإهواء، يُقَال: أَهْوى من بعد وَهوى بِفَتْح الْوَاو من قرب. قَوْله: فيثلغ بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام، وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: يشدخ والشدخ كسر الشَّيْء الأجوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الثلغ ضربك الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس حَتَّى يتشدخ. قَوْله: فيتدهده الْحجر أَي: ينحط من علو إِلَى أَسْفَل، يُقَال: تدهده يتدهده، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فيتدأدأ، بهمزتين بدل الهاءين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فيتدهدأ، بِهَمْزَة فِي آخِره بدل الْهَاء، وَالْكل بِمَعْنى. قَوْله: هَاهُنَا أَي: إِلَى جِهَة الضَّارِب. قَوْله: حَتَّى يَصح رَأسه وَفِي رِوَايَة جرير: حَتَّى يلتئم، وَعند أَحْمد: عَاد رَأسه كَمَا كَانَ، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: فَيَقَع دماغه جانباً وَتَقَع الصَّخْرَة جانباً، قَوْله: ثمَّ يعود عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة جرير: يعود إِلَيْهِ. قَوْله: انْطلق انْطلق كَذَا فِي الْمَوَاضِع كلهَا بالتكرير، وَسقط فِي بعض الرِّوَايَات التّكْرَار، وَأما فِي رِوَايَة جرير، فَلَيْسَ فِيهَا: سُبْحَانَ الله، فِيهَا: انْطلق، مرّة وَاحِدَة. قَوْله: بكلوب بِفَتْح الْكَاف وَضم اللَّام الْمُشَدّدَة، وَجَاء الضَّم فِي الْكَاف، وَيُقَال: الْكلاب وَالْجمع كلاليب وَهُوَ المنشال من حَدِيد ينشل بهَا اللَّحْم من الْقدر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ كالسكين وَنَحْوهَا. قَوْله: فيشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ أَي: يقطعهُ، والشدق جَانب الْفَم، وَقَالَ صَاحب الْعين شرشره قطع شرشره وشق أَيْضا. قَوْله: أَبُو رَجَاء هُوَ رَاوِي الحَدِيث، أَرَادَ: أَن أَبَا رَجَاء قَالَ: يشق شدقه. قَوْله: مثل التَّنور وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر: مثل بِنَاء التَّنور، وَزَاد جرير: أَعْلَاهُ ضيق وأسفله وَاسع. قَوْله: لغط أَي: جلبة وصيحة لَا يفهم مَعْنَاهَا. قَوْله: لَهب هُوَ لِسَان النَّار، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ شدَّة الوقيد والاشتعال. قَوْله: حسبت أَنه كَانَ يَقُول: أَحْمَر مثل الدَّم وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: على نهر من دم، وَلم يقل: حسبت. قَوْله: يسبح أَي: يعوم. قَوْله: ضوضؤوا أَي: ضجوا وصاحوا. قَالَ الْكرْمَانِي: ضوضؤوا بِفَتْح المعجمتين وَسُكُون الواوين بِلَفْظ الْمَاضِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ غير مَهْمُوز أَصله: ضوضوا استثقلت الضمة على الْوَاو فحذفت فَاجْتمع ساكنان فحذفت الْوَاو الأولى لِاجْتِمَاع الساكنين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ضوضوا، وَضبط بِالْهَمْزَةِ أَي: ضجوا واستغلوا، والضوضأة: أصوات
النَّاس وغلبتهم وَهُوَ مصدر. قَوْله: يفغر لَهُ فَاه أَي: يَفْتَحهُ، يُقَال: فغر فَاه وفغر فوه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى، ومادته: فَاء وغين مُعْجمَة وَرَاء. قَوْله: فيلقمه بِضَم الْيَاء من الإلقام. قَوْله: كلما رَجَعَ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فغر لَهُ فَاه، أَي: فتح. قَوْله: كريه الْمرْآة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وهمزة ممدودة بعْدهَا هَاء تَأْنِيث أَي: كريه المنظر، وَأَصلهَا المراية تحركت الْيَاء وَانْفَتح ماقبلها فقلبت ألفا، ووزنها: مفعلة بِفَتْح الْمِيم، والمرآة بِكَسْر الْمِيم الْآلَة الَّتِي ينظر فِيهَا. قَوْله: يحشها بِفَتْح الْيَاء وَضم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يحركها لتتقد، يُقَال: حشيت النَّار أحشها حَشا، إِذا أوقدتها وجمعت الْحَطب إِلَيْهَا، وَحكى فِي الْمطَالع بِضَم أَوله من الإحشاش، وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: يحششها، بِسُكُون الْحَاء وَضم الشين الْمُعْجَمَة المكررة، وَيسْعَى حولهَا أَي: حول النَّار. قَوْله: معتمة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم بعْدهَا هَاء تَأْنِيث، ويروى بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم: من أعتم النبت إِذا كثر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أعتمت الرَّوْضَة غطاها الخصب، وَأورد ابْن بطال: مغنة، فَقَط بالغين الْمُعْجَمَة وَالنُّون، ثمَّ قَالَ ابْن دُرَيْد: وأدغن ومغن إِذا كثر شَجَره، وَلَا يعرف الْأَصْمَعِي الأغن وَحده، وَقَالَ صَاحب الْعين رَوْضَة غناء كَثِيرَة العشب والذباب: وقرية غناء كَثِيرَة الْأَهْل. قَوْله: من كل نور الرّبيع بِفَتْح النُّون وَهُوَ نور الشّجر أَي: زهره، ونورت الشَّجَرَة أخرجت نورها. وَقَوله: نور الرّبيع رِوَايَة الْكشميهني: وَفِي رِوَايَة غَيره: من كل لون الرّبيع، بِالْوَاو وَالنُّون. قَوْله: بَين ظَهْري الرَّوْضَة تَثْنِيَة ظهر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: بَين ظهراني الرَّوْضَة، مَعْنَاهُمَا وَسطهَا. قَوْله: طولا نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: وَإِذا حول الرجل من أَكثر ولدان رَأَيْتهمْ قطّ قَالَ الطَّيِّبِيّ شيخ شَيْخي: أصل هَذَا الْكَلَام، وَإِذا حول الرجل ولدان مَا رَأَيْت ولداناً قطّ أَكثر مِنْهُم، وَنَظِيره قَوْله بعد ذَلِك: لم أر رَوْضَة قطّ أعظم مِنْهَا، وَلما كَانَ هَذَا التَّرْكِيب متضمناً معنى النَّفْي جَازَت زِيَادَة: من وقط، الَّتِي تخْتَص بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ ابْن مَالك: جَاءَ اسْتِعْمَال قطّ فِي الْمُثبت فِي هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ جَائِز، وغفل أَكْثَرهم عَن ذَلِك فخصوه بالماضي الْمَنْفِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنه اكْتفي بالمنفي الَّذِي لزم من التَّرْكِيب إِذْ مَعْنَاهُ: مَا رَأَيْته أَكثر من ذَلِك، أَو يُقَال: إِن النَّفْي مُقَدّر. قَوْله: إِلَى رَوْضَة وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَأبي عوَانَة والإسماعيلي: إِلَى دَرَجَة، وَهِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة. قَوْله: ارقه أَمر من رقى يرقى، وَالْهَاء فِيهِ للسكت. قَوْله: إِلَى مَدِينَة من مدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ على وزن فعيلة وَيجمع على مَدَائِن بِالْهَمْزَةِ، وَقيل: هِيَ مفعلة من دنت أَي: ملكت، فعلى هَذَا لَا يهمز جمعهَا فَإِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول قلت: مدنِي وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني، وَإِلَى مَدِينَة كسْرَى قلت: مدايني. قَوْله: بِلَبن ذهب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء جمع لبنة وَهِي من الطين النيء. قَوْله: شطر أَي: نصف من خلقهمْ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا قَاف أَي: هيئتهم. قَوْله: شطر مُبْتَدأ وَقَوله: كأحسن خَبره، وَالْكَاف زَائِدَة وَالْجُمْلَة صفة رجال. قَوْله: فقعوا بِفَتْح الْقَاف وَضم الْعين أَمر للْجَمَاعَة بالوقوع أَصله: أوقعوا، لِأَنَّهُ من وَقع يَقع حذفت الْوَاو تبعا لحذفها فِي الْمُضَارع، واستغني عَن الْهمزَة فَبَقيَ: قعوا، على وزن: علوا، فَافْهَم. قَوْله: معترض أَي: يجْرِي عرضا. قَوْله: الْمَحْض بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة هُوَ اللَّبن الْخَالِص من المَاء حلواً كَانَ أَو حامضاً، وَقد بَين جِهَة التَّشْبِيه بقوله: فِي الْبيَاض هَكَذَا رِوَايَة النَّسَفِيّ، والإسماعيلي: فِي الْبيَاض، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: من الْبيَاض، قَوْله: فَذهب ذَلِك السوء عَنْهُم أَي: صَار الشّطْر الْقَبِيح كالشطر الْحسن، فَلذَلِك قَالَ: فصاروا فِي أحسن صُورَة. قَوْله: جنَّة عدن أَي: إِقَامَة وَأَشَارَ بقوله هَذِه إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: فسما بَصرِي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَي: نظر إِلَى فَوق. قَوْله: صعداً بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: ارْتَفع كثيرا، قَالَ الْكرْمَانِي صعداً بِمَعْنى صاعداً، وَقيل: صعداً، بِضَم الصَّاد وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد، وَمِنْه: تنفس الصعداء، أَي: تنفس تنفساً ممدوداً، وَكَذَا ضَبطه ابْن التِّين. قَوْله: فَإِذا قصر كلمة: إِذْ، للمفاجاة. قَوْله: مثل الربابة بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الباءين الموحدتين وَهِي السحابة الْبَيْضَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: السحابة الَّتِي ركب بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَالَ صَاحب الْعين الربَاب السَّحَاب وَاحِدهَا ربابة، وَيُقَال: إِنَّه السَّحَاب الَّذِي ترَاهُ كَأَنَّهُ دون السَّحَاب قد يكون أَبيض وَقد يكون أسود: وَقَالَ الدَّاودِيّ: الربابة السحابة الْبَعِيدَة فِي السَّمَاء. قَوْله: ذراني أَي: دَعَاني واتركاني، وَهُوَ بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة