الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٩٣
الحديث رقم ٧٣٩٣ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ؛ وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْعَقْدِ أَعْلَى مِنْ ذِكْرِ الْكُسُورِ، وَأَوَّلُ الْعُقُودِ الْعَشَرَاتُ، وَثَانِيهَا الْمِائَةُ، فَلَمَّا قَارَبَتِ الْعِدَّةَ أُعْطِيَتْ حُكْمَهَا، وَجَبَرَ الْكَسْرَ بِقَوْلِهِ: مِائَةَ ثُمَّ أَرَيدَ التَّحَقُّقَ فِي الْعَدَدِ فَاسْتَثْنَى، وَلَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ لَكَانَ اسْتِعْمَالًا غَرِيبًا سَائِغًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الْجَلَالِ: الْعَظَمَةِ). فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: الْعَظِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفِيهِ تَفْسِيرُ الْجَلَالِ بِالْعَظَمَةِ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ تَفْسِيرُ ذُو الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (الْبَرِّ: اللَّطِيفِ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَبَيَانُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ.
قَوْلُهُ: اسْمًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ تَسْمِيَةً، وَحِينَئِذٍ لَا مَفْهُومَ لِهَذَا الْعَدَدِ بَلْ لَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَعْنَى الْإِحْصَاءِ، وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ. قَالَ الْأَصِيلِيُّ: الْإِحْصَاءُ لِلْأَسْمَاءِ الْعَمَلُ بِهَا لَا عَدَّهَا وَحِفْظَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ لِلْكَافِرِ الْمُنَافِقِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْإِحْصَاءُ يَقَعُ بِالْقَوْلِ وَيَقَعُ بِالْعَمَلِ، فَالَّذِي بِالْعَمَلِ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً يَخْتَصُّ بِهَا كَالْأَحَدِ وَالْمُتَعَالِ وَالْقَدِيرِ، وَنَحْوِهَا، فَيَجِبُ الْإِقْرَارُ بِهَا وَالْخُضُوعُ عِنْدَهَا، وَلَهُ أَسْمَاءٌ يُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا فِي مَعَانِيهَا: كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيمِ وَالْعَفُوِّ وَنَحْوِهَا، فَيُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَحَلَّى بِمَعَانِيهَا لِيُؤَدِّيَ حَقَّ الْعَمَلِ بِهَا، فَبِهَذَا يَحْصُلُ الْإِحْصَاءُ الْعَمَلِيُّ، وَأَمَّا الْإِحْصَاءُ الْقَوْلِيُّ فَيَحْصُلُ بِجَمْعِهَا وَحِفْظِهَا وَالسُّؤَالِ بِهَا وَلَوْ شَارَكَ الْمُؤْمِنَ غَيْرُهُ فِي الْعَدِّ وَالْحِفْظِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَمْتَازُ عَنْهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي: كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: ذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَادَّعَوْا أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا وُجُودَ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَهَا ثُمَّ تَسَمَّى بِهَا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَقَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ الْمَعْبُودُ، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى اسْمِهِ بِمَا دَلَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يُسَبِّحَ مَخْلُوقًا، وَنُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنِ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّ جَهْمًا قَالَ: لَوْ قُلْتُ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا لَعَبَدْتَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَهًا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ بِأَسْمَائِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وَالْأَسْمَاءُ جَمْعُ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ.
١٣ - بَاب السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا
٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. تَابَعَهُ يَحْيَى وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. وَزَادَ زُهَيْرٌ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. تابعه محمد بن عبد الرحمن والدراوردي، وأسامة بن حفص.
٧٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ بالجمع (مَالِكٌ) الإمام ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان (المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة نسبةً إلى مقبرة المدينة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشَهُ) لينام عليه (فَلْيَنْفُضْهُ) -بضمِّ الفاء- قبل أن يدخل فيه (١) (بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ) بباء الجرِّ بعدها صادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فنونٌ مكسورةٌ ففاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: بطرف ثوبه أو حاشيته أو طُرَّته، وهو جانبه الذي لا هدب له (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) حذرًا من وجود مؤذيةٍ كعقربٍ أو حيَّةٍ وهو لا يشعر، ويده مستورةٌ بحاشية الثَّوب؛ لئلَّا يحصل بها مكروهٌ إن كان ثَمَّ شيءٍ (وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ) الباء للاستعانة، أي: بك أستعين على وضع جنبي ورفعه (إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي) توفَّيتها (فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا) (٢) رددتها (فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ) ذكر المغفرة عند الإمساك لأنَّ المغفرة تناسب الميِّت، والحفظ عند الإرسال لمناسبته له، والباء في «بما تحفظ» كهي في (٣) كتبت بالقلم، و «ما» موصولةٌ مبهمةٌ، وبيانها ما دلَّ عليه صلتها؛ لأنَّه تعالى إنَّما يحفظ عباده الصَّالحين من المعاصي، وألَّا يَهِنُوا في طاعته بتوفيقه ولطفه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد العزيز الأويسيَّ في روايته عن مالكٍ (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان، فيما رواه
النَّسائيُّ (وَبِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بالضَّاد المعجمة المشدَّدة، فيما رواه مسدَّدٌ كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عمر العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(وَزَادَ زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية، فيما سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٠] (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بالضَّاد المعجمة المفتوحة بعدها ميمٌ ساكنةٌ، أنس بن عياضٍ، فيما رواه مسلمٌ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) فيما رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد كيسان المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) والمراد بالزِّيادة لفظة «عن أبيه» (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم محمَّدٌ الفقيه المدنيُّ، فيما رواه أحمد (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن عجلان (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الطُّفاويُّ البصريُّ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمَّدٍ، فيما رواه محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدنيُّ عنه (وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ) والمراد بهذه التَّعاليق بيان الاختلاف على سعيدٍ المقبُريِّ، هل روى الحديث عن أبي هريرة بلا واسطةٍ أو بواسطة أبيه؟ ومتابعة محمَّد بن عبد الرَّحمن هذه سقطت لأبي ذرٍّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «باسمك ربِّي وضعتُ جنبي وبك أرفعه» قال ابن بطَّالٍ: مقصود البخاريِّ بهذه التَّرجمة تصحيح الدَّليل بأنَّ الاسم هو المسمَّى ولذلك صحَّت الاستعاذة به والاستعانة، يظهر ذلك في قوله: «باسمك ربِّي وضعت جنبي وبك أرفعه» فأضاف الوضع إلى الاسم، والرَّفع إلى الذَّات، فدلَّ على أنَّ الاسم هو الذَّات، وقد استعان وضعًا ورفعًا بها لا باللَّفظ. انتهى. قال في «شرح المقاصد»: المتأخِّرون اقتصروا على ما اختلفوا فيه من مغايرة الاسم المسمَّى (١)، ثمَّ (٢) قال: والاسم هو اللَّفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعمُّ أنواع الكلمة، وقد يُقيَّد بالاستقلال والتجرُّد عن الزَّمان، فيقابل الفعل والحرف على ما هو مصطلح النُّحاة، والمسمَّى هو المعنى الذي وُضِع الاسم بإزائه، والتَّسمية هي وضع
الاسم للمعنى، وقد يُراد بها ذكر الشَّيء باسمه، كما يقال: سمَّى زيدًا ولم يسمِّ عمرًا، فلا خفاء في تغاير الأمور الثَّلاثة، وإنَّما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أنَّ الاسم نفس المسمَّى، وفيما ذكره الشَّيخ الأشعريُّ من أنَّ أسماء الله تعالى ثلاثة أقسامٍ: ما هو نفس المسمَّى، مثل: الله الدَّال على الوجود، أي: الذَّات الكريمة، وما هو غيره، كالخالق والرَّازق ونحو ذلك ممَّا يدل على فعلٍ، وما لا يقال: إنَّه هو، ولا غيره، كالعالم والقادر وكلِّ ما يدلُّ على الصِّفات القديمة، وأمَّا التَّسمية فغير الاسم والمسمَّى، وتوضيحه أنَّهم يريدون بالتَّسمية اللَّفظ، وبالاسم مدلوله؛ كما يريدون بالوصف قول الواصف، وبالصِّفة: مدلوله، وكما يقولون: إنَّ القراءة حادثةٌ والمقروء قديمٌ، فالأصحاب (١) اعتبروا المدلول المطابقيَّ، فأطلقوا القول بأنَّ الاسم نفس المسمَّى؛ للقطع بأنَّ مدلول «الخالق» شيءٌ ناله (٢) الخلق لا نفس الخلق، ومدلول «العالم» شيءٌ ناله العلم لا نفس العلم، والشَّيخ أخذ المدلول أعمَّ، واعتبر في أسماء الصِّفات المعانيَ المقصودة، فزعم أنَّ مدلول «الخالق» الخلق، وهو غير الذَّات، ومدلول «العالم» العلم، وهو لا عينٌ ولا غيرٌ، وتمسَّكوا في ذلك بالعقل والنَّقل، أمَّا العقل فلأنَّه لو كانت الأسماء غير الذَّات لكانت حادثةً، فلم يكن البارئ تعالى في الأزل إلهًا وعالِمًا وقادرًا ونحو ذلك، وهو مُحالٌ، بخلاف الخالقيَّة، فإنَّه يلزم من قدمها قدم المخلوق (٣) إذا أُرِيد الخالق بالفعل كالقاطع في قولنا: السَّيف قاطعٌ عند الوقوع، بخلاف قولنا: السَّيف قاطعٌ في الغمد، بمعنى: أنَّ مِنْ شأنه ذلك، فإنَّ الخالق حينئذٍ معناه: له (٤) الاقتدار على ذلك، وأمَّا النَّقل فلقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (٥)﴾ [الأعلى: ١] والتَّسبيح إنَّما يكون للذَّات دون اللَّفظ، وقولِه تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] وعبادتهم إنَّما هي للأصنام التي هي المسمَّيات دون الأسامي، وأمَّا التَّمسُّك بأنَّ الاسم لو كان غير المسمَّى لَمَا كان قولنا: «محمَّدٌ رسول الله» حكمًا بثبوت الرِّسالة له ﷺ بل لغيره؛ فشبهةٌ واهيةٌ، فإنَّ الاسم
وإن لم يكن نفس المسمَّى لكنَّه دالٌّ عليه، ووضع الكلام على أن تُذكَر الألفاظ وتَرجِع الأحكام إلى المدلولات؛ كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، أي: مدلول زيدٍ متَّصفٌ بمعنى الكتابة، وقد ترجع بمعونة القرينة إلى نفس اللَّفظ كما في قولنا: زيدٌ مكتوبٌ وثلاثيٌّ ومعرَبٌ ونحو ذلك، وأُجيب عن الأوَّل: بأنَّ الثَّابت في الأزل معنى الإلهيَّة والعلم، ولا يلزم من انتفاء الاسم بمعنى اللَّفظ انتفاء ذلك المعنى، وعن الثَّاني: بأنَّ معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يُسمَّى به الغير، أو عن أن يفسَّر بما لا يليق به (١)، أو عن أن يُذكَر على غير وجه التَّعظيم، أو هو كنايةٌ عن تسبيح الذَّات، كما في قولهم: سلامٌ على المجلس الشَّريف والجناب المنيف، وفيه من التَّعظيم والإجلال ما لا يخفى، أو لفظ «الاسم» مقحمٌ، كما في قول الشَّاعر:
ثمَّ اسم السَّلام عليكما
ومعنى عبادة الأسماء أنَّهم يعبدون الأصنام التي ليس فيها من الإلهيَّة إلَّا مجرَّد الاسم، كمن سمَّى نفسه بالسُّلطان وليس عنده آلات السَّلطنة وأسبابها، فيقال: إنَّه فَرِحَ من السَّلطنة بالاسم، على أن في تقرير الاستدلال اعترافًا بالمغايرة حيث يقال: التَّسبيح لذات الرَّبِّ دون اسمه، والعبادة لذوات الأصنام دون أساميها (٢)، بل ربَّما يُدَّعَى أنَّ في الآيتين دلالةً على المغايرة حيث أُضِيف الاسم إلى الرَّبِّ ﷿، وجَعَلَ الأسماء بتسميتهم (٣) وفعلهم، مع القطع بأنَّ أشخاص الأصنام ليست كذلك، ثمَّ عورِض الوجهان بوجهين: الأوَّل: أنَّ الاسم لفظٌ، وهو عَرَضٌ غير باقٍ ولا (٤) قائمٍ بنفسه، متَّصفٌ بأنَّه متركِّبٌ من الحروف، وبأنَّه أعجميٌّ أو عربيٌّ، ثلاثيٌّ أو رباعيٌّ، والمسمَّى معنًى لا يتَّصف بذلك، فربَّما يكون جسمًا قائمًا بنفسه، متَّصفًا بالألوان، متمكِّنًا في المكان … إلى غير ذلك من الخواصِّ، فكيف يتَّحدان؟ الثَّاني: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله ﵊: «إن لله تسعةً وتسعينً اسمًا» مع القطع بأنَّ المسمَّى واحدٌ لا تعدُّد فيه، وأُجيب: بأنَّ النِّزاع ليس في نفس اللَّفظ بل
مدلوله (١)، ونحن إنَّما نعبِّر عن اللَّفظ بالتَّسمية وإن كانت في اللُّغة فعل الواضع أو الذَّاكر (٢)، ثمَّ لا نُنكِر إطلاق الاسم على التَّسمية كما في الآية والحديث، على أنَّ الحقَّ أنَّ المسمَّيات أيضًا كثيرةٌ؛ للقطع بأنَّ مفهوم «العالِم» غير مفهوم «القادِر» وكذا البواقي، وإنَّما الواحد هو الذَّات المتَّصف (٣) بالمسمَّيات، فإن قيل: تمسُّك الفريقين بالآيات والحديث ممَّا لا يكاد يصحُّ؛ لأنَّ النِّزاع ليس في «ا س م» بل في أفراد مدلوله، من مثل: السَّماء والأرض، والعالم والقادر، والاسم والفعل، وغير ذلك على ما يشهد به كلامهم، ألا ترى أنَّه لو أُريد الأوَّل لَما كان للقول بتعدُّد (٤) أسماء الله تعالى وانقسامها -إلى ما هو عينٌ أو غيرٌ، أو لا عينٌ ولا غيرٌ- معنًى، وبهذا يسقط ما ذكره الإمام الرازيُّ من أنَّ لفظ «الاسم» مسمَّى بالاسم (٥) لا الفعل أو الحرف، فههنا الاسم والمسمَّى واحدٌ، ولا يحتاج إلى الجواب؛ لأنَّ لفظ «الاسم» من حيث إنَّه دالٌّ وموضوعٌ، والمسمَّى (٦) من حيث إنَّه مدلولٌ وموضوعٌ له، بل فردٌ من أفراد الموضوع له فتغايرا، قلنا: نعم إلَّا أنَّ وجه تمسُّك الأوَّلين أنَّ في مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (٧)﴾ أُريد بلفظ: «الاسم» الذي هو من جملة الأسماء مسمَّاه الذي هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، ثُم أريد به مسمَّاه الذي هو الذَّات، إلَّا أنه يَرِدُ إشكال الإضافة، ووجه تمسُّك الآخرين أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ أُريد بلفظ ﴿الأَسْمَاء﴾ مثل لفظ: الرَّحمن والرَّحيم، والعليم والقدير، وغير ذلك ممَّا هو غير لفظ «أسماء» ثم إنَّها متعدِّدةٌ، فتكون غير المسمَّى الذي هو ذات الواحد الحقيقيِّ الذي لا تعدُّد فيه أصلًا، فإن قيل: قد ظهر أن ليس الخلاف في لفظ «الاسم» وأنَّه في اللُّغة موضوعٌ للفظ الشَّيء أو لمعناه، بل في الأسماء التي من جملتها لفظ الاسم، ولا خلاف في أنَّها أصواتٌ وحروفٌ مغايرة لمدلولاتها ومفهوماتها، وإن أريد بالاسم المدلول فلا خفاء في أنَّ مدلولَ (٨)
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ؛ وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْعَقْدِ أَعْلَى مِنْ ذِكْرِ الْكُسُورِ، وَأَوَّلُ الْعُقُودِ الْعَشَرَاتُ، وَثَانِيهَا الْمِائَةُ، فَلَمَّا قَارَبَتِ الْعِدَّةَ أُعْطِيَتْ حُكْمَهَا، وَجَبَرَ الْكَسْرَ بِقَوْلِهِ: مِائَةَ ثُمَّ أَرَيدَ التَّحَقُّقَ فِي الْعَدَدِ فَاسْتَثْنَى، وَلَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ لَكَانَ اسْتِعْمَالًا غَرِيبًا سَائِغًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُو الْجَلَالِ: الْعَظَمَةِ). فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: الْعَظِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفِيهِ تَفْسِيرُ الْجَلَالِ بِالْعَظَمَةِ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ تَفْسِيرُ ذُو الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (الْبَرِّ: اللَّطِيفِ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَبَيَانُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الطُّورِ.
قَوْلُهُ: اسْمًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ تَسْمِيَةً، وَحِينَئِذٍ لَا مَفْهُومَ لِهَذَا الْعَدَدِ بَلْ لَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَعْنَى الْإِحْصَاءِ، وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ. قَالَ الْأَصِيلِيُّ: الْإِحْصَاءُ لِلْأَسْمَاءِ الْعَمَلُ بِهَا لَا عَدَّهَا وَحِفْظَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ لِلْكَافِرِ الْمُنَافِقِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْإِحْصَاءُ يَقَعُ بِالْقَوْلِ وَيَقَعُ بِالْعَمَلِ، فَالَّذِي بِالْعَمَلِ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً يَخْتَصُّ بِهَا كَالْأَحَدِ وَالْمُتَعَالِ وَالْقَدِيرِ، وَنَحْوِهَا، فَيَجِبُ الْإِقْرَارُ بِهَا وَالْخُضُوعُ عِنْدَهَا، وَلَهُ أَسْمَاءٌ يُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا فِي مَعَانِيهَا: كَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيمِ وَالْعَفُوِّ وَنَحْوِهَا، فَيُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَحَلَّى بِمَعَانِيهَا لِيُؤَدِّيَ حَقَّ الْعَمَلِ بِهَا، فَبِهَذَا يَحْصُلُ الْإِحْصَاءُ الْعَمَلِيُّ، وَأَمَّا الْإِحْصَاءُ الْقَوْلِيُّ فَيَحْصُلُ بِجَمْعِهَا وَحِفْظِهَا وَالسُّؤَالِ بِهَا وَلَوْ شَارَكَ الْمُؤْمِنَ غَيْرُهُ فِي الْعَدِّ وَالْحِفْظِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَمْتَازُ عَنْهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي: كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: ذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَادَّعَوْا أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا وُجُودَ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَهَا ثُمَّ تَسَمَّى بِهَا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَقَالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ الْمَعْبُودُ، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى اسْمِهِ بِمَا دَلَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يُسَبِّحَ مَخْلُوقًا، وَنُقِلَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنِ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّ جَهْمًا قَالَ: لَوْ قُلْتُ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا لَعَبَدْتَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَهًا، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ بِأَسْمَائِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وَالْأَسْمَاءُ جَمْعُ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَلَا فَرْقَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ.
١٣ - بَاب السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا
٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. تَابَعَهُ يَحْيَى وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. وَزَادَ زُهَيْرٌ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. تابعه محمد بن عبد الرحمن والدراوردي، وأسامة بن حفص.
٧٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ بالجمع (مَالِكٌ) الإمام ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان (المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة نسبةً إلى مقبرة المدينة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشَهُ) لينام عليه (فَلْيَنْفُضْهُ) -بضمِّ الفاء- قبل أن يدخل فيه (١) (بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ) بباء الجرِّ بعدها صادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فنونٌ مكسورةٌ ففاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: بطرف ثوبه أو حاشيته أو طُرَّته، وهو جانبه الذي لا هدب له (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) حذرًا من وجود مؤذيةٍ كعقربٍ أو حيَّةٍ وهو لا يشعر، ويده مستورةٌ بحاشية الثَّوب؛ لئلَّا يحصل بها مكروهٌ إن كان ثَمَّ شيءٍ (وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ) الباء للاستعانة، أي: بك أستعين على وضع جنبي ورفعه (إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي) توفَّيتها (فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا) (٢) رددتها (فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ) ذكر المغفرة عند الإمساك لأنَّ المغفرة تناسب الميِّت، والحفظ عند الإرسال لمناسبته له، والباء في «بما تحفظ» كهي في (٣) كتبت بالقلم، و «ما» موصولةٌ مبهمةٌ، وبيانها ما دلَّ عليه صلتها؛ لأنَّه تعالى إنَّما يحفظ عباده الصَّالحين من المعاصي، وألَّا يَهِنُوا في طاعته بتوفيقه ولطفه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد العزيز الأويسيَّ في روايته عن مالكٍ (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان، فيما رواه
النَّسائيُّ (وَبِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بالضَّاد المعجمة المشدَّدة، فيما رواه مسدَّدٌ كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عمر العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(وَزَادَ زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية، فيما سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٠] (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بالضَّاد المعجمة المفتوحة بعدها ميمٌ ساكنةٌ، أنس بن عياضٍ، فيما رواه مسلمٌ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) فيما رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد كيسان المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) والمراد بالزِّيادة لفظة «عن أبيه» (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم محمَّدٌ الفقيه المدنيُّ، فيما رواه أحمد (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن عجلان (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الطُّفاويُّ البصريُّ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمَّدٍ، فيما رواه محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدنيُّ عنه (وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ) والمراد بهذه التَّعاليق بيان الاختلاف على سعيدٍ المقبُريِّ، هل روى الحديث عن أبي هريرة بلا واسطةٍ أو بواسطة أبيه؟ ومتابعة محمَّد بن عبد الرَّحمن هذه سقطت لأبي ذرٍّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «باسمك ربِّي وضعتُ جنبي وبك أرفعه» قال ابن بطَّالٍ: مقصود البخاريِّ بهذه التَّرجمة تصحيح الدَّليل بأنَّ الاسم هو المسمَّى ولذلك صحَّت الاستعاذة به والاستعانة، يظهر ذلك في قوله: «باسمك ربِّي وضعت جنبي وبك أرفعه» فأضاف الوضع إلى الاسم، والرَّفع إلى الذَّات، فدلَّ على أنَّ الاسم هو الذَّات، وقد استعان وضعًا ورفعًا بها لا باللَّفظ. انتهى. قال في «شرح المقاصد»: المتأخِّرون اقتصروا على ما اختلفوا فيه من مغايرة الاسم المسمَّى (١)، ثمَّ (٢) قال: والاسم هو اللَّفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعمُّ أنواع الكلمة، وقد يُقيَّد بالاستقلال والتجرُّد عن الزَّمان، فيقابل الفعل والحرف على ما هو مصطلح النُّحاة، والمسمَّى هو المعنى الذي وُضِع الاسم بإزائه، والتَّسمية هي وضع
الاسم للمعنى، وقد يُراد بها ذكر الشَّيء باسمه، كما يقال: سمَّى زيدًا ولم يسمِّ عمرًا، فلا خفاء في تغاير الأمور الثَّلاثة، وإنَّما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أنَّ الاسم نفس المسمَّى، وفيما ذكره الشَّيخ الأشعريُّ من أنَّ أسماء الله تعالى ثلاثة أقسامٍ: ما هو نفس المسمَّى، مثل: الله الدَّال على الوجود، أي: الذَّات الكريمة، وما هو غيره، كالخالق والرَّازق ونحو ذلك ممَّا يدل على فعلٍ، وما لا يقال: إنَّه هو، ولا غيره، كالعالم والقادر وكلِّ ما يدلُّ على الصِّفات القديمة، وأمَّا التَّسمية فغير الاسم والمسمَّى، وتوضيحه أنَّهم يريدون بالتَّسمية اللَّفظ، وبالاسم مدلوله؛ كما يريدون بالوصف قول الواصف، وبالصِّفة: مدلوله، وكما يقولون: إنَّ القراءة حادثةٌ والمقروء قديمٌ، فالأصحاب (١) اعتبروا المدلول المطابقيَّ، فأطلقوا القول بأنَّ الاسم نفس المسمَّى؛ للقطع بأنَّ مدلول «الخالق» شيءٌ ناله (٢) الخلق لا نفس الخلق، ومدلول «العالم» شيءٌ ناله العلم لا نفس العلم، والشَّيخ أخذ المدلول أعمَّ، واعتبر في أسماء الصِّفات المعانيَ المقصودة، فزعم أنَّ مدلول «الخالق» الخلق، وهو غير الذَّات، ومدلول «العالم» العلم، وهو لا عينٌ ولا غيرٌ، وتمسَّكوا في ذلك بالعقل والنَّقل، أمَّا العقل فلأنَّه لو كانت الأسماء غير الذَّات لكانت حادثةً، فلم يكن البارئ تعالى في الأزل إلهًا وعالِمًا وقادرًا ونحو ذلك، وهو مُحالٌ، بخلاف الخالقيَّة، فإنَّه يلزم من قدمها قدم المخلوق (٣) إذا أُرِيد الخالق بالفعل كالقاطع في قولنا: السَّيف قاطعٌ عند الوقوع، بخلاف قولنا: السَّيف قاطعٌ في الغمد، بمعنى: أنَّ مِنْ شأنه ذلك، فإنَّ الخالق حينئذٍ معناه: له (٤) الاقتدار على ذلك، وأمَّا النَّقل فلقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (٥)﴾ [الأعلى: ١] والتَّسبيح إنَّما يكون للذَّات دون اللَّفظ، وقولِه تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] وعبادتهم إنَّما هي للأصنام التي هي المسمَّيات دون الأسامي، وأمَّا التَّمسُّك بأنَّ الاسم لو كان غير المسمَّى لَمَا كان قولنا: «محمَّدٌ رسول الله» حكمًا بثبوت الرِّسالة له ﷺ بل لغيره؛ فشبهةٌ واهيةٌ، فإنَّ الاسم
وإن لم يكن نفس المسمَّى لكنَّه دالٌّ عليه، ووضع الكلام على أن تُذكَر الألفاظ وتَرجِع الأحكام إلى المدلولات؛ كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، أي: مدلول زيدٍ متَّصفٌ بمعنى الكتابة، وقد ترجع بمعونة القرينة إلى نفس اللَّفظ كما في قولنا: زيدٌ مكتوبٌ وثلاثيٌّ ومعرَبٌ ونحو ذلك، وأُجيب عن الأوَّل: بأنَّ الثَّابت في الأزل معنى الإلهيَّة والعلم، ولا يلزم من انتفاء الاسم بمعنى اللَّفظ انتفاء ذلك المعنى، وعن الثَّاني: بأنَّ معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يُسمَّى به الغير، أو عن أن يفسَّر بما لا يليق به (١)، أو عن أن يُذكَر على غير وجه التَّعظيم، أو هو كنايةٌ عن تسبيح الذَّات، كما في قولهم: سلامٌ على المجلس الشَّريف والجناب المنيف، وفيه من التَّعظيم والإجلال ما لا يخفى، أو لفظ «الاسم» مقحمٌ، كما في قول الشَّاعر:
ثمَّ اسم السَّلام عليكما
ومعنى عبادة الأسماء أنَّهم يعبدون الأصنام التي ليس فيها من الإلهيَّة إلَّا مجرَّد الاسم، كمن سمَّى نفسه بالسُّلطان وليس عنده آلات السَّلطنة وأسبابها، فيقال: إنَّه فَرِحَ من السَّلطنة بالاسم، على أن في تقرير الاستدلال اعترافًا بالمغايرة حيث يقال: التَّسبيح لذات الرَّبِّ دون اسمه، والعبادة لذوات الأصنام دون أساميها (٢)، بل ربَّما يُدَّعَى أنَّ في الآيتين دلالةً على المغايرة حيث أُضِيف الاسم إلى الرَّبِّ ﷿، وجَعَلَ الأسماء بتسميتهم (٣) وفعلهم، مع القطع بأنَّ أشخاص الأصنام ليست كذلك، ثمَّ عورِض الوجهان بوجهين: الأوَّل: أنَّ الاسم لفظٌ، وهو عَرَضٌ غير باقٍ ولا (٤) قائمٍ بنفسه، متَّصفٌ بأنَّه متركِّبٌ من الحروف، وبأنَّه أعجميٌّ أو عربيٌّ، ثلاثيٌّ أو رباعيٌّ، والمسمَّى معنًى لا يتَّصف بذلك، فربَّما يكون جسمًا قائمًا بنفسه، متَّصفًا بالألوان، متمكِّنًا في المكان … إلى غير ذلك من الخواصِّ، فكيف يتَّحدان؟ الثَّاني: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله ﵊: «إن لله تسعةً وتسعينً اسمًا» مع القطع بأنَّ المسمَّى واحدٌ لا تعدُّد فيه، وأُجيب: بأنَّ النِّزاع ليس في نفس اللَّفظ بل
مدلوله (١)، ونحن إنَّما نعبِّر عن اللَّفظ بالتَّسمية وإن كانت في اللُّغة فعل الواضع أو الذَّاكر (٢)، ثمَّ لا نُنكِر إطلاق الاسم على التَّسمية كما في الآية والحديث، على أنَّ الحقَّ أنَّ المسمَّيات أيضًا كثيرةٌ؛ للقطع بأنَّ مفهوم «العالِم» غير مفهوم «القادِر» وكذا البواقي، وإنَّما الواحد هو الذَّات المتَّصف (٣) بالمسمَّيات، فإن قيل: تمسُّك الفريقين بالآيات والحديث ممَّا لا يكاد يصحُّ؛ لأنَّ النِّزاع ليس في «ا س م» بل في أفراد مدلوله، من مثل: السَّماء والأرض، والعالم والقادر، والاسم والفعل، وغير ذلك على ما يشهد به كلامهم، ألا ترى أنَّه لو أُريد الأوَّل لَما كان للقول بتعدُّد (٤) أسماء الله تعالى وانقسامها -إلى ما هو عينٌ أو غيرٌ، أو لا عينٌ ولا غيرٌ- معنًى، وبهذا يسقط ما ذكره الإمام الرازيُّ من أنَّ لفظ «الاسم» مسمَّى بالاسم (٥) لا الفعل أو الحرف، فههنا الاسم والمسمَّى واحدٌ، ولا يحتاج إلى الجواب؛ لأنَّ لفظ «الاسم» من حيث إنَّه دالٌّ وموضوعٌ، والمسمَّى (٦) من حيث إنَّه مدلولٌ وموضوعٌ له، بل فردٌ من أفراد الموضوع له فتغايرا، قلنا: نعم إلَّا أنَّ وجه تمسُّك الأوَّلين أنَّ في مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (٧)﴾ أُريد بلفظ: «الاسم» الذي هو من جملة الأسماء مسمَّاه الذي هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، ثُم أريد به مسمَّاه الذي هو الذَّات، إلَّا أنه يَرِدُ إشكال الإضافة، ووجه تمسُّك الآخرين أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ أُريد بلفظ ﴿الأَسْمَاء﴾ مثل لفظ: الرَّحمن والرَّحيم، والعليم والقدير، وغير ذلك ممَّا هو غير لفظ «أسماء» ثم إنَّها متعدِّدةٌ، فتكون غير المسمَّى الذي هو ذات الواحد الحقيقيِّ الذي لا تعدُّد فيه أصلًا، فإن قيل: قد ظهر أن ليس الخلاف في لفظ «الاسم» وأنَّه في اللُّغة موضوعٌ للفظ الشَّيء أو لمعناه، بل في الأسماء التي من جملتها لفظ الاسم، ولا خلاف في أنَّها أصواتٌ وحروفٌ مغايرة لمدلولاتها ومفهوماتها، وإن أريد بالاسم المدلول فلا خفاء في أنَّ مدلولَ (٨)