الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٢٦
الحديث رقم ٧٥٢٦ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾.
٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فِي الدُّعَاءِ.
٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْآنِ فَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ فَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُهُ بِهَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لِلَّهِ صِفَةً ذَاتِيَّةً لِاسْتِوَاءِ عِلْمِهِ بِالْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالسِّرِّ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ وَأَنَّ اكْتِسَابَ الْعَبْدِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِلَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ثُمَّ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا أَسَرُّوهُ وَمَا
جَهَرُوا بِهِ وَأَنَّهُ خَالِقٌ لِذَلِكَ فِيهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ مَنْ خَلَقَ رَاجِعٌ إِلَى الْقَائِلِينَ قِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّمَدُّحِ مِنْهُ بِعِلْمِهِ بِمَا أَسَرَّ الْعَبْدُ وَجَهَرَ وَأَنَّهُ خَلَقَهُ فَإِنَّهُ جَعَلَ خَلْقَهُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِقَوْلِهِمْ فَيَتَعَيَّنُ رُجُوعُ قَوْلِهِ: خَلَقَ إِلَى قَوْلِهِمْ لِيَتِمَّ تَمَدُّحِهِ بِالْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلِيَكُونَ أَحَدُهُمَا دَلِيلًا عَلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَقْوَالَ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ خَلْقًا لَهُ ﷾، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ظَنَّ الشَّارِحُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّرْجَمَةِ إِثْبَاتَ الْعِلْمِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَإِلَّا لَتَقَاطَعَتِ الْمَقَاصِدُ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّرْجَمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَبَيْنَ حَدِيثِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبُخَارِيُّ الْإِشَارَةَ إِلَى النُّكْتَةِ الَّتِي سَبَبُ مِحْنَتِهِ بِمَسْأَلَةِ اللَّفْظِ فَأَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ تِلَاوَةَ الْخَلْقِ تَتَّصِفُ بِالسِّرِّ وَالْجَهْرِ وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عِدَّةِ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ وَقِرَاءَتَهُمْ وَدِرَاسَتَهُمْ وَتَعْلِيمَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا أَحْسَنُ وَأَزْيَنُ وَأَحْلَى وَأَصْوَتُ وَأَرْتَلُ وَأَلْحَنُ وَأَعْلَى وَأَخْفَضُ وَأَغَضُّ وَأَخْشَعُ وَأَجْهَرُ وَأَخْفَى وَأَقْصَرُ وَأَمَدُّ وَأَلْيَنُ مِنْ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يَتَسَارُّونَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالسِّينٌ مُهْمَلَةٌ وَفِي بَعْضِهَا بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَزِيَادَةُ وَاوٍ بِغَيْرِ تَثْقِيلٍ، أَيْ يَتَرَاجَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ سِرًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ.
وَحَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ.
وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: يَجْهَرْ بِهِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ وَقَدْ مَضَى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَفِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تفريط كما في «الإلهيَّات» لا تشبيه ولا تعطيل، وفي «أفعال العباد» لا جبر ولا قدر، بل أمرٌ بين أمرين، وفي «أمر المعاد» لا يكون وعيديًّا ولا مرجيًّا، بل بين الخوف والرَّجاء، وفي «الإمامة» لا رفض ولا خروج، وفي «الإنفاق» لا إسراف ولا تقتير، وفي «الجراحات» لا قصاص واجبًا -كما في التَّوراة- ولا عفوًا واجبًا -كما في الإنجيل- بل شرع القصاص والعفو كلاهما، وهلمَّ جرًّا.
وسبق الحديث قريبًا [خ¦٧٤٩٠] وكذا في «سورة الإسراء» من «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٢].
٧٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وكان اسمه: عبد الله القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ) هذا وجهٌ آخر في سبب نزول هذه الآية، أو هو من باب إطلاق الكلِّ على الجزء؛ إذ الدُّعاء بعض أجزاء الصَّلاة.
وسبق في «الإسراء» [خ¦٤٧٢٣].
٧٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور، وقال الحاكم: ابن نصرٍ، ورجَّح الأوَّل أبو عليٍّ الجيَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل، شيخ المؤلِّف روى عنه كثيرًا بلا واسطةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَة) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسَ مِنَّا) أي: ليس من أهل سنَّتنا (مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ) أي: يحسن صوته به كما قاله الشَّافعيُّ وأكثر العلماء، وقال سفيان بن عيينة: يستغني به عن النَّاس (وَزَادَ غَيْرُهُ) غير أبي هريرة، وفي «فضل القرآن» [خ¦٥٠٢٣]: وقال صاحبٌ له: معنى «يتغنَّى بالقرآن»: (يَجْهَرُ بِهِ) فهي جملةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «يتغنَّ بالقرآن» فلن يكون المبيِّن على خلاف البيان، فكيف يُحمَل على غير تحسين الصَّوت؟ والصَّاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن
الخطَّاب كما سبق في «فضل القرآن» [خ¦٥٠٢٣] وقال في «الفتح»: وسيأتي قريبًا من طريق محمَّد بن إبراهيم التَّيميِّ عن أبي سلمة بلفظ: «ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ حسن الصَّوت بالقرآن يجهر به» فيُستفاد منه أنَّ الغير المبهم في حديث الباب وهو الصَّاحب المبهم في رواية عُقيلٍ هو محمَّد بن إبراهيم التَّيميُّ، والحديث واحدٌ إلَّا أنَّ بعضهم رواه (١) بلفظ «ما أذن» وبعضهم بلفظ «ليس منَّا» قال ابن بطَّالٍ: مراد البخاريِّ بهذا الباب: إثبات أنَّ العلم لله تعالى صفةٌ ذاتيَّةٌ لاستواء علمه بالجهر من القول والسِّرِّ، وتعقَّبه ابن المُنيِّر فقال: ما أظنُّ أنَّه قصد بالتَّرجمة إثبات العلم، وليس كما ظنَّ، وإلَّا؛ لتقاطعت المقاصد ممَّا اشتملت عليه التَّرجمة لا سيَّما (٢) بين العلم وبين حديث «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» وإنَّما قصد البخاريُّ الإشارة إلى النُّكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللَّفظ، فأشار بالتَّرجمة إلى أنَّ تلاوات الخلق تتَّصف بالسِّرِّ والجهر، ويستلزم أن تكون مخلوقةً وأنَّها تُسمَّى تغنِّيًا، وهذا هو الحقُّ اعتقادًا لا إطلاقًا حذرًا من الإيهام وفرارًا من الابتداع؛ لمخالفة السَّلف في الإطلاق، وقد ثبت عن البخاريِّ أنَّه قال: من نقل عنِّي أنِّي قلت: «لفظي بالقرآن مخلوقٌ فقد كذب، وإنَّما قلت: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ».
(٤٥) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) في حديث الباب (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ (القُرْآنَ فَهْوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «آناء اللَّيل وآناء النَّهار» (وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) وقال البخاريُّ: (فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ قِيَامَهُ) أي: قيام الرَّجل (بِالكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ) حيث أسند القيام إليه، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ لفظ الجلالة، ولأبي ذرٍّ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾.
٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فِي الدُّعَاءِ.
٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الْقَوْلَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْآنِ فَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ فَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُهُ بِهَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لِلَّهِ صِفَةً ذَاتِيَّةً لِاسْتِوَاءِ عِلْمِهِ بِالْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ وَالسِّرِّ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ وَأَنَّ اكْتِسَابَ الْعَبْدِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِلَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ثُمَّ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا أَسَرُّوهُ وَمَا
جَهَرُوا بِهِ وَأَنَّهُ خَالِقٌ لِذَلِكَ فِيهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ مَنْ خَلَقَ رَاجِعٌ إِلَى الْقَائِلِينَ قِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّمَدُّحِ مِنْهُ بِعِلْمِهِ بِمَا أَسَرَّ الْعَبْدُ وَجَهَرَ وَأَنَّهُ خَلَقَهُ فَإِنَّهُ جَعَلَ خَلْقَهُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِقَوْلِهِمْ فَيَتَعَيَّنُ رُجُوعُ قَوْلِهِ: خَلَقَ إِلَى قَوْلِهِمْ لِيَتِمَّ تَمَدُّحِهِ بِالْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلِيَكُونَ أَحَدُهُمَا دَلِيلًا عَلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَقْوَالَ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ خَلْقًا لَهُ ﷾، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ظَنَّ الشَّارِحُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّرْجَمَةِ إِثْبَاتَ الْعِلْمِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَإِلَّا لَتَقَاطَعَتِ الْمَقَاصِدُ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّرْجَمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَبَيْنَ حَدِيثِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبُخَارِيُّ الْإِشَارَةَ إِلَى النُّكْتَةِ الَّتِي سَبَبُ مِحْنَتِهِ بِمَسْأَلَةِ اللَّفْظِ فَأَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ تِلَاوَةَ الْخَلْقِ تَتَّصِفُ بِالسِّرِّ وَالْجَهْرِ وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عِدَّةِ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ وَقِرَاءَتَهُمْ وَدِرَاسَتَهُمْ وَتَعْلِيمَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا أَحْسَنُ وَأَزْيَنُ وَأَحْلَى وَأَصْوَتُ وَأَرْتَلُ وَأَلْحَنُ وَأَعْلَى وَأَخْفَضُ وَأَغَضُّ وَأَخْشَعُ وَأَجْهَرُ وَأَخْفَى وَأَقْصَرُ وَأَمَدُّ وَأَلْيَنُ مِنْ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يَتَسَارُّونَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالسِّينٌ مُهْمَلَةٌ وَفِي بَعْضِهَا بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَزِيَادَةُ وَاوٍ بِغَيْرِ تَثْقِيلٍ، أَيْ يَتَرَاجَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ سِرًّا.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ.
وَحَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ.
وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَزَادَ غَيْرُهُ: يَجْهَرْ بِهِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ وَقَدْ مَضَى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَفِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تفريط كما في «الإلهيَّات» لا تشبيه ولا تعطيل، وفي «أفعال العباد» لا جبر ولا قدر، بل أمرٌ بين أمرين، وفي «أمر المعاد» لا يكون وعيديًّا ولا مرجيًّا، بل بين الخوف والرَّجاء، وفي «الإمامة» لا رفض ولا خروج، وفي «الإنفاق» لا إسراف ولا تقتير، وفي «الجراحات» لا قصاص واجبًا -كما في التَّوراة- ولا عفوًا واجبًا -كما في الإنجيل- بل شرع القصاص والعفو كلاهما، وهلمَّ جرًّا.
وسبق الحديث قريبًا [خ¦٧٤٩٠] وكذا في «سورة الإسراء» من «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٢].
٧٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وكان اسمه: عبد الله القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِي الدُّعَاءِ) هذا وجهٌ آخر في سبب نزول هذه الآية، أو هو من باب إطلاق الكلِّ على الجزء؛ إذ الدُّعاء بعض أجزاء الصَّلاة.
وسبق في «الإسراء» [خ¦٤٧٢٣].
٧٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور، وقال الحاكم: ابن نصرٍ، ورجَّح الأوَّل أبو عليٍّ الجيَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل، شيخ المؤلِّف روى عنه كثيرًا بلا واسطةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَة) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسَ مِنَّا) أي: ليس من أهل سنَّتنا (مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ) أي: يحسن صوته به كما قاله الشَّافعيُّ وأكثر العلماء، وقال سفيان بن عيينة: يستغني به عن النَّاس (وَزَادَ غَيْرُهُ) غير أبي هريرة، وفي «فضل القرآن» [خ¦٥٠٢٣]: وقال صاحبٌ له: معنى «يتغنَّى بالقرآن»: (يَجْهَرُ بِهِ) فهي جملةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «يتغنَّ بالقرآن» فلن يكون المبيِّن على خلاف البيان، فكيف يُحمَل على غير تحسين الصَّوت؟ والصَّاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرَّحمن بن زيد بن
الخطَّاب كما سبق في «فضل القرآن» [خ¦٥٠٢٣] وقال في «الفتح»: وسيأتي قريبًا من طريق محمَّد بن إبراهيم التَّيميِّ عن أبي سلمة بلفظ: «ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ حسن الصَّوت بالقرآن يجهر به» فيُستفاد منه أنَّ الغير المبهم في حديث الباب وهو الصَّاحب المبهم في رواية عُقيلٍ هو محمَّد بن إبراهيم التَّيميُّ، والحديث واحدٌ إلَّا أنَّ بعضهم رواه (١) بلفظ «ما أذن» وبعضهم بلفظ «ليس منَّا» قال ابن بطَّالٍ: مراد البخاريِّ بهذا الباب: إثبات أنَّ العلم لله تعالى صفةٌ ذاتيَّةٌ لاستواء علمه بالجهر من القول والسِّرِّ، وتعقَّبه ابن المُنيِّر فقال: ما أظنُّ أنَّه قصد بالتَّرجمة إثبات العلم، وليس كما ظنَّ، وإلَّا؛ لتقاطعت المقاصد ممَّا اشتملت عليه التَّرجمة لا سيَّما (٢) بين العلم وبين حديث «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» وإنَّما قصد البخاريُّ الإشارة إلى النُّكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللَّفظ، فأشار بالتَّرجمة إلى أنَّ تلاوات الخلق تتَّصف بالسِّرِّ والجهر، ويستلزم أن تكون مخلوقةً وأنَّها تُسمَّى تغنِّيًا، وهذا هو الحقُّ اعتقادًا لا إطلاقًا حذرًا من الإيهام وفرارًا من الابتداع؛ لمخالفة السَّلف في الإطلاق، وقد ثبت عن البخاريِّ أنَّه قال: من نقل عنِّي أنِّي قلت: «لفظي بالقرآن مخلوقٌ فقد كذب، وإنَّما قلت: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ».
(٤٥) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ) في حديث الباب (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ (القُرْآنَ فَهْوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «آناء اللَّيل وآناء النَّهار» (وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) وقال البخاريُّ: (فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ قِيَامَهُ) أي: قيام الرَّجل (بِالكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ) حيث أسند القيام إليه، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ لفظ الجلالة، ولأبي ذرٍّ