«مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٦٩

الحديث رقم ٩٦٩ من كتاب «كتاب العيدين» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل العمل في أيام التشريق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٩٦٩ في صحيح البخاري

«مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ. قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».

بَابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَكَانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ

إسناد حديث البخاري رقم ٩٦٩

٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٩٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ وَسِيَاقِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ صَاحِبُ النَّبِيِّ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الْإِمَامِ وَقَالَ: إِنْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ) أَيْ وَقْتَ صَلَاةِ السُّبْحَةِ وَهِيَ النَّافِلَةُ، وَذَلِكَ إِذَا مَضَى وَقْتُ الْكَرَاهَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِلطَبَرَانِيِّ وَذَلِكَ حِينَ تَسْبِيحِ الضُّحَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعِيدَ لَا تُصَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَ جَوَازِ النَّافِلَةِ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى الزَّوَالِ أَوْ لَا، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ هَذَا، وَلَيْسَ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ بِظَاهِرَةٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهَا، وَمِنْ لَازِمِهِ أَنْ لَا يُفْعَلَ قَبْلَهَا شَيْءٌ غَيْرُهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّبْكِيرَ إِلَيْهَا.

١١ - بَاب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أَيَّامُ الْعَشْرِ.

وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ

٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ العشر أَفْضَلَ مِنْ العمل فِي هَذِهِ. قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) مُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ، هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ أَوْ يَوْمَانِ؟ لَكِنْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ يَوْمِ الْعِيدِ فِيهَا. وَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشَرِّقُونَ فِيهَا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ، أَيْ يُقَدِّدُونَهَا وَيُبْرِزُونَهَا لِلشَّمْسِ. ثَانِيهُمَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا أَيَّامُ تَشْرِيقٍ لِصَلَاةِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَارَتْ تَبَعًا لِيَوْمِ النَّحْرِ. قَالَ: وَهَذَا أَعْجَبُ الْقَوْلَيْنِ إِلَيَّ، وَأَظُنُّهُ أَرَادَ مَا حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؟ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ إِنَّمَا تُصَلَّى بَعْدَ أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ. وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا لَا تُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ قَالَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ: أَشْرَقَ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، أَيْ نَدْفَعُ لِنَنْحَرَ. انْتَهَى.

وَأَظُنُّهُمْ أَخْرَجُوا يَوْمَ الْعِيدِ مِنْهَا لِشُهْرَتِهِ بِلَقَبٍ يَخُصُّهُ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَبَعٌ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ مَوْقُوفًا، وَمَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ جُمُعَةٍ وَلَا صَلَاةَ عِيدٍ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَذْهَبُ بِالتَّشْرِيقِ فِي هَذَا إِلَى التَّكْبِيرِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ يَقُولُ: لَا تَكْبِيرَ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ. قَالَ: وَهَذَا لَمْ نَجِدْ أَحَدًا يَعْرِفُهُ، وَلَا وَافَقَهُ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ وَلَا غَيْرُهُمَا. انْتَهَى.

وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ التَّشْرِيقِ - أَيْ: قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ - فَلْيُعِدْ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ أَيَّامِ

التَّشْرِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَابْنِ شَبُّوَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ إِلَخْ وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: وَيَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ أَوْ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التِّلَاوَةَ، وَإِنَّمَا حَكَى كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْدُودَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ وَفِيهِ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَظَاهِرُهُ إِدْخَالُ يَوْمِ الْعِيدِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَرَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ النَّحْرِ. انْتَهَى.

وَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ أَيَّامِ الْعَشْرِ مَعْلُومَاتٍ، وَلَا أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ، بَلْ تَسْمِيَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الْآيَةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ؛ لِأَنَّهَا إِذَا زِيدَ عَلَيْهَا شَيْءٌ عُدَّ ذَلِكَ حَصْرًا أَيْ فِي حُكْمِ حَصْرِ الْعَدَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ إِلَخْ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مُعَلَّقًا عَنْهُمَا، وَكَذَا الْبَغَوِيُّ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: كَانَ مَشَايِخُنَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَى التَّرْجَمَةِ مَا لَهُ بِهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ اسْتِطْرَادًا. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِأَيَّامِ الْعَشْرِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِمَّا يَقَعُ فِيهِمَا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَثَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ صَرِيحٌ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَالْأَثَرَ الَّذِي بَعْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ النَّافِلَةَ) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلَفِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى الْقَزَّازِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَهْنَةَ رُزَيْقٌ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يُكَبِّرُ بِمِنًى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خَلْفَ النَّوَافِلِ، وَأَبُو وَهْنَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَرُزَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا، وَفِي سِيَاقِ هَذَا الْأَثَرِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْكِرْمَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَهُ يَتَعَلَّقُ بِتَكْبِيرِ أَيَّامِ الْعَشْرِ كَالَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُتَابِعْ مُحَمَّدًا عَلَى هَذَا أَحَدٌ، كَذَا قَالَ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هَلْ يَخْتَصُّ التَّكْبِيرُ الَّذِي بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ بِالْفَرَائِضِ أَوْ يَعُمُّ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الِاخْتِصَاصُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَمُسْلِمٌ هُوَ الْبَطِينُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَطْنِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْهُ وَلَفْظُهُ: عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: عَنْ مُسْلِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَّا طَرِيقُ مُجَاهِدٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَدَلَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي صَالِحٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ عَنِ الْأَعْمَشِ، رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَدْ وَافَقَ الْأَعْمَشُ عَلَى

رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا، وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو جَرِيرٍ السِّخْتِيَانِيُّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَعَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْإِبْهَامِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَفْضَلِيَّةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ عَلَى الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِنْ فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةُ، فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فَسَّرَ الْأَيَّامَ الْمُبْهَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَفَسَّرَ الْعَمَلَ بِالتَّكْبِيرِ لِكَوْنِهِ أَوْرَدَ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَطْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ، قَالَ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا أَيَّامَ عِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَا مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ : أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ فِيهَا، بَلْ قَدْ شَرَعَ فِيهَا أَعْلَى الْعِبَادَاتِ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُمْنَعْ فِيهَا مِنْهَا إِلَّا الصِّيَامُ.

قَالَ: وَسِرُّ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ فَاضِلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ غَفْلَةٍ فِي الْغَالِبِ، فَصَارَ لِلْعَابِدِ فِيهَا مَزِيدُ فَضْلٍ عَلَى الْعَابِدِ فِي غَيْرِهَا كَمَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نُكْتَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا مِحْنَةُ الْخَلِيلِ بِوَلَدِهِ ثُمَّ مُنَّ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ، فَثَبَتَ لَهَا الْفَضْلُ بِذَلِكَ اهـ. وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الْمَنْقُولَ يُعَارِضُهُ، وَالسِّيَاقُ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَيْخِ كَرِيمَةَ بِلَفْظِ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذَا الْعَشْرِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ شُعْبَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ منْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ بِدُونِ يَعْنِي، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَهُ: يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ.

وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَحِيحَيْ أَبِي عَوَانَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُجَابُ بِأَجْوِبَةٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّيْءَ يَشْرُفُ بِمُجَاوَرَتِهِ لِلشَّيْءِ الشَّرِيفِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ تَقَعُ تِلْوَ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ثَانِيهَا: أَنَّ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ إِنَّمَا شُرِّفَ لِوُقُوعِ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِيهِ، وَبَقِيَّةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّاتِهِ، فَصَارَتْ مُشْتَرِكَةً مَعَهَا فِي أَصْلِ الْفَضْلِ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَكَتْ مَعَهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي كُلٍّ مِنْهَا، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. ثَالِثُهَا: أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هُوَ بَعْضُ أَيَّامِ الْعَشْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَكَمَا أَنَّهُ خَاتِمَةُ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَهُوَ مُفْتَتَحُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمَهْمَا ثَبَتَ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ مِنَ الْفَضْلِ شَارَكَتْهَا فِيهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهَا، بَلْ هُوَ رَأْسُ كُلٍّ مِنْهَا وَشَرِيفُهُ وَعَظِيمُهُ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ

الْأَكْبَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ) فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ رَجُلٌ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْيِينَ هَذَا السَّائِلِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ أَيْضًا: حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا وَدَلَّ سُؤَالُهُمْ هَذَا عَلَى تَقَرُّرِ أَفْضَلِيَّةِ الْجِهَادِ عِنْدَهُمْ، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَفَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، فَقَالَ: لَا أَجِدُهُ، الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا عَمَلُ رَجُلٍ، وَلِلْمُسْتَمْلِي: إِلَّا مَنْ خَرَجَ.

قَوْلُهُ: (يُخَاطِرُ) أَيْ يَقْصِدُ قَهْرَ عَدُوِّهِ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى قَتْلِ نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) أَيْ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْعَامِلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ رَجَعَ هُوَ، وَأَنْ لَا يَرْجِعَ هُوَ وَلَا مَالُهُ بِأَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا بُدَّ، اهـ. وَهُوَ تَعَقُّبٌ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ مَا ذَكَرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ، وَغُنْدَرٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْيَ الرُّجُوعِ بِالشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي وُرُودُهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِلَّا مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ: إِلَّا مَنْ لَا يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا مَالِهِ. وَفِي طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ لَا يَرْجِعَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: إِلَّا مَنْ عُفِّرَ وَجْهُهُ فِي التُّرَابِ. فَظَهَرَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ تَرْجِيحُ مَا رَدَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الْجِهَادِ وَتَفَاوُتُ دَرَجَاتِهِ وَأَنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِيهِ بَذْلُ النَّفْسِ لِلَّهِ، وَفِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ كَالْأَمْكِنَةِ، وَفَضْلُ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَلَّقَ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ، فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ، لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ تَعَيَّنَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يُرِدْ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، يَعْنِي فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِهِ لِاجْتِمَاعِ الْفَضْلَيْنِ فِيهِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا هَلْ يَخْتَصُّ الْفَضْلُ بِالْحَاجِّ أَوْ يَعُمُّ الْمُقِيمَ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ التَّكْبِيرُ فَقَطْ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ، وَثَبَتَ تَحْرِيمُ صَوْمِهَا، وَوَرَدَ فِيهِ إِبَاحَةُ اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى تَفْرِيغِهَا لِذَلِكَ، مَعَ الْحَضِّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ مِنْهُ فِيهَا التَّكْبِيرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بأنَّه لم يقصد بها التِّلاوة، وإنَّما حكى كلام ابن عبَّاسٍ، وابن عبَّاسٍ إنَّما أراد تفسير المعدودات والمعلومات، نعم في فرع (١) «اليونينيَّة» مما رُقِم له بعلامة أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾» باللَّام، وهذا موافقٌ لما في «الحجِّ».

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا ذكره البغويُّ والبيهقيُّ مُعلَّقًا عنهما (يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ) الأُوَل من ذي (٢) الحجَّة (يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هذا لا يناسب التَّرجمة إلَّا أن المصنِّف كثيرًا ما يضيف إلى التَّرجمة ما له أدنى ملابسةٍ (٣) استطرادًا، وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّه أراد تساوي أيَّام التَّشريق بأيَّام العشر لجامع (٤) ما بينهما ممَّا (٥) يقع فيهما من أعمال الحجِّ.

(وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) الباقر -فيما (٦) وصله الدَّارقُطنيُّ في «المؤتلف» عنه- في أيَّام التَّشريق بمنًى (خَلْفَ النَّافِلَةِ) كالفريضة، وفي ذلك خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللَّاحق مع غيره.

٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح العينين المهملتين وبالرَّاءين (قَالَ (٧): حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة آخره نونٌ، لُقِّب به لعظم بطنه، وهو كوفيٌّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا العَمَلُ) مبتدأٌ، يشمل أنواع العبادات كالصَّلاة والتَّكبير والذِّكر والصَّوم وغيرها (فِي أَيَّامٍ) من أيَّام السَّنة، وهو متعلِّقٌ بالمبتدأ،

وخبره قوله: (أَفْضَلُ مِنَها) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «أفضلُ»، والضَّمير عائدٌ إلى «العمل» بتقدير الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١] كذا قرَّره البرماويُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه المحقِّق ابن الدَّمامينيِّ فقال: هذا غلطٌ لأنَّ الطِّفل يُطلَق على الواحد والجماعة بلفظٍ واحدٍ بخلاف العمل، وزاد فخرَّجه على أن يكون الضَّمير عائدًا إلى العمل باعتبار إرادة القربة، مع عدم تأويله بالجمع، أي: ما القربة في أيَّامٍ أفضلُ منها (في هَذَا العَشْرِ) الأُوَل من ذي الحجَّة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بالتَّصريح بالعشر، وكذا عند أحمد عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، بل في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عن شعبة بلفظ: «عشر ذي الحجَّة» وممَّن صرَّح بالعشر أيضًا ابن ماجه وابن حبَّان وأبو عَوانة، ولكريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما العمل في أيَّامٍ (١) أفضل من العمل في هذه» بتأنيث الضَّمير مع إبهام الأيَّام، وفسَّرها بعض الشَّارحين بأيَّام التَّشريق لكون المؤلِّف ترجم لها، وهو يقتضي نفي أفضليَّة العمل في أيَّام العشر على (٢) أيَّام التَّشريق، ووجَّهه صاحب «بهجة النُّفوس» بأنَّ أيَّامَ التَّشريق أيَّامُ غفلةٍ، والعبادة في أوقات (٣) الغفلة فاضلةٌ عن غيرها كمن قام في جوف اللَّيل وأكثرُ النَّاسِ نيامٌ، وبأنَّه وقع فيها محنة الخليل بولده عليهما الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ منَّ عليه بالفداء، وهو مُعارَضٌ بالمنقول كما قاله في «الفتح»، فالعمل في أيَّام العشر أفضل من العمل في غيرها (٤) من أيَّام الدُّنيا من غير استثناء شيءٍ، وعلى هذا فرواية كريمة شاذَّةٌ لمخالفتها رواية أبي ذَرٍّ -وهو من الحفُّاظ- عن شيخهما الكُشْمِيْهَنِيِّ، لكن يعكِّر عليه ترجمة المؤلِّف بـ «أيَّام التَّشريق». وأُجيب باشتراكهما في أصل الفضيلة لوقوع أعمال الحجِّ فيهما، ومن ثمَّ اشتركا في مشروعيَّة التَّكبير. وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ما العمل في أيَّامٍ أفضل منها في هذه»

بتأنيث الضَّمير، وهي ظرفٌ مستقرٌّ، حالٌ من الضَّمير المجرور بـ «من»، وإذا كان العمل في أيَّام العشر (١) أفضل من العمل في أيَّام غيره من السَّنة لزم منه أن تكون أيَّام العشر أفضل من غيرها من أيَّام السنة، حتَّى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره (٢) لجمعه الفضيلتين، وخرَّج البزَّار وغيره عن جابرٍ مرفوعًا: «أفضل أيَّام الدُّنيا أيَّام العشر»، وفي حديث ابن عمر المرويِّ عند الطَّبرانيِّ: «ليس يومٌ أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر»، وهو يدلُّ على أنَّ أيَّام العشر أفضل من يوم الجمعة الَّذي هو أفضل الأيَّام، وأيضًا فأيَّام العشر تشتمل على يوم عرفة، وقد رُوِي: أنَّه أفضل أيَّام الدُّنيا، والأيَّام إذا أُطلِقت دخلت فيها اللَّيالي تبعًا، وقد أقسم الله تعالى بها، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] وقد زعم بعضهم: أنَّ ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه

لاشتمالها على ليلة القدر، قال الحافظ ابن رجبٍ: وهذا (١) بعيدٌ جدًّا، ولو صحَّ حديث أبي هريرة المرويِّ في «التِّرمذيِّ»: «قيام كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر» لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإنَّ عشر رمضان فُضِّل بليلةٍ واحدةٍ، وهذا جميع لياليه متساويةٌ، والتَّحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخِّرين من العلماء (٢): إنَّ مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلةٌ لا يفضل عليها غيرها. انتهى. واستُدِلَّ به على فضل صيام عشر الحجَّة لاندراج الصَّوم في العمل، وعُورِض بتحريم صوم يوم العيد، وأُجيب بحمله على الغالب، ولا ريب أنَّ صيام رمضان أفضل من صوم العشر لأنَّ فعل الفرض أفضل من النَّفل من غير تردُّدٍ، وعلى هذا فكلُّ ما فُعِل من فرضٍ في العشر فهو أفضل من فرضٍ فُعِل في غيره، وكذا النَّفل (قَالُوا): يا رسول الله (وَلَا الجِهَادُ) أفضل منه؟ (٣) وزاد أبو ذَرٍّ: «في سبيل الله» (قَالَ) : (وَلَا الجِهَادُ) في سبيل الله، ثمَّ استثنى جهادًا واحدًا وهو أفضل الجهاد، فقال: (إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ) أي: إلَّا عملُ رجلٍ، فهو مرفوعٌ على البدل، والاستثناء متَّصلٌ، وقِيلَ: منقطعٌ، أي: لكن رجلٌ خرج يخاطر بنفسه، فهو أفضل من غيره أو مساوٍ له، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه إنَّما يستقيم على اللُّغة التَّميميَّة، وإلَّا فالمنقطع عند غيرهم واجبُ النَّصب، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «إلَّا من خرج» حال كونه (يُخَاطِرُ) من المخاطرة وهي ارتكاب ما فيه خطرٌ (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) من ماله وإن رجع هو، أو لم يرجع هو ولا ماله بأن ذهب ماله واستُشهِد، كذا قرَّره ابن بطَّالٍ، وتعقَّبه الزَّين بن المُنَيِّر بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» يستلزم أنَّه يرجع (٤) بنفسه، ولا بدَّ، وأُجيب بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» نكرةٌ في سياق النَّفي، فتعمُّ ما ذكره، وعند أبي عَوانة من طريق

إبراهيم بن حُمَيْدٍ عن شعبة: «إلَّا من عقر جواده وأُهرِيق دمُه»، وعنده من (١) رواية القاسم بن أبي (٢) أيُّوب: «إلَّا من لا يرجع بنفسه وماله (٣)».

وفي هذا الحديث: أنَّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، والثَّاني بسطاميٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصِّيام» (٤)، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

(١٢) (بابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى) يوم العيد، والثَّلاثة بعده (وَ) التَّكبير (إِذَا غَدَا) صبيحة التَّاسع (إِلَى عَرَفَةَ) للوقوف بها.

(وَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب () ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ من رواية عبيد بن عميرٍ عنه، وأبو عبيدٍ من وجهٍ آخر، والبيهقيُّ من طريقه، ولأبي ذَرٍّ ممَّا (١) في فرع «اليونينيَّة»: «وكان ابن عمر» (يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ) بضمِّ القاف وتشديد الباء المُوحَّدة، بيتٌ صغيرٌ من الخيام مستديرٌ، من بيوت العرب (بِمِنًى) في أيَّامها (فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ) بتكبيره (حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى) بتشديد الجيم، أي: تضطرب وتتحرَّك مبالغةً في اجتماع رفع الأصوات (تَكْبِيرًا) بالنَّصب، أي: لأجل التَّكبير، وقد أبدى الخطابيُّ للتَّكبير أيَّام منًى حكمةً، وهي أنَّ الجاهليَّة كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشُرِع التَّكبير فيها إشارةً إلى تخصيص الذَّبح له، وعلى اسمه ﷿.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا وصله ابن المنذر، والفاكهيُّ (٢) في «أخبار مكَّة» من طريق ابن جُريجٍ: أخبرني نافعٌ أنَّ ابن عمر كان (يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ) أي: أيَّام منًى (وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ) المكتوبات وغيرها (وَعَلَى فِرَاشِهِ) بالإفراد، وللحَمُّويي والمُستملي: «وعلى فرشه» (وَفِي فُسْطَاطِهِ) بضمِّ الفاء، وقد تُكسرُ: بيتٌ من شَعَرٍ (وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ) بفتح الميم الأولى، موضع مشيه (تِلْكَ الأَيَّامَ) ظرفٌ للمذكورات، أي: في تلك الأيَّام، وكرَّرها للتَّأكيد والمبالغة، ثمَّ أكَّد ذلك أيضًا بقوله: (جَمِيعًا) ويُروَى: «وتلك» (٣) بواو العطف.

(وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليَّة، المُتوفَّاة بسَرِفٍ -بين مكَّة والمدينة، حيث

بنى بها سنة إحدى وخمسين (تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ) قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: لم أقف على أثرها هذا موصولًا، وقال صاحب «العمدة»: روى البيهقيُّ تكبيرها يوم النَّحر (وَكُنَّ النِّسَاءُ) على لغة «أكلوني البراغيث»، ولأبي ذَرٍّ: «وكان النِّساء» (يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف نونٌ (بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان، وكان أميرًا على المدينة في زمن ابن عمِّ أبيه عبد الملك بن مروان (وَ) خلف أمير المؤمنين (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ) أحد الخلفاء الرَّاشدين، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي الدُّنيا في «كتاب العيد» (لَيَالِيَ) أيَّام (التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ) فهذه الآثار قد اشتملت على وجود التَّكبير في تلك الأيَّام عقب الصَّلوات وغيرها من الأحوال، وللعلماء في ذلك اختلافٌ: هل يختصُّ بالمكتوبات أو يعمُّ النَّوافل؟ وبالمُؤدَّاة أو يعمُّ (١) المقضيَّة؟ وهل ابتداؤه من صبح يوم (٢) عرفة أو من ظهره؟ أو من صبح يوم النَّحر أو من ظهره؟ وهل الانتهاء إلى ظهر يوم النحر أو إلى ظهر ثانيه؟ أو إلى صبح آخر أيَّام التَّشريق أو إلى ظهره أو إلى عصره؟ وقد اجتمع من هذه ستَّةٌ وسبعون، بيان ذلك: أن تضرب أربعة الابتداء في خمسة الانتهاء تبلغ عشرين، يسقط منها كون ظهر النَّحر مبتدأً ومنتهى كليهما معًا، تصير تسعة عشر، تضربها في الأربعة الأولى الباقية تبلغ ستَّةً وسبعين، كذا قرَّره

البرماويُّ مع ما (١) نقله عن الكِرمانيِّ وغيره، ويُزاد على ذلك: هل يختصُّ بالرِّجال أو يعمُّ النِّساء؟ وبالجماعة أو يعمُّ المنفرد؟ وبالمقيم أو يعمُّ المسافر؟ وبساكن المصر أو يعمُّ أهل القرى؟ فهي ثمانيةٌ حكاها مع سابقتها النَّوويُّ، وزاد غيره في الانتهاء فقال: وقِيلَ: إلى عصر يوم النَّحر، قال في «الفتح»: وقد رواه البيهقيُّ عن أصحاب ابن مسعودٍ، ولم يثبت في شيءٍ من ذلك عن النَّبيِّ حديثٌ، وأصحُّ ما ورد فيه عن الصَّحابة قول عليٍّ وابن مسعودٍ: إنَّه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيَّام منًى، أخرجهما ابن المنذر وغيره، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيَّة أنَّ استحبابه يعمُّ الصَّلاة فرضًا ونفلًا، ولو جنازةً ومنذورةً ومقضيَّةً في زمن استحبابه لكلِّ مصلٍّ، حاجٍّ أو غيره، مقيمٍ أو مسافرٍ، ذكرٍ أو أنثى، منفردٍ أو غيره، من صبح يوم عرفة إلى عقيب عصر آخر أيَّام التَّشريق للاتِّباع، رواه الحاكم وصحَّحه، لكن ضعَّفه البيهقيُّ، قال في «المجموع»: والبيهقيُّ أتقن من شيخه الحاكم، وأشدُّ تحرِّيًا، وهذا في غير الحجِّ، وعليه العمل، كما قاله النَّوويُّ وصحَّحه في «الأذكار»، وقال في «الرَّوضة»: إنَّه الأظهر عند المحقِّقين، لكن صحَّح في «المنهاج» كـ «أصله»: أنَّ غير الحاجِّ كالحاجِّ، يكبِّر من ظهر يوم النَّحر إلى صبح آخر أيَّام التَّشريق، وخصَّ المالكيَّة استحبابه بالفرائض الحاضرة، وهو عندهم من ظهر يوم النَّحر إلى آخر صبح اليوم الرَّابع، وقال أبو حنيفة: يجب من صلاة صبح يوم عرفة، وينتهي بعصر يوم النَّحر، وقال صاحباه: يُختَم بعصر ثالث أيَّام التَّشريق، وهو على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعةٍ مستحبَّة عند أبي حنيفة، فلا يجب على أهل القرى، ولا بعد النَّوافل والوتر، ولا على منفردٍ، ونساءٍ إذا صلَّين بجماعةٍ (٢)، وقال صاحباه: يجب على كلِّ من يصلِّي المكتوبة لأنَّه شُرِعَ تبعًا لها، وأمَّا صفة التَّكبير، فقال المالكيَّة: الله أكبر، ثلاثًا، وإن قال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، كان حسنًا؛ لِما رُوِي: أنَّ جابرًا صلَّى في أيَّام التَّشريق، فلمَّا فرغ قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر (٣)، قِيلَ: واستمرَّ عليه العمل، فلذا أخذ به مالكٌ من غير تضييقٍ، وقال الحنفيَّة: يقول مرَّةً واحدةً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قالوا: وهذا هو

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ وَسِيَاقِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ صَاحِبُ النَّبِيِّ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الْإِمَامِ وَقَالَ: إِنْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ) أَيْ وَقْتَ صَلَاةِ السُّبْحَةِ وَهِيَ النَّافِلَةُ، وَذَلِكَ إِذَا مَضَى وَقْتُ الْكَرَاهَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِلطَبَرَانِيِّ وَذَلِكَ حِينَ تَسْبِيحِ الضُّحَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعِيدَ لَا تُصَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عِنْدَ جَوَازِ النَّافِلَةِ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى الزَّوَالِ أَوْ لَا، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ هَذَا، وَلَيْسَ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ بِظَاهِرَةٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهَا، وَمِنْ لَازِمِهِ أَنْ لَا يُفْعَلَ قَبْلَهَا شَيْءٌ غَيْرُهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّبْكِيرَ إِلَيْهَا.

١١ - بَاب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أَيَّامُ الْعَشْرِ.

وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ

٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ العشر أَفْضَلَ مِنْ العمل فِي هَذِهِ. قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) مُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ، هَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ أَوْ يَوْمَانِ؟ لَكِنْ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ يَوْمِ الْعِيدِ فِيهَا. وَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشَرِّقُونَ فِيهَا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ، أَيْ يُقَدِّدُونَهَا وَيُبْرِزُونَهَا لِلشَّمْسِ. ثَانِيهُمَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا أَيَّامُ تَشْرِيقٍ لِصَلَاةِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَارَتْ تَبَعًا لِيَوْمِ النَّحْرِ. قَالَ: وَهَذَا أَعْجَبُ الْقَوْلَيْنِ إِلَيَّ، وَأَظُنُّهُ أَرَادَ مَا حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؟ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ إِنَّمَا تُصَلَّى بَعْدَ أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ. وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا لَا تُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ قَالَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ: أَشْرَقَ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، أَيْ نَدْفَعُ لِنَنْحَرَ. انْتَهَى.

وَأَظُنُّهُمْ أَخْرَجُوا يَوْمَ الْعِيدِ مِنْهَا لِشُهْرَتِهِ بِلَقَبٍ يَخُصُّهُ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَبَعٌ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ مَوْقُوفًا، وَمَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ جُمُعَةٍ وَلَا صَلَاةَ عِيدٍ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَذْهَبُ بِالتَّشْرِيقِ فِي هَذَا إِلَى التَّكْبِيرِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ يَقُولُ: لَا تَكْبِيرَ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ. قَالَ: وَهَذَا لَمْ نَجِدْ أَحَدًا يَعْرِفُهُ، وَلَا وَافَقَهُ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ وَلَا غَيْرُهُمَا. انْتَهَى.

وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ التَّشْرِيقِ - أَيْ: قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ - فَلْيُعِدْ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ أَيَّامِ

التَّشْرِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَابْنِ شَبُّوَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ إِلَخْ وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: وَيَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ أَوْ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ التِّلَاوَةَ، وَإِنَّمَا حَكَى كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْدُودَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ وَفِيهِ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَظَاهِرُهُ إِدْخَالُ يَوْمِ الْعِيدِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَرَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ النَّحْرِ. انْتَهَى.

وَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ أَيَّامِ الْعَشْرِ مَعْلُومَاتٍ، وَلَا أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ، بَلْ تَسْمِيَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الْآيَةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ؛ لِأَنَّهَا إِذَا زِيدَ عَلَيْهَا شَيْءٌ عُدَّ ذَلِكَ حَصْرًا أَيْ فِي حُكْمِ حَصْرِ الْعَدَدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ إِلَخْ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مُعَلَّقًا عَنْهُمَا، وَكَذَا الْبَغَوِيُّ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: كَانَ مَشَايِخُنَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَى التَّرْجَمَةِ مَا لَهُ بِهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ اسْتِطْرَادًا. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ تَسَاوِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِأَيَّامِ الْعَشْرِ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِمَّا يَقَعُ فِيهِمَا مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَثَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ صَرِيحٌ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَالْأَثَرَ الَّذِي بَعْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ النَّافِلَةَ) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلَفِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى الْقَزَّازِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَهْنَةَ رُزَيْقٌ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يُكَبِّرُ بِمِنًى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خَلْفَ النَّوَافِلِ، وَأَبُو وَهْنَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَرُزَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا، وَفِي سِيَاقِ هَذَا الْأَثَرِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْكِرْمَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَهُ يَتَعَلَّقُ بِتَكْبِيرِ أَيَّامِ الْعَشْرِ كَالَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُتَابِعْ مُحَمَّدًا عَلَى هَذَا أَحَدٌ، كَذَا قَالَ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هَلْ يَخْتَصُّ التَّكْبِيرُ الَّذِي بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ بِالْفَرَائِضِ أَوْ يَعُمُّ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الِاخْتِصَاصُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَمُسْلِمٌ هُوَ الْبَطِينُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَطْنِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْهُ وَلَفْظُهُ: عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: عَنْ مُسْلِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَمَّا طَرِيقُ مُجَاهِدٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَدَلَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي صَالِحٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ عَنِ الْأَعْمَشِ، رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَدْ وَافَقَ الْأَعْمَشُ عَلَى

رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا، وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو جَرِيرٍ السِّخْتِيَانِيُّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَعَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْإِبْهَامِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَفْضَلِيَّةِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ عَلَى الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِنْ فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةُ، فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فَسَّرَ الْأَيَّامَ الْمُبْهَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَفَسَّرَ الْعَمَلَ بِالتَّكْبِيرِ لِكَوْنِهِ أَوْرَدَ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَطْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ، قَالَ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا أَيَّامَ عِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَا مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ : أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ فِيهَا، بَلْ قَدْ شَرَعَ فِيهَا أَعْلَى الْعِبَادَاتِ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُمْنَعْ فِيهَا مِنْهَا إِلَّا الصِّيَامُ.

قَالَ: وَسِرُّ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ فَاضِلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ غَفْلَةٍ فِي الْغَالِبِ، فَصَارَ لِلْعَابِدِ فِيهَا مَزِيدُ فَضْلٍ عَلَى الْعَابِدِ فِي غَيْرِهَا كَمَنْ قَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نُكْتَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا مِحْنَةُ الْخَلِيلِ بِوَلَدِهِ ثُمَّ مُنَّ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ، فَثَبَتَ لَهَا الْفَضْلُ بِذَلِكَ اهـ. وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الْمَنْقُولَ يُعَارِضُهُ، وَالسِّيَاقُ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَيْخِ كَرِيمَةَ بِلَفْظِ: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذَا الْعَشْرِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ شُعْبَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ منْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ بِدُونِ يَعْنِي، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَهُ: يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ.

وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَحِيحَيْ أَبِي عَوَانَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُجَابُ بِأَجْوِبَةٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّيْءَ يَشْرُفُ بِمُجَاوَرَتِهِ لِلشَّيْءِ الشَّرِيفِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ تَقَعُ تِلْوَ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ثَانِيهَا: أَنَّ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ إِنَّمَا شُرِّفَ لِوُقُوعِ أَعْمَالِ الْحَجِّ فِيهِ، وَبَقِيَّةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ تَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّاتِهِ، فَصَارَتْ مُشْتَرِكَةً مَعَهَا فِي أَصْلِ الْفَضْلِ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَكَتْ مَعَهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي كُلٍّ مِنْهَا، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. ثَالِثُهَا: أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هُوَ بَعْضُ أَيَّامِ الْعَشْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ، وَكَمَا أَنَّهُ خَاتِمَةُ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَهُوَ مُفْتَتَحُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمَهْمَا ثَبَتَ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ مِنَ الْفَضْلِ شَارَكَتْهَا فِيهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهَا، بَلْ هُوَ رَأْسُ كُلٍّ مِنْهَا وَشَرِيفُهُ وَعَظِيمُهُ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ

الْأَكْبَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ) فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ رَجُلٌ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْيِينَ هَذَا السَّائِلِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ أَيْضًا: حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثًا وَدَلَّ سُؤَالُهُمْ هَذَا عَلَى تَقَرُّرِ أَفْضَلِيَّةِ الْجِهَادِ عِنْدَهُمْ، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَفَادُوهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، فَقَالَ: لَا أَجِدُهُ، الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا عَمَلُ رَجُلٍ، وَلِلْمُسْتَمْلِي: إِلَّا مَنْ خَرَجَ.

قَوْلُهُ: (يُخَاطِرُ) أَيْ يَقْصِدُ قَهْرَ عَدُوِّهِ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى قَتْلِ نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) أَيْ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْعَامِلِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ رَجَعَ هُوَ، وَأَنْ لَا يَرْجِعَ هُوَ وَلَا مَالُهُ بِأَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةَ. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا بُدَّ، اهـ. وَهُوَ تَعَقُّبٌ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ مَا ذَكَرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ، وَغُنْدَرٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْيَ الرُّجُوعِ بِالشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي وُرُودُهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِلَّا مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ: إِلَّا مَنْ لَا يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ وَلَا مَالِهِ. وَفِي طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ لَا يَرْجِعَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: إِلَّا مَنْ عُفِّرَ وَجْهُهُ فِي التُّرَابِ. فَظَهَرَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ تَرْجِيحُ مَا رَدَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الْجِهَادِ وَتَفَاوُتُ دَرَجَاتِهِ وَأَنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِيهِ بَذْلُ النَّفْسِ لِلَّهِ، وَفِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ كَالْأَمْكِنَةِ، وَفَضْلُ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَلَّقَ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ، فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ، لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ تَعَيَّنَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يُرِدْ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، يَعْنِي فَيَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الْجُمُعَةِ فِي غَيْرِهِ لِاجْتِمَاعِ الْفَضْلَيْنِ فِيهِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ الصَّحِيحَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا هَلْ يَخْتَصُّ الْفَضْلُ بِالْحَاجِّ أَوْ يَعُمُّ الْمُقِيمَ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ التَّكْبِيرُ فَقَطْ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ، وَثَبَتَ تَحْرِيمُ صَوْمِهَا، وَوَرَدَ فِيهِ إِبَاحَةُ اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى تَفْرِيغِهَا لِذَلِكَ، مَعَ الْحَضِّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ مِنْهُ فِيهَا التَّكْبِيرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بأنَّه لم يقصد بها التِّلاوة، وإنَّما حكى كلام ابن عبَّاسٍ، وابن عبَّاسٍ إنَّما أراد تفسير المعدودات والمعلومات، نعم في فرع (١) «اليونينيَّة» مما رُقِم له بعلامة أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾» باللَّام، وهذا موافقٌ لما في «الحجِّ».

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا ذكره البغويُّ والبيهقيُّ مُعلَّقًا عنهما (يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ) الأُوَل من ذي (٢) الحجَّة (يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هذا لا يناسب التَّرجمة إلَّا أن المصنِّف كثيرًا ما يضيف إلى التَّرجمة ما له أدنى ملابسةٍ (٣) استطرادًا، وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّه أراد تساوي أيَّام التَّشريق بأيَّام العشر لجامع (٤) ما بينهما ممَّا (٥) يقع فيهما من أعمال الحجِّ.

(وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) الباقر -فيما (٦) وصله الدَّارقُطنيُّ في «المؤتلف» عنه- في أيَّام التَّشريق بمنًى (خَلْفَ النَّافِلَةِ) كالفريضة، وفي ذلك خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللَّاحق مع غيره.

٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح العينين المهملتين وبالرَّاءين (قَالَ (٧): حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة آخره نونٌ، لُقِّب به لعظم بطنه، وهو كوفيٌّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا العَمَلُ) مبتدأٌ، يشمل أنواع العبادات كالصَّلاة والتَّكبير والذِّكر والصَّوم وغيرها (فِي أَيَّامٍ) من أيَّام السَّنة، وهو متعلِّقٌ بالمبتدأ،

وخبره قوله: (أَفْضَلُ مِنَها) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «أفضلُ»، والضَّمير عائدٌ إلى «العمل» بتقدير الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١] كذا قرَّره البرماويُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه المحقِّق ابن الدَّمامينيِّ فقال: هذا غلطٌ لأنَّ الطِّفل يُطلَق على الواحد والجماعة بلفظٍ واحدٍ بخلاف العمل، وزاد فخرَّجه على أن يكون الضَّمير عائدًا إلى العمل باعتبار إرادة القربة، مع عدم تأويله بالجمع، أي: ما القربة في أيَّامٍ أفضلُ منها (في هَذَا العَشْرِ) الأُوَل من ذي الحجَّة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بالتَّصريح بالعشر، وكذا عند أحمد عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، بل في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عن شعبة بلفظ: «عشر ذي الحجَّة» وممَّن صرَّح بالعشر أيضًا ابن ماجه وابن حبَّان وأبو عَوانة، ولكريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما العمل في أيَّامٍ (١) أفضل من العمل في هذه» بتأنيث الضَّمير مع إبهام الأيَّام، وفسَّرها بعض الشَّارحين بأيَّام التَّشريق لكون المؤلِّف ترجم لها، وهو يقتضي نفي أفضليَّة العمل في أيَّام العشر على (٢) أيَّام التَّشريق، ووجَّهه صاحب «بهجة النُّفوس» بأنَّ أيَّامَ التَّشريق أيَّامُ غفلةٍ، والعبادة في أوقات (٣) الغفلة فاضلةٌ عن غيرها كمن قام في جوف اللَّيل وأكثرُ النَّاسِ نيامٌ، وبأنَّه وقع فيها محنة الخليل بولده عليهما الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ منَّ عليه بالفداء، وهو مُعارَضٌ بالمنقول كما قاله في «الفتح»، فالعمل في أيَّام العشر أفضل من العمل في غيرها (٤) من أيَّام الدُّنيا من غير استثناء شيءٍ، وعلى هذا فرواية كريمة شاذَّةٌ لمخالفتها رواية أبي ذَرٍّ -وهو من الحفُّاظ- عن شيخهما الكُشْمِيْهَنِيِّ، لكن يعكِّر عليه ترجمة المؤلِّف بـ «أيَّام التَّشريق». وأُجيب باشتراكهما في أصل الفضيلة لوقوع أعمال الحجِّ فيهما، ومن ثمَّ اشتركا في مشروعيَّة التَّكبير. وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ما العمل في أيَّامٍ أفضل منها في هذه»

بتأنيث الضَّمير، وهي ظرفٌ مستقرٌّ، حالٌ من الضَّمير المجرور بـ «من»، وإذا كان العمل في أيَّام العشر (١) أفضل من العمل في أيَّام غيره من السَّنة لزم منه أن تكون أيَّام العشر أفضل من غيرها من أيَّام السنة، حتَّى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره (٢) لجمعه الفضيلتين، وخرَّج البزَّار وغيره عن جابرٍ مرفوعًا: «أفضل أيَّام الدُّنيا أيَّام العشر»، وفي حديث ابن عمر المرويِّ عند الطَّبرانيِّ: «ليس يومٌ أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر»، وهو يدلُّ على أنَّ أيَّام العشر أفضل من يوم الجمعة الَّذي هو أفضل الأيَّام، وأيضًا فأيَّام العشر تشتمل على يوم عرفة، وقد رُوِي: أنَّه أفضل أيَّام الدُّنيا، والأيَّام إذا أُطلِقت دخلت فيها اللَّيالي تبعًا، وقد أقسم الله تعالى بها، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] وقد زعم بعضهم: أنَّ ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه

لاشتمالها على ليلة القدر، قال الحافظ ابن رجبٍ: وهذا (١) بعيدٌ جدًّا، ولو صحَّ حديث أبي هريرة المرويِّ في «التِّرمذيِّ»: «قيام كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر» لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإنَّ عشر رمضان فُضِّل بليلةٍ واحدةٍ، وهذا جميع لياليه متساويةٌ، والتَّحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخِّرين من العلماء (٢): إنَّ مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلةٌ لا يفضل عليها غيرها. انتهى. واستُدِلَّ به على فضل صيام عشر الحجَّة لاندراج الصَّوم في العمل، وعُورِض بتحريم صوم يوم العيد، وأُجيب بحمله على الغالب، ولا ريب أنَّ صيام رمضان أفضل من صوم العشر لأنَّ فعل الفرض أفضل من النَّفل من غير تردُّدٍ، وعلى هذا فكلُّ ما فُعِل من فرضٍ في العشر فهو أفضل من فرضٍ فُعِل في غيره، وكذا النَّفل (قَالُوا): يا رسول الله (وَلَا الجِهَادُ) أفضل منه؟ (٣) وزاد أبو ذَرٍّ: «في سبيل الله» (قَالَ) : (وَلَا الجِهَادُ) في سبيل الله، ثمَّ استثنى جهادًا واحدًا وهو أفضل الجهاد، فقال: (إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ) أي: إلَّا عملُ رجلٍ، فهو مرفوعٌ على البدل، والاستثناء متَّصلٌ، وقِيلَ: منقطعٌ، أي: لكن رجلٌ خرج يخاطر بنفسه، فهو أفضل من غيره أو مساوٍ له، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه إنَّما يستقيم على اللُّغة التَّميميَّة، وإلَّا فالمنقطع عند غيرهم واجبُ النَّصب، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «إلَّا من خرج» حال كونه (يُخَاطِرُ) من المخاطرة وهي ارتكاب ما فيه خطرٌ (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) من ماله وإن رجع هو، أو لم يرجع هو ولا ماله بأن ذهب ماله واستُشهِد، كذا قرَّره ابن بطَّالٍ، وتعقَّبه الزَّين بن المُنَيِّر بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» يستلزم أنَّه يرجع (٤) بنفسه، ولا بدَّ، وأُجيب بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» نكرةٌ في سياق النَّفي، فتعمُّ ما ذكره، وعند أبي عَوانة من طريق

إبراهيم بن حُمَيْدٍ عن شعبة: «إلَّا من عقر جواده وأُهرِيق دمُه»، وعنده من (١) رواية القاسم بن أبي (٢) أيُّوب: «إلَّا من لا يرجع بنفسه وماله (٣)».

وفي هذا الحديث: أنَّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، والثَّاني بسطاميٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصِّيام» (٤)، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

(١٢) (بابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى) يوم العيد، والثَّلاثة بعده (وَ) التَّكبير (إِذَا غَدَا) صبيحة التَّاسع (إِلَى عَرَفَةَ) للوقوف بها.

(وَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب () ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ من رواية عبيد بن عميرٍ عنه، وأبو عبيدٍ من وجهٍ آخر، والبيهقيُّ من طريقه، ولأبي ذَرٍّ ممَّا (١) في فرع «اليونينيَّة»: «وكان ابن عمر» (يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ) بضمِّ القاف وتشديد الباء المُوحَّدة، بيتٌ صغيرٌ من الخيام مستديرٌ، من بيوت العرب (بِمِنًى) في أيَّامها (فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ) بتكبيره (حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى) بتشديد الجيم، أي: تضطرب وتتحرَّك مبالغةً في اجتماع رفع الأصوات (تَكْبِيرًا) بالنَّصب، أي: لأجل التَّكبير، وقد أبدى الخطابيُّ للتَّكبير أيَّام منًى حكمةً، وهي أنَّ الجاهليَّة كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشُرِع التَّكبير فيها إشارةً إلى تخصيص الذَّبح له، وعلى اسمه ﷿.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا وصله ابن المنذر، والفاكهيُّ (٢) في «أخبار مكَّة» من طريق ابن جُريجٍ: أخبرني نافعٌ أنَّ ابن عمر كان (يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ) أي: أيَّام منًى (وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ) المكتوبات وغيرها (وَعَلَى فِرَاشِهِ) بالإفراد، وللحَمُّويي والمُستملي: «وعلى فرشه» (وَفِي فُسْطَاطِهِ) بضمِّ الفاء، وقد تُكسرُ: بيتٌ من شَعَرٍ (وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ) بفتح الميم الأولى، موضع مشيه (تِلْكَ الأَيَّامَ) ظرفٌ للمذكورات، أي: في تلك الأيَّام، وكرَّرها للتَّأكيد والمبالغة، ثمَّ أكَّد ذلك أيضًا بقوله: (جَمِيعًا) ويُروَى: «وتلك» (٣) بواو العطف.

(وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليَّة، المُتوفَّاة بسَرِفٍ -بين مكَّة والمدينة، حيث

بنى بها سنة إحدى وخمسين (تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ) قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: لم أقف على أثرها هذا موصولًا، وقال صاحب «العمدة»: روى البيهقيُّ تكبيرها يوم النَّحر (وَكُنَّ النِّسَاءُ) على لغة «أكلوني البراغيث»، ولأبي ذَرٍّ: «وكان النِّساء» (يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف نونٌ (بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان، وكان أميرًا على المدينة في زمن ابن عمِّ أبيه عبد الملك بن مروان (وَ) خلف أمير المؤمنين (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ) أحد الخلفاء الرَّاشدين، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي الدُّنيا في «كتاب العيد» (لَيَالِيَ) أيَّام (التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ) فهذه الآثار قد اشتملت على وجود التَّكبير في تلك الأيَّام عقب الصَّلوات وغيرها من الأحوال، وللعلماء في ذلك اختلافٌ: هل يختصُّ بالمكتوبات أو يعمُّ النَّوافل؟ وبالمُؤدَّاة أو يعمُّ (١) المقضيَّة؟ وهل ابتداؤه من صبح يوم (٢) عرفة أو من ظهره؟ أو من صبح يوم النَّحر أو من ظهره؟ وهل الانتهاء إلى ظهر يوم النحر أو إلى ظهر ثانيه؟ أو إلى صبح آخر أيَّام التَّشريق أو إلى ظهره أو إلى عصره؟ وقد اجتمع من هذه ستَّةٌ وسبعون، بيان ذلك: أن تضرب أربعة الابتداء في خمسة الانتهاء تبلغ عشرين، يسقط منها كون ظهر النَّحر مبتدأً ومنتهى كليهما معًا، تصير تسعة عشر، تضربها في الأربعة الأولى الباقية تبلغ ستَّةً وسبعين، كذا قرَّره

البرماويُّ مع ما (١) نقله عن الكِرمانيِّ وغيره، ويُزاد على ذلك: هل يختصُّ بالرِّجال أو يعمُّ النِّساء؟ وبالجماعة أو يعمُّ المنفرد؟ وبالمقيم أو يعمُّ المسافر؟ وبساكن المصر أو يعمُّ أهل القرى؟ فهي ثمانيةٌ حكاها مع سابقتها النَّوويُّ، وزاد غيره في الانتهاء فقال: وقِيلَ: إلى عصر يوم النَّحر، قال في «الفتح»: وقد رواه البيهقيُّ عن أصحاب ابن مسعودٍ، ولم يثبت في شيءٍ من ذلك عن النَّبيِّ حديثٌ، وأصحُّ ما ورد فيه عن الصَّحابة قول عليٍّ وابن مسعودٍ: إنَّه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيَّام منًى، أخرجهما ابن المنذر وغيره، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيَّة أنَّ استحبابه يعمُّ الصَّلاة فرضًا ونفلًا، ولو جنازةً ومنذورةً ومقضيَّةً في زمن استحبابه لكلِّ مصلٍّ، حاجٍّ أو غيره، مقيمٍ أو مسافرٍ، ذكرٍ أو أنثى، منفردٍ أو غيره، من صبح يوم عرفة إلى عقيب عصر آخر أيَّام التَّشريق للاتِّباع، رواه الحاكم وصحَّحه، لكن ضعَّفه البيهقيُّ، قال في «المجموع»: والبيهقيُّ أتقن من شيخه الحاكم، وأشدُّ تحرِّيًا، وهذا في غير الحجِّ، وعليه العمل، كما قاله النَّوويُّ وصحَّحه في «الأذكار»، وقال في «الرَّوضة»: إنَّه الأظهر عند المحقِّقين، لكن صحَّح في «المنهاج» كـ «أصله»: أنَّ غير الحاجِّ كالحاجِّ، يكبِّر من ظهر يوم النَّحر إلى صبح آخر أيَّام التَّشريق، وخصَّ المالكيَّة استحبابه بالفرائض الحاضرة، وهو عندهم من ظهر يوم النَّحر إلى آخر صبح اليوم الرَّابع، وقال أبو حنيفة: يجب من صلاة صبح يوم عرفة، وينتهي بعصر يوم النَّحر، وقال صاحباه: يُختَم بعصر ثالث أيَّام التَّشريق، وهو على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعةٍ مستحبَّة عند أبي حنيفة، فلا يجب على أهل القرى، ولا بعد النَّوافل والوتر، ولا على منفردٍ، ونساءٍ إذا صلَّين بجماعةٍ (٢)، وقال صاحباه: يجب على كلِّ من يصلِّي المكتوبة لأنَّه شُرِعَ تبعًا لها، وأمَّا صفة التَّكبير، فقال المالكيَّة: الله أكبر، ثلاثًا، وإن قال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، كان حسنًا؛ لِما رُوِي: أنَّ جابرًا صلَّى في أيَّام التَّشريق، فلمَّا فرغ قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر (٣)، قِيلَ: واستمرَّ عليه العمل، فلذا أخذ به مالكٌ من غير تضييقٍ، وقال الحنفيَّة: يقول مرَّةً واحدةً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قالوا: وهذا هو

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله