الحديث رقم ٢٧٤٣ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح مسلم، تحت باب: باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال "بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر. فأووا إلى غار في جبل. فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل. فانطبقت عليهم.
فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمال عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها، لعل الله يفرجها عنكم.
فقال أحدهم: اللهم! إنه كان لي والدان شيخان كبيران. وامرأتي. ولي صبية صغار أرعى عليهم. فإذا أرحت عليهم، حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني. وأنه نأى بي ذات يوم الشجر. فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما. فحلبت كما كنت أحلب. فجئت بالحلاب. فقمت عند رؤوسهما. أكره أن أوقظهما من نومهما. وأكره أن أسقي الصبية قبلهما. والصبية يتضاغون عند قدمي. فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منه فرجة، نرى منه السماء. ففرج الله منه فرجة. فرأوا منها السماء.
وقال الآخر: اللهم! إنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال من النساء. وطلبت إليها نفسها. فأبت حتى آتيها بمائة دينار. فتعبت حتى جمعت مائة دينار. فجئتها بها. فلما وقعت بين رجليها.
⦗٢١٠٠⦘
قالت يا عبد الله! اتق الله. ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة. ففرج لهم.
وقال الآخر: اللهم! إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز. فلما قضى عمله قال: أعطني حقي. فعرضت عليه فرقه فرغب عنه. فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعائها. فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها. فخذها. فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت: إني لا أستهزئ بك. خذ ذلك البقر ورعائها. فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا ما بقي. ففرج الله ما بقي.
١٠٠ - م - (٢٧٤٣) وحدثنا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَا: أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج. أخبرني موسى بن عقبة. ح وحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مسهر عن عبيد الله. ح وحدثني أبو كريب ومحمد بن طريف البجلي. قالا: حدثنا ابن فضيل. حدثنا أبو ورقبة بن مسقلة. ح وحدثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ. وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يعقوب (يعنون ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ). حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صالح بن كيسان. كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بِمَعْنَى حَدِيثِ أبي ضمرة عن موسى بن عقبة. وزادوا في حديثهم: "وخرجوا يمشون". وفي حديث صالح "يتماشون". إلا عبيد الله فإن في حديثه "وخرجوا" ولم يذكر بعدها شيئا.
١٠٠ - م ٢ - (٢٧٤٣) حدثني مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عبد الرحمن بن بهرام وأبو بكر بن إسحاق (قال ابن سهل: حدثنا. وقال: الآخران أَخْبَرَنَا) أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ الله بن عمر قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "انطلق ثلاثة رهط
⦗٢١٠١⦘
ممن كان قبلكم. حتى آواهم المبيت إلى غار" واقتص الحديث بمعنى حديث نافع عن ابن عمر. غير أنه قال: قال رجل منهم "اللهم! كان لي أبوان شيخان كبيران. فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا". وقال "فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين. فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار". وقال "فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال. فارتعجت". وقال "فخرجوا من الغار يمشون".
بسم الله الرحمن الرحيم.
[٤٩ - كتاب التوبة]
[١ - باب في الحض على التوبة والفرح بها]
١ - (٢٦٧٥) حدثني سويد بن سعيد. حدثنا حفص بن مسيرة. حدثني زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبي هريرة،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال "قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه حيث ذكرني. والله! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة. ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا. ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا. وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول".
٢ - (٢٦٧٥) حدثني عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:
قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِلَّهِ أشد فرحا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالته، إذا وجدها".
٢ - م - (٢٦٧٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه.
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
[٢٧٤٢] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ تَجَنَّبُوا الِافْتِتَانَ بِهَا وَبِالنِّسَاءِ وَتَدْخُلُ فِي النِّسَاءِ الزَّوْجَاتُ وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات ودوام فِتْنَتِهِنَّ وَابْتِلَاءِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهِنَّ وَمَعْنَى الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا حُسْنُهَا لِلنُّفُوسِ وَنَضَارَتُهَا وَلَذَّتُهَا كَالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ فَإِنَّ النُّفُوسَ تَطْلُبُهَا طَلَبًا حَثِيثًا فَكَذَا الدُّنْيَا وَالثَّانِي سُرْعَةُ فَنَائِهَا كَالشَّيْءِ الْأَخْضَرِ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَمَعْنَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مِنَ الْقُرُونِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ فَيَنْظُرُ هَلْ تَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ أَمْ بِمَعْصِيَتِهِ وَشَهَوَاتِكُمْ
(بَاب قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ
[٢٧٤٣] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جبل) الغار النقب فى الجبل وأووا بقصر الهمزة)
وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ سَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا قَوْلُهُ (انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا) اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ كَرْبِهِ وَفِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِ وَيَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيلِ فَضَائِلِهِمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَفَضْلِ خِدْمَتِهِمَا وَإِيثَارِهِمَا عَمَّنْ سِوَاهُمَا مِنَ الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ فَضْلُ الْعَفَافِ وَالِانْكِفَافِ عن المحرمات لاسيما بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالْهَمِّ بِفِعْلِهَا وَيُتْرَكُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَفِيهِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ وَفَضْلُ حُسْنِ الْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ قَوْلُهُ (فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ) مَعْنَاهُ إِذَا رَدَدْتُ الْمَاشِيَةَ مِنَ الْمَرْعِي إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَوْضِعِ مَبِيتِهَا وَهُوَ مُرَاحُهَا بِضَمِّ الْمِيمِ يُقَالُ أَرَحْتُ الْمَاشِيَةَ وَرَوَّحْتُهَا بِمَعْنًى قَوْلُهُ (نَأَى بِي ذَاتَ يوم الشجر) وفى بعض ناءبى فالأول يجعل الْهَمْزَةِ قَبْلَ الْأَلِفِ وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ السبعة والثانى عَكْسُهُ وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَمَعْنَاهُ بَعُدَ وَالثَّانِي الْبُعْدُ قَوْلُهُ (فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وهو الإناء الذى يحلب فيه يسع حلبة ناقة ويقال له المحلب بكسر الميم قال القاضي وقد يريد بالحلاب هنااللبن الْمَحْلُوبُ قَوْلُهُ (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) أَيْ يَصِيحُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ مِنَ الْجُوعِ قَوْلُهُ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي) أى
حَالِي اللَّازِمَةُ وَالْفُرْجَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا فَرْجٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ (وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) أَيْ جَلَسْتُ مَجْلِسَ الرَّجُلُ للوقاع قولها (لاتفتح الخاتم الابحقه) الْخَاتَمُ كِنَايَةٌ عَنْ بَكَارَتِهَا وَقَوْلُهُ بِحَقِّهِ أَيْ بنكاح لابزنا قَوْلُهُ (بِفَرَقِ أُرْزٍ) الْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَجْوَدُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ إِنَاءٌ يَسَعُ ثَلَاثَةَ آصَعٍ وَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ (فَرَغِبَ عَنْهُ) أَيْ كَرِهَهُ
وسخطه وتركه وقوله (لاأغبق قبلهما أهلا ولا مالا) فقوله لاأغبق بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْبَاءِ أَيْ مَا كُنْتُ أُقَدِّمُ عَلَيْهِمَا أَحَدًا فِي شُرْبِ نَصِيبِهِمَا عِشَاءً مِنَ اللَّبَنِ وَالْغَبُوقُ شُرْبُ الْعِشَاءِ وَالصَّبُوحُ شُرْبُ أول النهاريقال مِنْهُ غَبَقْتُ الرَّجُلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَغْبُقُهُ بِضَمِّهَا مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ غَبْقًا فَاغْتَبَقَ أَيْ سَقَيْتُهُ عِشَاءً فَشَرِبَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ ضَبْطِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالشُّرُوحِ وَقَدْ يُصَحِّفُهُ بَعْضُ مَنْ لَا أنس لَهُ فَيَقُولُ أُغْبِقُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَهَذَا غَلَطٌ قَوْلُهُ (أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ) أَيْ وَقَعَتْ فِي سَنَةٍ قَحْطٍ قَوْلُهُ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ) أَيْ ثَمَنَهُ قَوْلُهُ (حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فارتجعت) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْجِيمِ أَيْ كَثُرَتْ حَتَّى ظَهَرَتْ حَرَكَتُهَا وَاضْطِرَابُهَا وَمَوْجُ بَعْضِهَا فِي بعض لكثرتها والارتعاج والإضطراب وَالْحَرَكَةُ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُجِيزُ بَيْعَ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ والتصرف فيه بغير اذن
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
[٢٧٤٢] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَمَعْنَاهُ تَجَنَّبُوا الِافْتِتَانَ بِهَا وَبِالنِّسَاءِ وَتَدْخُلُ فِي النِّسَاءِ الزَّوْجَاتُ وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات ودوام فِتْنَتِهِنَّ وَابْتِلَاءِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهِنَّ وَمَعْنَى الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا حُسْنُهَا لِلنُّفُوسِ وَنَضَارَتُهَا وَلَذَّتُهَا كَالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ فَإِنَّ النُّفُوسَ تَطْلُبُهَا طَلَبًا حَثِيثًا فَكَذَا الدُّنْيَا وَالثَّانِي سُرْعَةُ فَنَائِهَا كَالشَّيْءِ الْأَخْضَرِ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَمَعْنَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا جَاعِلُكُمْ خُلَفَاءَ مِنَ الْقُرُونِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ فَيَنْظُرُ هَلْ تَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ أَمْ بِمَعْصِيَتِهِ وَشَهَوَاتِكُمْ
(بَاب قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ
[٢٧٤٣] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جبل) الغار النقب فى الجبل وأووا بقصر الهمزة)
وَيَجُوزُ فَتْحُهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ سَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا قَوْلُهُ (انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا) اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ كَرْبِهِ وَفِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ بِصَالِحِ عَمَلِهِ وَيَتَوَسَّلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيلِ فَضَائِلِهِمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَفَضْلِ خِدْمَتِهِمَا وَإِيثَارِهِمَا عَمَّنْ سِوَاهُمَا مِنَ الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِ فَضْلُ الْعَفَافِ وَالِانْكِفَافِ عن المحرمات لاسيما بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالْهَمِّ بِفِعْلِهَا وَيُتْرَكُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَفِيهِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ وَفَضْلُ حُسْنِ الْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ قَوْلُهُ (فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ) مَعْنَاهُ إِذَا رَدَدْتُ الْمَاشِيَةَ مِنَ الْمَرْعِي إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَوْضِعِ مَبِيتِهَا وَهُوَ مُرَاحُهَا بِضَمِّ الْمِيمِ يُقَالُ أَرَحْتُ الْمَاشِيَةَ وَرَوَّحْتُهَا بِمَعْنًى قَوْلُهُ (نَأَى بِي ذَاتَ يوم الشجر) وفى بعض ناءبى فالأول يجعل الْهَمْزَةِ قَبْلَ الْأَلِفِ وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ السبعة والثانى عَكْسُهُ وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَمَعْنَاهُ بَعُدَ وَالثَّانِي الْبُعْدُ قَوْلُهُ (فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وهو الإناء الذى يحلب فيه يسع حلبة ناقة ويقال له المحلب بكسر الميم قال القاضي وقد يريد بالحلاب هنااللبن الْمَحْلُوبُ قَوْلُهُ (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) أَيْ يَصِيحُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ مِنَ الْجُوعِ قَوْلُهُ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي) أى
حَالِي اللَّازِمَةُ وَالْفُرْجَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا فَرْجٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ قَوْلُهُ (وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا) أَيْ جَلَسْتُ مَجْلِسَ الرَّجُلُ للوقاع قولها (لاتفتح الخاتم الابحقه) الْخَاتَمُ كِنَايَةٌ عَنْ بَكَارَتِهَا وَقَوْلُهُ بِحَقِّهِ أَيْ بنكاح لابزنا قَوْلُهُ (بِفَرَقِ أُرْزٍ) الْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَجْوَدُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ إِنَاءٌ يَسَعُ ثَلَاثَةَ آصَعٍ وَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ (فَرَغِبَ عَنْهُ) أَيْ كَرِهَهُ
وسخطه وتركه وقوله (لاأغبق قبلهما أهلا ولا مالا) فقوله لاأغبق بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْبَاءِ أَيْ مَا كُنْتُ أُقَدِّمُ عَلَيْهِمَا أَحَدًا فِي شُرْبِ نَصِيبِهِمَا عِشَاءً مِنَ اللَّبَنِ وَالْغَبُوقُ شُرْبُ الْعِشَاءِ وَالصَّبُوحُ شُرْبُ أول النهاريقال مِنْهُ غَبَقْتُ الرَّجُلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَغْبُقُهُ بِضَمِّهَا مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ غَبْقًا فَاغْتَبَقَ أَيْ سَقَيْتُهُ عِشَاءً فَشَرِبَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ ضَبْطِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالشُّرُوحِ وَقَدْ يُصَحِّفُهُ بَعْضُ مَنْ لَا أنس لَهُ فَيَقُولُ أُغْبِقُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَهَذَا غَلَطٌ قَوْلُهُ (أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ) أَيْ وَقَعَتْ فِي سَنَةٍ قَحْطٍ قَوْلُهُ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ) أَيْ ثَمَنَهُ قَوْلُهُ (حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فارتجعت) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْجِيمِ أَيْ كَثُرَتْ حَتَّى ظَهَرَتْ حَرَكَتُهَا وَاضْطِرَابُهَا وَمَوْجُ بَعْضِهَا فِي بعض لكثرتها والارتعاج والإضطراب وَالْحَرَكَةُ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُجِيزُ بَيْعَ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ والتصرف فيه بغير اذن