(١٣) بَاب اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً…

الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ٣٣٢

الحديث رقم ٣٣٢ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح مسلم، تحت باب: (١٣) باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (١٣) باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض…

(١٣) بَاب اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ

٦٠ - (٣٣٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ:

سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنَ حَيْضَتِهَا؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ. ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرُ بِهَا.

⦗٢٦١⦘

قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ "تَطَهَّرِي بِهَا. سُبْحَانَ اللَّهِ! " وَاسْتَتَرَ (وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ) قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ. وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: فقلت: تتبعي بها آثار الدم.

(٣٣٢) - وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم:

كيف أغتسل عند الطهور؟ فَقَالَ "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا" ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ.

٦١ - (٣٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ؛ قَالَ:

سَمِعْتُ صَفِيَّةَ تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟ فَقَالَ "تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ [فَتَطَهَّرُ؟؟]. فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فتدلكه دلكا شديدا. حتى تبلغ شؤون رَأْسِهَا. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ. ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا" فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ "سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِينَ بِهَا" فَقَالَتْ عَائِشَةُ (كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ) تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ "تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ. أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ. حَتَّى تَبْلُغَ شؤون رَأْسِهَا. ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ! لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين.

(٣٣٢) - وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَقَالَ: قَالَ "سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا" وَاسْتَتَرَ.

(٣٣٢) - وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ:

دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ.

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: (١٣) باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض…

أخبرت عائشة رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية الاغتسال عند الطهر من الحيض، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم وبين لها كيفية اغتسالها، ثم بعد بيان كيفية الغسل قال لها: خذي قطعة من صوف أو قطن بها مسك، فتطهري بها أي تنظفي بتلك الفرصة المُمَسَّكة، والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة، فلم تفهم كيفية التطهر بها، وكرر عليه الصلاة والسلام قوله لها فقال: تطهري بها، ثم لما لم تفهم، قال: سبحان الله، تطهري بها، متعجبًا من خفاء ذلك عليها، قالت عائشة: فمددتها إلي، فقلت: تتبعي بالفرصة أثر الدم أي في الفرج.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحائض عند الاغتسال من الحيض يستحب لها أن تأخذ شيئًا يسيرًا من المسك تتطيب به، أو قطعةً مطيبة من المسك.
  • بيان ما هو العمل الذي تعمله المرأة في غسلها من الحيض.
  • مشروعية سؤال المرأة العالم، ولو كان عن أحوالها التي يحتشم منها.
  • التسبيح عند التعجب.
  • استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات.
  • جواز تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه.
  • صحة الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل.
  • الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لم يفهم.
  • أن المرء مطلوب بستر عيوبه، وإن كانت مما جبل عليها، استنباطًا من أمر المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة.
  • حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وعظيم حلمه وحيائه.
  • الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرير الجواب لإفهام السائل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: (١٣) باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض…

📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي

من الضِّعف، وأربيت من الربا، وقوله: (رَابَكَ مِن تَمرِكَ شَيءٌ) أصل الريب الشك، والمعنى: إن لم يوافقك ولم تُرِده.

[٣٣٢] وخبر أسامة يحتمل أن يكون النبي سئل عن صنفين مختلفين مثل ذهب بفضة متفاضلا، فقال: لا بأس (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) (١)، فحفظ أسامة الجواب ولم يحفظ السؤال.

[ومن باب ما ورد من التغليظ في أكل الربا]

[٣٣٣] حديث عبد الله : (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ آكِلَ الرِّبَا ومُؤْكِلَهُ) (٢)، آكل الربا الذي يأخذ الزيادة على رأس المال، ومؤكل الربا: الذي يعطي الزيادة.

وفي الحديث بيان أن المذنب والمعين في الذنب يشتركان في الإثم، قيل: آكله أعظم إثما، إلا أنهما يستويان في أن كل واحد منهما آثم.

[ومن باب ما ورد في ذكر الحلال والحرام]

[٣٣٤] حديث النعمان بن بشير : (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ) (٣)، استبرأ: أي طلب البراءة، وفي الحديث دليل أن الله تعالى بين الحدود والفرائض؛ نصا ودليلا وبيانا على لسان رسول الله ، وأحل البيع وحرم الربا،، فصارت الشبهة متخللة بين المحظور والمباح، فهي مضارعة لهما، فمن تركها سلِم من الحرام، ومن ركبها دخل في باب الاحتمال، وفيه مخاطرة

بالدين، وهذا الحديث أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبه.

وقوله (وَبَيْنَهُمَا مُشبَّهَاتٌ) (١) وفي رواية: (مُشْتَبِهَاتٌ) (٢)، فالمشبَّهات: جمع مشبَّهة، والمشتبهات جمع مشتبهة، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي اشتبه فلا نقف على المراد، وفيه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: يشبه بعضه بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم، وفيه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، أي: يشبه بعضه بعضا؛ لا تناقض فيه ولا اختلاف، وفي حديث حذيفة وذكر فتنة فقال: (تُشَبِّه، مُقْبِلة، وتُبَيِّن مُدْبِرة) (٣) أي: إن الفتنة إذا أقبلت شبَّهت على القوم وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويركبوا منها ما لا يحل، فإذا أدبرت وانقضت بان أمرها، فعلم من دخل فيها أنه كان على الحق (٤).

والمعنى: أنها تشتبه على كثير من الناس، وقد جعل الله ﷿ للأمور الشرع بيانا، ونصب عليها دليلا، غير أن من البيان ما هو خفي لا يعرفه إلا الراسخ في العلم، يدل على هذا قوله: (لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)، فالواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبرئ الشك، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التبين، لم يأمن أن يقع في المحرم عليه، وذلك معنى الحمى؛ وضربه المثل به.

ففي قوله: (الْحَلَالُ بَيِّنُ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) دليل على أن الأحكام إذا وقعت

فيها الشبهة ينظر في ذلك، فإن كان لذاك الشيء أصل في التحليل أو التحريم، فإنه يتمسك به حتى يزيل الشبهة يقينُ العلم، والمثال في الحلال: الزوجة تكون للرجل، والجارية تكون عنده يتسراها ويطؤها فيشك هل طلق تلك أو أعتق هذه، فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع الطلاق، أو وقوعَ عتق، وكذلك الماء يكون عنده؛ وأصله الطهارة، فيشك هل وقعت فيه نجاسة أم لا، فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أنه قد حلته نجاسة، ومثل هذا كثير.

وأما الشيء إذا كان أصله الحظر، وإنما يستباح بشرائط: كالفروج لا تحل إلا بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة، فإنه مهما شك في وجود تلك الشرائط؛ كان باقيا على أصل الحظر، ولو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات، ولم يميزها بعينها وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان القسمان حكمهما الوقوف واللزوم.

وهاهنا قسم ثالث: وهو أن يوجد الشيء ليس يعرف له أصل متقدم في التحليل ولا في التحريم، وقد استوى وجها الإمكان فيه حِلّا أو حرمة، فإن الورع فيما هذا سبيله: الترك والاجتناب، وهذا كما روي أن النبي مر بتمرة ملقاة في الطريق فقال: (لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا) (١)، وقدم إليه الضب فلم يأكله وقال: (إِنَّ أُمَّةً مُسِخَت فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْهَا) (٢)، ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره (٣)، ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة، فإن الاختيار تركها، فإذا تيقن أن عينه حرام؛ فحينئذ يجب عليه اجتنابها.

📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي

من الضِّعف، وأربيت من الربا، وقوله: (رَابَكَ مِن تَمرِكَ شَيءٌ) أصل الريب الشك، والمعنى: إن لم يوافقك ولم تُرِده.

[٣٣٢] وخبر أسامة يحتمل أن يكون النبي سئل عن صنفين مختلفين مثل ذهب بفضة متفاضلا، فقال: لا بأس (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) (١)، فحفظ أسامة الجواب ولم يحفظ السؤال.

[ومن باب ما ورد من التغليظ في أكل الربا]

[٣٣٣] حديث عبد الله : (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ آكِلَ الرِّبَا ومُؤْكِلَهُ) (٢)، آكل الربا الذي يأخذ الزيادة على رأس المال، ومؤكل الربا: الذي يعطي الزيادة.

وفي الحديث بيان أن المذنب والمعين في الذنب يشتركان في الإثم، قيل: آكله أعظم إثما، إلا أنهما يستويان في أن كل واحد منهما آثم.

[ومن باب ما ورد في ذكر الحلال والحرام]

[٣٣٤] حديث النعمان بن بشير : (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ) (٣)، استبرأ: أي طلب البراءة، وفي الحديث دليل أن الله تعالى بين الحدود والفرائض؛ نصا ودليلا وبيانا على لسان رسول الله ، وأحل البيع وحرم الربا،، فصارت الشبهة متخللة بين المحظور والمباح، فهي مضارعة لهما، فمن تركها سلِم من الحرام، ومن ركبها دخل في باب الاحتمال، وفيه مخاطرة

بالدين، وهذا الحديث أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبه.

وقوله (وَبَيْنَهُمَا مُشبَّهَاتٌ) (١) وفي رواية: (مُشْتَبِهَاتٌ) (٢)، فالمشبَّهات: جمع مشبَّهة، والمشتبهات جمع مشتبهة، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي اشتبه فلا نقف على المراد، وفيه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: يشبه بعضه بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم، وفيه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، أي: يشبه بعضه بعضا؛ لا تناقض فيه ولا اختلاف، وفي حديث حذيفة وذكر فتنة فقال: (تُشَبِّه، مُقْبِلة، وتُبَيِّن مُدْبِرة) (٣) أي: إن الفتنة إذا أقبلت شبَّهت على القوم وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويركبوا منها ما لا يحل، فإذا أدبرت وانقضت بان أمرها، فعلم من دخل فيها أنه كان على الحق (٤).

والمعنى: أنها تشتبه على كثير من الناس، وقد جعل الله ﷿ للأمور الشرع بيانا، ونصب عليها دليلا، غير أن من البيان ما هو خفي لا يعرفه إلا الراسخ في العلم، يدل على هذا قوله: (لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)، فالواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبرئ الشك، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التبين، لم يأمن أن يقع في المحرم عليه، وذلك معنى الحمى؛ وضربه المثل به.

ففي قوله: (الْحَلَالُ بَيِّنُ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) دليل على أن الأحكام إذا وقعت

فيها الشبهة ينظر في ذلك، فإن كان لذاك الشيء أصل في التحليل أو التحريم، فإنه يتمسك به حتى يزيل الشبهة يقينُ العلم، والمثال في الحلال: الزوجة تكون للرجل، والجارية تكون عنده يتسراها ويطؤها فيشك هل طلق تلك أو أعتق هذه، فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع الطلاق، أو وقوعَ عتق، وكذلك الماء يكون عنده؛ وأصله الطهارة، فيشك هل وقعت فيه نجاسة أم لا، فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أنه قد حلته نجاسة، ومثل هذا كثير.

وأما الشيء إذا كان أصله الحظر، وإنما يستباح بشرائط: كالفروج لا تحل إلا بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة، فإنه مهما شك في وجود تلك الشرائط؛ كان باقيا على أصل الحظر، ولو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات، ولم يميزها بعينها وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان القسمان حكمهما الوقوف واللزوم.

وهاهنا قسم ثالث: وهو أن يوجد الشيء ليس يعرف له أصل متقدم في التحليل ولا في التحريم، وقد استوى وجها الإمكان فيه حِلّا أو حرمة، فإن الورع فيما هذا سبيله: الترك والاجتناب، وهذا كما روي أن النبي مر بتمرة ملقاة في الطريق فقال: (لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا) (١)، وقدم إليه الضب فلم يأكله وقال: (إِنَّ أُمَّةً مُسِخَت فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْهَا) (٢)، ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره (٣)، ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة، فإن الاختيار تركها، فإذا تيقن أن عينه حرام؛ فحينئذ يجب عليه اجتنابها.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.2 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله