الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ٣٩
الحديث رقم ٣٩ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح مسلم، تحت باب: (١٤) باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
(١٤) بَاب بَيَانِ تَفَاضُلِ الإِسْلَامِ، وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ
٦٣ - (٣٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ
"تُطْعِمُ الطَّعَامَ. وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لم تعرف".
سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ خِصَالِ الإسلامِ أفضلُ؟ فَذَكَرَ خَصْلتين:
الأولى: الإكثار من إطعام الفقراء، ويدخل فيه الصدقة والهدية والضيافة والوليمة، وتتأكد فضيلة الإطعام في أوقات المجاعة وغلاء الأسعار.
والثانية: إلقاء السلام على كلِّ مسلم، عَرَفْتَه أوْ لم تَعْرِفْه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
البَضعَةِ) يعني: القطعةَ من اللحم (تَدَردَرُ) أي: تتدردر، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومعناه تضطرب وتتحرك، وقوله: (عَلَى خَيرِ فِرقَةٍ مِنَ النَّاسِ) (١) أي: على خير جماعة من الناس.
وقوله: (سِيمَاهُم التَّحلِيقُ) (٢) سيماهم أي: علامتهم. والتحليق: مصدر حَلَّق يُحَلِّقُ تحليقا، وكان الخوارج يحلقون ولا يتركون الشعر عليها (٣)، إما ليتميزوا بذلك عن غيرهم، وإما ليجعلوا ذلك سِمَةً لهم، وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) الغرضُ: الهدف، وهو موضع مرتفع يُرمى إليه عند تعلم الرمي، و (مَارِقَةٌ): فاعلة من مرَق، وقوله: (عِندَ فُرقَةٍ) أي: عند افتراق.
* * *
[٣٩] وقوله: (فَإِنَّ الحَربَ خَدْعَةٌ) (٤) بفتح الخاء، ومعناه: ينقضي أمرها بخدعة واحدة (٥)، وأما (الخُدعة): بضم الخاء وسكون الدال: فما يخدع به، وأما (الخُدَعة): بضم الخاء وفتح الدال؛ فالخَدَّاعُ الذي يخدع الناس كثيرا (٦)، وقيل: خُدَعة أي: يخدع، وقال أبو عبيد: سمعت الكسائي يقول: الحرب خُدَعة (٧) بفتح الدال.
وفي حديث: (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقْتُلُوهُمْ) يعني: فإذا لقيتموهم فقاتلوكم فاقتلوهم، وفي رواية: (رَجُل مُخْدَجُ اليَدِ)، أي: ناقص اليد، أَوْ مُودَنُ اليَدِ، أَو مُثَدَّنُ اليَدِ) (١)، قال ابن الأنباري - في حديث ذي الثُّدَيَّة: أنه مُودَن اليد، وروي: مَودُون اليد -: فمن رواه مُودَن اليد، ومَوْدُون اليد فهو مأخوذ من قول العرب: وَدِنْتُ الشيءَ وأَوْدَنْتُه، إذا نقصتُه وصَغَّرتُه (٢)، وقوله: (مُثَدَّنُ اليَدِ) وروي: (مَثدُونُ اليَدِ) ومعناه صغير اليد مجتمعُها بمنزلة ثُنْدُوَّةِ الثدي (٣)، وأصله: (مُثَنَّدُ الْيَدِ) فقُلِب وقدم الدال على النون، كما قالوا: جبد وجذب، وعاث وعثا، قوله: (لَوْلَا أَن تَبطَرُوا) البَطَر: الطغيان عند النعمة، وقيل: البَطَر التكبر.
وقوله: (ليسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ)، أي: مع قراءتهم، أو بالإضافة إلى قراءتهم، وقوله: (مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُم) (٤)، أي: ما حُكِم لهم بالثواب الجزيل، والأجر الكثير، (لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَل) (٥)، أي: لَاتَّكَلوا على ذلك؛ مُعرضين عن العمل، يقال: رجل وَكِلٌ: إذا اتكل على غيره،
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثم استقاموا أَيْ وَحَّدُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِهِ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْتَزَمُوا طَاعَتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وقال بن عباس رضى الله عنهما فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ فَقَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الِاسْتِقَامَةُ دَرَجَةٌ بِهَا كَمَالُ الْأُمُورِ وَتَمَامُهَا وَبِوُجُودِهَا حُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَنِظَامُهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَتِهِ ضَاعَ سَعْيُهُ وَخَابَ جَهْدُهُ قَالَ وَقِيلَ الِاسْتِقَامَةُ لَا يُطِيقُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ لِأَنَّهَا الْخُرُوجُ عَنِ الْمَعْهُودَاتِ وَمُفَارَقَةُ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ وَالْقِيَامُ بَيْنَ يَدِيِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ الْخَصْلَةُ الَّتِي بِهَا كَمُلَتِ الْمَحَاسِنُ وَبِفَقْدِهَا قَبُحَتِ الْمَحَاسِنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ
[٣٩] فِيهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ)
خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) وَفِي رِوَايَةِ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ قَوْلُهُ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مَعْنَاهُ أَيُّ خِصَالِهِ وَأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُ الْجَوَابِ فِي خَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِاخْتِلَافِ حَالِ السَّائِلِ وَالْحَاضِرِينَ فَكَانَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْحَاجَةُ إِلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لِمَا حَصَلَ مِنْ إِهْمَالِهِمَا وَالتَّسَاهُلِ فِي أُمُورِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ إِلَى الْكَفِّ عَنْ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ
[٤٠] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالُوا مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ هذا كما يقال العلم ما نفع أوالعالم زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ أَوِ الْمَحْبُوبُ وَكَمَا يُقَالُ النَّاسُ الْعَرَبُ وَالْمَالُ الْإِبِلُ فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى تَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ أَيْ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ عَرَفْتَهُ أَمْ لَمْ تَعْرِفْهُ وَلَا تَخُصَّ بِهِ مَنْ تَعْرِفُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّمُ ابْتِدَاءً عَلَى كَافِرٍ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ فَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَالْجُودِ وَالِاعْتِنَاءِ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بقول
أو فعل مباشرة أَوْ سَبَبٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ احْتِقَارِهِمْ وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَوَادُّهِمْ وَاسْتِجْلَابِ مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ الله والالفة احدى فرائط الدِّينِ وَأَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ وَنِظَامِ شَمْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ وَفِيهِ بَذْلُ السَّلَامِ لِمَنْ عَرَفْتَ وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِفْ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَةً وَلَا مَلَقًا وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءِ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَمَّا أَسْمَاءُ رِجَالِ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَعْنِي بن العاصى قال مسلم رحمه الله وحدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو المصرى أخبرنا بن وهب عن عمرو بن الحرث عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّةٌ جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيزِ الْأَسَانِيدِ فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَيَزْدَادُ قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَةِ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَجَلَالَتُهُ وَفِقْهُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَشِدَّةُ وَرَعِهِ وَزَهَادَتُهُ وَإِكْثَارُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَمَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا أَبُو الخير بالخاء المعجمة واسمه مرثد بالمثلثة بن عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى يَزَنَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ كَانَ أَبُو الْخَيْرِ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَكُنْيَتُهُ أَبُو رَجَاءٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَالَ بن يُونُسَ وَكَانَ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقَبْلَ ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحمم وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَزِيدُ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِمَامَتُهُ وَجَلَالَتُهُ وَصِيَانَتُهُ وَبَرَاعَتُهُ وَشَهَادَةُ أَهْلِ عَصْرِهِ سخائه وَسِيَادَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيلِ حَالَاتِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَيَكْفِي فِي جَلَالَتِهِ شَهَادَةُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الشَّافِعِيِّ وبن بَكِيرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ اللَّيْثَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شهدا وهم بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ وَإِجْلَالِ مَالِكٍ ومعرفتها بِأَحْوَالِهِ هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَةِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ كَانَ دَخْلُ اللَّيْثِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مَا أَوْجَبَ
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ زَكَاةً قَطُّ وَقَالَ قُتَيْبَةُ لَمَّا قَدِمَ اللَّيْثُ أَهْدَى لَهُ مَالِكٌ مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانَ اللَّيْثُ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وأما محمد بن رمح فقال بن يُونُسَ هُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ وَفِقْهِهِ وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَابِ دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّهَا طَيِّبَةُ الْأَصْلِ وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِكٍ لَأَثْبَتُّهُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ فَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ وَزُهْدُهُ وَحِفْظُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَاعْتِمَادُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ أَهْلِ مِصْرَ وَمَا وَالَاهَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَكُلُّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إِلَى أَحَدٍ وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إلى بن وهب رحمه الله وأما عمرو بن الحرث فهو مفتى اهل مصر في زمنه وقاريهم قَالَ أَبُو زُرْعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحِفْظِ فِي زَمَنِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ وقال مالك بن أنس عمرو بن الحرث دُرَّةُ الْغَوَّاصِ وَقَالَ هُوَ مُرْتَفِعُ الشَّأْنِ وَقَالَ بن وهب سمعت من ثلاثمائة وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَمْرِو بن الحرث رَحِمَهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الآخر
[٤١] (أبو عاصم عن بن جريج عن أبىالزبير) أَمَّا أَبُو عَاصِمٍ فَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ وأما بن جريج
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
البَضعَةِ) يعني: القطعةَ من اللحم (تَدَردَرُ) أي: تتدردر، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومعناه تضطرب وتتحرك، وقوله: (عَلَى خَيرِ فِرقَةٍ مِنَ النَّاسِ) (١) أي: على خير جماعة من الناس.
وقوله: (سِيمَاهُم التَّحلِيقُ) (٢) سيماهم أي: علامتهم. والتحليق: مصدر حَلَّق يُحَلِّقُ تحليقا، وكان الخوارج يحلقون ولا يتركون الشعر عليها (٣)، إما ليتميزوا بذلك عن غيرهم، وإما ليجعلوا ذلك سِمَةً لهم، وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) الغرضُ: الهدف، وهو موضع مرتفع يُرمى إليه عند تعلم الرمي، و (مَارِقَةٌ): فاعلة من مرَق، وقوله: (عِندَ فُرقَةٍ) أي: عند افتراق.
* * *
[٣٩] وقوله: (فَإِنَّ الحَربَ خَدْعَةٌ) (٤) بفتح الخاء، ومعناه: ينقضي أمرها بخدعة واحدة (٥)، وأما (الخُدعة): بضم الخاء وسكون الدال: فما يخدع به، وأما (الخُدَعة): بضم الخاء وفتح الدال؛ فالخَدَّاعُ الذي يخدع الناس كثيرا (٦)، وقيل: خُدَعة أي: يخدع، وقال أبو عبيد: سمعت الكسائي يقول: الحرب خُدَعة (٧) بفتح الدال.
وفي حديث: (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقْتُلُوهُمْ) يعني: فإذا لقيتموهم فقاتلوكم فاقتلوهم، وفي رواية: (رَجُل مُخْدَجُ اليَدِ)، أي: ناقص اليد، أَوْ مُودَنُ اليَدِ، أَو مُثَدَّنُ اليَدِ) (١)، قال ابن الأنباري - في حديث ذي الثُّدَيَّة: أنه مُودَن اليد، وروي: مَودُون اليد -: فمن رواه مُودَن اليد، ومَوْدُون اليد فهو مأخوذ من قول العرب: وَدِنْتُ الشيءَ وأَوْدَنْتُه، إذا نقصتُه وصَغَّرتُه (٢)، وقوله: (مُثَدَّنُ اليَدِ) وروي: (مَثدُونُ اليَدِ) ومعناه صغير اليد مجتمعُها بمنزلة ثُنْدُوَّةِ الثدي (٣)، وأصله: (مُثَنَّدُ الْيَدِ) فقُلِب وقدم الدال على النون، كما قالوا: جبد وجذب، وعاث وعثا، قوله: (لَوْلَا أَن تَبطَرُوا) البَطَر: الطغيان عند النعمة، وقيل: البَطَر التكبر.
وقوله: (ليسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ)، أي: مع قراءتهم، أو بالإضافة إلى قراءتهم، وقوله: (مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُم) (٤)، أي: ما حُكِم لهم بالثواب الجزيل، والأجر الكثير، (لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَل) (٥)، أي: لَاتَّكَلوا على ذلك؛ مُعرضين عن العمل، يقال: رجل وَكِلٌ: إذا اتكل على غيره،
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثم استقاموا أَيْ وَحَّدُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِهِ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْتَزَمُوا طَاعَتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وقال بن عباس رضى الله عنهما فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ فَقَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الِاسْتِقَامَةُ دَرَجَةٌ بِهَا كَمَالُ الْأُمُورِ وَتَمَامُهَا وَبِوُجُودِهَا حُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَنِظَامُهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَتِهِ ضَاعَ سَعْيُهُ وَخَابَ جَهْدُهُ قَالَ وَقِيلَ الِاسْتِقَامَةُ لَا يُطِيقُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ لِأَنَّهَا الْخُرُوجُ عَنِ الْمَعْهُودَاتِ وَمُفَارَقَةُ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ وَالْقِيَامُ بَيْنَ يَدِيِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ الْخَصْلَةُ الَّتِي بِهَا كَمُلَتِ الْمَحَاسِنُ وَبِفَقْدِهَا قَبُحَتِ الْمَحَاسِنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ
[٣٩] فِيهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ)
خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) وَفِي رِوَايَةِ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ قَوْلُهُ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مَعْنَاهُ أَيُّ خِصَالِهِ وَأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُ الْجَوَابِ فِي خَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِاخْتِلَافِ حَالِ السَّائِلِ وَالْحَاضِرِينَ فَكَانَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْحَاجَةُ إِلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لِمَا حَصَلَ مِنْ إِهْمَالِهِمَا وَالتَّسَاهُلِ فِي أُمُورِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ إِلَى الْكَفِّ عَنْ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ
[٤٠] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالُوا مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ هذا كما يقال العلم ما نفع أوالعالم زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ أَوِ الْمَحْبُوبُ وَكَمَا يُقَالُ النَّاسُ الْعَرَبُ وَالْمَالُ الْإِبِلُ فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى تَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ أَيْ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ عَرَفْتَهُ أَمْ لَمْ تَعْرِفْهُ وَلَا تَخُصَّ بِهِ مَنْ تَعْرِفُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّمُ ابْتِدَاءً عَلَى كَافِرٍ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ فَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَالْجُودِ وَالِاعْتِنَاءِ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بقول
أو فعل مباشرة أَوْ سَبَبٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ احْتِقَارِهِمْ وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَوَادُّهِمْ وَاسْتِجْلَابِ مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ الله والالفة احدى فرائط الدِّينِ وَأَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ وَنِظَامِ شَمْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ وَفِيهِ بَذْلُ السَّلَامِ لِمَنْ عَرَفْتَ وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِفْ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَةً وَلَا مَلَقًا وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءِ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَمَّا أَسْمَاءُ رِجَالِ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَعْنِي بن العاصى قال مسلم رحمه الله وحدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو المصرى أخبرنا بن وهب عن عمرو بن الحرث عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّةٌ جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيزِ الْأَسَانِيدِ فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَيَزْدَادُ قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَةِ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَجَلَالَتُهُ وَفِقْهُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَشِدَّةُ وَرَعِهِ وَزَهَادَتُهُ وَإِكْثَارُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَمَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا أَبُو الخير بالخاء المعجمة واسمه مرثد بالمثلثة بن عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى يَزَنَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ كَانَ أَبُو الْخَيْرِ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَكُنْيَتُهُ أَبُو رَجَاءٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَالَ بن يُونُسَ وَكَانَ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقَبْلَ ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحمم وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَزِيدُ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِمَامَتُهُ وَجَلَالَتُهُ وَصِيَانَتُهُ وَبَرَاعَتُهُ وَشَهَادَةُ أَهْلِ عَصْرِهِ سخائه وَسِيَادَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيلِ حَالَاتِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَيَكْفِي فِي جَلَالَتِهِ شَهَادَةُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الشَّافِعِيِّ وبن بَكِيرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ اللَّيْثَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شهدا وهم بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ وَإِجْلَالِ مَالِكٍ ومعرفتها بِأَحْوَالِهِ هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَةِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ كَانَ دَخْلُ اللَّيْثِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مَا أَوْجَبَ
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ زَكَاةً قَطُّ وَقَالَ قُتَيْبَةُ لَمَّا قَدِمَ اللَّيْثُ أَهْدَى لَهُ مَالِكٌ مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانَ اللَّيْثُ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وأما محمد بن رمح فقال بن يُونُسَ هُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ وَفِقْهِهِ وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَابِ دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّهَا طَيِّبَةُ الْأَصْلِ وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِكٍ لَأَثْبَتُّهُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ فَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ وَزُهْدُهُ وَحِفْظُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَاعْتِمَادُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ أَهْلِ مِصْرَ وَمَا وَالَاهَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَكُلُّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إِلَى أَحَدٍ وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إلى بن وهب رحمه الله وأما عمرو بن الحرث فهو مفتى اهل مصر في زمنه وقاريهم قَالَ أَبُو زُرْعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحِفْظِ فِي زَمَنِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ وقال مالك بن أنس عمرو بن الحرث دُرَّةُ الْغَوَّاصِ وَقَالَ هُوَ مُرْتَفِعُ الشَّأْنِ وَقَالَ بن وهب سمعت من ثلاثمائة وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَمْرِو بن الحرث رَحِمَهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الآخر
[٤١] (أبو عاصم عن بن جريج عن أبىالزبير) أَمَّا أَبُو عَاصِمٍ فَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ وأما بن جريج