الإسلام > حديث > صحيح مسلم > حديث ٤١
الحديث رقم ٤١ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح مسلم، تحت باب: (١٤) باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
" الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".
٦٥ - (٤١) حدثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ. قَالَ عبد: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ:
أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلمَ كاملَ الإسلامِ هو مَن سَلِم المسلمون من لسانه فلا يَسُبُّهم، ولا يَلعنُهم، ولا يغتابهم، ولا يسعى بينهم بأيِّ نوع من أنواع الأذى بلسانه،
وسلِموا مِن يده فلا يَعتدي عليهم، ولا يأخذ أموالَهم بغير حق، وما أشبه ذلك،
والمهاجر من ترك ما حرَّم الله تعالى.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
[ومن باب لا تحل الصدقة للنبي ﷺ ولا لأهل بيته]
[٤١] حديث أبي هريرة ﵁: (كِخْ كِخْ) (١) تفسير الكلمة في الحديث: (ارْمِ بِهَا)، وقوله: (أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟) الصدقة لم تكن تَحِلُّ للنبي ﷺ لما رفع الله من قدره، ونزَّهه منه، لأنها أوساخ الناس.
* * *
[٤٢] وفي حديث: (فَأَجِدُ الثَّمَرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) (٢) دليل أن الشبهاتِ يُتَوَرع منها، إذ قال: (أَخشَى أَن تَكُونَ صَدَقَةً) فألقاها.
* * *
[٤٣] وفي حديث أنس ﵁: (مَرَّ بِتَمرَةٍ فِي الطَّرِيقِ) (٣)، وفي حديث أبي هريرة: (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) دليل على جواز طرح الفراش ولباسه.
[ومن باب طلب الولاية]
[٤٤] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الأزهري، حدثنا أبو عوانة الإسفرايني، حدثنا أبو داود الحراني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، وأخبرنا أبو بكر الصابوني، - ولفظ الحديث له - أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن
مالك، عن الزهري: أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفي رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة حدثه قال:
(اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب ﵄ فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين - قال لي وللفضل بن العباس - إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأَمَّرَهُما على هذه الصدقات، فأدَّيا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيبه الناس، قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، قال علي ﵁: لا تفعلا، فوالله، ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله، لقد نلتَ صهر رسول الله ﷺ فما نَفِسْنَاه عليك، قال علي ﵁: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عَلِيٌّ ﵁، فلما صلَّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ)، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينبَ بنتِ جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لِتُؤَمِّرَنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِعُ إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنبَغِي لَآلِ مُحَمَّد)، وفي رواية أبي عوانة: (لَا يَنبَغِي لمحمد ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ) وكان على الخمس، وفي رواية أبي عوانة: (والعشور)، (وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، قال: فجاءاه، فقال لمَحْمِيَة: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ) - للفضل بن العباس - فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: (أَنكِح هَذَا الغُلَامَ ابْنَتَكَ) - لي -
فأنكحني، وقال لمحمية: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا)، وَكَذَا، قال الزهري: ولم يسمه لي) (١).
وفي رواية أبي عَوانة: (وَأَبَا سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ) بدل نوفل بن الحارث، وقال: أبو سفيان هو نوفل بن الحارث.
وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه: فألقى عَلِيٌّ رداءه ثم اضطجع عليه فقال: أنا أبو حسن القَرْمُ، وفي نسخة أنا أبو حسنٍ القَوْم، والله، لا أَرِيمُ مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْرِ ما بَعَثْتُما به، وفي هذه الرواية: فقال رسول الله ﷺ: (ادعُوَا لِي مَحمِيَّةَ بْنَ جَزءٍ)، وهو رجل من بني أسد، كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.
(رَبِيعَةُ بنُ الْحَارِثِ): بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ، و (العَبَّاسُ): عمه، و (عَبدَ الْمُطَّلِبِ): هو ابن ربيعة، و (الفَضلُ): هو ابن العباس، وهم جميعا من بني عبد المطلب، وصلِيبَةُ بني هاشم وبني المطلب حرمت عليهم الصدقة المفروضة، وجعل لهم نصيبهم من خمس الخمس عوضا منها.
وقوله: (فَأَمَّرَهُمَا): من الإمرة؛ وهي الولاية، (فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ) يعني ما يكون للمسلمين من الحق في تلك الصدقات، (وَأَصَابَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ) (٢) يعني من أجر العمل، وقوله: (وَاللهِ، لَو بَعَثْنَا هَذَيْنِ الغُلَامَيْنِ) لفظه لفظ القسم، وليس بقسم، إذا أرادوا تأكيد الكلام أدخلوا فيه هذا اللفظ، وقوله: (قَالَ لِي) هذا كلام عبد المطلب بن ربيعة، أي: قال العباس، أو قال ربيعة هذا الكلام
لأجلي وفي حقي، ولأجل الفضل وفي حقه، يعني: قولهما: (لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ)، وأظن في نسخة: (قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ) (١)، وقوله: (فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ) أي: قصده بالكلام، وقوله: (إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) التنافسُ: الحسد، وشيء مُنْفِسٌ ونفيس أي: يحسد به، وقوله: (نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّهْرُ هاهنا بمنزلة المُصَاهَرة، قال:
فَجئْت ابْن أَحْلَام النيام وَلم تَجِد … لصهرك إِلَّا نَفسها من تباعل (٢)
يقال لأهل بيت الخَتَنِ (٣)، وأهل بيت المرأة جميعا: أصهار، وقوله فقال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) أي: ما في قلوبكما، أي ما تَجْمعان في صدوركما، وكلُّ شيء جمعته فقد صَرَرْتَهُ، فإذا أردت التأكيد شددته فقلت صررته، وقوله: (وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ) أي: وقت النكاح، وقوله: (تُلْمعُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) يقال: لمَعَ الطائر بجناحيه إذا خَفَق بهما، ولَمَع الرجل بيده إذا أشار بها، ويقال: للجناح مِلْمَعٌ، قال حُمَيْدُ:
لَهَا مِلْمَعانِ، إِذا أَوْغَفَا … يَحُثَّانِ جُؤْجُؤَها بالوَحَى (٤)
يصف قَطاة (٥)، يقول لها جناحان تحركهما إذا أسرعت الطيران، يحث
ذلك الجناحان الصدرَ على موافقتهما، فيُسمعُ لذلك صوتٌ، ووَحْيُ الجناح حَفِيفُ صَوتِه.
وقوله: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ - للفضل بن العباس) أي: قال ذلك لأجل الفضل بن العباس كما ذكرناه، وكذلك قوله: (ابْنَتَكَ - لي -)، وقوله: (أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَوْمُ)؛ قوله: (الْقَرْمُ): قال أهل اللغة: القَرْم: السيد، وقال صاحب المجمل: القَرْم: السيد؛ شُبِّه بالقرم: وهو الفحل المكرم؛ لا يُحمل عليه؛ بل يترك للفحلة) (١)، ومن رواه: (أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ) (٢) بالواو، كأنه جعل الكلمتين كلمة، وأخرجها من باب الكنية إلى باب الاسم، وأضافه إلى القوم، ومعناه: أنا رجل القوم، وأنا فطِن القوم، وأنا ذو رأي القوم، وقوله: (لَا أَرِيمُ مَكَانِي) أي: لا أبرح مكاني، وقوله: (بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ) أي: بجواب ما بعثتما به، يقال: كلمته فما رجع إليّ حوارًا وحَوِيرًا وحَوْرًا ومَحُورَةً يعني: جوابًا، وقوله: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ)؛ أظن أن الصواب من بني زُبَيْدٍ، ولم يحضرني في الوقت كتابٌ أنظر فيه فأتقنُه (٣).
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثم استقاموا أَيْ وَحَّدُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِهِ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْتَزَمُوا طَاعَتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وقال بن عباس رضى الله عنهما فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ فَقَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الِاسْتِقَامَةُ دَرَجَةٌ بِهَا كَمَالُ الْأُمُورِ وَتَمَامُهَا وَبِوُجُودِهَا حُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَنِظَامُهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَتِهِ ضَاعَ سَعْيُهُ وَخَابَ جَهْدُهُ قَالَ وَقِيلَ الِاسْتِقَامَةُ لَا يُطِيقُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ لِأَنَّهَا الْخُرُوجُ عَنِ الْمَعْهُودَاتِ وَمُفَارَقَةُ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ وَالْقِيَامُ بَيْنَ يَدِيِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ الْخَصْلَةُ الَّتِي بِهَا كَمُلَتِ الْمَحَاسِنُ وَبِفَقْدِهَا قَبُحَتِ الْمَحَاسِنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ
[٣٩] فِيهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ)
خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) وَفِي رِوَايَةِ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ قَوْلُهُ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مَعْنَاهُ أَيُّ خِصَالِهِ وَأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُ الْجَوَابِ فِي خَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِاخْتِلَافِ حَالِ السَّائِلِ وَالْحَاضِرِينَ فَكَانَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْحَاجَةُ إِلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لِمَا حَصَلَ مِنْ إِهْمَالِهِمَا وَالتَّسَاهُلِ فِي أُمُورِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ إِلَى الْكَفِّ عَنْ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ
[٤٠] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالُوا مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ هذا كما يقال العلم ما نفع أوالعالم زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ أَوِ الْمَحْبُوبُ وَكَمَا يُقَالُ النَّاسُ الْعَرَبُ وَالْمَالُ الْإِبِلُ فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى تَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ أَيْ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ عَرَفْتَهُ أَمْ لَمْ تَعْرِفْهُ وَلَا تَخُصَّ بِهِ مَنْ تَعْرِفُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّمُ ابْتِدَاءً عَلَى كَافِرٍ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ فَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَالْجُودِ وَالِاعْتِنَاءِ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بقول
أو فعل مباشرة أَوْ سَبَبٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ احْتِقَارِهِمْ وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَوَادُّهِمْ وَاسْتِجْلَابِ مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ الله والالفة احدى فرائط الدِّينِ وَأَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ وَنِظَامِ شَمْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ وَفِيهِ بَذْلُ السَّلَامِ لِمَنْ عَرَفْتَ وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِفْ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَةً وَلَا مَلَقًا وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءِ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَمَّا أَسْمَاءُ رِجَالِ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَعْنِي بن العاصى قال مسلم رحمه الله وحدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو المصرى أخبرنا بن وهب عن عمرو بن الحرث عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّةٌ جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيزِ الْأَسَانِيدِ فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَيَزْدَادُ قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَةِ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَجَلَالَتُهُ وَفِقْهُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَشِدَّةُ وَرَعِهِ وَزَهَادَتُهُ وَإِكْثَارُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَمَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا أَبُو الخير بالخاء المعجمة واسمه مرثد بالمثلثة بن عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى يَزَنَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ كَانَ أَبُو الْخَيْرِ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَكُنْيَتُهُ أَبُو رَجَاءٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَالَ بن يُونُسَ وَكَانَ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقَبْلَ ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحمم وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَزِيدُ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِمَامَتُهُ وَجَلَالَتُهُ وَصِيَانَتُهُ وَبَرَاعَتُهُ وَشَهَادَةُ أَهْلِ عَصْرِهِ سخائه وَسِيَادَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيلِ حَالَاتِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَيَكْفِي فِي جَلَالَتِهِ شَهَادَةُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الشَّافِعِيِّ وبن بَكِيرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ اللَّيْثَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شهدا وهم بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ وَإِجْلَالِ مَالِكٍ ومعرفتها بِأَحْوَالِهِ هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَةِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ كَانَ دَخْلُ اللَّيْثِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مَا أَوْجَبَ
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ زَكَاةً قَطُّ وَقَالَ قُتَيْبَةُ لَمَّا قَدِمَ اللَّيْثُ أَهْدَى لَهُ مَالِكٌ مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانَ اللَّيْثُ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وأما محمد بن رمح فقال بن يُونُسَ هُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ وَفِقْهِهِ وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَابِ دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّهَا طَيِّبَةُ الْأَصْلِ وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِكٍ لَأَثْبَتُّهُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ فَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ وَزُهْدُهُ وَحِفْظُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَاعْتِمَادُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ أَهْلِ مِصْرَ وَمَا وَالَاهَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَكُلُّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إِلَى أَحَدٍ وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إلى بن وهب رحمه الله وأما عمرو بن الحرث فهو مفتى اهل مصر في زمنه وقاريهم قَالَ أَبُو زُرْعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحِفْظِ فِي زَمَنِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ وقال مالك بن أنس عمرو بن الحرث دُرَّةُ الْغَوَّاصِ وَقَالَ هُوَ مُرْتَفِعُ الشَّأْنِ وَقَالَ بن وهب سمعت من ثلاثمائة وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَمْرِو بن الحرث رَحِمَهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الآخر
[٤١] (أبو عاصم عن بن جريج عن أبىالزبير) أَمَّا أَبُو عَاصِمٍ فَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ وأما بن جريج
📚 التحرير في شرح صحيح مسلم - الإمام ابن عبد الهادي
[ومن باب لا تحل الصدقة للنبي ﷺ ولا لأهل بيته]
[٤١] حديث أبي هريرة ﵁: (كِخْ كِخْ) (١) تفسير الكلمة في الحديث: (ارْمِ بِهَا)، وقوله: (أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟) الصدقة لم تكن تَحِلُّ للنبي ﷺ لما رفع الله من قدره، ونزَّهه منه، لأنها أوساخ الناس.
* * *
[٤٢] وفي حديث: (فَأَجِدُ الثَّمَرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) (٢) دليل أن الشبهاتِ يُتَوَرع منها، إذ قال: (أَخشَى أَن تَكُونَ صَدَقَةً) فألقاها.
* * *
[٤٣] وفي حديث أنس ﵁: (مَرَّ بِتَمرَةٍ فِي الطَّرِيقِ) (٣)، وفي حديث أبي هريرة: (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) دليل على جواز طرح الفراش ولباسه.
[ومن باب طلب الولاية]
[٤٤] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الأزهري، حدثنا أبو عوانة الإسفرايني، حدثنا أبو داود الحراني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، وأخبرنا أبو بكر الصابوني، - ولفظ الحديث له - أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن
مالك، عن الزهري: أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفي رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة حدثه قال:
(اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب ﵄ فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين - قال لي وللفضل بن العباس - إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأَمَّرَهُما على هذه الصدقات، فأدَّيا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيبه الناس، قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، قال علي ﵁: لا تفعلا، فوالله، ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله، لقد نلتَ صهر رسول الله ﷺ فما نَفِسْنَاه عليك، قال علي ﵁: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عَلِيٌّ ﵁، فلما صلَّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ)، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينبَ بنتِ جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لِتُؤَمِّرَنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِعُ إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنبَغِي لَآلِ مُحَمَّد)، وفي رواية أبي عوانة: (لَا يَنبَغِي لمحمد ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ) وكان على الخمس، وفي رواية أبي عوانة: (والعشور)، (وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، قال: فجاءاه، فقال لمَحْمِيَة: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ) - للفضل بن العباس - فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: (أَنكِح هَذَا الغُلَامَ ابْنَتَكَ) - لي -
فأنكحني، وقال لمحمية: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا)، وَكَذَا، قال الزهري: ولم يسمه لي) (١).
وفي رواية أبي عَوانة: (وَأَبَا سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ) بدل نوفل بن الحارث، وقال: أبو سفيان هو نوفل بن الحارث.
وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه: فألقى عَلِيٌّ رداءه ثم اضطجع عليه فقال: أنا أبو حسن القَرْمُ، وفي نسخة أنا أبو حسنٍ القَوْم، والله، لا أَرِيمُ مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْرِ ما بَعَثْتُما به، وفي هذه الرواية: فقال رسول الله ﷺ: (ادعُوَا لِي مَحمِيَّةَ بْنَ جَزءٍ)، وهو رجل من بني أسد، كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.
(رَبِيعَةُ بنُ الْحَارِثِ): بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ، و (العَبَّاسُ): عمه، و (عَبدَ الْمُطَّلِبِ): هو ابن ربيعة، و (الفَضلُ): هو ابن العباس، وهم جميعا من بني عبد المطلب، وصلِيبَةُ بني هاشم وبني المطلب حرمت عليهم الصدقة المفروضة، وجعل لهم نصيبهم من خمس الخمس عوضا منها.
وقوله: (فَأَمَّرَهُمَا): من الإمرة؛ وهي الولاية، (فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ) يعني ما يكون للمسلمين من الحق في تلك الصدقات، (وَأَصَابَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ) (٢) يعني من أجر العمل، وقوله: (وَاللهِ، لَو بَعَثْنَا هَذَيْنِ الغُلَامَيْنِ) لفظه لفظ القسم، وليس بقسم، إذا أرادوا تأكيد الكلام أدخلوا فيه هذا اللفظ، وقوله: (قَالَ لِي) هذا كلام عبد المطلب بن ربيعة، أي: قال العباس، أو قال ربيعة هذا الكلام
لأجلي وفي حقي، ولأجل الفضل وفي حقه، يعني: قولهما: (لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ)، وأظن في نسخة: (قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ) (١)، وقوله: (فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ) أي: قصده بالكلام، وقوله: (إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) التنافسُ: الحسد، وشيء مُنْفِسٌ ونفيس أي: يحسد به، وقوله: (نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّهْرُ هاهنا بمنزلة المُصَاهَرة، قال:
فَجئْت ابْن أَحْلَام النيام وَلم تَجِد … لصهرك إِلَّا نَفسها من تباعل (٢)
يقال لأهل بيت الخَتَنِ (٣)، وأهل بيت المرأة جميعا: أصهار، وقوله فقال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) أي: ما في قلوبكما، أي ما تَجْمعان في صدوركما، وكلُّ شيء جمعته فقد صَرَرْتَهُ، فإذا أردت التأكيد شددته فقلت صررته، وقوله: (وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ) أي: وقت النكاح، وقوله: (تُلْمعُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) يقال: لمَعَ الطائر بجناحيه إذا خَفَق بهما، ولَمَع الرجل بيده إذا أشار بها، ويقال: للجناح مِلْمَعٌ، قال حُمَيْدُ:
لَهَا مِلْمَعانِ، إِذا أَوْغَفَا … يَحُثَّانِ جُؤْجُؤَها بالوَحَى (٤)
يصف قَطاة (٥)، يقول لها جناحان تحركهما إذا أسرعت الطيران، يحث
ذلك الجناحان الصدرَ على موافقتهما، فيُسمعُ لذلك صوتٌ، ووَحْيُ الجناح حَفِيفُ صَوتِه.
وقوله: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ - للفضل بن العباس) أي: قال ذلك لأجل الفضل بن العباس كما ذكرناه، وكذلك قوله: (ابْنَتَكَ - لي -)، وقوله: (أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَوْمُ)؛ قوله: (الْقَرْمُ): قال أهل اللغة: القَرْم: السيد، وقال صاحب المجمل: القَرْم: السيد؛ شُبِّه بالقرم: وهو الفحل المكرم؛ لا يُحمل عليه؛ بل يترك للفحلة) (١)، ومن رواه: (أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ) (٢) بالواو، كأنه جعل الكلمتين كلمة، وأخرجها من باب الكنية إلى باب الاسم، وأضافه إلى القوم، ومعناه: أنا رجل القوم، وأنا فطِن القوم، وأنا ذو رأي القوم، وقوله: (لَا أَرِيمُ مَكَانِي) أي: لا أبرح مكاني، وقوله: (بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ) أي: بجواب ما بعثتما به، يقال: كلمته فما رجع إليّ حوارًا وحَوِيرًا وحَوْرًا ومَحُورَةً يعني: جوابًا، وقوله: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ)؛ أظن أن الصواب من بني زُبَيْدٍ، ولم يحضرني في الوقت كتابٌ أنظر فيه فأتقنُه (٣).
📚 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - الإمام محيي الدين النووي
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثم استقاموا أَيْ وَحَّدُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِهِ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَحِيدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْتَزَمُوا طَاعَتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى أَنْ تُوُفُّوا عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وقال بن عباس رضى الله عنهما فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ فَقَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الِاسْتِقَامَةُ دَرَجَةٌ بِهَا كَمَالُ الْأُمُورِ وَتَمَامُهَا وَبِوُجُودِهَا حُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَنِظَامُهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا فِي حَالَتِهِ ضَاعَ سَعْيُهُ وَخَابَ جَهْدُهُ قَالَ وَقِيلَ الِاسْتِقَامَةُ لَا يُطِيقُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ لِأَنَّهَا الْخُرُوجُ عَنِ الْمَعْهُودَاتِ وَمُفَارَقَةُ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ وَالْقِيَامُ بَيْنَ يَدِيِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ الْخَصْلَةُ الَّتِي بِهَا كَمُلَتِ الْمَحَاسِنُ وَبِفَقْدِهَا قَبُحَتِ الْمَحَاسِنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيُّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ
[٣٩] فِيهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ)
خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) وَفِي رِوَايَةِ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ قَوْلُهُ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مَعْنَاهُ أَيُّ خِصَالِهِ وَأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُ الْجَوَابِ فِي خَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِاخْتِلَافِ حَالِ السَّائِلِ وَالْحَاضِرِينَ فَكَانَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْحَاجَةُ إِلَى إِفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لِمَا حَصَلَ مِنْ إِهْمَالِهِمَا وَالتَّسَاهُلِ فِي أُمُورِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ إِلَى الْكَفِّ عَنْ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ
[٤٠] وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَخَصَّ الْيَدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ بِهَا وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِإِضَافَةِ الِاكْتِسَابِ وَالْأَفْعَالِ إِلَيْهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ قَالُوا مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ الْكَامِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ هذا كما يقال العلم ما نفع أوالعالم زَيْدٌ أَيِ الْكَامِلُ أَوِ الْمَحْبُوبُ وَكَمَا يُقَالُ النَّاسُ الْعَرَبُ وَالْمَالُ الْإِبِلُ فَكُلُّهُ عَلَى التَّفْضِيلِ لَا لِلْحَصْرِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ثُمَّ إِنَّ كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِ مُتَعَلِّقٌ بِخِصَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةً وَإِنَّمَا خَصَّ مَا ذَكَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى تَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ أَيْ تُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ عَرَفْتَهُ أَمْ لَمْ تَعْرِفْهُ وَلَا تَخُصَّ بِهِ مَنْ تَعْرِفُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يُسَلَّمُ ابْتِدَاءً عَلَى كَافِرٍ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنَ الْعِلْمِ فَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَالْجُودِ وَالِاعْتِنَاءِ بِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفِّ عَمَّا يُؤْذِيهِمْ بقول
أو فعل مباشرة أَوْ سَبَبٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ احْتِقَارِهِمْ وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى تَأَلُّفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَوَادُّهِمْ وَاسْتِجْلَابِ مَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ الله والالفة احدى فرائط الدِّينِ وَأَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ وَنِظَامِ شَمْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ وَفِيهِ بَذْلُ السَّلَامِ لِمَنْ عَرَفْتَ وَلِمَنْ لَمْ تَعْرِفْ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا مُصَانَعَةً وَلَا مَلَقًا وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَإِفْشَاءِ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَمَّا أَسْمَاءُ رِجَالِ الْبَابِ فَقَالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَعْنِي بن العاصى قال مسلم رحمه الله وحدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو المصرى أخبرنا بن وهب عن عمرو بن الحرث عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلُّهُمْ مِصْرِيُّونَ أَئِمَّةٌ جِلَّةٌ وَهَذَا مِنْ عَزِيزِ الْأَسَانِيدِ فِي مُسْلِمٍ بَلْ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ اتِّفَاقَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي كَوْنِهِمْ مِصْرِيِّينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَيَزْدَادُ قِلَّةً بِاعْتِبَارِ الْجَلَالَةِ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَجَلَالَتُهُ وَفِقْهُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَشِدَّةُ وَرَعِهِ وَزَهَادَتُهُ وَإِكْثَارُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَمَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا أَبُو الخير بالخاء المعجمة واسمه مرثد بالمثلثة بن عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى يَزَنَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ يُونُسَ كَانَ أَبُو الْخَيْرِ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَكُنْيَتُهُ أَبُو رَجَاءٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَالَ بن يُونُسَ وَكَانَ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقَبْلَ ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحمم وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَزِيدُ سَيِّدُنَا وَعَالِمُنَا وَاسْمُ أَبِي حَبِيبٍ سُوَيْدٌ وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِمَامَتُهُ وَجَلَالَتُهُ وَصِيَانَتُهُ وَبَرَاعَتُهُ وَشَهَادَةُ أَهْلِ عَصْرِهِ سخائه وَسِيَادَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيلِ حَالَاتِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَيَكْفِي فِي جَلَالَتِهِ شَهَادَةُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ الشَّافِعِيِّ وبن بَكِيرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ اللَّيْثَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَهَذَانِ صَاحِبَا مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ شَهِدَا بِمَا شهدا وهم بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ وَإِجْلَالِ مَالِكٍ ومعرفتها بِأَحْوَالِهِ هَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ جَلَالَةِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ كَانَ دَخْلُ اللَّيْثِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مَا أَوْجَبَ
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ زَكَاةً قَطُّ وَقَالَ قُتَيْبَةُ لَمَّا قَدِمَ اللَّيْثُ أَهْدَى لَهُ مَالِكٌ مِنْ طَرَفِ الْمَدِينَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانَ اللَّيْثُ مُفْتِيَ أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وأما محمد بن رمح فقال بن يُونُسَ هُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ وَفِقْهِهِ وَكَانَ إِذَا شَهِدَ فِي كِتَابِ دَارٍ عَلِمَ أَهْلُ الْبَلَدِ أَنَّهَا طَيِّبَةُ الْأَصْلِ وَذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ فَقَالَ مَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ وَلَوْ كَتَبَ عَنْ مَالِكٍ لَأَثْبَتُّهُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ فَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ وَزُهْدُهُ وَحِفْظُهُ وَإِتْقَانُهُ وَكَثْرَةُ حَدِيثِهِ وَاعْتِمَادُ أَهْلِ مِصْرَ عَلَيْهِ وَإِخْبَارُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ أَهْلِ مِصْرَ وَمَا وَالَاهَا يَدُورُ عَلَيْهِ فَكُلُّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ إِلَى أَحَدٍ وَعَنْوَنَهُ بِالْفِقْهِ إِلَّا إلى بن وهب رحمه الله وأما عمرو بن الحرث فهو مفتى اهل مصر في زمنه وقاريهم قَالَ أَبُو زُرْعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحِفْظِ فِي زَمَنِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ وقال مالك بن أنس عمرو بن الحرث دُرَّةُ الْغَوَّاصِ وَقَالَ هُوَ مُرْتَفِعُ الشَّأْنِ وَقَالَ بن وهب سمعت من ثلاثمائة وَسَبْعِينَ شَيْخًا فَمَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَمْرِو بن الحرث رَحِمَهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الآخر
[٤١] (أبو عاصم عن بن جريج عن أبىالزبير) أَمَّا أَبُو عَاصِمٍ فَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ وأما بن جريج