[ومن باب أن القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين]
[٤٩٠] فيه حديث عبد الله بن عمرو (١): ومن طريق عياشٍ بن عبّاسٍ القِتْبَانِي، عَيَّاشٌ: بالشين المعجمة، وأبوه عبَّاسٌ: بالسين المهملة، والقِتَبَاني: بكسر القاف وبعدها تاء فوقها نقطتان، وبعد التاء باء تحتها نقطة، وقِتْبَان: قبيلة من قبائل اليمن؛ انتقلوا إلى مصر، وفي الحديث: تعظيم أمر الدَّيْن وتشديده؛ إذ لا كفارة له؛ إلا الإبراءَ والأداء.
[ومن باب أفضل الناس المجاهد بالمال والنفس]
[٤٩١ - ٤٩٢] فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٢)، وحديث بَعجة - بالباء -، عن أبي هريرة ﵁ (٣)؛ قال أبو عبيد (٤): (الهَيعَة): الصوت [الذي] (٥) تفزع منه وتخافه من عدُوّ، وقوله: (طَارَ عَلَيْهِ)؛ أي: أسرع، قال:
طارُوا إِليه زُرَافاتٍ ووُحْدانا (٦)
وقوله: (فِي رَأسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ)؛ الشَّعَفَةُ: رأس الجبل، والجمع: شعَفات وشَعَفٌ، ويقال: ضُرب فلانٌ على شَعَفات رأسه؛ أي: أعالي رأسه،
وشَعَفة القلب: رأسه عند مُعَلَّق النِّياط، ولذلك يقال: شَعَفَه الحُبّ؛ كأَنه غَشِيَ قلبَه من فوق.
وفي رواية أسامة بن زيد؛ عن بعجة: (في شِعبٍ مِنَ الشِّعَابِ) (١)؛ قال أهل اللغة (٢): الشَّعب: ما انفرج بين الجبلين.
وفي رواية أبي حازم: (فِي شِعبَةٍ مِن هَذِهِ الشِّعَابِ)؛ كأن الشِّعْبَة والشِّعْب لغتان، وقوله: (يَبتَغِي القَتلَ وَالمَوتَ مَظَانَّهُ)؛ مظانَّه: نصب على الظرف، أي: في مظانِّه، مظانه، يعني: في يعني: في معدنه وموضعه، قال أبو عبيد قال أبو عبيد (٣): المَظنَّة: المنزل المُعَلَّم، وقال صاحب المجمل (٤): مَظِنَّة الشيء: موضعه؛ ومَأْلفه، قال الشاعر:
فَإِنَّ مَظِنَّةَ الجَهْلِ الشَّبَابُ (٥)
وفي الحديث دليل على فضل العزلة [وحب] (٦)؛ الانقطاع عن الخلق، والهاء في قوله: (مَظَانَّهُ)؛ راجعة إلى القتل والموت، أي: يبتغي القتل أو الموت في موضع الشهادة، وفي الحديث دليل أن الجهاد أفضل الأعمال؛ إذا أريد به وجه الله، وقوله: (عَلَى مَتنِهِ)؛ أي: على ظهره، وقوله: (حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ)؛ أي:
دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً وَفِي الْحَدِيثِ الآخر أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذَلِكَ قَالَ هُوَ ذَلِكَ قَالَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى كَثْرَةِ السُّجُودِ وَالتَّرْغِيبُ وَالْمُرَادُ بِهِ السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ تَكْثِيرُ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ إِطَالَةِ الْقِيَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ وَالْخِلَافُ فِيهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَسَبَبُ الْحَثِّ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْجُدْ واقترب وَلِأَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ تَمْكِينُ أَعَزِّ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَأَعْلَاهَا وَهُوَ وَجْهُهُ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ وَاللَّهُ أعلم وقوله أو غير ذَلِكَ هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ
(باب أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ وَالثَّوْبِ)
وَعَقْصِ الرَّأْسِ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ
وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَلَا الشَّعْرَ) وَفِي رِوَايَةٍ (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ) وَفِي رِوَايَةٍ عن بن عَبَّاسٍ (أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ وَنُهِيَ أَنْ يَكِفَّ شعره أو
ثيابه) وفي رواية عن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ فَجَعَلَ يَحِلُّهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلى بن عباس فقال مالك وَلِرَأْسِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ) هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ سَبْعَةٌ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسَّاجِدِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَأَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا فَأَمَّا الْجَبْهَةُ فَيَجِبُ وَضْعُهَا مَكْشُوفَةً عَلَى الْأَرْضِ وَيَكْفِي بَعْضُهَا وَالْأَنْفُ مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ تَرَكَهُ جَازَ وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَتَرَكَ الْجَبْهَةَ لَمْ يَجُزْ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَكْثَرِينَ وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وبن الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى وبن حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجِبُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ عُضْوٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ سَبْعَةٍ فَإِنْ جُعِلَا عُضْوَيْنِ صَارَتْ ثَمَانِيَةً وَذَكَرَ الْأَنْفَ اسْتِحْبَابًا وَأَمَّا الْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ فَهَلْ يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِمَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا وَالثَّانِي يَجِبُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَو أَخَلَّ بِعُضْوٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِذَا أَوْجَبْنَاهُ لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَفِي الْكَفَّيْنِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدُهُمَا يَجِبُ كَشْفُهُمَا كَالْجَبْهَةِ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةُ أَعْظُمٍ أَيْ أَعْضَاءٍ فَسَمَّى كُلَّ عُضْوٍ عَظْمًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ عِظَامٌ كَثِيرَةٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا نَكْفِتُ الثِّيَابَ وَلَا الشَّعْرَ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ لَا نَضُمُّهَا وَلَا نَجْمَعُهَا وَالْكَفْتُ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ