[٦٦٢] وقولها: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ) (١)، اللَّدود: ما يُصب في الفم من الدواء، والسَّعُوط ما يجعل في الأنف من الدواء، قال صاحب المجمل (٢): اللَّدود: ما سقي الإنسان من دواء في أحد شقي فمه، يقال: لَدَدْتُ المريض؛ والْتَدَدْتُ أنا، قال الشاعر:
شَرِبْتُ الشُّكَاعَى والتَدَدْتُ أَلِدَّةً … وأَقْبَلْتُ أَفْواهَ العُروقِ المَكاوِيا (٣)
قال صاحب المجمل (٤): أسعَطْتُه [الدواء] (٥) فاسْتَعَط، وطعنته فأسعطته الرمح، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه السَّعوط.
وفي هذه الأحاديث إباحة قطع العِرق عند غلبة الدم، وشرب العسل عند غلبة الرطوبة، والسَّعوط لترطيب الدماغ، وقوله: (فَحَسَمَه)؛ يقال حسم الداء أي قطعه، وفيه دليل على حسم العرق عند سيلان الدم، قال صاحب المجمل (٦): الحسم أن تحسم عرقا فتكويه بالنار، قيل: إن الحمى إذا كانت من حرارة مفرطة فبُرَّد بالماء نفعها ذلك بإذن الله، وفيه دليل أن أخذ الأجرة على الحجامة جائز، وفي قوله: (إِنَّ الله لَمْ يُنْزِلْ دَاءً) (٧)؛ دلالة أن الله الأمور، وكما خلق الداء خلق الدواء، ولا شفاء إلا بإذن الله.
وأما الكي فكوى النبي ﷺ سعد ليرقأ الدم عن جرحه (١)، خاف أن ينزف فيهلك، والكيُّ من العلاج الذي يستعمله العرب كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء، وقالوا: آخر الدَّاءِ الكَيُّ (٢)؛ قال شاعرهم:
إِذَا كَوَيْتَ كَيَّةً فَأَنْضِجِ … تُشْفِ بِهَا الدَّاءَ وَلَا تُلَهوِجِ (٣)
وأما حديث عمران بن حصين ﵁ في النهي عن الكي (٤)، فإنما نهي عنه لئلا يروا أنه يبرئ ويذهب الداء، وإذا لم يفعل ذلك هلك صاحبه، نهاهم عن ذلك لأجل هذا، وحيث أباح لهم استعماله أباحه على معنى التوكل على الله سبحانه؛ والترجي للبرء بما يُحدث الله ﷿ من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء سببا لا علة، وكثيرا ما نسمع الناس يقولون: لو أقام فلان بأهله وبلده لم يهلك، وإن شرب الدواء لم يَسقم، ونحوَ ذلك من تجويز إضافة الأمور إلى الأسباب؛ دون تغليب المقادير فيها، والأسباب أمارات لا موجبات، وقد قال الله في كتابه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وقال حكاية عن الكفار: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، وقد أصاب أبو ذؤيب في قوله:
يَقُولُونُ لِي لَو كَانَ بِالرَّملِ لَم يَمُت … نَشِيبَة وَالكُهَان يَكْذِبُ قِيلُها
وَلَو أَنَّني استودعته الشمسَ لارْتَقَت … إِليْهِ المَنايا عَينُها ورسولُها (٥)