«يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ»…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٠١٧

الحديث رقم ١٠١٧ من كتاب «كتاب الحج» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما يجوز للمحرم أن يفعله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يكره أن ينزع المحرم حلمة أو قرادا عن بعيره»…

«يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ» قَالَ مَالِكٌ: «وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ»

سند حديث: ٩٥ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ…

٩٥ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ

رواة الحديث

شرح حديث: «يكره أن ينزع المحرم حلمة أو قرادا عن بعيره»…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ

قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ

ــ

٨١٢ - ٧٩٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً) - بِفَتْحَتَيْنِ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّغِيرَةُ مِنَ الْقِرْدَانِ، أَوِ الضَّخْمَةُ ضِدٌّ، وَحَلَمُ الْبَعِيرِ كَفَرَحٍ: كَثُرَ حَلَمُهُ، فَهُوَ حَلَمٌ.

(أَوْ قُرَادًا) - بِزِنَةِ غُرَابٍ - مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَعِيرِ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ كَالْقَمْلِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْجَمْعُ قِرْدَانُ بِوَزْنِ غِرْبَانَ، (عَنْ بَعِيرِهِ) ، وَأَمَّا عَنْ نَفْسِهِ فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَوَابِّ الْإِنْسَانِ.

(قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ) ، لِأَنَّ تَقْرِيدَهُ سَبَبٌ لِإِهْلَاكِهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ ابْنُ عُمَرَ أَبَاهُ فِيهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ سَعِيدٌ اقْطَعْهُ

وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ أَيَقْطُرُ فِي أُذُنِهِ مِنْ الْبَانِ الَّذِي لَمْ يُطَيَّبْ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا

قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ الْمُحْرِمُ خُرَاجَهُ وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ

ــ

٨٠٥ - ٧٩٤

- (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ: أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ سَعِيدٌ: اقْطَعْهُ) - قَلِّمْهُ - وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.

(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ) ، أَيِ الْوَجَعَ بِهَا (أَيَقْطُرُ) - يُنْقِطُ - (فِي أُذُنِهِ مِنَ الْبَانِ الَّذِي لَمْ تُطَيَّبْ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا) ، فَيَجُوزُ، (وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بَأْسًا) ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي إِبَاحَةِ مَا لَمْ يُطَيَّبْ، (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ - يَشُقَّ (الْمُحْرِمُ خُرَاجَهُ) - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، بِزِنَةِ غُرَابٍ - بَثْرَةَ الْوَاحِدَةِ: خُرَاجَةٌ، (وَيَفْقَأَ) - بِالْهَمْزَةِ - يَشُقَّ (دُمَّلَهُ) عَرَبِيٌّ مَعْرُوفَةٌ مُذَكَّرٌ جَمْعُهُ دَمَامِيلُ، (وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ مِنْ أَذًى كَانَ بِهِ كَمَا مَرَّ.

[بَاب الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ»

ــ

٣٠ - بَابُ الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ

٨٠٦ - ٧٩٥ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) الْهِلَالِيِّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ، اسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بَأَجْنَادِينَ، هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ: أَنَّ امْرَأَةً، فَذَكَرَهُ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ الْفَضْلِ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلَتْ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا، فَقَالَ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ، وَغَيْرِهِ، ثُمَّ رَوَاهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، انْتَهَى.

وَكَأَنَّهُ

رَجَّحَ هَذَا لِأَنَّ الْفَضْلَ كَانَ رَدِيفَ الْمُصْطَفَى حِينَئِذٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ تَقَدَّمَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى مَعَ الضَّعَفَةِ، فَكَأَنَّ الْفَضْلَ حَدَّثَ أَخَاهُ بِمَا شَاهَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ حَاضِرًا، فَلَا مَانِعَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مَعَهُ، فَحَمَلَهُ تَارَةً عَنْ أَخِيهِ، وَتَارَةً حَدَّثَ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، فَقَالَ: كَانَ الْفَضْلُ (رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَفِيهِ جَوَازِ الْإِرْدَافِ، وَهُوَ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا أَطَاقَتْهُ الدَّابَّةُ، وَالرَّجُلُ الْجَلِيلُ جَمِيلٌ بِهِ الِارْتِدَافُ، وَالْأَنَفَةُ مِنْهُ تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.

(فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) ، قَالَ: الْحَافِظُ: لَمْ تُسَمَّ (مِنْ خَثْعَمَ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْقَبِيلَةِ لَا الْعَلَمِيَّةِ، وَوَزْنُ الْفِعْلِ، قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهَا، وَاسْمُهُ أَفْتَلُ بْنُ أَنْمَارٍ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ إِنَّمَا سُمِّيَ خَثْعَمَ بِجَمَلٍ يُقَالُ لَهُ: خَثْعَمُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا تَحَالَفَ وَلَدُ أَفْتَلَ عَلَى إِخْوَتِهِ نَحَرُوا بَعِيرًا، ثُمَّ تَخَثْعَمُوا بِدَمِهِ، أَيْ تَلَطَّخُوا بِهِ بِلُغَتِهِمْ، (تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ) الْمَرْأَةُ (إِلَيْهِ) ، وَكَانَ جَمِيلًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا النَّظَرُ هُوَ بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ، فَإِنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ، وَلِذَا قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: وَكَانَ الْفَضْلُ أَبْيَضُ وَسِيمًا.

( «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ» ) الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْمَرْأَةُ، مَنْعًا لَهُ عَنْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَرَدًّا إِلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عِيَاضٌ: فِيهِ مَا يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ مِنْ تَغْيِيرِ مَا يُخْشَى فِتْنَتُهُ، وَمَنْعُهُ مَا يُنْكَرُ فِي الدِّينِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ حُرْمَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.

قَالَ الْأَبِّيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّ صَرْفَهُ وَجْهَ الْفَضْلِ لَيْسَ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ عِيَاضٍ وَالنَّوَوِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ الْوُقُوعِ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ، انْتَهَى.

وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: إِنْ أَرَادَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمَ النَّظَرِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ الْأَعَمَّ مِنْ خَوْفِهَا وَأَمْنِهِ، فَفِي حَالَةِ أَمْنِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا وَجْهَانِ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصْطَفَى خَشِيَ عَلَيْهِمَا الْفِتْنَةَ، وَبِهِ صَرَّحَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا» ، قَالَ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى الْفَضْلِ كَانَ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهَا.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَكَأَنَّهُ صَرَفَ وَجْهَهُ، بَلْ عُنُقَهُ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ فِي مَنْعِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْوَلِيِّ: فَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ، فَلَوَى عُنُقَهُ تَارَةً، وَوَضْعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ تَارَةً، وَبَيَّنَ اسْتِفْتَاءَ مَا يَقُولُهُ، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ

إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) - لَمْ يُسَمَّ أَيْضًا - (شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) ، صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ، أَوْ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَدَاخِلَةِ، أَوْ شَيْخًا بَدَلٌ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِأَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَحَصَلَ لَهُ الْمَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (أَفَأَحُجُّ) أَيْ: أَيَصِحُّ أَنْ أَنُوبَ عَنْهُ، فَأَحُجَّ (عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ) ، أَيْ حُجِّي عَنْهُ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ كَالشَّافِعِيِّ: تَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ الْفَرْضِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَهَا: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ، لَا يُوجِبُ دُخُولَ أَبِيهَا فِي هَذَا الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ بِالِاسْتِطَاعَةِ نَزَلَ وَأَبُوهَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، فَسَأَلَتْ هَلْ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ: فَحُجِّي عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ، وَرُخْصَةٌ لَهَا أَنْ تُعَلَّ لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ لِأَبِيهَا.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ خَاصٌّ بِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٩٧) ، وَكَانَ أَبُوهَا مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَكَانَتِ ابْنَتُهُ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ الْجَوَابِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ، مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ، قَالَ الْمَارِي لِلْآيَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ أَنَّهَا الْبَدَنِيَّةُ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْمَالِيَّةَ، لَقَالَ: أَحُجَّاجُ الْبَيْتِ، وَالْحَجُّ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَمَلٌ بِدُونِ صَرْفٍ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، فَلَا اسْتِنَابَةَ فِيهِ.

وَالثَّانِي: مَالُ صَرْفٍ كَالصَّدَقَةِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الْقُدْرَةُ وَلَوْ عَلَى رِجْلَيْهِ دُونَ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا كُلُّهَا، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ صَحَّ، فَإِنْ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ السَّبَبُ فَقَدْ تَضَمَّنَ الزَّادَ، وَالرَّاحِلَةَ، أَمْنَ الطَّرِيقِ، وَصِحَّةَ الْجِسْمِ.

(وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، يَوْمَ النَّحْرِ.

وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الرَّمْيِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَشُعَيْبٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سَبْعَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

[بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ

ــ

٣١ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ

أَيْ مُنِعَ، يُقَالُ: حَصَرَهُ الْعَدُوُّ، وَأَحْصَرَهُ: إِذَا حَبَسَهُ، وَمَنَعَهُ عَنِ الْمُضِيِّ، مِثْلُ: صَدَّهُ، وَأَصَدَّهُ.

- (مَالِكٌ: مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ، (وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ) ، أَيْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ إِذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ، أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ.

(وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ) لِمَا أُحْصِرَ عَنْهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لِشَيْءٍ

ــ

٨٠٨ - ٧٩٦ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّ هُوَ، وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ) لَمَّا صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، (فَنَحَرُوا الْهَدْيَ، وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ مَمْنُوعِ النُّسُكِ (قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ) ، أَيْ بِلَا طَوَافٍ، وَلَا وُصُولِ هَدْيٍ إِلَى الْبَيْتِ، (ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ) الْمُتَقَدِّمِينَ فِي صُحْبَتِهِ الْمُلَازِمِينَ لَهُ، (وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ) مِنَ الْخَارِجِينَ لِلْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُ، الْمُتَأَخِّرِينَ فِي صُحْبَتِهِ عَنْ أُولَئِكَ (أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا) أَمْرَهُمْ أَنْ (يَعُودُوا لِشَيْءٍ) يَفْعَلُونَهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى»

قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ كَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ

ــ

٨٠٨ - ٧٩٧ (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَرَجَ) : أَيْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ) ، حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَكَرَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ، أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ بَقِيَ النَّاسُ بِلَا خَلِيفَةٍ شَهْرَيْنِ، وَأَيَّامًا، فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَلِّ، وَالْعَقْدِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ

الزُّبَيْرِ وَتَمَّ لَهُ مُلْكُ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ، وَأَعْمَالِ الْمَشْرِقِ، وَبَايَعَ أَهْلُ الشَّامِ، وَمِصْرَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ مَرْوَانُ، وَوَلِيَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَمَنَعَ النَّاسَ الْحَجَّ خَوْفًا أَنْ يُبَايِعُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ بَعَثَ جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجَ، فَقَاتَلَ أَهْلَ مَكَّةَ، وَحَاصَرَهُمْ حَتَّى غَلَبَهُمْ، وَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَصَلَبَهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِقَوْلِ وَلَدَيْهِ: عُبَيْدُ اللَّهِ، وَسَالِمٌ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٢١) .

(إِنْ صُدِدْتُ) - بِضَمِّ الصَّادِ - مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ مُنِعْتُ (عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا) أَنَا، وَمَنْ مَعِي (كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مِنَ التَّحَلُّلِ حَيْثُ مَنَعُوهُ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ بِالْحُدَيْبِيَةِ.

وَفِي رِوَايَةِ تَأْخِيرِ تِلَاوَةِ الْآيَةِ إِلَى هُنَا، قَالَ عِيَاضٌ: تَوَقَّعَ الْحَصْرَ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ إِذْ لَوْ تَحَقَّقَهُ، لَمْ تَثْبُتْ لَهُ رُخْصَةُ الْحَصْرِ، لِأَنَّهُ غَرَّرَ بِإِحْرَامِهِ، بِالْإِجْمَاعِ، وَتَعَقَّبَهُ الْأَبِّيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِهِ أَنْ لَا يَتَرَخَّصَ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَحَقَّقَ وَاشْتَرَطَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ضُبَاعَةَ، (فَأَهَلَّ) ابْنُ عُمَرَ (بِعُمْرَةٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الدَّارِ، أَيِ الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، أَوِ الْمُرَادُ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَيَكُونُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ أَظْهَرَهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ (مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) سَنَةَ سِتٍّ، لِيَحْصُلَ لَهُ الْمُوَافَقَةُ، (ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا) ، أَيِ الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ، (إِلَّا وَاحِدٌ) فِي حُكْمِ الْحَصْرِ، فَإِذَا جَازَ التَّحَلُّلُ فِي الْعُمْرَةِ مَعَ أَنَّهَا مَحْدُودَةٌ بِوَقْتٍ، فَهُوَ فِي الْحَجِّ أَجْوَزُ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ، (ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ) ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ نَظَرُهُ، (فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ) - بِالرَّفْعِ - وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ: " ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ "، (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ) ، وَعَبَّرَ بَأُشْهِدُكُمْ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالنِّيَّةِ، لِيَعْلَمَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ انْتَقَلَ نَظَرُهُ لِلْقِرَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُكْمِ الْحَصْرِ، (ثُمَّ نَفَذَ) - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - مَضَى وَلَمْ يُصَدَّ، (حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا) لِقِرَانِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْجُمْهُورُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ، وَسَعْيَانِ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: طَوَافًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّهُ طَافَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَوَافًا يُشْبِهُ الطَّوَافَ الَّذِي لِلْآخَرِ وَلَا يَخْفَى مَا

فِيهِ وَرَدَّهُ قَوْلُهُ (وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا) - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَكَسْرِ الزَّايِ بِلَا هَمْزٍ - كَافِيًا (عَنْهُ) ، إِذْ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ يَضِيعُ، إِذْ كُلُّ مَنْ طَافَ طَوَافَيْنِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ مَجْزِيٌّ، وَيُمْنَعُ التَّأْوِيلُ عَلَى بُعْدِهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ» "، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ.

(وَأَهْدَى) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْإِهْدَاءِ زَادَ الْقَعْنَبِيُّ شَاةً، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَوْلُهُ مُجْزِيًا بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ رَأَى، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا بِزِيَادَةِ أَنَّ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهَا تَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ، أَوْ خَبَرُ كَانَ مَحْذُوفَةً، وَلِبَعْضِ رُوَاتِهِ مُجْزِئٌ - بِالرَّفْعِ، وَالْهَمْزِ - خَبَرُ أَنَّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ النَّصْبَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْمُوَطَّأِ اتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَتِهِ بِالرَّفْعِ عَلَى الصَّوَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حِكَايَتَهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَبِتَقْدِيرِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ النَّصْبَ خَطَأٌ، مَعَ أَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، انْتَهَى.

وَلَعَلَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، وَمَنْ وَافَقَهُ، فَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ، فَنَصْبُ مُجْزِيًا مُتَعَيَّنٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِتَمَامِهِ، وَقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ مُخْتَصَرًا بِدُونِ قَوْلِهِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ إِلَى آخِرِهِ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ قُتَيْبَةَ مُخْتَصَرًا كَذَلِكَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، تَامًّا الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ وَاللَّيْثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ، (قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ) ، يَفْعَلُ (كَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ) ، أَيْ كَفِعْلِهِ مِنَ التَّحَلُّلِ، وَنَحْرِ هَدْيِهِ، وَلَا قَضَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩٦) ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً، وَقَدْ تَخَلَّفَ جَمَاعَةٌ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ، وَلَا مَالٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ الْمُصْطَفَى بِعَدَمِ التَّخَلُّفِ، وَلَا بِالْقَضَاءِ، (فَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ) كَمَرَضٍ، (فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ) ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَجَمَاعَةٌ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، كَكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ حَابِسٍ مِنْ عَدُوٍّ وَمَرَضٍ، وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا لُدِغَ أَنَّهُ مُحْصَرٌ، رَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ وَالطَّحَاوِيُّ لَنَا أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِي حُكْمِ إِحْصَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: " إِذَا أَمِنْتُمْ " فَعُلِمَ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْإِحْلَالِ فِي الْعَدُوِّ كَانَ لِتَحْصِيلِ الْأَمْنِ مِنْهُ، وَالْإِحْلَالُ لَا يَجُوزُ مِنَ الْمَرَضِ، فَلَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ فِي

مَعْنَاهُ فَلَا يَكُونُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْعَدُوِّ وَارِدًا فِي الْمَرَضِ، فَلَا يُلْحِقُ بِهِ دَلَالَةً وَلَا قِيَاسًا لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ التَّحَلُّلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.

[بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا أَوْ الدَّوَاءِ صَنَعَ ذَلِكَ وَافْتَدَى

ــ

٣٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ

٨٠٩ - ٧٩٨ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ) أَبِيهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ، (فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا) لِأَجْلِ الْمَرَضِ، (أَوِ الدَّوَاءِ) الْمُطَيَّبِ، (صَنَعَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ، (وَافْتَدَى) ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِلْعُذْرِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الْبَيْتُ

ــ

٨١٠ - ٧٩٩ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِنْ عَمْرَةَ أَوْ غَيْرِهَا، (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الْبَيْتَ) مَا لَمْ يُحْصَرْ بِعَدُوٍّ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ الْمُحْرِمُ يَمْرَضُ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ، فَيَبْقَى عَلَى حَالِهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسٍ، أَوْ دَوَاءٍ فَعَلَ، وَافْتَدَى، فَإِذَا بَرِئَ أَتَى الْبَيْتَ، وَطَافَ، وَسَعَى، فَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالنَّاسُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ أَنْ أَحِلَّ فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَحْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ

ــ

٨١١ - ٨٠٠ - (مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) كَيْسَانَ (السَّخْتَيَانِيِّ) - بِفَتْحِ السِّينِ، وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ - الْبَصْرِيِّ الثِّقَةِ الْحُجَّةِ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ، (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ)

- بِتَثْلِيثِ الْمُوَحَّدَةِ - الْبَلَدِ الْمَشْهُورَةِ (كَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ) ، أَيِ الرَّجُلُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْحَرَمِيُّ شَيْخُ أَيُّوبَ، وَمُعَلِّمُهُ كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، (قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ) مُعْتَمِرًا (حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) زَادَ جَمَاعَةٌ، وَقَعْتُ عَنْ رَاحِلَتِي (كُسِرَتْ فَخِذِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَالنَّاسُ) الْفُقَهَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَسْتَفْتِهِمْ فِي التَّحَلُّلِ، (فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ أَنْ أَحِلَّ) ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَأَرْسَلْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَا: الْعُمْرَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ يَكُونُ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ، (فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ) الَّذِي كُسِرَتْ فَخِذُهُ عِنْدَهُ (سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَحْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) بَعْدَ أَنْ صَحَّ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

ــ

٨١٢ - ٨٠١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، أَيْ وَيَسْعَى نَحْوَ: وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبِ وَالْعَيُونَا.

وَاسْتُعْمِلَ الطَّوَافُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْمَشْيُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي عَرَضَ لَهُ فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِيَ فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَيُهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ

قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَانِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ

قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنْ الْحَجِّ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ إِمَّا بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ بِخَطَإٍ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فَهُوَ مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ

قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِك عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ أَوْ بَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ أَوْ امْرَأَةٌ تُطْلَقُ قَالَ مَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُحْصَرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ إِذَا هُمْ أُحْصِرُوا قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى إِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ كُسِرَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ

قَالَ مَالِك أَرَى أَنْ يُقِيمَ حَتَّى إِذَا بَرَأَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلُّ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ قَالَ مَالِكٌ إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَلَّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ وَسَعْيَهُ إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْي

ــ

٨١٢ - ٨٠٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ) - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الزَّايِ، فَأَلِفٍ، فَمُوَحَّدَةٍ، فَهَاءٍ - (الْمَخْزُومِيِّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ) عَنِ الْعُلَمَاءِ، (فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ لَهُمُ الَّذِي عَرَضَ لَهُ، فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَىَ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِي) لِلتَّدَاوِي

(فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ) بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ، (ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، وَيَهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ) - تَيَسَّرَ - (مِنَ الْهَدْيِ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ) ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ، وَقَالَ بِهِ جُمْلَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَيْنَ الْمَعْدِلُ عَنْ هَذَا؟ وَزَادَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ) خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ الْبَدْرِيَّ (الْأَنْصَارِيَّ) أَحَدَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ الْفُقَهَاءِ، كَمَا يَأْتِي مَوْصُولًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ فَذَكَرَهُ، (وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ) الصَّحَابِيَّ، كَمَا يَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا، عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَبَّارًا (حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ، وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ، أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِمَا، (ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا) - بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالصِّفَةِ - (وَيَهْدِيَانِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» " وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: السُّنَّةُ كَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، فَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.

(قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَمَا يُحْرِمُ إِمَّا بِمَرَضٍ، أَوْ بِغَيْرِهِ، أَوْ بِخَطَأٍ مِنَ الْعَدَدِ، أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ، فَهُوَ مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ) يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.

(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ) لِبَعْضِ أَعْضَائِهِ، (أَوْ بَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ) ، أَيْ إِسْهَالُ بَطْنٍ مَنَعَهُ، (أَوِ امْرَأَةٍ تُطْلِقُ) أَخَذَهَا الْمَخَاضُ - وَهُوَ وَجَعُ الْوِلَادَةِ - (قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ، فَهُوَ مُحْصَرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ إِذَا هُمْ أُحْصِرُوا) ،

فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ.

(قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى إِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ كُسِرَ) - بِضَمٍّ فَكَسْرٍ - مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، (أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ) بِعَرَفَةَ، (قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُقِيمَ حَتَّى إِذَا بَرَأَ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَالرَّاءِ مِنْ بَابِ نَفَعَ، وَبِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْضًا مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَفِي لُغَةٍ: بِضَمِّ الرَّاءِ مِنْ بَابِ قَرُبَ - صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، (خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ) لِيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ، (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَيَسْعَى بَيْنَ (الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ) جَبْرًا لِذَلِكَ، (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) : إِخْبَارٌ مِنَ السَّائِلِ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ جَهْلًا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ إِنَّمَا يَطُوفُ، وَيَسْعَى بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، (ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ) بِعَرَفَةَ، (قَالَ مَالِكٌ) : أَعَادَهُ لِيَفْصِلَ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ (إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ) بِكَوْنِهِ لَمْ يَأْتِ مِنْهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا بِالْإِحْرَامِ، وَطَوَافُهُ، وَسَعْيُهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ، (فَإِنِ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، وَعَلَّلَ إِعَادَتَهُمَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ السَّائِلِ أَنَّهُ فَعَلَهُمَا، فَيُجْزِيهِ عَنْ طَوَافِ وَسَعْيِ الْعُمْرَةِ الَّتِي لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ تُجْزِهِ عَنْ حَجِّهِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ) الَّتِي يَأْتِي بِهَا لِلْإِحْلَالِ، (فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا) ، أَيْ يَأْتِي بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، (وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ) ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَبَلَ وَأَقْبَلَ بِمَعْنًى يُقَالُ: عَامٌ قَابِلٌ، أَيْ مُقْبِلٌ، (فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْحَجِّ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

لِأَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ، وَسَعْيَهُ إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ) الَّذِي فَاتَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَا فَرْقَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَيْنَ مَنْ بِمَكَّةَ، وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلُّ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، إِلَّا أَنَّ مَنْ بِهَا يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ، لِيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ بِخِلَافِ مَنْ أَتَى مُحْرِمًا مِنَ الْحِلِّ، (وَعَلَيْهِ حَجُّ) عَامٍ (قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ) .

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ

قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ

ــ

٨١٢ - ٧٩٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً) - بِفَتْحَتَيْنِ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّغِيرَةُ مِنَ الْقِرْدَانِ، أَوِ الضَّخْمَةُ ضِدٌّ، وَحَلَمُ الْبَعِيرِ كَفَرَحٍ: كَثُرَ حَلَمُهُ، فَهُوَ حَلَمٌ.

(أَوْ قُرَادًا) - بِزِنَةِ غُرَابٍ - مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَعِيرِ وَنَحْوُهُ، وَهُوَ كَالْقَمْلِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْجَمْعُ قِرْدَانُ بِوَزْنِ غِرْبَانَ، (عَنْ بَعِيرِهِ) ، وَأَمَّا عَنْ نَفْسِهِ فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَوَابِّ الْإِنْسَانِ.

(قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ) ، لِأَنَّ تَقْرِيدَهُ سَبَبٌ لِإِهْلَاكِهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ ابْنُ عُمَرَ أَبَاهُ فِيهِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ سَعِيدٌ اقْطَعْهُ

وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ أَيَقْطُرُ فِي أُذُنِهِ مِنْ الْبَانِ الَّذِي لَمْ يُطَيَّبْ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا

قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ الْمُحْرِمُ خُرَاجَهُ وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ

ــ

٨٠٥ - ٧٩٤

- (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ: أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ سَعِيدٌ: اقْطَعْهُ) - قَلِّمْهُ - وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.

(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ) ، أَيِ الْوَجَعَ بِهَا (أَيَقْطُرُ) - يُنْقِطُ - (فِي أُذُنِهِ مِنَ الْبَانِ الَّذِي لَمْ تُطَيَّبْ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا) ، فَيَجُوزُ، (وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بَأْسًا) ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي إِبَاحَةِ مَا لَمْ يُطَيَّبْ، (قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ) - بِضَمِّ الْبَاءِ - يَشُقَّ (الْمُحْرِمُ خُرَاجَهُ) - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، بِزِنَةِ غُرَابٍ - بَثْرَةَ الْوَاحِدَةِ: خُرَاجَةٌ، (وَيَفْقَأَ) - بِالْهَمْزَةِ - يَشُقَّ (دُمَّلَهُ) عَرَبِيٌّ مَعْرُوفَةٌ مُذَكَّرٌ جَمْعُهُ دَمَامِيلُ، (وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ مِنْ أَذًى كَانَ بِهِ كَمَا مَرَّ.

[بَاب الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ»

ــ

٣٠ - بَابُ الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ

٨٠٦ - ٧٩٥ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) الْهِلَالِيِّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ، اسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بَأَجْنَادِينَ، هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ: أَنَّ امْرَأَةً، فَذَكَرَهُ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ الْفَضْلِ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلَتْ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا، فَقَالَ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ، وَغَيْرِهِ، ثُمَّ رَوَاهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، انْتَهَى.

وَكَأَنَّهُ

رَجَّحَ هَذَا لِأَنَّ الْفَضْلَ كَانَ رَدِيفَ الْمُصْطَفَى حِينَئِذٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ تَقَدَّمَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى مَعَ الضَّعَفَةِ، فَكَأَنَّ الْفَضْلَ حَدَّثَ أَخَاهُ بِمَا شَاهَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ حَاضِرًا، فَلَا مَانِعَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مَعَهُ، فَحَمَلَهُ تَارَةً عَنْ أَخِيهِ، وَتَارَةً حَدَّثَ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، فَقَالَ: كَانَ الْفَضْلُ (رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَفِيهِ جَوَازِ الْإِرْدَافِ، وَهُوَ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا أَطَاقَتْهُ الدَّابَّةُ، وَالرَّجُلُ الْجَلِيلُ جَمِيلٌ بِهِ الِارْتِدَافُ، وَالْأَنَفَةُ مِنْهُ تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.

(فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) ، قَالَ: الْحَافِظُ: لَمْ تُسَمَّ (مِنْ خَثْعَمَ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ، وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْقَبِيلَةِ لَا الْعَلَمِيَّةِ، وَوَزْنُ الْفِعْلِ، قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهَا، وَاسْمُهُ أَفْتَلُ بْنُ أَنْمَارٍ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ إِنَّمَا سُمِّيَ خَثْعَمَ بِجَمَلٍ يُقَالُ لَهُ: خَثْعَمُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا تَحَالَفَ وَلَدُ أَفْتَلَ عَلَى إِخْوَتِهِ نَحَرُوا بَعِيرًا، ثُمَّ تَخَثْعَمُوا بِدَمِهِ، أَيْ تَلَطَّخُوا بِهِ بِلُغَتِهِمْ، (تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ) الْمَرْأَةُ (إِلَيْهِ) ، وَكَانَ جَمِيلًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا النَّظَرُ هُوَ بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ، فَإِنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ، وَلِذَا قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: وَكَانَ الْفَضْلُ أَبْيَضُ وَسِيمًا.

( «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ» ) الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْمَرْأَةُ، مَنْعًا لَهُ عَنْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَرَدًّا إِلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عِيَاضٌ: فِيهِ مَا يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ مِنْ تَغْيِيرِ مَا يُخْشَى فِتْنَتُهُ، وَمَنْعُهُ مَا يُنْكَرُ فِي الدِّينِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ حُرْمَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ.

قَالَ الْأَبِّيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّ صَرْفَهُ وَجْهَ الْفَضْلِ لَيْسَ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ عِيَاضٍ وَالنَّوَوِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ الْوُقُوعِ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ، انْتَهَى.

وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: إِنْ أَرَادَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمَ النَّظَرِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ أَرَادَ الْأَعَمَّ مِنْ خَوْفِهَا وَأَمْنِهِ، فَفِي حَالَةِ أَمْنِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا وَجْهَانِ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصْطَفَى خَشِيَ عَلَيْهِمَا الْفِتْنَةَ، وَبِهِ صَرَّحَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا» ، قَالَ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى الْفَضْلِ كَانَ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهَا.

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَكَأَنَّهُ صَرَفَ وَجْهَهُ، بَلْ عُنُقَهُ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ فِي مَنْعِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْوَلِيِّ: فَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ، فَلَوَى عُنُقَهُ تَارَةً، وَوَضْعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ تَارَةً، وَبَيَّنَ اسْتِفْتَاءَ مَا يَقُولُهُ، (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ

إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) - لَمْ يُسَمَّ أَيْضًا - (شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) ، صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ، أَوْ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَدَاخِلَةِ، أَوْ شَيْخًا بَدَلٌ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِأَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَحَصَلَ لَهُ الْمَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (أَفَأَحُجُّ) أَيْ: أَيَصِحُّ أَنْ أَنُوبَ عَنْهُ، فَأَحُجَّ (عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ) ، أَيْ حُجِّي عَنْهُ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ كَالشَّافِعِيِّ: تَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ الْفَرْضِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَهَا: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ، لَا يُوجِبُ دُخُولَ أَبِيهَا فِي هَذَا الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ بِالِاسْتِطَاعَةِ نَزَلَ وَأَبُوهَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، فَسَأَلَتْ هَلْ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ: فَحُجِّي عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ، وَرُخْصَةٌ لَهَا أَنْ تُعَلَّ لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ لِأَبِيهَا.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ خَاصٌّ بِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ ٩٧) ، وَكَانَ أَبُوهَا مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَكَانَتِ ابْنَتُهُ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ الْجَوَابِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ، مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ، قَالَ الْمَارِي لِلْآيَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ أَنَّهَا الْبَدَنِيَّةُ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْمَالِيَّةَ، لَقَالَ: أَحُجَّاجُ الْبَيْتِ، وَالْحَجُّ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَمَلٌ بِدُونِ صَرْفٍ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، فَلَا اسْتِنَابَةَ فِيهِ.

وَالثَّانِي: مَالُ صَرْفٍ كَالصَّدَقَةِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الْقُدْرَةُ وَلَوْ عَلَى رِجْلَيْهِ دُونَ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا كُلُّهَا، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ صَحَّ، فَإِنْ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ السَّبَبُ فَقَدْ تَضَمَّنَ الزَّادَ، وَالرَّاحِلَةَ، أَمْنَ الطَّرِيقِ، وَصِحَّةَ الْجِسْمِ.

(وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، يَوْمَ النَّحْرِ.

وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الرَّمْيِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَشُعَيْبٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سَبْعَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

[بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ

ــ

٣١ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ

أَيْ مُنِعَ، يُقَالُ: حَصَرَهُ الْعَدُوُّ، وَأَحْصَرَهُ: إِذَا حَبَسَهُ، وَمَنَعَهُ عَنِ الْمُضِيِّ، مِثْلُ: صَدَّهُ، وَأَصَدَّهُ.

- (مَالِكٌ: مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ، (وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ) ، أَيْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ إِذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ، أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ.

(وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ) لِمَا أُحْصِرَ عَنْهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لِشَيْءٍ

ــ

٨٠٨ - ٧٩٦ - (مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَّ هُوَ، وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ) لَمَّا صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، (فَنَحَرُوا الْهَدْيَ، وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ مَمْنُوعِ النُّسُكِ (قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْهَدْيُ) ، أَيْ بِلَا طَوَافٍ، وَلَا وُصُولِ هَدْيٍ إِلَى الْبَيْتِ، (ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ) الْمُتَقَدِّمِينَ فِي صُحْبَتِهِ الْمُلَازِمِينَ لَهُ، (وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ) مِنَ الْخَارِجِينَ لِلْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُ، الْمُتَأَخِّرِينَ فِي صُحْبَتِهِ عَنْ أُولَئِكَ (أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا) أَمْرَهُمْ أَنْ (يَعُودُوا لِشَيْءٍ) يَفْعَلُونَهُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ إِنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى»

قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ كَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ

ــ

٨٠٨ - ٧٩٧ (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَرَجَ) : أَيْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ (إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ) ، حِينَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَكَرَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ، أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ بَقِيَ النَّاسُ بِلَا خَلِيفَةٍ شَهْرَيْنِ، وَأَيَّامًا، فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَلِّ، وَالْعَقْدِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ

الزُّبَيْرِ وَتَمَّ لَهُ مُلْكُ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ، وَأَعْمَالِ الْمَشْرِقِ، وَبَايَعَ أَهْلُ الشَّامِ، وَمِصْرَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ مَرْوَانُ، وَوَلِيَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَمَنَعَ النَّاسَ الْحَجَّ خَوْفًا أَنْ يُبَايِعُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ بَعَثَ جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجَ، فَقَاتَلَ أَهْلَ مَكَّةَ، وَحَاصَرَهُمْ حَتَّى غَلَبَهُمْ، وَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَصَلَبَهُ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِقَوْلِ وَلَدَيْهِ: عُبَيْدُ اللَّهِ، وَسَالِمٌ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] (سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الْآيَةُ ٢١) .

(إِنْ صُدِدْتُ) - بِضَمِّ الصَّادِ - مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ مُنِعْتُ (عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا) أَنَا، وَمَنْ مَعِي (كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مِنَ التَّحَلُّلِ حَيْثُ مَنَعُوهُ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ بِالْحُدَيْبِيَةِ.

وَفِي رِوَايَةِ تَأْخِيرِ تِلَاوَةِ الْآيَةِ إِلَى هُنَا، قَالَ عِيَاضٌ: تَوَقَّعَ الْحَصْرَ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ إِذْ لَوْ تَحَقَّقَهُ، لَمْ تَثْبُتْ لَهُ رُخْصَةُ الْحَصْرِ، لِأَنَّهُ غَرَّرَ بِإِحْرَامِهِ، بِالْإِجْمَاعِ، وَتَعَقَّبَهُ الْأَبِّيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِهِ أَنْ لَا يَتَرَخَّصَ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَحَقَّقَ وَاشْتَرَطَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ضُبَاعَةَ، (فَأَهَلَّ) ابْنُ عُمَرَ (بِعُمْرَةٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الدَّارِ، أَيِ الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، أَوِ الْمُرَادُ دَارَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَيَكُونُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ أَظْهَرَهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ (مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) سَنَةَ سِتٍّ، لِيَحْصُلَ لَهُ الْمُوَافَقَةُ، (ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا) ، أَيِ الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ، (إِلَّا وَاحِدٌ) فِي حُكْمِ الْحَصْرِ، فَإِذَا جَازَ التَّحَلُّلُ فِي الْعُمْرَةِ مَعَ أَنَّهَا مَحْدُودَةٌ بِوَقْتٍ، فَهُوَ فِي الْحَجِّ أَجْوَزُ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ، (ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ) ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ نَظَرُهُ، (فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ) - بِالرَّفْعِ - وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ: " ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ "، (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ) ، وَعَبَّرَ بَأُشْهِدُكُمْ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالنِّيَّةِ، لِيَعْلَمَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ انْتَقَلَ نَظَرُهُ لِلْقِرَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُكْمِ الْحَصْرِ، (ثُمَّ نَفَذَ) - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - مَضَى وَلَمْ يُصَدَّ، (حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا) لِقِرَانِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْجُمْهُورُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى الْقَارِنِ طَوَافَانِ، وَسَعْيَانِ، وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: طَوَافًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّهُ طَافَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَوَافًا يُشْبِهُ الطَّوَافَ الَّذِي لِلْآخَرِ وَلَا يَخْفَى مَا

فِيهِ وَرَدَّهُ قَوْلُهُ (وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا) - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَكَسْرِ الزَّايِ بِلَا هَمْزٍ - كَافِيًا (عَنْهُ) ، إِذْ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ يَضِيعُ، إِذْ كُلُّ مَنْ طَافَ طَوَافَيْنِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ مَجْزِيٌّ، وَيُمْنَعُ التَّأْوِيلُ عَلَى بُعْدِهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ» "، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ.

(وَأَهْدَى) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْإِهْدَاءِ زَادَ الْقَعْنَبِيُّ شَاةً، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَوْلُهُ مُجْزِيًا بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ رَأَى، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا بِزِيَادَةِ أَنَّ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهَا تَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ، أَوْ خَبَرُ كَانَ مَحْذُوفَةً، وَلِبَعْضِ رُوَاتِهِ مُجْزِئٌ - بِالرَّفْعِ، وَالْهَمْزِ - خَبَرُ أَنَّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ النَّصْبَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْمُوَطَّأِ اتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَتِهِ بِالرَّفْعِ عَلَى الصَّوَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حِكَايَتَهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَبِتَقْدِيرِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ النَّصْبَ خَطَأٌ، مَعَ أَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، انْتَهَى.

وَلَعَلَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، وَمَنْ وَافَقَهُ، فَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ، فَنَصْبُ مُجْزِيًا مُتَعَيَّنٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِتَمَامِهِ، وَقَبْلَهُ بِقَلِيلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ مُخْتَصَرًا بِدُونِ قَوْلِهِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ إِلَى آخِرِهِ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ قُتَيْبَةَ مُخْتَصَرًا كَذَلِكَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، تَامًّا الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ وَاللَّيْثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِهِ، (قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ) ، يَفْعَلُ (كَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ) ، أَيْ كَفِعْلِهِ مِنَ التَّحَلُّلِ، وَنَحْرِ هَدْيِهِ، وَلَا قَضَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٩٦) ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً، وَقَدْ تَخَلَّفَ جَمَاعَةٌ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ فِي نَفْسٍ، وَلَا مَالٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ الْمُصْطَفَى بِعَدَمِ التَّخَلُّفِ، وَلَا بِالْقَضَاءِ، (فَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ) كَمَرَضٍ، (فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ) ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَجَمَاعَةٌ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، كَكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ حَابِسٍ مِنْ عَدُوٍّ وَمَرَضٍ، وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا لُدِغَ أَنَّهُ مُحْصَرٌ، رَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ وَالطَّحَاوِيُّ لَنَا أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِي حُكْمِ إِحْصَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: " إِذَا أَمِنْتُمْ " فَعُلِمَ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْإِحْلَالِ فِي الْعَدُوِّ كَانَ لِتَحْصِيلِ الْأَمْنِ مِنْهُ، وَالْإِحْلَالُ لَا يَجُوزُ مِنَ الْمَرَضِ، فَلَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ فِي

مَعْنَاهُ فَلَا يَكُونُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْعَدُوِّ وَارِدًا فِي الْمَرَضِ، فَلَا يُلْحِقُ بِهِ دَلَالَةً وَلَا قِيَاسًا لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ التَّحَلُّلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.

[بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ]

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا أَوْ الدَّوَاءِ صَنَعَ ذَلِكَ وَافْتَدَى

ــ

٣٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ

٨٠٩ - ٧٩٨ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ) أَبِيهِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ، (فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا) لِأَجْلِ الْمَرَضِ، (أَوِ الدَّوَاءِ) الْمُطَيَّبِ، (صَنَعَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ، (وَافْتَدَى) ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِلْعُذْرِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الْبَيْتُ

ــ

٨١٠ - ٧٩٩ - (مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ) مِنْ عَمْرَةَ أَوْ غَيْرِهَا، (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّهُ إِلَّا الْبَيْتَ) مَا لَمْ يُحْصَرْ بِعَدُوٍّ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ الْمُحْرِمُ يَمْرَضُ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ، فَيَبْقَى عَلَى حَالِهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسٍ، أَوْ دَوَاءٍ فَعَلَ، وَافْتَدَى، فَإِذَا بَرِئَ أَتَى الْبَيْتَ، وَطَافَ، وَسَعَى، فَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءٌ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالنَّاسُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ أَنْ أَحِلَّ فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَحْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ

ــ

٨١١ - ٨٠٠ - (مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) كَيْسَانَ (السَّخْتَيَانِيِّ) - بِفَتْحِ السِّينِ، وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ - الْبَصْرِيِّ الثِّقَةِ الْحُجَّةِ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ، (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ)

- بِتَثْلِيثِ الْمُوَحَّدَةِ - الْبَلَدِ الْمَشْهُورَةِ (كَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ) ، أَيِ الرَّجُلُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْحَرَمِيُّ شَيْخُ أَيُّوبَ، وَمُعَلِّمُهُ كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، (قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ) مُعْتَمِرًا (حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) زَادَ جَمَاعَةٌ، وَقَعْتُ عَنْ رَاحِلَتِي (كُسِرَتْ فَخِذِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَالنَّاسُ) الْفُقَهَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَسْتَفْتِهِمْ فِي التَّحَلُّلِ، (فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ أَنْ أَحِلَّ) ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَأَرْسَلْتُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَا: الْعُمْرَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ يَكُونُ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ، (فَأَقَمْتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ) الَّذِي كُسِرَتْ فَخِذُهُ عِنْدَهُ (سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَحْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) بَعْدَ أَنْ صَحَّ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

ــ

٨١٢ - ٨٠١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، أَيْ وَيَسْعَى نَحْوَ: وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبِ وَالْعَيُونَا.

وَاسْتُعْمِلَ الطَّوَافُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْمَشْيُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي عَرَضَ لَهُ فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِيَ فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَيُهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ

قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَانِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ

قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنْ الْحَجِّ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ إِمَّا بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ بِخَطَإٍ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فَهُوَ مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ

قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِك عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ أَوْ بَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ أَوْ امْرَأَةٌ تُطْلَقُ قَالَ مَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُحْصَرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ إِذَا هُمْ أُحْصِرُوا قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى إِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ كُسِرَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ

قَالَ مَالِك أَرَى أَنْ يُقِيمَ حَتَّى إِذَا بَرَأَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلُّ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ قَالَ مَالِكٌ إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَلَّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ وَسَعْيَهُ إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْي

ــ

٨١٢ - ٨٠٢ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ) - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الزَّايِ، فَأَلِفٍ، فَمُوَحَّدَةٍ، فَهَاءٍ - (الْمَخْزُومِيِّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ) عَنِ الْعُلَمَاءِ، (فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ لَهُمُ الَّذِي عَرَضَ لَهُ، فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَىَ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِي) لِلتَّدَاوِي

(فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ) بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ، (ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، وَيَهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ) - تَيَسَّرَ - (مِنَ الْهَدْيِ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا) بِالْمَدِينَةِ (فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ) ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ، وَقَالَ بِهِ جُمْلَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَيْنَ الْمَعْدِلُ عَنْ هَذَا؟ وَزَادَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ) خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ الْبَدْرِيَّ (الْأَنْصَارِيَّ) أَحَدَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ الْفُقَهَاءِ، كَمَا يَأْتِي مَوْصُولًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ فَذَكَرَهُ، (وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ) الصَّحَابِيَّ، كَمَا يَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا، عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَبَّارًا (حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ، وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ، أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِمَا، (ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا) - بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالصِّفَةِ - (وَيَهْدِيَانِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: " «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» " وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: السُّنَّةُ كَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، فَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.

(قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَمَا يُحْرِمُ إِمَّا بِمَرَضٍ، أَوْ بِغَيْرِهِ، أَوْ بِخَطَأٍ مِنَ الْعَدَدِ، أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ، فَهُوَ مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ) يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.

(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ) لِبَعْضِ أَعْضَائِهِ، (أَوْ بَطْنٌ مُتَحَرِّقٌ) ، أَيْ إِسْهَالُ بَطْنٍ مَنَعَهُ، (أَوِ امْرَأَةٍ تُطْلِقُ) أَخَذَهَا الْمَخَاضُ - وَهُوَ وَجَعُ الْوِلَادَةِ - (قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ، فَهُوَ مُحْصَرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ إِذَا هُمْ أُحْصِرُوا) ،

فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ.

(قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى إِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ كُسِرَ) - بِضَمٍّ فَكَسْرٍ - مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، (أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ) بِعَرَفَةَ، (قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُقِيمَ حَتَّى إِذَا بَرَأَ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَالرَّاءِ مِنْ بَابِ نَفَعَ، وَبِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْضًا مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَفِي لُغَةٍ: بِضَمِّ الرَّاءِ مِنْ بَابِ قَرُبَ - صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، (خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ) لِيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ، (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَيَسْعَى بَيْنَ (الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ) جَبْرًا لِذَلِكَ، (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) : إِخْبَارٌ مِنَ السَّائِلِ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ جَهْلًا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ إِنَّمَا يَطُوفُ، وَيَسْعَى بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، (ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ) بِعَرَفَةَ، (قَالَ مَالِكٌ) : أَعَادَهُ لِيَفْصِلَ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ (إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ) بِكَوْنِهِ لَمْ يَأْتِ مِنْهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا بِالْإِحْرَامِ، وَطَوَافُهُ، وَسَعْيُهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ، (فَإِنِ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، وَعَلَّلَ إِعَادَتَهُمَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ السَّائِلِ أَنَّهُ فَعَلَهُمَا، فَيُجْزِيهِ عَنْ طَوَافِ وَسَعْيِ الْعُمْرَةِ الَّتِي لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ تُجْزِهِ عَنْ حَجِّهِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ) الَّتِي يَأْتِي بِهَا لِلْإِحْلَالِ، (فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا) ، أَيْ يَأْتِي بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، (وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ) ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَبَلَ وَأَقْبَلَ بِمَعْنًى يُقَالُ: عَامٌ قَابِلٌ، أَيْ مُقْبِلٌ، (فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْحَجِّ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

لِأَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ، وَسَعْيَهُ إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ) الَّذِي فَاتَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَا فَرْقَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَيْنَ مَنْ بِمَكَّةَ، وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلُّ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، إِلَّا أَنَّ مَنْ بِهَا يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ، لِيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ بِخِلَافِ مَنْ أَتَى مُحْرِمًا مِنَ الْحِلِّ، (وَعَلَيْهِ حَجُّ) عَامٍ (قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ) .

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
اللهم صل على محمد