الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٧٩٨
الحديث رقم ١٧٩٨ من كتاب «كتاب البيوع» في موطأ مالك، تحت باب: باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٩٦ - وَحَدَّثَنِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خمسة أنواع من البيع المحرم، لما فيها من الأضرار العائدة على البائع أو المشتري أو غيرهما.
1 - فنهى عن تلقي القادمين لبيع سلعهم من طعام وحيوان، فيقصدهم قبل أن يصلوا إلى السوق، فيشترى منهم، فلجهلهم بالسعر، ربما غبنهم في بيعهم، وحرمهم من باقي رزقهم الذي تعبوا فيه.
2- كما نهى أن يبيع أحد على بيع أحد، ومثله في الشراء على شرائه.
وذلك بأن يقول في خيار المجلس أو الشرط: أعطيك أحسن من هذه السلعة أو بأرخص من هذا الثمن، إن كان مشتريا، أو أشتريها منك بأكثر من ثمنها، إن كان بائعا، ليفسخ البيع، ويعقد معه.
وكذا بعد الخيارين، نهى عن ذلك، لما يسببه هذا التحريش من التشاحن والعداوة والبغضاء ؛ ولما فيه من قطع رزق صاحبه.
3- ثم نهى عن النجش، الذي هو الزيادة في السلعة لغير قصد الشراء، وإنما لنفع البائع بزيادة الثمن، أو ضرر المشتري بإغلاء السلعة عليه ونهى عنه، لما يترتب عليه من الكذب والتغرير بالمشترين، ورفع ثمن السلع عن طريق المكر والخداع.
4- وكذلك نهى أن يبيع الحاضر للبادي سلعته لأنه يكون محيطاً بسعرها ؛ فلا يبقى منه شيئاً ينتفع به المشترون. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض" .
5- النهي عن بيع المصراة من بهيمة الأنعام، فيظن المشتري أن هذا عادة لها فيشتريها زائداً في ثمنها مالا تستحقه، فيكون قد غش المشتري وظلمه.
فجعل الشارع له مدة يتدارك بها ظلامته ، وهي الخيار ثلاثة أيام له أن يمسكها، وله أن يردها على البائع بعد أن يعلم أنها مصراة.
فإن كان قد حلب اللبن ردها ورد معها صاع تمر بدلا منه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنْ الثَّمَنِ وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ الْمَكْرُوهُ وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا
ــ
١٣٩١ - ١٣٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَلَقَّوُا) بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ وَالْقَافِ، وَأَصْلُهُ لَا تَتَلَقَّوْا فَحُذِفَتْ
إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ لَا تَسْتَقْبِلُوا (الرُّكْبَانَ) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْمَتَاعَ إِلَى الْبَلَدِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِمُوا (لِلْبَيْعِ) أَيْ لِمَحَلِّ بَيْعِهَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ: وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ، وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ قُرْبَ الْمِصْرِ وَأَطْرَافِهِ وَفِي حَدِّهِ بِمِيلٍ وَفَرْسَخَيْنِ وَيَوْمَيْنِ، رِوَايَاتٍ عَنْ مَالِكٍ حَكَاهَا فِي الْمُعَارَضَةِ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: وَالْمَذْهَبُ مَنَعَهُ كَلَامُ شَيْخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَمْتَنِعُ التَّلَقِّي فِيمَا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: النَّهْيُ عَنْهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، وَلَا يُعَارِضُهُ: " «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» " الْمُقْتَضَى عَدَمُ الِاسْتِقْصَاءِ لِلْجَالِبِ، وَالتَّلَقِّي يَقْتَضِي الِاسْتِقْصَاءَ لَهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ وَمِنْهَا تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَلِذَا قُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْوَاحِدِ الْجَالِبِ فَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ مُتَعَارِضَانِ.
أَبُو عُمَرَ: أُرِيدَ بِالنَّهْيِ نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ لَا رَبِّ السِّلْعَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَكْسُهُ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ التَّلَقِّي إِلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ.
(وَلَا يَبِعْ) مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَبِيعُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ ( «بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ لَا يَشْتَرِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنَّمَا النَّهْيُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ زِيَادَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرَى.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَيْضًا أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِذَا رَكَنَ الْمُشْتَرِي لَهُ، وَإِنَّمَا حُمِلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْخَاصَ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ، فَإِذَا أَتَى مَنْ يَبِيعُ بِأَرْخَصَ مِنْ بَيْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يُمْنَعْ، وَقَدْ مُنِعَ مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَفِيهِ إِرْخَاصٌ عَلَى مُتَلَقِّيهَا، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ إِغْلَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ هُمْ أَعَمُّ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلَقِّي.
وَقَالَ عِيَاضٌ: الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ سِلْعَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِرُخْصٍ لِيَزِيدَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةِ الْآخَرِ الرَّاكِنِ إِلَى شِرَائِهَا، قَالَ الْأُبِّيُّ: الْبَيْعُ حَقِيقَةً إِنَّمَا هُوَ إِذَا انْعَقَدَ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ حُمِلَ عَلَى أَقْرَبِ الْمَجَازِ إِلَيْهَا وَهُوَ الْمُرَاكَنَةُ، وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ وَالْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهِيَ أَنْ يَعْرِضَ بَائِعٌ سِلْعَتَهُ عَلَى مُشْتَرٍ رَاكِنٍ لِلْأَوَّلِ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ الْيَوْمَ، يَرَاكِنُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ الْمُشْتَرِي فَيَنْشُرُ الْآخَرُ بِحَانُوتِهِ سِلْعَةً نَظِيرَهَا بِحَيْثُ يَرَاهَا الْمُشْتَرِي ( «وَلَا تَنَاجَشُوا» ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ.
(وَلَا يَبِعْ) بِالْجَزْمِ نَهْيًا، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَبِيعُ " بِالرَّفْعِ نَفْيًا بِمَعْنَاهُ (حَاضِرٌ لِبَادٍ) أَيْ لَا يَكُونُ سِمْسَارًا لَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ خَاصَّةً الْبَعِيدِينَ عَنِ الْحَاضِرَةِ الْجَاهِلِينَ بِالسِّعْرِ فِيمَا يَجْلِبُونَهُ مِنْ فَوَائِدِ الْبَادِيَةِ دُونَ شِرَاءٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَدِيثِ إِرْفَاقُ
أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقُيُودِ، وَبَيَانُهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ عَمُودٍ فَهُمْ أَهْلُ بِلَادٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ السِّعْرَ، فَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى تَحْصِيلِهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الَّذِي جَلَبُوهُ اشْتَرَوْهُ فَهُمْ فِيهِ تُجَّارٌ يَقْصِدُونَ الرِّبْحَ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَيْهِ بِالسَّمَاسِرَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ الْمَوْصُوفُونَ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ بَاعَ لَهُمُ السَّمَاسِرَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ ضَرَّ بِأَهْلِ الْحَضَرِ فِي اسْتِخْرَاجِ غَايَةِ الثَّمَنِ فِيمَا أَصْلُهُ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ بِلَا ثَمَنٍ، وَقَصَدَ الشَّارِعُ إِرْفَاقَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ بِهِ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ بِيعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لِحَدِيثِ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ، " «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» " خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ فَيُسْتَعْمَلُ الْحَدِيثَانِ.
(وَلَا تُصَرُّوا) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ، وَالرَّاءُ الْمُشَدَّدَةُ بَعْدَهَا وَاوُ الْجَمْعِ، وَنَصْبُ (الْإِبِلَ) عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَالْغَنَمَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِضَبْطِ الْمُتْقِنِينَ مِنْ شُيُوخِهِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ عَتَّابٍ يُقَرِّبُهُ لِلطَّلَبَةِ فَيَقُولُ: هُوَ مِثْلُ {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: ٣٢] وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَيَّدْنَاهُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَنَصْبِ الْإِبِلِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْضًا، وَبِضَمِّ التَّاءِ وَحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ الْإِبِلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَاشْتِقَاقُهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنَ التَّصْرِيَةِ مَصْدَرِ صَرَّى بِشَدِّ الرَّاءِ وَبِالْأَلْفِ يُصْرِي تَصْرِيَةً إِذَا جُمِعَ، يُقَالُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ، وَمِنْهُ صَرَّى الْمَاءَ فِي الظَّهْرِ إِذَا حَبَسَهُ سِنِينَ لَا يَتَزَوَّجُ، فَالتَّصْرِيَةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَعْظُمَ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَالْمُصَرَّاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ هِيَ النَّاقَةُ أَوِ الشَّاةُ الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمُحَفَّلَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، يُقَالُ: ضَرْعٌ حَافِلٌ أَيْ: عَظِيمٌ.
وَأَمَّا عَلَى الضَّبْطِ الثَّانِي فَهُوَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّصْرِيَةِ لَا مِنَ الصَّرِّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذْ لَوْ كَانَ مِنَ الصَّرِّ لَقِيلَ: نَاقَةٌ أَوْ شَاةٌ مَصْرُورَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُصَرَّاةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّصْرِيَةُ أَنْ تُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ وَيُتْرَكَ حَلْبُهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، فَيُزِيدُ الْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِهَا لِمَا يَرَى مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ جَيِّدٌ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُصِرُّ ضُرُوعَ الْمَحْلُوبَاتِ أَيْ تَرْبُطُهَا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرِّبَاطُ صِرَارًا، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: الْعَبْدُ لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ وَإِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ، وَبِقَوْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُصَرَّاةٌ مُصَرَّرَةً، أُبْدِلَ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ يَاءً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: ١٠] (سُورَةُ الشَّمْسِ: الْآيَةَ ١٠) كَرِهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: وَمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ التَّصْرِيَةِ، وَلِذَا أَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ
الرَّبْطُ وَالنَّهْيُ لِحَقِّ الْغَيْرِ.
(فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ وَهُوَ التَّصْرِيَةُ أَوْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَذَا النَّهْيِ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أَفْضَلِ الرَّأْيَيْنِ (بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا) بِضَمِّ اللَّامِ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَحْتَلِبَهَا، بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ (إِنْ رَضِيَهَا) أَيِ الْمُصَرَّاةَ (أَمْسَكَهَا) وَلَا شَيْءَ لَهُ (وَإِنْ سَخِطَهَا) كَرِهَهَا (رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) نُصِبَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ، أَوْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا مَفْعُولًا مَعَهُ ; لِأَنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا نَحْوَ جِئْتُ أَنَا وَزَيْدًا، وَالْجُمْلَتَانِ شَرْطِيَّتَانِ عُطِفَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى فَلَا مَحَلَّ لَهُمَا مِنَ الْإِعْرَابِ، إِذْ هُمَا تَفْسِيرِيَّتَانِ أُتِيَ بِهِمَا لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّظَرَيْنِ مَا هُوَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، إِنَّمَا خَصَّ التَّمْرَ لِأَنَّهُ غَالِبُ عَيْشِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكَذَلِكَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِنَّمَا يُقْضَى بِالصَّاعِ مِنْ غَالِبِ عَيْشِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَمُسْلِمٍ: " «وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ» " زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ إِنَّمَا تَظْهَرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى ثَلَاثِ حَلْبَاتٍ؛ لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ الدُّلْسَةُ، وَبِالثَّانِيَةِ ظَهَرَتْ، وَبِالثَّالِثَةِ تَحَقَّقَتْ ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ يُظَنُّ أَنَّهَا لِاخْتِلَافِ الْمَرْعَى وَالْمَرَاحِ، أَوْ لِاخْتِلَالٍ فِي الضَّرْعِ بِإِمْسَاكِهَا مُدَّةَ التَّسَوُّقِ بِهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ وَالدُّلْسَةِ بِالْعَيْبِ، وَأَصْلٌ فِي الرَّدِّ بِهِ، وَأَنَّ بَيْعَ الْمَعِيبَ صَحِيحٌ وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، وَمِمَّنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَوْ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْعُتَبِيَّةِ عَنْهُ لَيْسَ بِالثَّابِتِ وَلَا الْمُوَطَّأُ عَلَيْهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ عَنْ مَالِكٍ.
وَرَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْحَدِيثَ وَأَتَوْا بِأَشْيَاءَ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى فَقَالُوا: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَالْغَلَّةِ بِالضَّمَانِ، قَالُوا: وَالْمُسْتَهْلَكَاتُ بِالْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَهَذَا يُبَيِّنُ نَسْخَهُ.
وَقَوْلُهُ وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَنْسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي حَدِيثِ: " «التَّمْرُ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» " قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِي فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْوِيمُ مَا لِلْبَائِعِ مِنْهُ، لِأَنَّ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَحَكَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ كَحُكْمِهِ فِي الْجَنِينِ بِغِرَّةٍ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا حِينَ ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، أَوْ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، فَقَطَعَ النِّزَاعَ بِالْغُرَّةِ، وَكَحُكْمِهِ فِي الْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ بِأَنَّ الصَّغِيرَ فِيهَا كَالْكَبِيرِ؛ إِذْ لَا تُوقَفُ لِصِحَّةِ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَكَذَا الْمُوضِحَةُ حَكَمَ فِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ اهـ.
وَفِي الْمُعَلِّمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ لِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَبِالْأُصُولِ الَّتِي خَالَفَتْهُ، وَهِيَ أَنَّ اللَّبَنَ مِثْلِيٌّ فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَقِيمَتُهُ، وَالْمِثْلُ هُنَا تَعَذَّرَ
لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، فَكَانَ فِيهِ الْقِيمَةُ بِالْعَيْنِ لَا مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنِ الْمِثْلِ إِلَى غَيْرِهِ نَحَّى بِهِ عَنِ الْبَيْعِ فَهُوَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ; وَلِأَنَّ لَبَنَ النَّاقَةِ أَثْقَلُ مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ، وَلَبَنُ النُّوقِ فِي نَفْسِهِ يَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالصَّاعُ مَحْدُودٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَلْزَمَ مُتْلِفَ الْقَلِيلِ مِثْلُ مَا يَلْزَمُ مُتْلِفَ الْكَثِيرِ؟ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ غَلَّةٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي كَسَائِرِ الْغَلَّاتِ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ فِي الْعَيْبِ، فَالْحَدِيثُ إِمَّا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ أَوْ مَرْجُوحٌ لِمُعَارَضَتِهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَ قَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ اللَّبَنَ خَرَاجٌ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ، وَبِأَنَّهُ عَامٌّ وَالْمُصَرَّاةُ خَاصٌّ، وَالْعَامُّ يُرَدُّ إِلَى الْخَاصِّ، فَلَا تَعَارُضَ وَلَا نَسْخَ، وَعَنِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَنَّ اللَّبَنَ إِنَّمَا يُرَادُ لِلْقُوتِ، وَغَالِبُ قُوتِهِمُ التَّمْرُ، فَلِذَا حَكَمَ بِهِ؛ حَتَّى لَوْ كَانَ غَالِبَ قُوتِ بَلَدِ غَيْرِهِ لَقَضَى بِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ الْإِبِلَ، وَالذَّهَبِ الذَّهَبَ، وَالْوَرِقِ الْوَرِقَ، مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ غَالِبُ كَسْبِهِمْ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمَرْدُودُ لَبَنًا لَدَخَلَ التَّفَاضُلُ وَالْمُزَابِنَةُ، إِذْ مَا فِي الضَّرْعِ لَا يَتَحَقَّقُ تَقْدِيرُهُ بِالصَّاعِ، وَلَوْ رُدَّ جَمِيعُ مَا حُلِبَ لَخِيفَ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ غَلَّةٌ وَحَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَكَيْفَ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ؟ وَعَنِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُبَايَعَةً حَقِيقِيَّةً حَتَّى يُقَالَ إِنَّهَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِمَا فَيُتَّهَمَانِ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ بِمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا قَضَى بِالصَّاعِ الْمَحْدُودِ عَنِ اللَّبَنِ الْمُخْتَلِفِ قَدْرُهُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ رِفْقًا لِلْخِصَامِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّنَازُعِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلَى رَفْعِ التَّنَازُعِ عَنْ أُمَّتِهِ كَقَضَائِهِ بِالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الدِّيَةِ، وَحَدَّ دِيَةَ الْجَرَّاحِ بِقَدْرٍ مَحْدُودٍ مَعَ اخْتِلَافِ قَدْرِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَقَدْ تَعُمُّ الْمُوضِحَةُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مَدْخَلَ مِسَلَّةٍ، وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ الْغَلَّةَ مَا نَشَأَ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا كَانَ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَكَانَ الْأَصْلُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمَّا اسْتَحَالَ رَدُّ عَيْنِهِ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَجَبَ رُدَّ الْعِوَضِ وَقُدِّرَ بِمَعْلُومٍ رَفْعًا لِلنِّزَاعِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي الْمُفْهِمِ: قَدْ يُجَابُ عَنِ الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ كَمَا اسْتُثْنِيَ ضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَدِيَةِ الْجَنِينِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْقَرَاضِ مِنْ أَصُولٍ مَمْنُوعَةٍ لِلْحَاجَةِ إِلَى هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَلَوْ سُلِّمَ مُعَارَضَتُهُ بِأُصُولِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ فَلَا نُسَلِّمُ تَقْدِيمَ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ: " «بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي» " اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا مَرَّ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا نَرَى) بِضَمِّ النُّونِ، فَظَنَّ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) بِمُرَادِ رَسُولِهِ ( «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ) أَيْ يَحْرُمُ (أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) فَفَسَّرَهُ
بِالسَّوْمِ مِنَ الْمُشْتَرِي لِلرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ وَخَيْرُ مَا فَسَّرَتْهُ بِالْوَارِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ الْبَائِعُ أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ دَفْعُ الضَّرَرِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ وَالسَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ وَبِمَا قَيَّدَهُ (إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ) أَيِ الْمُشْتَرِي (وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ) أَوِ الْفِضَّةِ وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الْعُيُوبِ (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) لَا قَبْلَ الرُّكُونِ فَيَجُوزُ كَمَا قَالَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الرَّكْنِ جَازَ هَذَا وَهُوَ الْمُزَايَدَةُ.
(وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنَ الثَّمَنِ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمُ الْمَكْرُوهُ) وَهُوَ الْبَخْسُ وَنَقْصُ الثَّمَنِ (وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا) أَيْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ قَبْلَ الرُّكُونِ، وَبِنَحْوِهِ فَسَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي خَيْرٌ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَبْتَاعَ فَيَقْبِضَهَا وَلَمْ يَفْتَرِقَا وَهُوَ مُغْتَبِطُهَا، فَيَأْتِيهِ مَنْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ أَرْشَدَ أَيْ أَحْسَنَ مِنْهَا فَيَفْسَخُ بَيْعَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَمَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، فَحَمَلَاهُ عَلَى أَنَّهُ نُهِيَ لِلْبَائِعِ، لَكِنَّ تَفْسِيرَ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلِهِ بِخِيَارِ الْمَجَالِسِ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنْ الثَّمَنِ وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ الْمَكْرُوهُ وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا
ــ
١٣٩١ - ١٣٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَلَقَّوُا) بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ وَالْقَافِ، وَأَصْلُهُ لَا تَتَلَقَّوْا فَحُذِفَتْ
إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ لَا تَسْتَقْبِلُوا (الرُّكْبَانَ) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْمَتَاعَ إِلَى الْبَلَدِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِمُوا (لِلْبَيْعِ) أَيْ لِمَحَلِّ بَيْعِهَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ: وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ، وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ قُرْبَ الْمِصْرِ وَأَطْرَافِهِ وَفِي حَدِّهِ بِمِيلٍ وَفَرْسَخَيْنِ وَيَوْمَيْنِ، رِوَايَاتٍ عَنْ مَالِكٍ حَكَاهَا فِي الْمُعَارَضَةِ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: وَالْمَذْهَبُ مَنَعَهُ كَلَامُ شَيْخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَمْتَنِعُ التَّلَقِّي فِيمَا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: النَّهْيُ عَنْهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، وَلَا يُعَارِضُهُ: " «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» " الْمُقْتَضَى عَدَمُ الِاسْتِقْصَاءِ لِلْجَالِبِ، وَالتَّلَقِّي يَقْتَضِي الِاسْتِقْصَاءَ لَهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ وَمِنْهَا تَقْدِيمُ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَلِذَا قُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْوَاحِدِ الْجَالِبِ فَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ مُتَعَارِضَانِ.
أَبُو عُمَرَ: أُرِيدَ بِالنَّهْيِ نَفْعُ أَهْلِ السُّوقِ لَا رَبِّ السِّلْعَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَكْسُهُ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ التَّلَقِّي إِلَّا أَنْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ.
(وَلَا يَبِعْ) مَجْزُومٌ بِلَا النَّاهِيَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَبِيعُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ ( «بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ) قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ لَا يَشْتَرِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنَّمَا النَّهْيُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ زِيَادَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرَى.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَيْضًا أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إِذَا رَكَنَ الْمُشْتَرِي لَهُ، وَإِنَّمَا حُمِلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْخَاصَ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ، فَإِذَا أَتَى مَنْ يَبِيعُ بِأَرْخَصَ مِنْ بَيْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يُمْنَعْ، وَقَدْ مُنِعَ مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ، وَفِيهِ إِرْخَاصٌ عَلَى مُتَلَقِّيهَا، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ إِغْلَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّذِينَ هُمْ أَعَمُّ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلَقِّي.
وَقَالَ عِيَاضٌ: الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ سِلْعَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِرُخْصٍ لِيَزِيدَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةِ الْآخَرِ الرَّاكِنِ إِلَى شِرَائِهَا، قَالَ الْأُبِّيُّ: الْبَيْعُ حَقِيقَةً إِنَّمَا هُوَ إِذَا انْعَقَدَ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ حُمِلَ عَلَى أَقْرَبِ الْمَجَازِ إِلَيْهَا وَهُوَ الْمُرَاكَنَةُ، وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ وَالْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهِيَ أَنْ يَعْرِضَ بَائِعٌ سِلْعَتَهُ عَلَى مُشْتَرٍ رَاكِنٍ لِلْأَوَّلِ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ الْيَوْمَ، يَرَاكِنُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ الْمُشْتَرِي فَيَنْشُرُ الْآخَرُ بِحَانُوتِهِ سِلْعَةً نَظِيرَهَا بِحَيْثُ يَرَاهَا الْمُشْتَرِي ( «وَلَا تَنَاجَشُوا» ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ.
(وَلَا يَبِعْ) بِالْجَزْمِ نَهْيًا، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَبِيعُ " بِالرَّفْعِ نَفْيًا بِمَعْنَاهُ (حَاضِرٌ لِبَادٍ) أَيْ لَا يَكُونُ سِمْسَارًا لَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ خَاصَّةً الْبَعِيدِينَ عَنِ الْحَاضِرَةِ الْجَاهِلِينَ بِالسِّعْرِ فِيمَا يَجْلِبُونَهُ مِنْ فَوَائِدِ الْبَادِيَةِ دُونَ شِرَاءٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَدِيثِ إِرْفَاقُ
أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقُيُودِ، وَبَيَانُهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ عَمُودٍ فَهُمْ أَهْلُ بِلَادٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ السِّعْرَ، فَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى تَحْصِيلِهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الَّذِي جَلَبُوهُ اشْتَرَوْهُ فَهُمْ فِيهِ تُجَّارٌ يَقْصِدُونَ الرِّبْحَ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَيْهِ بِالسَّمَاسِرَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ الْمَوْصُوفُونَ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ بَاعَ لَهُمُ السَّمَاسِرَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ ضَرَّ بِأَهْلِ الْحَضَرِ فِي اسْتِخْرَاجِ غَايَةِ الثَّمَنِ فِيمَا أَصْلُهُ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ بِلَا ثَمَنٍ، وَقَصَدَ الشَّارِعُ إِرْفَاقَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ بِهِ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ بِيعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لِحَدِيثِ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ، " «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» " خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ فَيُسْتَعْمَلُ الْحَدِيثَانِ.
(وَلَا تُصَرُّوا) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ، وَالرَّاءُ الْمُشَدَّدَةُ بَعْدَهَا وَاوُ الْجَمْعِ، وَنَصْبُ (الْإِبِلَ) عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَالْغَنَمَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِضَبْطِ الْمُتْقِنِينَ مِنْ شُيُوخِهِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ عَتَّابٍ يُقَرِّبُهُ لِلطَّلَبَةِ فَيَقُولُ: هُوَ مِثْلُ {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: ٣٢] وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَيَّدْنَاهُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَنَصْبِ الْإِبِلِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْضًا، وَبِضَمِّ التَّاءِ وَحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ الْإِبِلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَاشْتِقَاقُهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنَ التَّصْرِيَةِ مَصْدَرِ صَرَّى بِشَدِّ الرَّاءِ وَبِالْأَلْفِ يُصْرِي تَصْرِيَةً إِذَا جُمِعَ، يُقَالُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ، وَمِنْهُ صَرَّى الْمَاءَ فِي الظَّهْرِ إِذَا حَبَسَهُ سِنِينَ لَا يَتَزَوَّجُ، فَالتَّصْرِيَةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَعْظُمَ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَالْمُصَرَّاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ هِيَ النَّاقَةُ أَوِ الشَّاةُ الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمُحَفَّلَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، يُقَالُ: ضَرْعٌ حَافِلٌ أَيْ: عَظِيمٌ.
وَأَمَّا عَلَى الضَّبْطِ الثَّانِي فَهُوَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّصْرِيَةِ لَا مِنَ الصَّرِّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذْ لَوْ كَانَ مِنَ الصَّرِّ لَقِيلَ: نَاقَةٌ أَوْ شَاةٌ مَصْرُورَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُصَرَّاةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّصْرِيَةُ أَنْ تُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ وَيُتْرَكَ حَلْبُهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، فَيُزِيدُ الْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِهَا لِمَا يَرَى مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ جَيِّدٌ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُصِرُّ ضُرُوعَ الْمَحْلُوبَاتِ أَيْ تَرْبُطُهَا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرِّبَاطُ صِرَارًا، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: الْعَبْدُ لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ وَإِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ، وَبِقَوْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُصَرَّاةٌ مُصَرَّرَةً، أُبْدِلَ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ يَاءً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: ١٠] (سُورَةُ الشَّمْسِ: الْآيَةَ ١٠) كَرِهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: وَمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ التَّصْرِيَةِ، وَلِذَا أَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ
الرَّبْطُ وَالنَّهْيُ لِحَقِّ الْغَيْرِ.
(فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ وَهُوَ التَّصْرِيَةُ أَوْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَذَا النَّهْيِ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أَفْضَلِ الرَّأْيَيْنِ (بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا) بِضَمِّ اللَّامِ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَحْتَلِبَهَا، بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ (إِنْ رَضِيَهَا) أَيِ الْمُصَرَّاةَ (أَمْسَكَهَا) وَلَا شَيْءَ لَهُ (وَإِنْ سَخِطَهَا) كَرِهَهَا (رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ) نُصِبَ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ، أَوْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا مَفْعُولًا مَعَهُ ; لِأَنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا نَحْوَ جِئْتُ أَنَا وَزَيْدًا، وَالْجُمْلَتَانِ شَرْطِيَّتَانِ عُطِفَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى فَلَا مَحَلَّ لَهُمَا مِنَ الْإِعْرَابِ، إِذْ هُمَا تَفْسِيرِيَّتَانِ أُتِيَ بِهِمَا لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّظَرَيْنِ مَا هُوَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، إِنَّمَا خَصَّ التَّمْرَ لِأَنَّهُ غَالِبُ عَيْشِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكَذَلِكَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِنَّمَا يُقْضَى بِالصَّاعِ مِنْ غَالِبِ عَيْشِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَمُسْلِمٍ: " «وَصَاعًا مِنْ طَعَامٍ» " زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ أَنَّ التَّصْرِيَةَ إِنَّمَا تَظْهَرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى ثَلَاثِ حَلْبَاتٍ؛ لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ الدُّلْسَةُ، وَبِالثَّانِيَةِ ظَهَرَتْ، وَبِالثَّالِثَةِ تَحَقَّقَتْ ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ يُظَنُّ أَنَّهَا لِاخْتِلَافِ الْمَرْعَى وَالْمَرَاحِ، أَوْ لِاخْتِلَالٍ فِي الضَّرْعِ بِإِمْسَاكِهَا مُدَّةَ التَّسَوُّقِ بِهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ وَالدُّلْسَةِ بِالْعَيْبِ، وَأَصْلٌ فِي الرَّدِّ بِهِ، وَأَنَّ بَيْعَ الْمَعِيبَ صَحِيحٌ وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، وَمِمَّنْ قَالَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَتَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَوْ لِأَحَدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَأْيٌ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْعُتَبِيَّةِ عَنْهُ لَيْسَ بِالثَّابِتِ وَلَا الْمُوَطَّأُ عَلَيْهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ عَنْ مَالِكٍ.
وَرَدَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْحَدِيثَ وَأَتَوْا بِأَشْيَاءَ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى فَقَالُوا: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَالْغَلَّةِ بِالضَّمَانِ، قَالُوا: وَالْمُسْتَهْلَكَاتُ بِالْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَهَذَا يُبَيِّنُ نَسْخَهُ.
وَقَوْلُهُ وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَنْسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي حَدِيثِ: " «التَّمْرُ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» " قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ صَحِيحٌ فِي أُصُولِ السُّنَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الطَّارِي فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ تَقْوِيمُ مَا لِلْبَائِعِ مِنْهُ، لِأَنَّ مَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَحَكَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ كَحُكْمِهِ فِي الْجَنِينِ بِغِرَّةٍ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا حِينَ ضُرِبَ بَطْنُ أُمِّهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ، أَوْ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، فَقَطَعَ النِّزَاعَ بِالْغُرَّةِ، وَكَحُكْمِهِ فِي الْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ بِأَنَّ الصَّغِيرَ فِيهَا كَالْكَبِيرِ؛ إِذْ لَا تُوقَفُ لِصِحَّةِ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَكَذَا الْمُوضِحَةُ حَكَمَ فِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ اهـ.
وَفِي الْمُعَلِّمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ لِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَبِالْأُصُولِ الَّتِي خَالَفَتْهُ، وَهِيَ أَنَّ اللَّبَنَ مِثْلِيٌّ فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَقِيمَتُهُ، وَالْمِثْلُ هُنَا تَعَذَّرَ
لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، فَكَانَ فِيهِ الْقِيمَةُ بِالْعَيْنِ لَا مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ عَنِ الْمِثْلِ إِلَى غَيْرِهِ نَحَّى بِهِ عَنِ الْبَيْعِ فَهُوَ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ ; وَلِأَنَّ لَبَنَ النَّاقَةِ أَثْقَلُ مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ، وَلَبَنُ النُّوقِ فِي نَفْسِهِ يَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالصَّاعُ مَحْدُودٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَلْزَمَ مُتْلِفَ الْقَلِيلِ مِثْلُ مَا يَلْزَمُ مُتْلِفَ الْكَثِيرِ؟ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ غَلَّةٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي كَسَائِرِ الْغَلَّاتِ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ فِي الْعَيْبِ، فَالْحَدِيثُ إِمَّا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ أَوْ مَرْجُوحٌ لِمُعَارَضَتِهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَ قَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ اللَّبَنَ خَرَاجٌ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ، وَبِأَنَّهُ عَامٌّ وَالْمُصَرَّاةُ خَاصٌّ، وَالْعَامُّ يُرَدُّ إِلَى الْخَاصِّ، فَلَا تَعَارُضَ وَلَا نَسْخَ، وَعَنِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَنَّ اللَّبَنَ إِنَّمَا يُرَادُ لِلْقُوتِ، وَغَالِبُ قُوتِهِمُ التَّمْرُ، فَلِذَا حَكَمَ بِهِ؛ حَتَّى لَوْ كَانَ غَالِبَ قُوتِ بَلَدِ غَيْرِهِ لَقَضَى بِذَلِكَ الْغَيْرِ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ الْإِبِلَ، وَالذَّهَبِ الذَّهَبَ، وَالْوَرِقِ الْوَرِقَ، مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ غَالِبُ كَسْبِهِمْ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْمَرْدُودُ لَبَنًا لَدَخَلَ التَّفَاضُلُ وَالْمُزَابِنَةُ، إِذْ مَا فِي الضَّرْعِ لَا يَتَحَقَّقُ تَقْدِيرُهُ بِالصَّاعِ، وَلَوْ رُدَّ جَمِيعُ مَا حُلِبَ لَخِيفَ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ غَلَّةٌ وَحَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَكَيْفَ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ؟ وَعَنِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُبَايَعَةً حَقِيقِيَّةً حَتَّى يُقَالَ إِنَّهَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِمَا فَيُتَّهَمَانِ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ بِمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا قَضَى بِالصَّاعِ الْمَحْدُودِ عَنِ اللَّبَنِ الْمُخْتَلِفِ قَدْرُهُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ رِفْقًا لِلْخِصَامِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّنَازُعِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلَى رَفْعِ التَّنَازُعِ عَنْ أُمَّتِهِ كَقَضَائِهِ بِالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الدِّيَةِ، وَحَدَّ دِيَةَ الْجَرَّاحِ بِقَدْرٍ مَحْدُودٍ مَعَ اخْتِلَافِ قَدْرِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَقَدْ تَعُمُّ الْمُوضِحَةُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مَدْخَلَ مِسَلَّةٍ، وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ الْغَلَّةَ مَا نَشَأَ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا كَانَ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَكَانَ الْأَصْلُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمَّا اسْتَحَالَ رَدُّ عَيْنِهِ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَجَبَ رُدَّ الْعِوَضِ وَقُدِّرَ بِمَعْلُومٍ رَفْعًا لِلنِّزَاعِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَفِي الْمُفْهِمِ: قَدْ يُجَابُ عَنِ الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ كَمَا اسْتُثْنِيَ ضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَدِيَةِ الْجَنِينِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْقَرَاضِ مِنْ أَصُولٍ مَمْنُوعَةٍ لِلْحَاجَةِ إِلَى هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَلَوْ سُلِّمَ مُعَارَضَتُهُ بِأُصُولِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ فَلَا نُسَلِّمُ تَقْدِيمَ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ: " «بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي» " اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا مَرَّ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا نَرَى) بِضَمِّ النُّونِ، فَظَنَّ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) بِمُرَادِ رَسُولِهِ ( «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ) أَيْ يَحْرُمُ (أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) فَفَسَّرَهُ
بِالسَّوْمِ مِنَ الْمُشْتَرِي لِلرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ وَخَيْرُ مَا فَسَّرَتْهُ بِالْوَارِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ الْبَائِعُ أَيْضًا بِجَامِعِ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ دَفْعُ الضَّرَرِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ وَالسَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ وَبِمَا قَيَّدَهُ (إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ) أَيِ الْمُشْتَرِي (وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ) أَوِ الْفِضَّةِ وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الْعُيُوبِ (وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ السَّائِمِ فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) لَا قَبْلَ الرُّكُونِ فَيَجُوزُ كَمَا قَالَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ تُوقَفُ لِلْبَيْعِ فَيَسُومُ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الرَّكْنِ جَازَ هَذَا وَهُوَ الْمُزَايَدَةُ.
(وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا أُخِذَتْ بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنَ الثَّمَنِ، وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمُ الْمَكْرُوهُ) وَهُوَ الْبَخْسُ وَنَقْصُ الثَّمَنِ (وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا) أَيْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ قَبْلَ الرُّكُونِ، وَبِنَحْوِهِ فَسَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي خَيْرٌ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَبْتَاعَ فَيَقْبِضَهَا وَلَمْ يَفْتَرِقَا وَهُوَ مُغْتَبِطُهَا، فَيَأْتِيهِ مَنْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ أَرْشَدَ أَيْ أَحْسَنَ مِنْهَا فَيَفْسَخُ بَيْعَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَمَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، فَحَمَلَاهُ عَلَى أَنَّهُ نُهِيَ لِلْبَائِعِ، لَكِنَّ تَفْسِيرَ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلِهِ بِخِيَارِ الْمَجَالِسِ.