«اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ…

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ١٩٢٨

الحديث رقم ١٩٢٨ من كتاب «كتاب الأقضية» في موطأ مالك، تحت باب: باب القضاء في اللقطة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء…

«اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا»، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»

سند حديث: ٤٦ - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ…

٤٦ - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء…

سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم المال الضال عن ربه، من الذهب، و الفضة، والإبل، والغنم.
فبين له صلى الله عليه وسلم حكم هذه الأشياء لتكون مثالا لأشباهها، من الأموال الضائعة، فتأخذ حكمها.
فقال عن الذهب والفضة: اعرف الرباط الذي شدت به، والوعاء الذي جعلت فيه، لتميزها من بين مالك، ولتخبر بعلمك بها من ادعاها.
فإن طابق وصفه صفاتها، أعطيه إياها، وإلا تبين لك عدم صحة دعواه .
وأمره أن يعرفها سنة كاملة بعد التقاطه إياها.
ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق ، وأبواب المساجد. والمجمعات العامة، وفي مكان التقاطها.
ثم أباح له- بعد تعريفها سنة، وعدم العثور على صاحبها أن يستنفقها، فإذا جاء صاحبها في أي يوم من أيام الدهر، أداها إليه.
وأما ضالة الإبل ونحوها، مما يمتنع بنفسه، فنهاه عن التقاطها؛ لأنها ليست بحاجة إلى الحفظ، فلها من طبيعتها حافظ، لأن فيها القوة على صيانة نفسها من صغار السباع، ولها من أخفافها ما تقطع به المفاوز، ومن عنقها ما تتناول به الشجر والماء، ومن جوفها ما تحمل به الغذاء، فهي حافظة نفسها حتى يجدها ربها الذي سيبحث عنها في مكان ضياعها.
وأما ضالة الغنم ونحوها من صغار الحيوان، فأمره أن يأخذها حفظا لها من الهلاك وافتراس السباع، وبعد أخذها يأتي صاحبها فيأخذها، أو يمضي عليها حول التعريف فتكون لواجدها .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • لا يجوز التقاط اللقطة إلا لمن قدر على تعريفها وأمن نفسه عليها، ومن لم يقدر فعليه أن يسلمها للحاكم الشرعي.
  • أن يعرف الواجد وكاءها ووعاءها وجنسها ليميزها عن ماله وليعرف صفاتها فيختبر من ادعى ضياعها منه، فذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربها.
  • أن يعرفها سنة في مجامع الناس كأبواب المساجد والمحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة .وفي زمننا يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة.
  • إن لم تعرف في مدة العام، جاز له إنفاقها وبقى مستعدا لإعطاء صاحبها عوضها مثلها، إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة.
  • إن مضى عليها الحول ولم تعرف، ملكها ملتقطها ملكًا قهريًّا من غير اختيار كالإرث وإذا جاء صاحبها بعد الحول فله عوضها، أو هي بعينها إن كانت موجودة.
  • إن جاء صاحبها ولو بعد أمد طويل ووصفها دفعت إليه، ويكفى وصفها بينة على أنها له، فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى يمين، لأن وصفها هو بينتها، فبينة كل شيء بحسبه، فإن البينة ما أبان الحق وأظهره، ووصفها كاف في ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال، التي يدعيها أحد ولا يكون له فيها منازع، فيكتفي بوصفه إياها.
  • أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته أو بعَدْوه أو بطيرانه، فلا يجوز التقاطها، لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها، ما يحفظها ويمنعها، لكن إن وجدت في مهلكة رُدتْ بقصد الإنقاذ، لا التقاط.
  • أما الشاة فالأحسن- بعد أخذها- أن يعمل فيها الأصلح من أكلها مقدرا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف، وتركها بدون أخذها، تعريض لها للهلاك، فإن جاء صاحبها، رجع بها أو بقيمتها وإن لم يأت فهي لمن وجدها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء…

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[باب الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ]

١٥٢٨ - ١٤٨٢ حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»

ــ

٣٨ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ

اللُّقَطَةُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُلْتَقَطُ، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَامَّةُ تُسَكِّنُهَا اهـ. لَكِنْ جَزْمَ الْخَلِيلُ بِالسُّكُونِ، قَالَ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ اللَّاقِطُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَا قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ الْفَتْحُ، وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَرَابِعَةٌ لَقَطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ. وَوَجَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَتْحَ الْقَافِ فِي الْمَأْخُوذِ بِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِيمَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهَا يَمِيلُ لِأَخْذِهَا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ.

١٤٨٢ - ١٤٣٨

- (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فَرُّوخَ، الْمَعْرُوفِ بِرَبِيعَةِ الرَّأْيِ، بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ (عَنْ يَزِيدَ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ، الْمَدَنِيِّ الصَّدُوقِ (مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ نَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُضْطَجِعَ فَسَمَّاهُ الْمُنْبَعِثَ، وَكَانَ مِنْ مَوَالِي آلِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعْتِبٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ الْحَافِظُ: زَعَمَ ابْنُ بَشْكُوالٍ وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ، وَيُبْعِدُهُ رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، وَبِلَالٌ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ الرَّاوِي; لِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلَى الشَّكِّ، وَأَيْضًا فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَتَى رَجُلٌ وَأَنَا مَعَهُ، فَدَلَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُ نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ السَّائِلِ ثُمَّ ظَهَرَتْ لِي تَسْمِيَةُ السَّائِلِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ السَّكَنِ وَالْبَاوَرْدِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ، الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ هَذَا الْمُبْهَمُ لِكَوْنِهِ مِنْ رَهْطِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: «قُلْتُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ الْوَرِقُ تُوجَدُ عِنْدَ الْقَرْيَةِ، قَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا» ". الْحَدِيثَ، وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنِ الشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَجَوَابُهُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.

وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَعْرِفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» ". الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ جِدًّا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ قَالَ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اللُّقَطَةُ نَجِدُهَا، قَالَ: أَنْشِدْهَا وَلَا تَكْتُمْ وَلَا تُغَيِّبْ» ". الْحَدِيثَ اهـ. يَعْنِي فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ أَيْضًا بِأَبِي ثَعْلَبَةَ أَوْ عُمَيْرٍ وَالْجَارُودِ، لَكِنْ يُرَجِّحُ أَنَّهُ سُوِيدٌ كَوْنُهُ مِنْ رَهْطِ زَيْدٍ الرَّاوِي كَمَا قَالَ، وَإِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ سُوِيدٍ مِنْ رَهْطِ زِيدٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدًا بِحَسَبِ الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَعْنَى مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ هَذَا جُمُودٌ، فَالْحَافِظُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ هُوَ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ أَوْلَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ عِنْدَهُمْ (فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ:

فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ: الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَهُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ غَيْرَ الْحَيَوَانِ فِي تَسْمِيَتِهِ لُقَطَةً، وَإِعْطَائِهِ حُكْمَهَا وَهُوَ: (فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ خَفِيفَةٍ فَأَلِفٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ وِعَائِهَا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهَا، مِنَ الْعَفْصِ وَهُوَ الْمُثَنَّى، أَيْ لِأَنَّ الْوِعَاءَ يُثَنَّى عَلَى مَا فِيهِ (وَوِكَاءَهَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ الثَّانِيَةِ وَبِالْهَمْزَةِ مَمْدُودُ الْخَيْطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَالْكِيسُ وَنَحْوُهُمَا، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدٍ: وَعَدَدُهَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِيُعْرَفَ صِدْقُ مُدَّعِيهَا عِنْدَ طَلَبِهَا، وَفِي وُجُوبِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَنَدْبِهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْأَمْرُ، وَقِيلَ: يَجِبُ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَهُ، فَعَلَى الْوُجُوبِ إِذَا عَرَّفَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِهَا، وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ لَكِنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ، قِيلَ: وَقَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَقْوَى لِثُبُوتِ ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَزِيَادَةُ الْحَافِظِ حُجَّةٌ. (ثُمَّ عَرِّفْهَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، أَيِ اذْكُرْهَا لِلنَّاسِ (سَنَةً) بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِمَا، يَقُولُ: مَنْ ضَاعَتْ لَهُ نَفَقَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَرَّةً ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ. قَالَ الْحَافِظُ: هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ، وَالْأَكْثَرُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَلَامَاتِ. وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ رَبِيعَةَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا. فَجَعَلَ التَّعْرِيفَ يَسْبِقُ الْمَعْرِفَةَ، وَوَافَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بِأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِطُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْقَ وَاصِفِهَا إِذَا وَصَفَهَا، ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيُعَرِّفُهَا مَرَّةً أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا لِيُعْلَمَ قَدْرُهَا وَصِفَتُهَا فَيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ " ثُمَّ " فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مَا تَقَدَّمَ لَوِ اخْتَلَفَ الْمَخْرَجُ فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّفُ وَالتَّعْرِيفُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَقُ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ أَنَّ التَّعْرِيفَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا» ". وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ حَدِيثِ أُبَيٍّ عَلَى مَزِيدِ التَّوَرُّعِ عَنِ التَّعَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي

التَّعَفُّفِ عَنْهَا. وَحَدِيثُ زَيْدٍ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيٍّ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فَأَمَرَ ثَانِيًا بِإِعَادَةِ التَّعْرِيفِ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا عَلَى مِثْلِ أُبَيٍّ مَعَ أَنَّهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ. وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ مُفَوَّضٌ لِلْمُلْتَقِطِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

(فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: " «فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ". وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ رَبِيعَةَ: " «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا» ". فَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لِمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ أَعْرِفْ عِفَاصَهَا. . . إِلَخْ، وَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ اللُّقَطَةُ، أَيِ الْأَمْرُ بِدَفْعِهَا لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طُرُقٍ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ ( «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ) ، وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - إِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفَهَا - غَيْرُ صَوَابٍ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ، وَمَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ، لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الثَّانِي; لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، فَجَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

(وَإِلَّا) يَجِيءُ صَاحِبُهَا (فَشَأْنَكَ) أَيِ الْزَمْ شَأْنَكَ، أَيْ حَالَكَ (بِهَا) أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ بِهَا، أَيْ شَأْنُكَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ رَبِيعَةَ: " «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا» ". وَفِيهِ أَنَّ اللَّاقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: شَأْنَكَ بِهَا، تَفْوِيضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ فَاسْتَنْفِقْهَا لِلْإِبَاحَةِ، وَفِي اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالتَّمَلُّكِ وَكِفَايَةِ النِّيَّةِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ أَقْوَالٌ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: " «وَإِلَّا فَتَصْنَعُ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكٍ» ". وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ فَيَرُدُّهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَبَدَلَهَا إِنِ اسْتُهْلِكَتْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

فَفِي مُسْلِمٍ: " «وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ» ". وَلَهُ أَيْضًا: " «فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ". فَظَاهِرُهُ وُجُوبُ رَدِّهَا بَعْدَ أَكْلِهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى رَدِّ الْبَدَلِ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ كُلْهَا إِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَإِنْ

جَاءَ. . . إِلَخْ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ". فَأَمَرَ بِأَدَائِهَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا وَبَعْدَهُ. وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدٍ: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَاعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اقْبِضْهَا فِي مَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» ".

(قَالَ) السَّائِلُ (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) أَيْ مَا حُكْمُهَا، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الضَّالَّةُ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ، وَمَا سِوَاهُ يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هِيَ لَكَ) إِنْ أَخَذْتَهَا فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِبَاحَةِ أَخْذِهَا كَأَنَّهُ قِيلَ: هِيَ ضَعِيفَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ فَتَكُونَ لَكَ (أَوْ لِأَخِيكَ) فِي الدِّينِ إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ، كَذَا قِيلَ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْتَرِنَ صَاحِبُهَا بِالدَّيْنِ الْعَادِيِّ، فَالْمُرَادُ مُلْتَقِطٌ آخَرُ. (أَوْ لِلذِّئْبِ) وَالْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى أَخْذِهَا; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا تَعَيَّنَتْ لِلذِّئْبِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى أَخْذِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ. . . إِلَخْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ، فَيَدُلُّ عَلَى رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ بِتَرْكِ الْتِقَاطِ الشَّاةِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهَا فِي فَلَاةٍ مَلَكَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا وَلَا تَعْرِيفُهَا; لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي غَيْرِهَا: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ; إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى التَّمَتُّعِ، وَلِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنِ الذِّئْبِ وَالْمُلْتَقِطِ، وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: يَجِبُ تَعْرِيفُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ أَكَلَهَا إِنْ شَاءَ وَغَرِمَ لِصَاحِبِهَا، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ قَالَ: أَوْ لِلذِّئْبِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَالِكَهَا لَوْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ لِأَخْذِهَا، وَيُرَدُّ بِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الذِّئْبِ لِلْمُشَاكَلَةِ أَوِ التَّغْلِيبِ فَلَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا لِلتَّمْلِيكِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَرُدُّ نَقْضًا، فَإِنِ الْتَقَطَهَا فِي الْفَلَاةِ وَدَخَلَ بِهَا الْعُمْرَانَ أَوِ الْتَقَطَهَا فِي الْعُمْرَانِ وَجَبَ التَّعْرِيفُ وَصَارَتْ لُقَطَةً، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ضَالَّةِ الشَّاةِ: " «فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ» ". وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْغَرَامَةَ وَلَا نَفَاهَا فَثَبَتَ حُكْمُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، فَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ فِيهَا ذِكْرُ حُكْمِ الشَّاةِ إِذَا أَكَلَهَا الْمُلْتَقِطُ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ.

(قَالَ) السَّائِلُ (فَضَالَّةُ الْإِبِلِ) مَا حُكْمُهَا؟ (قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟)

اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَنَتَاهُ أَوْ وَجْهُهُ» ". وَفِي أُخْرَى: " «فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ". بِشَدِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ. وَفِي أُخْرَى: " «فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» ". (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، جَوْفُهَا، أَيْ حَيْثُ وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكْفِيهَا حَتَّى تَرِدَ مَاءً آخَرَ، وَقِيلَ: عُنُقُهَا فَتَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ سَاقٍ يَسْقِيهَا لِطُولِهِ. (وَحِذَاؤُهَا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، أَخْفَافُهَا فَتَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لِمَّا كَانَتْ مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الْحَافِظِ وَالْمُتَعَهِّدِ وَعَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِمَا رُكِّبَ فِي طَبْعِهَا مِنَ الْجَلَدِ عَلَى الْعَطَشِ وَالْجَفَاءِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسِّقَاءِ وَالْحِذَاءِ مَجَازًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا لِأَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا هُوَ لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا إِمَّا بِحِفْظِ الْعَيْنِ أَوْ بِحِفْظِ الْقِيمَةِ، وَهِيَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَمَا يُسِّرَ لَهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا قَالَ. (تَرِدُ الْمَاءَ) فَتَشْرَبُ مِنْهُ بِلَا تَعَبٍ (وَتَأْكُلُ مِنَ الشَّجَرِ) بِسُهُولَةٍ لِطُولِهَا وَطُولِ عُنُقِهَا (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أَيْ مَالِكُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: " فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ". وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ بَقَاءَهَا حَيْثُ ضَلَّتْ أَقْرَبُ إِلَى وِجْدَانِ مَالِكِهَا لَهَا مِنْ تَطَلُّبِهِ لَهَا فِي رِحَالِ النَّاسِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْأَوْلَى أَنْ تُلْتَقَطَ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنِ الْتَقَطَهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِيَحْفَظَهَا فَيَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِقَاطِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَرْجَحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَمَتَى رَجَحَ أَخْذُهَا وَجَبَ أَوِ اسْتُحِبَّ، وَمَتَى رَجَحَ تَرْكُهَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللُّقَطَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَضَاءِ عَنْ يَحْيَى، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ السُّفْيَانَانِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الشَّأْمِ سَنَةً فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا

ــ

١٤٨٣ - ١٤٣٩ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى) بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي الْمَكِّيِّ الْأُمَوِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، نِسْبَةً إِلَى جُهَيْنَةَ قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ (أَنَّ أَبَاهُ) الصَّحَابِيَّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ حَامِلَ

لِوَاءِ جُهَيْنَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَذَكَرَ ابْنُ شَاهِينَ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَخَطَّ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ مَسْجِدًا بِالْمَدِينَةِ. (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ) أَيْ مَوْضِعَ نُزُولٍ (قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ) نَزَلُوا فِيهِ ثُمَّ ارْتَحَلُوا (فَوَجَدَ صُرَّةً) بِضَمِّ الصَّادِ وَشَدِّ الرَّاءِ، جَمْعُهَا صُرَرٌ (فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا (وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الشَّامِ) كَأَنْ يَقُولَ: مَنْ ضَاعَ لَهُ مِنْكُمْ نَفَقَةٌ (سَنَةً فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا) وَالرَّفْعُ كَمَا مَرَّ، أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا. وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْمَرْفُوعِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ سُنَّةٌ لَا أَزْيَدَ وَأَنَّهُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَرِّفْهَا قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ زِدْ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا

ــ

١٤٨٤ - ١٤٤٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا) لَمْ يُسَمَّ (وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عَرِّفْهَا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ) أَيْ عَرَّفْتُهَا (قَالَ: زِدْ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا) أَيْ تَمْلِكُهَا بِلَا ضَمَانٍ (وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا) وَكَانَ يَرَى كَرَاهَةَ الِالْتِقَاطِ مُطْلَقًا.

[باب الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ]

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ وَذَلِكَ سَنَةٌ أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدُهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ

ــ

٣٩ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ اللُّقَطَةِ

- (مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا) أَيْ يُهْلِكُهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا (قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ، وَذَلِكَ سَنَةٌ إِنَّهَا) جِنَايَةٌ (فِي رَقَبَتِهِ) فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ (إِمَّا أَنْ

يُعْطِيَ سَيِّدَهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ) فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ سَنَةٌ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ إِذَا عُتِقَ (وَلَمْ يَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ) وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ لِسَيِّدِهِ فَيُعَرِّفُهَا حِينَ تَصَرُّفِهِ لَهُ.

[باب الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ]

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ

ــ

٤٠ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ

جَمْعُ ضَالَّةٍ مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابَّ، وَالْأَصْلُ فِي الضَّلَالِ الْغَيْبَةُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَيَوَانِ الضَّائِعِ ضَالَّةٌ بِالْهَاءِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ الضَّوَالُّ، وَيُقَالُ لِغَيْرِ الْحَيَوَانِ ضَائِعٌ وَلُقَطَةٌ، وَضَلَّ الْبَعِيرُ غَابَ وَخَفِيَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَأَضْلَلْتُهُ بِالْأَلِفِ فَقَدْتُهُ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ.

١٤٨٦ - ١٤٤١ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالسِّينِ الْخَفِيفَةِ، الْفَقِيهِ (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ) بْنِ خَلِيفَةَ (الْأَنْصَارِيَّ) الْأَشْهَلِيَّ الصَّحَابِيَّ الشَّهِيرَ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ عَلَى الصَّوَابِ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ (فَعَقَلَهُ) شَدَّهُ بِالْعِقَالِ، وَهُوَ الْحَبْلُ (ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي) مَنَعَنِي (عَنْ ضَيْعَتِي) بِفَتْحِ الضَّادِ، عَقَارِي (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ) أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِيهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ

ــ

١٤٨٧ - ١٤٤٢

- (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ: مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ) عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ، أَوْ آثِمٌ، أَوْ ضَامِنٌ إِنْ هَلَكَتْ عِنْدَهُ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ الضَّمَانِ لِلْمُشَاكَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا الْتَقَطَهَا فَلَمْ يُعَرِّفْهَا فَقَدْ أَضَرَّ بِصَاحِبِهَا وَصَارَ سَبَبًا فِي تَضْلِيلِهِ عَنْهَا فَكَانَ مُخْطِئًا ضَالًّا عَنِ الْحَقِّ، وَأَصْلُ هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» ". فَقَيَّدَ الضَّلَالَ بِعَدَمِ التَّعْرِيفِ، فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ كَرِهَ اللُّقَطَةَ مُطْلَقًا فِي أَثَرِ عُمَرَ هَذَا، وَلَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ» ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ حَمَلُوهُمَا عَلَى مَنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. وَحَرَقُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، أَيْ يُؤَدِّي أَخْذُهَا لِلتَّمْلِيكِ إِلَى النَّارِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا

ــ

١٤٨٨ - ١٤٤٣ - (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً) كَمُعَظَّمَةٍ هِيَ فِي الْأَصْلِ الْمَجْعُولَةُ لِلْقِنْيَةِ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ، أَيْ كَالْمُؤَبَّلَةِ الْمُقْتَنَاةِ فِي عَدَمِ تَعَرُّضِ أَحَدٍ إِلَيْهَا وَاجْتِزَائِهَا بِالْكَلَأِ كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: (تَنَاتَجُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ، أَيْ تَتَنَاتَجُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَالْمُقْتَنَاةِ (لَا يُمْسِكُهَا أَحَدٌ) لِلنَّهْيِ عَنِ الْتِقَاطِهَا (حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا) بَعْدَ الْتِقَاطِهَا خَوْفًا مِنَ الْخَوَنَةِ (ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا) لِأَنَّ هَذَا أَضْبَطُ لَهُ.

[باب صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ]

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ فَقِيلَ لَهَا أَوْصِي فَقَالَتْ فِيمَ أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ فَقَالَ سَعْدٌ حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ»

ــ

٤١ - بَابُ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ

وَفِي نُسْخَةٍ " عَلَى " بَدَلُ " عَنْ "، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ.

١٤٨٩ - ١٤٤٤ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ بَعْدَهُمَا تَحْتِيَّةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَكَذَا قَالَ يَحْيَى وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَالْأَكْثَرُ: سَعْدٌ، أَيْ بِسُكُونِ الْعَيْنِ بِلَا يَاءٍ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ (ابْنِ عَمْرِو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ شُرَحْبِيلَ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَلَامٍ (ابْنِ سَعِيدِ) هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ الصَّوَابُ وَصَحَّفَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ (ابْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ عَدْلٌ، مِنْ شُيُوخِ الْإِمَامِ، لَهُ عَنْهُ فِي مَرْفُوعِ الْمُوَطَّأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ (عَنْ أَبِيهِ) عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الثِّقَةِ (عَنْ جَدِّهِ) ثِقَةٌ، أَوْ أَرَادَ جَدَّهُ الْأَعْلَى سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَوْ ضَمِيرُ جَدِّهِ لِعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ، وَشُرَحْبِيلُ ابْنُهُ غَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَلْقَى جَدَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ خَرَّجَ الْحَدِيثَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَالِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ فِي التَّمْهِيدِ، وَإِنَّمَا يُتِمُّ لَهُ أَنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مَوْصُولٌ بِجَعْلِ ضَمِيرِ جَدِّهِ عَائِدًا عَلَى عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ فَيَكُونُ جَدُّهُ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ، أَمَّا إِذَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو شَيْخِ مَالِكٍ فَمُرْسَلٌ; لِأَنَّ جَدَّهُ شُرَحْبِيلَ تَابِعِيٌّ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ جَدَّهُ الْأَعْلَى فَيَكُونُ مَوْصُولًا. وَلَوَّحَ لِهَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي بِقَوْلِهِ: الرَّاوِي فِي الْمُوَطَّأِ سَعِيدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا (أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، أَحَدُ النُّقَبَاءِ وَالْأَجْوَادِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ بِالشَّامِ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ) هِيَ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ

سَنَةَ خَمْسٍ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ (فَحَضَرَتْ أُمَّهُ) مَفْعُولٌ فَاعِلُهُ (الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ) وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيَّةُ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ (فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي) بِشَيْءٍ (فَقَالَتْ: فِيمَ) أَيْ فِي أَيِّ شَيْءٍ (أُوصِي) وَلَا مَالَ لِي (إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ) ابْنِي (فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ) مِنَ الْغَزْوِ (فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ) بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِ الْكَافِ (ذَلِكَ) الَّذِي قَالَتْ أُمُّهُ (لَهُ) لِسَعْدٍ (فَقَالَ سَعْدٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا» ) بِشَيْءٍ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ) يَنْفَعُهَا ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَمَلُ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُمْ وَلَا يَلْحَقُهُمْ وِزْرٌ يَعْمَلُهُ غَيْرُهُمْ وَلَا شَرٌّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ سَبَبٌ يَسُنُّونَهُ أَوْ يَبْتَدِعُونَهُ فَيُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِصَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْهُ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ. زَادَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنَ الْوَلَدِ وَهُوَ مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩] (سورة النَّجْمِ: الْآيَةُ ٣٩) وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ: هَلْ يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؟ اهـ. لَكِنْ مَا قَالَ إِنَّهُ الْمَشْهُورُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، فَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِالْعِتْقِ. (فَقَالَ سَعْدٌ: حَائِطُ) أَيْ بُسْتَانُ (كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا) يُشِيرُ بِكَذَا وَكَذَا (لِحَائِطٍ سَمَّاهُ) وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِرُهُ فَاءٌ، اسْمٌ لِلْحَائِطِ أَوْ وَصْفٌ لَهُ بِالثَّمَرِ سُمِّي بِذَلِكَ لِمَا يُخْتَرَفُ مِنْهُ، أَيْ يُجْنَى مِنَ الثَّمَرِ، وَفِيهِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَةِ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا إِذَا صَدَقَتِ النِّيَّةُ وَالْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا، وَفِيهِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِشَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَأَسْنَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَعْدًا أَنْ يَسْقِيَ عَنْهَا الْمَاءَ» ". وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " «أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ» ". وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِالْحَائِطِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَالْمَاءُ وَالْعِتْقُ

بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْهُمَا. فَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا: " «إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» ". وَمَرَّ فِي النُّذُورِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ»

ــ

١٤٩٠ - ١٤٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ (قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي) عَمْرَةَ الصَّحَابِيَّةَ (افْتُلِتَتْ) بِفَاءٍ سَاكِنَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَفَوْقِيَّتَيْنِ أُولَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ أُخِذَتْ فَلْتَةً، أَيْ بَغْتَةً (نَفْسُهَا) بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ: نَائِبُ الْفَاعِلِ وَرُوِيَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَيْ أَفْلَتَهَا اللَّهُ نَفْسَهَا أَيْ رُوحَهَا، قَالَ الْحَافِظُ: أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِالْقَافِ وَتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ، وَقَالَ: هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ قَتَلَهُ الْحُبُّ وَلِمَنْ مَاتَ فَجْأَةً، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِالْفَاءِ اهـ. زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ: وَلَمْ تُوصِ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ، قَالَهُ مُسْلِمٌ، أَيْ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ.

(وَأُرَاهَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، أَظُنُّهَا، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَخَمْسَةِ رِجَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ " أَظُنُّهَا " وَهُوَ يُشْعِرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ بِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ " وَأَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ " تَصْحِيفٌ (لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فَلَمْ تَتَصَدَّقْ. وَفِي السَّابِقِ أَنَّهَا قَالَتْ فِيمَا أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ، فَالْمُرَادُ هُنَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِالصَّدَقَةِ وَلَوْ تَكَلَّمَتْ بِهَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَنَّ سَعْدًا مَا عَرَفَ مَا وَقَعَ مِنْهَا، فَإِنَّ رَاوِيَ السَّابِقِ سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَتَّحِدْ رَاوِي الْإِثْبَاتِ وَرَاوِي النَّفْيِ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي النَّذْرِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: «إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ وَلَمْ تَقْضِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْضِهِ عَنْهَا» لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ النَّذْرِ وَعَنِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟) وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: " فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ " وَبَعْضُهُمْ: " «أَتَصَدَّقُ عَلَيْهَا وَأَصْرِفُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهَا؟» " (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ) زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: " تَصَدَّقْ عَنْهَا " بِالْجَزْمِ عَلَى الْأَمْرِ. وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: " «قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» ". وَمَرَّ قَرِيبًا أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِحَائِطٍ وَبِالْعِتْقِ أَيْضًا، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ وَالسُّؤَالُ عَنِ الْمُحْتَمَلِ وَفَضْلُ الصَّدَقَةِ وَأَنَّهَا تَنْفَعُ عَنِ الْمَيِّتِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ

كَمَا مَرَّ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِيهِ جَوَازُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا تَعَذَّرَ بِمَوْتِهَا وَسَقَطَ التَّكْلِيفُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِهِ لَوْ كَانَ مُنْكِرًا إِيقَاظُ غَيْرِهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ، فَلَمَّا قَرَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَفِي أَصْلِ الدَّلَالَةِ لِذَلِكَ نَظَرٌ لِقَوْلِهَا: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ فَهِيَ لَا مَالَ لَهَا، فَلَا يَتَأَتَّى ذَمُّهَا عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ وَلَا عَدَمُ الذَّمِّ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْجَنَائِزِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الزَّكَاةِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ وَهُوَ نَخْلٌ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ

ــ

١٤٩٠ - ١٤٤٦ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) بِخَاءٍ وَزَايٍ مَنْقُوطَتَيْنِ وَرَاءٍ وَجِيمٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ وَأَبَوَاهُ صَحَابِيَّانِ (تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا) مَاتَا (فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ) الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ (وَهُوَ نَخْلٌ) بِالْمُعْجَمَةِ (فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ أُجِرْتَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ أَعْطَاكَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَجْرَ (فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ) فَفِيهِ جَوَازُ تَمَلُّكِ الصَّدَقَةِ بِالْمِيرَاثِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ ثَوَابَهَا إِذْ هُوَ قَدْ وَقَعَ مِنَ الْجَوَّادِ الْكَرِيمِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

[باب الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ]

١٥٢٨ - ١٤٨٢ حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»

ــ

٣٨ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اللُّقَطَةِ

اللُّقَطَةُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُلْتَقَطُ، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْعَامَّةُ تُسَكِّنُهَا اهـ. لَكِنْ جَزْمَ الْخَلِيلُ بِالسُّكُونِ، قَالَ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ اللَّاقِطُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَا قَالَهُ هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّ الَّذِي سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ الْفَتْحُ، وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ، وَرَابِعَةٌ لَقَطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ. وَوَجَّهَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَتْحَ الْقَافِ فِي الْمَأْخُوذِ بِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِيمَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهَا يَمِيلُ لِأَخْذِهَا فَسُمِّيَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ.

١٤٨٢ - ١٤٣٨

- (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فَرُّوخَ، الْمَعْرُوفِ بِرَبِيعَةِ الرَّأْيِ، بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ (عَنْ يَزِيدَ) بِتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ، الْمَدَنِيِّ الصَّدُوقِ (مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ نَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُضْطَجِعَ فَسَمَّاهُ الْمُنْبَعِثَ، وَكَانَ مِنْ مَوَالِي آلِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعْتِبٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ الْحَافِظُ: زَعَمَ ابْنُ بَشْكُوالٍ وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ، وَيُبْعِدُهُ رِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، وَبِلَالٌ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ الرَّاوِي; لِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلَى الشَّكِّ، وَأَيْضًا فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَتَى رَجُلٌ وَأَنَا مَعَهُ، فَدَلَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُ نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ السَّائِلِ ثُمَّ ظَهَرَتْ لِي تَسْمِيَةُ السَّائِلِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ السَّكَنِ وَالْبَاوَرْدِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ، الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ هَذَا الْمُبْهَمُ لِكَوْنِهِ مِنْ رَهْطِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: «قُلْتُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ الْوَرِقُ تُوجَدُ عِنْدَ الْقَرْيَةِ، قَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا» ". الْحَدِيثَ، وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنِ الشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَجَوَابُهُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.

وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَعْرِفُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» ". الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ جِدًّا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ قَالَ: " «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اللُّقَطَةُ نَجِدُهَا، قَالَ: أَنْشِدْهَا وَلَا تَكْتُمْ وَلَا تُغَيِّبْ» ". الْحَدِيثَ اهـ. يَعْنِي فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ أَيْضًا بِأَبِي ثَعْلَبَةَ أَوْ عُمَيْرٍ وَالْجَارُودِ، لَكِنْ يُرَجِّحُ أَنَّهُ سُوِيدٌ كَوْنُهُ مِنْ رَهْطِ زَيْدٍ الرَّاوِي كَمَا قَالَ، وَإِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ سُوِيدٍ مِنْ رَهْطِ زِيدٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُمَا وَاحِدًا بِحَسَبِ الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَا فِي الْمَعْنَى مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ هَذَا جُمُودٌ، فَالْحَافِظُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ هُوَ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ أَوْلَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ عِنْدَهُمْ (فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ:

فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ: الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَهُوَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ غَيْرَ الْحَيَوَانِ فِي تَسْمِيَتِهِ لُقَطَةً، وَإِعْطَائِهِ حُكْمَهَا وَهُوَ: (فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ خَفِيفَةٍ فَأَلِفٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ وِعَائِهَا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهَا، مِنَ الْعَفْصِ وَهُوَ الْمُثَنَّى، أَيْ لِأَنَّ الْوِعَاءَ يُثَنَّى عَلَى مَا فِيهِ (وَوِكَاءَهَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ الثَّانِيَةِ وَبِالْهَمْزَةِ مَمْدُودُ الْخَيْطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ وَالْكِيسُ وَنَحْوُهُمَا، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدٍ: وَعَدَدُهَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: لِيُعْرَفَ صِدْقُ مُدَّعِيهَا عِنْدَ طَلَبِهَا، وَفِي وُجُوبِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَنَدْبِهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْأَمْرُ، وَقِيلَ: يَجِبُ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَهُ، فَعَلَى الْوُجُوبِ إِذَا عَرَّفَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِهَا، وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ لَكِنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ، قِيلَ: وَقَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَقْوَى لِثُبُوتِ ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَزِيَادَةُ الْحَافِظِ حُجَّةٌ. (ثُمَّ عَرِّفْهَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، أَيِ اذْكُرْهَا لِلنَّاسِ (سَنَةً) بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِمَا، يَقُولُ: مَنْ ضَاعَتْ لَهُ نَفَقَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَرَّةً ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ. قَالَ الْحَافِظُ: هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ، وَالْأَكْثَرُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَلَامَاتِ. وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ رَبِيعَةَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا. فَجَعَلَ التَّعْرِيفَ يَسْبِقُ الْمَعْرِفَةَ، وَوَافَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بِأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِطُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْقَ وَاصِفِهَا إِذَا وَصَفَهَا، ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيُعَرِّفُهَا مَرَّةً أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا لِيُعْلَمَ قَدْرُهَا وَصِفَتُهَا فَيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ " ثُمَّ " فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مَا تَقَدَّمَ لَوِ اخْتَلَفَ الْمَخْرَجُ فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّفُ وَالتَّعْرِيفُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَقُ، ثُمَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ أَنَّ التَّعْرِيفَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا» ". وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ حَدِيثِ أُبَيٍّ عَلَى مَزِيدِ التَّوَرُّعِ عَنِ التَّعَرُّفِ فِي اللُّقَطَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي

التَّعَفُّفِ عَنْهَا. وَحَدِيثُ زَيْدٍ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ لِاحْتِيَاجِ الْأَعْرَابِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ أُبَيٍّ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا لَمْ يَقَعْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فَأَمَرَ ثَانِيًا بِإِعَادَةِ التَّعْرِيفِ كَمَا قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا عَلَى مِثْلِ أُبَيٍّ مَعَ أَنَّهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ. وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ مُفَوَّضٌ لِلْمُلْتَقِطِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

(فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: " «فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ". وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ رَبِيعَةَ: " «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا» ". فَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لِمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ الصِّفَةَ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ أَعْرِفْ عِفَاصَهَا. . . إِلَخْ، وَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ اللُّقَطَةُ، أَيِ الْأَمْرُ بِدَفْعِهَا لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طُرُقٍ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، وَيُخَصُّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ ( «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ) ، وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - إِنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ حَاوَلَ تَضْعِيفَهَا - غَيْرُ صَوَابٍ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ، وَمَا اعْتَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ وَصَفَهَا فَأَصَابَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا فَأَصَابَ، لَا يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِي الثَّانِي; لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، فَجَاءَ آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهَا لَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاصِيلُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.

(وَإِلَّا) يَجِيءُ صَاحِبُهَا (فَشَأْنَكَ) أَيِ الْزَمْ شَأْنَكَ، أَيْ حَالَكَ (بِهَا) أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ بِهَا، أَيْ شَأْنُكَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ رَبِيعَةَ: " «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا» ". وَفِيهِ أَنَّ اللَّاقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: شَأْنَكَ بِهَا، تَفْوِيضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ فَاسْتَنْفِقْهَا لِلْإِبَاحَةِ، وَفِي اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالتَّمَلُّكِ وَكِفَايَةِ النِّيَّةِ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ أَقْوَالٌ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: " «وَإِلَّا فَتَصْنَعُ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكٍ» ". وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا لَهُ فَيَرُدُّهَا إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَبَدَلَهَا إِنِ اسْتُهْلِكَتْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

فَفِي مُسْلِمٍ: " «وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ» ". وَلَهُ أَيْضًا: " «فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ". فَظَاهِرُهُ وُجُوبُ رَدِّهَا بَعْدَ أَكْلِهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى رَدِّ الْبَدَلِ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ كُلْهَا إِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَإِنْ

جَاءَ. . . إِلَخْ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ". فَأَمَرَ بِأَدَائِهَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهَا وَبَعْدَهُ. وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدٍ: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَاعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اقْبِضْهَا فِي مَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» ".

(قَالَ) السَّائِلُ (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) أَيْ مَا حُكْمُهَا، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الضَّالَّةُ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ، وَمَا سِوَاهُ يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هِيَ لَكَ) إِنْ أَخَذْتَهَا فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِبَاحَةِ أَخْذِهَا كَأَنَّهُ قِيلَ: هِيَ ضَعِيفَةٌ لِعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ فَتَكُونَ لَكَ (أَوْ لِأَخِيكَ) فِي الدِّينِ إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ، كَذَا قِيلَ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْتَرِنَ صَاحِبُهَا بِالدَّيْنِ الْعَادِيِّ، فَالْمُرَادُ مُلْتَقِطٌ آخَرُ. (أَوْ لِلذِّئْبِ) وَالْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى أَخْذِهَا; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا تَعَيَّنَتْ لِلذِّئْبِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى أَخْذِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ. . . إِلَخْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ، فَيَدُلُّ عَلَى رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ بِتَرْكِ الْتِقَاطِ الشَّاةِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهَا فِي فَلَاةٍ مَلَكَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا وَلَا تَعْرِيفُهَا; لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي غَيْرِهَا: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ; إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى التَّمَتُّعِ، وَلِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنِ الذِّئْبِ وَالْمُلْتَقِطِ، وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: يَجِبُ تَعْرِيفُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ أَكَلَهَا إِنْ شَاءَ وَغَرِمَ لِصَاحِبِهَا، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ قَالَ: أَوْ لِلذِّئْبِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَالِكَهَا لَوْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ لِأَخْذِهَا، وَيُرَدُّ بِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الذِّئْبِ لِلْمُشَاكَلَةِ أَوِ التَّغْلِيبِ فَلَا يَمْنَعُ كَوْنُهَا لِلتَّمْلِيكِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا يَرُدُّ نَقْضًا، فَإِنِ الْتَقَطَهَا فِي الْفَلَاةِ وَدَخَلَ بِهَا الْعُمْرَانَ أَوِ الْتَقَطَهَا فِي الْعُمْرَانِ وَجَبَ التَّعْرِيفُ وَصَارَتْ لُقَطَةً، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ضَالَّةِ الشَّاةِ: " «فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ» ". وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْغَرَامَةَ وَلَا نَفَاهَا فَثَبَتَ حُكْمُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ، فَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ فِيهَا ذِكْرُ حُكْمِ الشَّاةِ إِذَا أَكَلَهَا الْمُلْتَقِطُ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ.

(قَالَ) السَّائِلُ (فَضَالَّةُ الْإِبِلِ) مَا حُكْمُهَا؟ (قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟)

اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَنَتَاهُ أَوْ وَجْهُهُ» ". وَفِي أُخْرَى: " «فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ". بِشَدِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ. وَفِي أُخْرَى: " «فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» ". (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، جَوْفُهَا، أَيْ حَيْثُ وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكْفِيهَا حَتَّى تَرِدَ مَاءً آخَرَ، وَقِيلَ: عُنُقُهَا فَتَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ سَاقٍ يَسْقِيهَا لِطُولِهِ. (وَحِذَاؤُهَا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، أَخْفَافُهَا فَتَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لِمَّا كَانَتْ مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الْحَافِظِ وَالْمُتَعَهِّدِ وَعَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِمَا رُكِّبَ فِي طَبْعِهَا مِنَ الْجَلَدِ عَلَى الْعَطَشِ وَالْجَفَاءِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسِّقَاءِ وَالْحِذَاءِ مَجَازًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا لِأَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا هُوَ لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا إِمَّا بِحِفْظِ الْعَيْنِ أَوْ بِحِفْظِ الْقِيمَةِ، وَهِيَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَمَا يُسِّرَ لَهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا قَالَ. (تَرِدُ الْمَاءَ) فَتَشْرَبُ مِنْهُ بِلَا تَعَبٍ (وَتَأْكُلُ مِنَ الشَّجَرِ) بِسُهُولَةٍ لِطُولِهَا وَطُولِ عُنُقِهَا (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أَيْ مَالِكُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: " فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ". وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ بَقَاءَهَا حَيْثُ ضَلَّتْ أَقْرَبُ إِلَى وِجْدَانِ مَالِكِهَا لَهَا مِنْ تَطَلُّبِهِ لَهَا فِي رِحَالِ النَّاسِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْأَوْلَى أَنْ تُلْتَقَطَ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنِ الْتَقَطَهَا لِلتَّمَلُّكِ لَا لِيَحْفَظَهَا فَيَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِقَاطِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَرْجَحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَمَتَى رَجَحَ أَخْذُهَا وَجَبَ أَوِ اسْتُحِبَّ، وَمَتَى رَجَحَ تَرْكُهَا حَرُمَ أَوْ كُرِهَ وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللُّقَطَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْقَضَاءِ عَنْ يَحْيَى، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ السُّفْيَانَانِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الشَّأْمِ سَنَةً فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا

ــ

١٤٨٣ - ١٤٣٩ - (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى) بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي الْمَكِّيِّ الْأُمَوِيِّ الثِّقَةِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، نِسْبَةً إِلَى جُهَيْنَةَ قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ (أَنَّ أَبَاهُ) الصَّحَابِيَّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ حَامِلَ

لِوَاءِ جُهَيْنَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَذَكَرَ ابْنُ شَاهِينَ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَخَطَّ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ مَسْجِدًا بِالْمَدِينَةِ. (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ) أَيْ مَوْضِعَ نُزُولٍ (قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ) نَزَلُوا فِيهِ ثُمَّ ارْتَحَلُوا (فَوَجَدَ صُرَّةً) بِضَمِّ الصَّادِ وَشَدِّ الرَّاءِ، جَمْعُهَا صُرَرٌ (فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا (وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الشَّامِ) كَأَنْ يَقُولَ: مَنْ ضَاعَ لَهُ مِنْكُمْ نَفَقَةٌ (سَنَةً فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَشَأْنَكَ بِهَا) وَالرَّفْعُ كَمَا مَرَّ، أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا. وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ الْمَرْفُوعِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ سُنَّةٌ لَا أَزْيَدَ وَأَنَّهُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَرِّفْهَا قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ زِدْ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا

ــ

١٤٨٤ - ١٤٤٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا) لَمْ يُسَمَّ (وَجَدَ لُقَطَةً فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَةً فَمَاذَا تَرَى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عَرِّفْهَا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ) أَيْ عَرَّفْتُهَا (قَالَ: زِدْ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا) أَيْ تَمْلِكُهَا بِلَا ضَمَانٍ (وَلَوْ شِئْتَ لَمْ تَأْخُذْهَا) وَكَانَ يَرَى كَرَاهَةَ الِالْتِقَاطِ مُطْلَقًا.

[باب الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ اللُّقَطَةَ]

قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ وَذَلِكَ سَنَةٌ أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدُهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ

ــ

٣٩ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي اسْتِهْلَاكِ اللُّقَطَةِ

- (مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا) أَيْ يُهْلِكُهَا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا (قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ، وَذَلِكَ سَنَةٌ إِنَّهَا) جِنَايَةٌ (فِي رَقَبَتِهِ) فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ (إِمَّا أَنْ

يُعْطِيَ سَيِّدَهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَةِ) فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ سَنَةٌ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ إِذَا عُتِقَ (وَلَمْ يَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ) وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ; لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ لِسَيِّدِهِ فَيُعَرِّفُهَا حِينَ تَصَرُّفِهِ لَهُ.

[باب الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ]

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ فَعَقَلَهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ

ــ

٤٠ - بَابُ الْقَضَاءِ فِي الضَّوَالِّ

جَمْعُ ضَالَّةٍ مِثْلُ دَابَّةٍ وَدَوَابَّ، وَالْأَصْلُ فِي الضَّلَالِ الْغَيْبَةُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَيَوَانِ الضَّائِعِ ضَالَّةٌ بِالْهَاءِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ الضَّوَالُّ، وَيُقَالُ لِغَيْرِ الْحَيَوَانِ ضَائِعٌ وَلُقَطَةٌ، وَضَلَّ الْبَعِيرُ غَابَ وَخَفِيَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَأَضْلَلْتُهُ بِالْأَلِفِ فَقَدْتُهُ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ.

١٤٨٦ - ١٤٤١ - (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالسِّينِ الْخَفِيفَةِ، الْفَقِيهِ (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ) بْنِ خَلِيفَةَ (الْأَنْصَارِيَّ) الْأَشْهَلِيَّ الصَّحَابِيَّ الشَّهِيرَ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ عَلَى الصَّوَابِ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيرًا بِالْحَرَّةِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ (فَعَقَلَهُ) شَدَّهُ بِالْعِقَالِ، وَهُوَ الْحَبْلُ (ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي) مَنَعَنِي (عَنْ ضَيْعَتِي) بِفَتْحِ الضَّادِ، عَقَارِي (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ) أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِيهِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ

ــ

١٤٨٧ - ١٤٤٢

- (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ: مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ) عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ، أَوْ آثِمٌ، أَوْ ضَامِنٌ إِنْ هَلَكَتْ عِنْدَهُ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ الضَّمَانِ لِلْمُشَاكَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا الْتَقَطَهَا فَلَمْ يُعَرِّفْهَا فَقَدْ أَضَرَّ بِصَاحِبِهَا وَصَارَ سَبَبًا فِي تَضْلِيلِهِ عَنْهَا فَكَانَ مُخْطِئًا ضَالًّا عَنِ الْحَقِّ، وَأَصْلُ هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» ". فَقَيَّدَ الضَّلَالَ بِعَدَمِ التَّعْرِيفِ، فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ كَرِهَ اللُّقَطَةَ مُطْلَقًا فِي أَثَرِ عُمَرَ هَذَا، وَلَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ» ". أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيِّ ; لِأَنَّ الْجُمْهُورَ حَمَلُوهُمَا عَلَى مَنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. وَحَرَقُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، أَيْ يُؤَدِّي أَخْذُهَا لِلتَّمْلِيكِ إِلَى النَّارِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ لِلْمُبَالَغَةِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا

ــ

١٤٨٨ - ١٤٤٣ - (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً) كَمُعَظَّمَةٍ هِيَ فِي الْأَصْلِ الْمَجْعُولَةُ لِلْقِنْيَةِ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ، أَيْ كَالْمُؤَبَّلَةِ الْمُقْتَنَاةِ فِي عَدَمِ تَعَرُّضِ أَحَدٍ إِلَيْهَا وَاجْتِزَائِهَا بِالْكَلَأِ كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: (تَنَاتَجُ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ، أَيْ تَتَنَاتَجُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَالْمُقْتَنَاةِ (لَا يُمْسِكُهَا أَحَدٌ) لِلنَّهْيِ عَنِ الْتِقَاطِهَا (حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا) بَعْدَ الْتِقَاطِهَا خَوْفًا مِنَ الْخَوَنَةِ (ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا) لِأَنَّ هَذَا أَضْبَطُ لَهُ.

[باب صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ]

حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ «خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ فَقِيلَ لَهَا أَوْصِي فَقَالَتْ فِيمَ أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ فَقَالَ سَعْدٌ حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطٍ سَمَّاهُ»

ــ

٤١ - بَابُ صَدَقَةِ الْحَيِّ عَنِ الْمَيِّتِ

وَفِي نُسْخَةٍ " عَلَى " بَدَلُ " عَنْ "، وَكِلَاهُمَا حَسَنٌ.

١٤٨٩ - ١٤٤٤ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ بَعْدَهُمَا تَحْتِيَّةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَكَذَا قَالَ يَحْيَى وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَالْأَكْثَرُ: سَعْدٌ، أَيْ بِسُكُونِ الْعَيْنِ بِلَا يَاءٍ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ (ابْنِ عَمْرِو) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ شُرَحْبِيلَ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ وَلَامٍ (ابْنِ سَعِيدِ) هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ الصَّوَابُ وَصَحَّفَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ (ابْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ، ثِقَةٌ عَدْلٌ، مِنْ شُيُوخِ الْإِمَامِ، لَهُ عَنْهُ فِي مَرْفُوعِ الْمُوَطَّأِ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ (عَنْ أَبِيهِ) عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ الثِّقَةِ (عَنْ جَدِّهِ) ثِقَةٌ، أَوْ أَرَادَ جَدَّهُ الْأَعْلَى سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَوْ ضَمِيرُ جَدِّهِ لِعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُ، وَشُرَحْبِيلُ ابْنُهُ غَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَلْقَى جَدَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ خَرَّجَ الْحَدِيثَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَالِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ فِي التَّمْهِيدِ، وَإِنَّمَا يُتِمُّ لَهُ أَنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مَوْصُولٌ بِجَعْلِ ضَمِيرِ جَدِّهِ عَائِدًا عَلَى عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ فَيَكُونُ جَدُّهُ سَعِيدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ، أَمَّا إِذَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو شَيْخِ مَالِكٍ فَمُرْسَلٌ; لِأَنَّ جَدَّهُ شُرَحْبِيلَ تَابِعِيٌّ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ جَدَّهُ الْأَعْلَى فَيَكُونُ مَوْصُولًا. وَلَوَّحَ لِهَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي بِقَوْلِهِ: الرَّاوِي فِي الْمُوَطَّأِ سَعِيدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا (أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، أَحَدُ النُّقَبَاءِ وَالْأَجْوَادِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ بِالشَّامِ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ) هِيَ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ

سَنَةَ خَمْسٍ، كَمَا فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ (فَحَضَرَتْ أُمَّهُ) مَفْعُولٌ فَاعِلُهُ (الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ) وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيَّةُ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ (فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي) بِشَيْءٍ (فَقَالَتْ: فِيمَ) أَيْ فِي أَيِّ شَيْءٍ (أُوصِي) وَلَا مَالَ لِي (إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ) ابْنِي (فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ) مِنَ الْغَزْوِ (فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذُكِرَ) بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِ الْكَافِ (ذَلِكَ) الَّذِي قَالَتْ أُمُّهُ (لَهُ) لِسَعْدٍ (فَقَالَ سَعْدٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا» ) بِشَيْءٍ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ) يَنْفَعُهَا ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَمَلُ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُمْ وَلَا يَلْحَقُهُمْ وِزْرٌ يَعْمَلُهُ غَيْرُهُمْ وَلَا شَرٌّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ سَبَبٌ يَسُنُّونَهُ أَوْ يَبْتَدِعُونَهُ فَيُعْمَلُ بِهِ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِصَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْهُ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً، قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ. زَادَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنَ الْوَلَدِ وَهُوَ مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩] (سورة النَّجْمِ: الْآيَةُ ٣٩) وَيَلْتَحِقُ بِالصَّدَقَةِ الْعِتْقُ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ: هَلْ يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؟ اهـ. لَكِنْ مَا قَالَ إِنَّهُ الْمَشْهُورُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، فَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِالْعِتْقِ. (فَقَالَ سَعْدٌ: حَائِطُ) أَيْ بُسْتَانُ (كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا) يُشِيرُ بِكَذَا وَكَذَا (لِحَائِطٍ سَمَّاهُ) وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِرُهُ فَاءٌ، اسْمٌ لِلْحَائِطِ أَوْ وَصْفٌ لَهُ بِالثَّمَرِ سُمِّي بِذَلِكَ لِمَا يُخْتَرَفُ مِنْهُ، أَيْ يُجْنَى مِنَ الثَّمَرِ، وَفِيهِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى عَمَلِ الْبِرِّ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى بِرِّ الْوَالِدَةِ، وَأَنَّ إِظْهَارَ الصَّدَقَةِ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ إِخْفَائِهَا إِذَا صَدَقَتِ النِّيَّةُ وَالْجِهَادُ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهَا، وَفِيهِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِشَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَأَسْنَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَعْدًا أَنْ يَسْقِيَ عَنْهَا الْمَاءَ» ". وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " «أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ» ". وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِالْحَائِطِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَالْمَاءُ وَالْعِتْقُ

بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْهُمَا. فَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا: " «إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» ". وَمَرَّ فِي النُّذُورِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.

وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ»

ــ

١٤٩٠ - ١٤٤٥ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ (قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي) عَمْرَةَ الصَّحَابِيَّةَ (افْتُلِتَتْ) بِفَاءٍ سَاكِنَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ فَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَفَوْقِيَّتَيْنِ أُولَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ أُخِذَتْ فَلْتَةً، أَيْ بَغْتَةً (نَفْسُهَا) بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ: نَائِبُ الْفَاعِلِ وَرُوِيَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَيْ أَفْلَتَهَا اللَّهُ نَفْسَهَا أَيْ رُوحَهَا، قَالَ الْحَافِظُ: أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِالْقَافِ وَتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ، وَقَالَ: هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ قَتَلَهُ الْحُبُّ وَلِمَنْ مَاتَ فَجْأَةً، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِالْفَاءِ اهـ. زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ: وَلَمْ تُوصِ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ، قَالَهُ مُسْلِمٌ، أَيْ بَاقِي الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ.

(وَأُرَاهَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، أَظُنُّهَا، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَخَمْسَةِ رِجَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ " أَظُنُّهَا " وَهُوَ يُشْعِرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ بِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ " وَأَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ " تَصْحِيفٌ (لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فَلَمْ تَتَصَدَّقْ. وَفِي السَّابِقِ أَنَّهَا قَالَتْ فِيمَا أُوصِي إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ، فَالْمُرَادُ هُنَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِالصَّدَقَةِ وَلَوْ تَكَلَّمَتْ بِهَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَنَّ سَعْدًا مَا عَرَفَ مَا وَقَعَ مِنْهَا، فَإِنَّ رَاوِيَ السَّابِقِ سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَتَّحِدْ رَاوِي الْإِثْبَاتِ وَرَاوِي النَّفْيِ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي النَّذْرِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: «إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ وَلَمْ تَقْضِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْضِهِ عَنْهَا» لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ النَّذْرِ وَعَنِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟) وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: " فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ " وَبَعْضُهُمْ: " «أَتَصَدَّقُ عَلَيْهَا وَأَصْرِفُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهَا؟» " (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ) زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: " تَصَدَّقْ عَنْهَا " بِالْجَزْمِ عَلَى الْأَمْرِ. وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: " «قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» ". وَمَرَّ قَرِيبًا أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَنْهَا بِحَائِطٍ وَبِالْعِتْقِ أَيْضًا، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ وَالسُّؤَالُ عَنِ الْمُحْتَمَلِ وَفَضْلُ الصَّدَقَةِ وَأَنَّهَا تَنْفَعُ عَنِ الْمَيِّتِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ

كَمَا مَرَّ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِيهِ جَوَازُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذُمَّ أُمَّ سَعْدٍ عَلَى تَرْكِهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا تَعَذَّرَ بِمَوْتِهَا وَسَقَطَ التَّكْلِيفُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ إِنْكَارِهِ لَوْ كَانَ مُنْكِرًا إِيقَاظُ غَيْرِهَا مِمَّنْ سَمِعَهُ، فَلَمَّا قَرَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَفِي أَصْلِ الدَّلَالَةِ لِذَلِكَ نَظَرٌ لِقَوْلِهَا: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ فَهِيَ لَا مَالَ لَهَا، فَلَا يَتَأَتَّى ذَمُّهَا عَلَى تَرْكِ الْوَصِيَّةِ وَلَا عَدَمُ الذَّمِّ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْجَنَائِزِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الزَّكَاةِ.

وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ وَهُوَ نَخْلٌ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ

ــ

١٤٩٠ - ١٤٤٦ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) بِخَاءٍ وَزَايٍ مَنْقُوطَتَيْنِ وَرَاءٍ وَجِيمٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الَّذِي أُرِيَ الْأَذَانَ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ وَأَبَوَاهُ صَحَابِيَّانِ (تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا) مَاتَا (فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ) الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ (وَهُوَ نَخْلٌ) بِالْمُعْجَمَةِ (فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ أُجِرْتَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ أَعْطَاكَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَجْرَ (فِي صَدَقَتِكَ وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ) فَفِيهِ جَوَازُ تَمَلُّكِ الصَّدَقَةِ بِالْمِيرَاثِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ ثَوَابَهَا إِذْ هُوَ قَدْ وَقَعَ مِنَ الْجَوَّادِ الْكَرِيمِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 11 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 12.4 / 29.5
الإضاءة 94%
البدر بعد 2 يوم
سبحان الله