الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٣٥٢
الحديث رقم ٣٥٢ من كتاب «كتاب صلاة الجماعة» في موطأ مالك، تحت باب: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ»
ــ
٢٩٢ - ٢٨٩
- (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَسَمٌ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسِمُ بِهِ كَثِيرًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ نُفُوسَ الْعِبَادِ بِيَدِ اللَّهِ أَيْ بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْقَسَمِ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْحَلِفَ بِاللَّهِ مُطْلَقًا.
(لَقَدْ هَمَمْتُ) اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالْهَمُّ الْعَزْمُ وَقِيلَ دُونَهُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ فَأَفَادَ سَبَبُ الْحَدِيثِ (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ) بِالْفَاءِ وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْصُوبِ وَكَذَا الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَهُ، قَالَ الْحَافِظُ: أَيْ يُكْسَرُ لِيُسَهِّلَ اشْتِعَالَ النَّارِ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُتَّصَفَ بِهِ تَجَوُّزًا بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيُتَّصَفُ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى يَحْطِبُ يَكْسِرُ بَلِ الْمَعْنَى يَجْمَعُ.
(ثُمَّ آمُرَ) بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْمِيمِ (بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أَيْ آتِيهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: خَالَفَ إِلَى فُلَانٍ أَيْ أَتَاهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ وَالْمَعْنَى أُخَالِفُ الْفِعْلَ الَّذِي أَظْهَرْتُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَأَتْرُكُهُ وَأَسِيرُ إِلَيْهِمْ، أَوْ أُخَالِفُ ظَنَّهُمْ فِي أَنِّي مَشْغُولٌ بِالصَّلَاةِ عَنْ قَصْدِي إِلَيْهِمْ، أَوْ مَعْنَى أُخَالِفُ أَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى قَصْدِ الْمَذْكُورِينَ وَالتَّقْيِيدُ بِرِجَالٍ مُخْرِجٌ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
(فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) بِالنَّارِ عُقُوبَةً، وَأُحَرِّقُ بِشَدِّ الرَّاءِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّحْرِيقِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمَالِ بَلِ الْمُرَادُ تَحْرِيقُ الْمَقْصُودِينَ وَالْبُيُوتُ تَبَعٌ لِلْقَاطِنِينَ بِهَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَأُحَرِّقَ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا " (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَعَادَ الْيَمِينَ مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا) وَلِلتِّنِيسِي عَرَقًا سَمِينًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَرَقُ الْعَظْمُ بِلَا لَحْمٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ فَهُوَ عِرَاقٌ، وَفِي الْمُحْكَمِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْعَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ قِطْعَةُ لَحْمٍ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَاحِدُ الْعِرَاقِ وَهِيَ الْعِظَامُ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا هُبَرُ اللَّحْمِ وَيَبْقَى عَلَيْهَا لَحْمٌ رَقِيقٌ فَيُكْسَرُ وَيُطْبَخُ وَيُؤْكَلُ مَا عَلَى الْعِظَامِ مِنْ لَحْمٍ رَقِيقٍ وَيَتَمَشْمَشُ الْعِظَامُ، وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ هُوَ اللَّائِقُ هُنَا.
(أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ تَثْنِيَةُ مِرْمَاةٌ قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَا بَيْنَ ظِلْفَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ حَكَاهُ أَبُو عَبِيدٍ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ.
وَنَقَلَ الْمُسْتَمْلِيُّ عَنِ الْفِرَبْرِيِّ عَنِ الْبُخَارِيِّ: الْمِرْمَاةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِثْلُ: مِنْسَاةُ
وَمِيضَاةُ مَا بَيْنَ ظِلْفَتَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ.
قَالَ عِيَاضٌ: فَالْمِيمُ عَلَى هَذَا أَصْلِيَّةٌ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْمِرْمَاةُ لُعْبَةٌ كَانُوا يَلْعَبُونَهَا بِنِصَابٍ مُحَدَّدٍ يَرْمُونَهَا فِي كَوْمٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَيُّهُمْ أَثْبَتَهَا فِي الْكَوْمِ غَلَبَ، وَيَبْعُدُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ لِأَجْلِ التَّثْنِيَةِ.
وَحَكَى الْحَرْبِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الْمِرْمَاةَ سَهْمُ الْهَدَفِ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا حَدَّثَنِي ثُمَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعِي كَانَ لَهُ عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ سَمِينَةٍ لَفَعَلَ» "، وَقِيلَ: الْمِرْمَاةُ سَهْمٌ يُتَعَلَّمُ بِهِ الرَّمْيُ وَهُوَ سَهْمٌ رَقِيقٌ مُحَدَّدٌ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِتَكْرَارِ الرَّمْيِ بِخِلَافِ السِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ الْحَرْبِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا يَتَكَرَّرُ مِنْهَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرُ الْمِرْمَاةِ بِالسَّهْمِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ وَيَدْفَعُهُ ذَكَرُ الْعِرَاقِ مَعَهُ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ بِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَظْمَ السَّمِينَ وَكَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَتْبَعَهُ بِالسَّهْمَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُتَلَهَّى بِهِ انْتَهَى.
وَوَصَفَ الْعَظْمَ بِالسِّمَنِ وَالْمِرْمَاتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (حَسَنَتَيْنِ) أَيْ مَلِيحَتَيْنِ لِيَكُونَ ثَمَّ بَاعِثٌ نَفْسَانِيٌّ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِهِمْ بِالْحِرْصِ عَلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ مِنْ مَطْعُومٍ أَوْ بِهِ مَعَ التَّفْرِيطِ فِيمَا يَحْصُلُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ وَمُنَازِلِ الْكَرَامَةِ.
(لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) أَيْ صَلَاتَهَا فَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْعَى إِلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنِ الصَّلَاةِ؟ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِسَبَبِهَا هِيَ الْعِشَاءُ.
وَلِمُسْلِمٍ رِوَايَةٌ يَعْنِي الْعِشَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ التَّصْرِيحُ بِتَعْيِينِ الْعِشَاءِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهَا الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ، وَلِلسِّرَاجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخَّرَ الْعِشَاءَ لَيْلَةً فَخَرَجَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَلِيلًا فَغَضِبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَلِابْنِ حِبَّانَ يَعْنِي الْعِشَاءَ وَالْغَدَاةَ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْإِبْهَامِ وَمَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ فَضَعِيفٌ لِشُذُوذِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى وَهْمِ رَاوِيهَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: الْجُمُعَةُ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا؟ قَالَ: صُمَّتْ أُذُنَايَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثِرِهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا، فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ، نَعَمْ فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْجَزْمُ بِالْجُمُعَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ، لِأَنَّ مَخْرَجَهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا يَقْدَحُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَالْمُحِبُّ الطَّبَرَيُّ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الْعِشَاءِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقَبْلَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَقَالَ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آتِيَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ " فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِي وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ "، زَادَ أَحْمَدُ: " وَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ شَجَرًا وَنَخْلًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلِّ سَاعَةٍ، قَالَ: أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْضِرْهًا وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ» ".
وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «أَتَسْمَعُ
الْأَذَانَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا» " وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَحْدَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الْعُمْيَانِ، وَاحْتُجَّ بِهَذَا وَبِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، إِذْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمْ يُهَدَّدْ تَارِكُهَا بِالتَّحْرِيقِ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَكَانَتْ قَائِمَةً بِالرَّسُولِ وَمَنْ مَعَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبُ الْأَوْزَاعِيُّ وَعَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حِبَّانَ، وَبَالَغَ دَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ فَجَعَلُوهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَرَدَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْبَاقِينَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ هَمَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا عَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَضَعَّفَهُ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَهُمُّ بِمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ، وَالتَّرْكُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمُ انْزَجَرُوا بِذَلِكَ وَتَرَكُوا التَّخَلُّفَ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِسَبَبِهِ، عَلَى أَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبَ التَّرْكِ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبَرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَأَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يَحْرِقُونَ» " الْحَدِيثَ.
وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى أَنْ لَا وُجُوبَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْمُتَخَلِّفِينَ، فَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا هَمَّ بِتَرْكِهَا إِذَا تَوَجَّهَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِمَا هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ، وَبِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَدْ يَتَدَارَكُهَا فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ، وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَقَالَ لَمَا تَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالْإِحْرَاقِ مِنْ تَخَلُّفٍ عَنِ الصَّلَاةِ لَمْ تُجِزْهُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْبَيَانِ، وَرَدَّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْبَيَانَ قَدْ يَكُونُ بِالنَّصِّ وَقَدْ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ، فَلَمَّا قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ إِلَخْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْبَيَانِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ: الْحَدِيثُ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَحَقِيقَتُهُ لَيْسَتْ مُرَادَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ وَعِيدُهُمْ بِعُقُوبَةِ الْكُفَّارِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ عُقُوبَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْعَ وَقَعَ بَعْدَ نَسْخِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ جَائِزًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُ التَّهْدِيدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَهَذِهِ أَجْوِبَةٌ أَرْبَعَةٌ.
خَامِسُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّهْدِيدِ قَوْمٌ تَرَكُوا الصَّلَاةَ رَأْسًا لَا مُجَرَّدَ الْجَمَاعَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ أَيْ لَا يَحْضُرُونَ، وَلِأَحْمَدَ: لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ أَيِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أُسَامَةَ مَرْفُوعًا: " «لَيَنْتَهِيَّنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِهِمُ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» "، سَادِسُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِفِعْلِهِمْ لَا لِخُصُوصِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ الْبَاجِيِّ الْمُتَقَدِّمِ.
سَابِعُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ فَلَيْسَ التَّهْدِيدُ لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِخُصُوصِهِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، وَرُدَّ بِاسْتِبْعَادِ الِاعْتِنَاءِ بِتَأْدِيبِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مَعَ
الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُمْ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُعْرِضًا عَنْهُمْ وَعَنْ عُقُوبَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِطَوِيَّتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ: " «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» "، وَمَنَعَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا الرَّدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ تَرْكُ عِقَابِ الْمُنَافِقِينَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَلَيْسَ فِي إِعْرَاضِهِ عَنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ.
ثَامِنُهَا: أَنَّ فَرِيضَةَ الْجَمَاعَةِ كَانَتْ أَوَّلًا لِسَدِّ بَابِ التَّخَلُّفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ نُسِخَ، حَكَاهُ عِيَاضٌ، وَيُقَوِّيهِ نَسْخُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ التَّحْرِيقُ بِالنَّارِ، وَكَذَا نَسْخُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّحْرِيقُ وَهُوَ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَحَادِيثُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ تَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ وَمِنْ لَازَمِهِ الْجَوَازُ.
تَاسِعُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْجُمُعَةُ لَا بَاقِي الصَّلَوَاتِ، وَنَصَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْعِشَاءِ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هَدَّدَ بِسَبَبِهَا هَلِ الْجُمُعَةُ أَوِ الْعِشَاءُ أَوِ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ مَعًا؟ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ وَإِلَّا وَقَفَ الِاسْتِدْلَالُ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
عَاشِرُهَا: أَنَّ التَّهْدِيدَ الْمَذْكُورَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي حَقِّ تَارِكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَشْرُوعِيَّةِ مُقَاتَلَةِ تَارِكِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّحْرِيقَ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ أَخَصُّ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ، وَبِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَمَالَأَ الْجَمِيعُ عَلَى التَّرْكِ، قَالَ الْحَافِظُ: فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: " «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ» "، وَلِقَوْلِهِ: " لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ. . . إِلَخْ " لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَائِقٌ بِالْمُنَافِقِينَ لَا بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ: لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ.
وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ.
وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ» ".
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِفَاقَهُمْ نِفَاقُ مَعْصِيَةٍ لَا كُفْرٍ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَإِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ: " «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا، لِأَنَّ تَحْرِيقَ بَيْتِ الْكَافِرِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُودُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي بَيْتِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ نِفَاقُ الْكُفْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِتَضَمُّنِهِ أَنَّ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِ، وَقَدْ نَهَيْنَا عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: خُرُوجُ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّخَلُّفَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا مُنَافِقٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا يَشْهَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَعْنِي الْعِشَاءَ
وَالْفَجْرَ» " وَهَذَا يُقَوِّي مَا ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ، فَعَلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لَا الْعَاصِي الَّذِي يَجُوزُ إِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَيْهِ مَجَازًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٌ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ»
ــ
٢٩٢ - ٢٨٩
- (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَسَمٌ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسِمُ بِهِ كَثِيرًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ نُفُوسَ الْعِبَادِ بِيَدِ اللَّهِ أَيْ بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْقَسَمِ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْحَلِفَ بِاللَّهِ مُطْلَقًا.
(لَقَدْ هَمَمْتُ) اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالْهَمُّ الْعَزْمُ وَقِيلَ دُونَهُ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ فَأَفَادَ سَبَبُ الْحَدِيثِ (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ) بِالْفَاءِ وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَنْصُوبِ وَكَذَا الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَهُ، قَالَ الْحَافِظُ: أَيْ يُكْسَرُ لِيُسَهِّلَ اشْتِعَالَ النَّارِ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُتَّصَفَ بِهِ تَجَوُّزًا بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيُتَّصَفُ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى يَحْطِبُ يَكْسِرُ بَلِ الْمَعْنَى يَجْمَعُ.
(ثُمَّ آمُرَ) بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْمِيمِ (بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أَيْ آتِيهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: خَالَفَ إِلَى فُلَانٍ أَيْ أَتَاهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ وَالْمَعْنَى أُخَالِفُ الْفِعْلَ الَّذِي أَظْهَرْتُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَأَتْرُكُهُ وَأَسِيرُ إِلَيْهِمْ، أَوْ أُخَالِفُ ظَنَّهُمْ فِي أَنِّي مَشْغُولٌ بِالصَّلَاةِ عَنْ قَصْدِي إِلَيْهِمْ، أَوْ مَعْنَى أُخَالِفُ أَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى قَصْدِ الْمَذْكُورِينَ وَالتَّقْيِيدُ بِرِجَالٍ مُخْرِجٌ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
(فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) بِالنَّارِ عُقُوبَةً، وَأُحَرِّقُ بِشَدِّ الرَّاءِ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّحْرِيقِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمَالِ بَلِ الْمُرَادُ تَحْرِيقُ الْمَقْصُودِينَ وَالْبُيُوتُ تَبَعٌ لِلْقَاطِنِينَ بِهَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " فَأُحَرِّقَ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا " (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَعَادَ الْيَمِينَ مُبَالَغَةً فِي التَّأْكِيدِ (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا) وَلِلتِّنِيسِي عَرَقًا سَمِينًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَرَقُ الْعَظْمُ بِلَا لَحْمٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ فَهُوَ عِرَاقٌ، وَفِي الْمُحْكَمِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْعَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ قِطْعَةُ لَحْمٍ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَاحِدُ الْعِرَاقِ وَهِيَ الْعِظَامُ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا هُبَرُ اللَّحْمِ وَيَبْقَى عَلَيْهَا لَحْمٌ رَقِيقٌ فَيُكْسَرُ وَيُطْبَخُ وَيُؤْكَلُ مَا عَلَى الْعِظَامِ مِنْ لَحْمٍ رَقِيقٍ وَيَتَمَشْمَشُ الْعِظَامُ، وَقَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ هُوَ اللَّائِقُ هُنَا.
(أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقَدْ تُفْتَحُ تَثْنِيَةُ مِرْمَاةٌ قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَا بَيْنَ ظِلْفَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ حَكَاهُ أَبُو عَبِيدٍ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ.
وَنَقَلَ الْمُسْتَمْلِيُّ عَنِ الْفِرَبْرِيِّ عَنِ الْبُخَارِيِّ: الْمِرْمَاةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِثْلُ: مِنْسَاةُ
وَمِيضَاةُ مَا بَيْنَ ظِلْفَتَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ.
قَالَ عِيَاضٌ: فَالْمِيمُ عَلَى هَذَا أَصْلِيَّةٌ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْمِرْمَاةُ لُعْبَةٌ كَانُوا يَلْعَبُونَهَا بِنِصَابٍ مُحَدَّدٍ يَرْمُونَهَا فِي كَوْمٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَيُّهُمْ أَثْبَتَهَا فِي الْكَوْمِ غَلَبَ، وَيَبْعُدُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ لِأَجْلِ التَّثْنِيَةِ.
وَحَكَى الْحَرْبِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّ الْمِرْمَاةَ سَهْمُ الْهَدَفِ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا حَدَّثَنِي ثُمَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعِي كَانَ لَهُ عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ سَمِينَةٍ لَفَعَلَ» "، وَقِيلَ: الْمِرْمَاةُ سَهْمٌ يُتَعَلَّمُ بِهِ الرَّمْيُ وَهُوَ سَهْمٌ رَقِيقٌ مُحَدَّدٌ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِتَكْرَارِ الرَّمْيِ بِخِلَافِ السِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ الْحَرْبِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا يَتَكَرَّرُ مِنْهَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَفْسِيرُ الْمِرْمَاةِ بِالسَّهْمِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ وَيَدْفَعُهُ ذَكَرُ الْعِرَاقِ مَعَهُ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ بِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَظْمَ السَّمِينَ وَكَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَتْبَعَهُ بِالسَّهْمَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُتَلَهَّى بِهِ انْتَهَى.
وَوَصَفَ الْعَظْمَ بِالسِّمَنِ وَالْمِرْمَاتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (حَسَنَتَيْنِ) أَيْ مَلِيحَتَيْنِ لِيَكُونَ ثَمَّ بَاعِثٌ نَفْسَانِيٌّ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَمِّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِهِمْ بِالْحِرْصِ عَلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ مِنْ مَطْعُومٍ أَوْ بِهِ مَعَ التَّفْرِيطِ فِيمَا يَحْصُلُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ وَمُنَازِلِ الْكَرَامَةِ.
(لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) أَيْ صَلَاتَهَا فَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْعَى إِلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنِ الصَّلَاةِ؟ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِسَبَبِهَا هِيَ الْعِشَاءُ.
وَلِمُسْلِمٍ رِوَايَةٌ يَعْنِي الْعِشَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ التَّصْرِيحُ بِتَعْيِينِ الْعِشَاءِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهَا الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ، وَلِلسِّرَاجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخَّرَ الْعِشَاءَ لَيْلَةً فَخَرَجَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَلِيلًا فَغَضِبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَلِابْنِ حِبَّانَ يَعْنِي الْعِشَاءَ وَالْغَدَاةَ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْإِبْهَامِ وَمَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ فَضَعِيفٌ لِشُذُوذِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى وَهْمِ رَاوِيهَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: الْجُمُعَةُ عَنَى أَوْ غَيْرَهَا؟ قَالَ: صُمَّتْ أُذُنَايَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْثِرِهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا، فَظَهَرَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ، نَعَمْ فِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْجَزْمُ بِالْجُمُعَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ، لِأَنَّ مَخْرَجَهُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا يَقْدَحُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَالْمُحِبُّ الطَّبَرَيُّ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الْعِشَاءِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ: " «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقَبْلَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَقَالَ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آتِيَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ " فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِي وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ "، زَادَ أَحْمَدُ: " وَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ شَجَرًا وَنَخْلًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلِّ سَاعَةٍ، قَالَ: أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْضِرْهًا وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ» ".
وَلِابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «أَتَسْمَعُ
الْأَذَانَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا» " وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَحْدَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الْعُمْيَانِ، وَاحْتُجَّ بِهَذَا وَبِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، إِذْ لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمْ يُهَدَّدْ تَارِكُهَا بِالتَّحْرِيقِ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَكَانَتْ قَائِمَةً بِالرَّسُولِ وَمَنْ مَعَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبُ الْأَوْزَاعِيُّ وَعَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حِبَّانَ، وَبَالَغَ دَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ فَجَعَلُوهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَرَدَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْبَاقِينَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَأَجَابُوا عَنْ ظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ هَمَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا عَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ، قَالَهُ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَضَعَّفَهُ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَهُمُّ بِمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ، وَالتَّرْكُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمُ انْزَجَرُوا بِذَلِكَ وَتَرَكُوا التَّخَلُّفَ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِسَبَبِهِ، عَلَى أَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبَ التَّرْكِ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبَرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَأَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يَحْرِقُونَ» " الْحَدِيثَ.
وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى أَنْ لَا وُجُوبَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْمُتَخَلِّفِينَ، فَلَوْ كَانَتْ فَرْضَ عَيْنٍ لَمَا هَمَّ بِتَرْكِهَا إِذَا تَوَجَّهَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ يَجُوزُ تَرْكُهُ لِمَا هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ، وَبِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَدْ يَتَدَارَكُهَا فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ، وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَقَالَ لَمَا تَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالْإِحْرَاقِ مِنْ تَخَلُّفٍ عَنِ الصَّلَاةِ لَمْ تُجِزْهُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْبَيَانِ، وَرَدَّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْبَيَانَ قَدْ يَكُونُ بِالنَّصِّ وَقَدْ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ، فَلَمَّا قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ إِلَخْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْبَيَانِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ: الْحَدِيثُ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَحَقِيقَتُهُ لَيْسَتْ مُرَادَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ وَعِيدُهُمْ بِعُقُوبَةِ الْكُفَّارِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ عُقُوبَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْعَ وَقَعَ بَعْدَ نَسْخِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ جَائِزًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُ التَّهْدِيدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَهَذِهِ أَجْوِبَةٌ أَرْبَعَةٌ.
خَامِسُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّهْدِيدِ قَوْمٌ تَرَكُوا الصَّلَاةَ رَأْسًا لَا مُجَرَّدَ الْجَمَاعَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ أَيْ لَا يَحْضُرُونَ، وَلِأَحْمَدَ: لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ أَيِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أُسَامَةَ مَرْفُوعًا: " «لَيَنْتَهِيَّنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِهِمُ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» "، سَادِسُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِفِعْلِهِمْ لَا لِخُصُوصِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ الْبَاجِيِّ الْمُتَقَدِّمِ.
سَابِعُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ فَلَيْسَ التَّهْدِيدُ لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِخُصُوصِهِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، وَرُدَّ بِاسْتِبْعَادِ الِاعْتِنَاءِ بِتَأْدِيبِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مَعَ
الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُمْ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُعْرِضًا عَنْهُمْ وَعَنْ عُقُوبَتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِطَوِيَّتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ: " «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» "، وَمَنَعَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا الرَّدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ تَرْكُ عِقَابِ الْمُنَافِقِينَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَلَيْسَ فِي إِعْرَاضِهِ عَنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ.
ثَامِنُهَا: أَنَّ فَرِيضَةَ الْجَمَاعَةِ كَانَتْ أَوَّلًا لِسَدِّ بَابِ التَّخَلُّفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ نُسِخَ، حَكَاهُ عِيَاضٌ، وَيُقَوِّيهِ نَسْخُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ التَّحْرِيقُ بِالنَّارِ، وَكَذَا نَسْخُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّحْرِيقُ وَهُوَ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَحَادِيثُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ تَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ وَمِنْ لَازَمِهِ الْجَوَازُ.
تَاسِعُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْجُمُعَةُ لَا بَاقِي الصَّلَوَاتِ، وَنَصَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْعِشَاءِ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هَدَّدَ بِسَبَبِهَا هَلِ الْجُمُعَةُ أَوِ الْعِشَاءُ أَوِ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ مَعًا؟ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ وَإِلَّا وَقَفَ الِاسْتِدْلَالُ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
عَاشِرُهَا: أَنَّ التَّهْدِيدَ الْمَذْكُورَ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي حَقِّ تَارِكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَشْرُوعِيَّةِ مُقَاتَلَةِ تَارِكِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّحْرِيقَ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ أَخَصُّ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ، وَبِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَمَالَأَ الْجَمِيعُ عَلَى التَّرْكِ، قَالَ الْحَافِظُ: فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُنَافِقِينَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: " «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ» "، وَلِقَوْلِهِ: " لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ. . . إِلَخْ " لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَائِقٌ بِالْمُنَافِقِينَ لَا بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ: لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ.
وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: لَا يَشْهَدُونَ الْجَمَاعَةَ.
وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ» ".
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِفَاقَهُمْ نِفَاقُ مَعْصِيَةٍ لَا كُفْرٍ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَإِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ: " «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا، لِأَنَّ تَحْرِيقَ بَيْتِ الْكَافِرِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُودُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي بَيْتِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ نِفَاقُ الْكُفْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِتَضَمُّنِهِ أَنَّ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِ، وَقَدْ نَهَيْنَا عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: خُرُوجُ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّخَلُّفَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا مُنَافِقٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا يَشْهَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَعْنِي الْعِشَاءَ
وَالْفَجْرَ» " وَهَذَا يُقَوِّي مَا ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْمَعْصِيَةِ لَا نِفَاقُ الْكُفْرِ، فَعَلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لَا الْعَاصِي الَّذِي يَجُوزُ إِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَيْهِ مَجَازًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٌ.