«الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ»

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٣٨٣

الحديث رقم ٣٨٣ من كتاب «كتاب صلاة الجماعة» في موطأ مالك، تحت باب: باب الصلاة الوسطى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الصلاة الوسطى صلاة الظهر»

«الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ»

سند حديث: ٢٧ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ…

٢٧ - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنِ ابْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «الصلاة الوسطى صلاة الظهر»

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ ابْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ

ــ

٣١٧ - ٣١٤ - (مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ (عَنِ ابْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ) هُوَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ وَقِيلَ يَرْبُوعٌ أَبُوهُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ جَدُّهُ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

(أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرَ) وَجَزَمَ زَيْدٌ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَشُدُّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَنَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: ٢٣٨] الْآيَةَ» ، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَرْسَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: هِيَ الظُّهْرَ.

وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ أَوِ الصَّفَّانِ وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ وَفِي تِجَارَتِهِمْ فَنَزَلَتْ» .

وَكَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ، فَقَوْلُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي مَنْ قَالَ إِنَّهَا الظُّهْرُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا وَسَطُ النَّهَارِ أَوْ لَعَلَّ بَعْضَهُمْ رَوَى فِي ذَلِكَ أَثَرًا فَتَبِعَهُ تَقْصِيرٌ شَدِيدٌ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ اعْتَمَدَ عَلَى نُزُولِ الْآيَةِ فِي الظُّهْرِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ

قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ

ــ

٣١٧ - ٣١٥ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ) رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصُّبْحَ فَقَنَتَ فِيهَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

وَأَمَّا عَلِيٌّ فَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ السُّلْمَانِيِّ عَنْهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: «قُلْنَا لِعَبِيدَةَ: سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا الصُّبْحُ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةَ الْعَصْرِ» " كَذَا فِي الْفَتْحِ وَسَبَقَهُ فِي التَّمْهِيدِ إِلَى ذَلِكَ وَزَادَ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ إِنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ هُنَا عَنْ عَلِيٍّ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمِيرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ كَذَا قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّ بَلَاغَ مَالِكٍ صَحِيحٌ وَحُسَيْنٌ مِمَّنْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَمُحَالٌ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ.

(قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ) أَنَّهَا الصُّبْحُ (أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ) وَقَالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ، نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ.

وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: صَلَّيْتُ خَلَفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى؟ قَالُوا: هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا رَأَيْتَ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِيهَا الْقُنُوتَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٣٨) وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: ٣٩] (سُورَةُ ق: الْآيَةُ ٣٩) وَبِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ وَبِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَهْرٍ وَصَلَاتَيْ سِرٍّ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُصَلَّى فِي سَوَادٍ مِنَ اللَّيْلِ وَبَيَاضٍ مِنَ النَّهَارِ وَهِيَ أَكْثَرُ الصَّلَوَاتِ تَفُوتُ النَّاسَ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُرْآنُ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ٧٨) فَخُصَّتْ بِهَذَا النَّصِّ مَعَ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِوَقْتِهَا لَا يُشَارِكُهَا غَيْرُهَا فِيهِ.

وَأَوْضَحَهُ الْبَاجِيُّ فَقَالَ: وَوَقْتُهَا أَوْلَى بِأَنْ يُوصَفَ بِالتَّوَسُّطِ لِأَنَّهَا لَا تُشَارَكُ، فَلَوْ جَعَلْنَاهَا الْعَصْرَ لَكُنَّا فَصَلْنَاهَا مِنْ مُشَارَكَتِهَا الظُّهْرَ وَأَضَفْنَا إِلَى الظُّهْرِ مَا لَا

يُشَارِكُهَا وَهِيَ الصُّبْحُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» " فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوُسْطَى مِنَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ لِأَنَّهَا وُسْطَى هَذِهِ الثَّلَاثِ لِتَأَكُّدِ فَضْلِهَا عَنِ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ مَعَهَا، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ مُخَالِفِينَ نَصَّ إِمَامِهِمْ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ وَقَدْ قَالَ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَكِنْ صَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا الصُّبْحُ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ.

أَيْ لِأَنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَوْنَ الْحَدِيثِ مَذْهَبَهُ مَحَلُّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَمَّا إِذَا احْتَمَلَ اطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى مَحْمَلٍ فَلَا يَكُونُ مَذْهَبَهُ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَهُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقِيلَ الْمَغْرِبُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جَرِيرٍ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي الْأَسْفَارِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ مَضَى عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا وَالتَّعْجِيلِ بِهَا فِي أَوَّلِ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَلِأَنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَا سِرٍّ وَبَعْدَهَا صَلَاتَا جَهْرٍ وَقِيلَ الْعِشَاءُ، نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ وَلِأَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَلِذَا أُمِرْنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَهُ الْوَاحِدِيُّ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَصْفُ الصَّلَاةِ بِالْوُسْطَى يَحْتَمِلُ أَنَّهَا بِمَعْنَى فَاضِلَةٍ نَحْوِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: ١٤٣] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٤٣) أَيْ فَاضِلَةً، قَالَ: أَوْسَطُهُمْ وَأَنَّ وَقْتَهَا يَتَوَسَّطُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَنْ تُوصَفَ بِذَلِكَ لِلتَّخْصِيصِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ صَلَاةٍ وُسْطَى، وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَكُلُّ صَلَاةٍ يَصِحُّ أَنْ تُوصَفَ بِأَنَّهَا وُسْطَى، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْفَضِيلَةِ الصُّبْحُ أَحَقُّهَا بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِ فَضِيلَتِهَا إِذْ لَيْسَ فِي الصَّلَوَاتِ أَشَقُّ مِنْهَا لِأَنَّهَا فِي أَلَذِّ أَوْقَاتِ النَّوْمِ وَيُتْرَكُ لَهَا كَالِاضْطِجَاعِ وَالدِّفْءِ وَيَقُومُ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ وَيَتَنَاوَلُ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَوَقْتُهَا أَوْلَى بِأَنْ تُوصَفَ بِالتَّوَسُّطِ لِأَنَّهَا لَا تُشَارَكُ اهـ.

وَقِيلَ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ مَعًا لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ الصُّبْحُ وَظَاهِرُ السُّنَّةِ الْعَصْرُ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الِاخْتِلَافُ الْقَوِيُّ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى إِنَّمَا هُوَ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَالَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحُجَّةُ لَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: ٢٣٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٣٨) يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ فَعَطَفَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى وَأُرِيدَ بِهَا كُلَّ الْفَرَائِضِ تَأْكِيدًا لَهَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: الْجُمُعَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاحْتَجَّ بِمَا اخْتُصَّتْ بِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ فِي الْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ مَعًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَاةِ

عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَاخْتَارَهُ الْأَبْهَرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى التَّرْدِيدِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَازِمِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهَا الْوُسْطَى وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَوِ الْخَوْفُ أَوِ الْوِتْرُ أَوْ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى أَوْ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ صَلَاةُ الضُّحَى أَوْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَمْسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ أَوِ التَّوَقُّفُ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، أَوْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَهَذِهِ عِشْرُونَ قَوْلًا، وَزَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَصَارَ إِلَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعُسْرِ التَّرْجِيحِ اهـ.

فَإِنْ أَرَادَ أُبْهِمَتْ فِي الْخَمْسِ فَهُوَ الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ، وَإِنْ أَرَادَ أُبْهِمَتْ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْخَمْسِ فَيَكُونُ زَائِدًا، وَقَدْ ضَعَّفَ الْقُرْطُبِيُّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى خِلَافِ عَادَةِ الْفُصَحَاءِ لِأَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ شَيْئًا مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا ثُمَّ يَذْكُرُونَهُ مُجْمَلًا، بَلْ يَذْكُرُونَ الشَّيْءَ مُجْمَلًا أَوْ كُلِّيًّا ثُمَّ يُفَصِّلُونَهُ، وَأَيْضًا لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيَعْطِفُونَ عَلَيْهِ أَحَدَ أَفْرَادِهِ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْفَرْدِ ذَلِكَ الْجَمْعَ إِذْ ذَاكَ غَايَةٌ فِي الْإِلْبَاسِ، وَأَيْضًا فَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ كَانَ كَأَنَّهُ قِيلَ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ وَيُرِيدُ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ وَهَذَا لَيْسَ فَصِيحًا فِي لَفْظِهِ وَلَا صَحِيحًا فِي مَعْنَاهُ، إِذْ لَا يَحْصُلُ بِالثَّانِي تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَلَا يُفِيدُ مَعْنًى آخَرَ فَيَكُونُ حَشْوًا، فَحَمْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ سَائِغٍ وَلَا جَائِزٍ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَوَاتِ خُصُوصُ الْخَمْسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ، فَعَطْفُ الْوُسْطَى مُرَادًا بِهَا الْفَرَائِضَ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّشْرِيفِ كَمَا قَدَّمْنَا وَهَذَا سَائِغٌ جَائِزٌ، وَبَعْدَ وُرُودِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ قَالَ إِنَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَا يَلِيقُ التَّشْغِيبُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ ابْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ

ــ

٣١٧ - ٣١٤ - (مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ (عَنِ ابْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيِّ) هُوَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ وَقِيلَ يَرْبُوعٌ أَبُوهُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ جَدُّهُ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

(أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرَ) وَجَزَمَ زَيْدٌ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَشُدُّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَنَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: ٢٣٨] الْآيَةَ» ، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَرْسَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: هِيَ الظُّهْرَ.

وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ «كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ أَوِ الصَّفَّانِ وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ وَفِي تِجَارَتِهِمْ فَنَزَلَتْ» .

وَكَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهَا الظُّهْرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ، فَقَوْلُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي مَنْ قَالَ إِنَّهَا الظُّهْرُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا وَسَطُ النَّهَارِ أَوْ لَعَلَّ بَعْضَهُمْ رَوَى فِي ذَلِكَ أَثَرًا فَتَبِعَهُ تَقْصِيرٌ شَدِيدٌ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ اعْتَمَدَ عَلَى نُزُولِ الْآيَةِ فِي الظُّهْرِ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ

قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ

ــ

٣١٧ - ٣١٥ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ) رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصُّبْحَ فَقَنَتَ فِيهَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

وَأَمَّا عَلِيٌّ فَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ وَمِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ السُّلْمَانِيِّ عَنْهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: «قُلْنَا لِعَبِيدَةَ: سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا الصُّبْحُ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: " شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةَ الْعَصْرِ» " كَذَا فِي الْفَتْحِ وَسَبَقَهُ فِي التَّمْهِيدِ إِلَى ذَلِكَ وَزَادَ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ إِنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ هُنَا عَنْ عَلِيٍّ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمِيرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ كَذَا قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا عُلِمَ أَنَّ بَلَاغَ مَالِكٍ صَحِيحٌ وَحُسَيْنٌ مِمَّنْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَمُحَالٌ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ.

(قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ) أَنَّهَا الصُّبْحُ (أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ) وَقَالَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ، نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ.

وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: صَلَّيْتُ خَلَفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى؟ قَالُوا: هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا رَأَيْتَ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِيهَا الْقُنُوتَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٣٨) وَقَالَ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: ٣٩] (سُورَةُ ق: الْآيَةُ ٣٩) وَبِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ وَبِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَهْرٍ وَصَلَاتَيْ سِرٍّ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُصَلَّى فِي سَوَادٍ مِنَ اللَّيْلِ وَبَيَاضٍ مِنَ النَّهَارِ وَهِيَ أَكْثَرُ الصَّلَوَاتِ تَفُوتُ النَّاسَ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُرْآنُ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ٧٨) فَخُصَّتْ بِهَذَا النَّصِّ مَعَ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِوَقْتِهَا لَا يُشَارِكُهَا غَيْرُهَا فِيهِ.

وَأَوْضَحَهُ الْبَاجِيُّ فَقَالَ: وَوَقْتُهَا أَوْلَى بِأَنْ يُوصَفَ بِالتَّوَسُّطِ لِأَنَّهَا لَا تُشَارَكُ، فَلَوْ جَعَلْنَاهَا الْعَصْرَ لَكُنَّا فَصَلْنَاهَا مِنْ مُشَارَكَتِهَا الظُّهْرَ وَأَضَفْنَا إِلَى الظُّهْرِ مَا لَا

يُشَارِكُهَا وَهِيَ الصُّبْحُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» " فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوُسْطَى مِنَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ لِأَنَّهَا وُسْطَى هَذِهِ الثَّلَاثِ لِتَأَكُّدِ فَضْلِهَا عَنِ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ مَعَهَا، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّهَا الْعَصْرُ، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ ثُمَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ مُخَالِفِينَ نَصَّ إِمَامِهِمْ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ وَقَدْ قَالَ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَكِنْ صَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا الصُّبْحُ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ.

أَيْ لِأَنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَوْنَ الْحَدِيثِ مَذْهَبَهُ مَحَلُّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَمَّا إِذَا احْتَمَلَ اطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى مَحْمَلٍ فَلَا يَكُونُ مَذْهَبَهُ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَهُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقِيلَ الْمَغْرِبُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جَرِيرٍ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي الْأَسْفَارِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ مَضَى عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا وَالتَّعْجِيلِ بِهَا فِي أَوَّلِ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَلِأَنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَا سِرٍّ وَبَعْدَهَا صَلَاتَا جَهْرٍ وَقِيلَ الْعِشَاءُ، نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ وَلِأَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَلِذَا أُمِرْنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَهُ الْوَاحِدِيُّ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَصْفُ الصَّلَاةِ بِالْوُسْطَى يَحْتَمِلُ أَنَّهَا بِمَعْنَى فَاضِلَةٍ نَحْوِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: ١٤٣] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ١٤٣) أَيْ فَاضِلَةً، قَالَ: أَوْسَطُهُمْ وَأَنَّ وَقْتَهَا يَتَوَسَّطُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَنْ تُوصَفَ بِذَلِكَ لِلتَّخْصِيصِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ صَلَاةٍ وُسْطَى، وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فَكُلُّ صَلَاةٍ يَصِحُّ أَنْ تُوصَفَ بِأَنَّهَا وُسْطَى، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْفَضِيلَةِ الصُّبْحُ أَحَقُّهَا بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِ فَضِيلَتِهَا إِذْ لَيْسَ فِي الصَّلَوَاتِ أَشَقُّ مِنْهَا لِأَنَّهَا فِي أَلَذِّ أَوْقَاتِ النَّوْمِ وَيُتْرَكُ لَهَا كَالِاضْطِجَاعِ وَالدِّفْءِ وَيَقُومُ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ وَيَتَنَاوَلُ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَوَقْتُهَا أَوْلَى بِأَنْ تُوصَفَ بِالتَّوَسُّطِ لِأَنَّهَا لَا تُشَارَكُ اهـ.

وَقِيلَ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ مَعًا لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ الصُّبْحُ وَظَاهِرُ السُّنَّةِ الْعَصْرُ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الِاخْتِلَافُ الْقَوِيُّ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى إِنَّمَا هُوَ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَالَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحُجَّةُ لَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: ٢٣٨] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٣٨) يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ فَعَطَفَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى وَأُرِيدَ بِهَا كُلَّ الْفَرَائِضِ تَأْكِيدًا لَهَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: الْجُمُعَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاحْتَجَّ بِمَا اخْتُصَّتْ بِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: الظُّهْرُ فِي الْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ مَعًا لِحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَاةِ

عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَاخْتَارَهُ الْأَبْهَرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى التَّرْدِيدِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَازِمِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهَا الْوُسْطَى وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَوِ الْخَوْفُ أَوِ الْوِتْرُ أَوْ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى أَوْ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ صَلَاةُ الضُّحَى أَوْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَمْسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ أَوِ التَّوَقُّفُ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، أَوْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَهَذِهِ عِشْرُونَ قَوْلًا، وَزَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَصَارَ إِلَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعُسْرِ التَّرْجِيحِ اهـ.

فَإِنْ أَرَادَ أُبْهِمَتْ فِي الْخَمْسِ فَهُوَ الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ، وَإِنْ أَرَادَ أُبْهِمَتْ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْخَمْسِ فَيَكُونُ زَائِدًا، وَقَدْ ضَعَّفَ الْقُرْطُبِيُّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى خِلَافِ عَادَةِ الْفُصَحَاءِ لِأَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ شَيْئًا مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا ثُمَّ يَذْكُرُونَهُ مُجْمَلًا، بَلْ يَذْكُرُونَ الشَّيْءَ مُجْمَلًا أَوْ كُلِّيًّا ثُمَّ يُفَصِّلُونَهُ، وَأَيْضًا لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيَعْطِفُونَ عَلَيْهِ أَحَدَ أَفْرَادِهِ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْفَرْدِ ذَلِكَ الْجَمْعَ إِذْ ذَاكَ غَايَةٌ فِي الْإِلْبَاسِ، وَأَيْضًا فَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ كَانَ كَأَنَّهُ قِيلَ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ وَيُرِيدُ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ وَهَذَا لَيْسَ فَصِيحًا فِي لَفْظِهِ وَلَا صَحِيحًا فِي مَعْنَاهُ، إِذْ لَا يَحْصُلُ بِالثَّانِي تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَلَا يُفِيدُ مَعْنًى آخَرَ فَيَكُونُ حَشْوًا، فَحَمْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ سَائِغٍ وَلَا جَائِزٍ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَوَاتِ خُصُوصُ الْخَمْسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ، فَعَطْفُ الْوُسْطَى مُرَادًا بِهَا الْفَرَائِضَ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّشْرِيفِ كَمَا قَدَّمْنَا وَهَذَا سَائِغٌ جَائِزٌ، وَبَعْدَ وُرُودِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ قَالَ إِنَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَا يَلِيقُ التَّشْغِيبُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.8 / 29.5
الإضاءة 74%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله