«يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ»

الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث ٤٦

الحديث رقم ٤٦ من كتاب «كتاب الطهارة» في موطأ مالك، تحت باب: باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ينام جالسا ثم يصلي ولا يتوضأ»

«يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ»

سند حديث: وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ…

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ

رواة الحديث

شرح حديث: «ينام جالسا ثم يصلي ولا يتوضأ»

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ

ــ

٤٢ - ٤٠

- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) لِأَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ، وَقَدْ كَانَ نَوْمُهُ خَفِيفًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَثْفِرًا سَادًّا مَخْرَجَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي قَالَتْ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ

ــ

٤٤ - ٤٢ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ) زَوْجَتِهِ (حُمَيْدَةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا يَحْيَى اللَّيْثِيَّ فَقَالَ: إِنَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عُمَرَ (بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ) كَذَا قَالَ يَحْيَى وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا يَقُولُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ كُلُّهُمُ ابْنَةُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، إِلَّا أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ حُمَيْدَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ رَافِعٍ نُسِبَ أَبَاهَا إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَحُمَيْدَةُ هَذِهِ امْرَأَةُ إِسْحَاقَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي امْرَأَتِي حُمَيْدَةُ وَتُكَنَّى أُمُّ يَحْيَى قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْ بِاسْمِ ابْنِهَا يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ وَهِيَ أَنْصَارِيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ مِنَ التَّابِعِيَّاتِ رَوَى لَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ (بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَهَا صُحْبَةٌ وَتَبِعَهُ الْمُسْتَغْفِرِيُّ (وَكَانَتْ تَحْتَ) عَبْدِ اللَّهِ (ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ التَّابِعِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: تَزَوَّجَهَا ثَابِتُ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكٍ: وَكَانَتِ امْرَأَةَ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةُ ابْنِهِ، وَوَقَعَ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ: وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَوْ أَبِي

قَتَادَةَ، الشَّكُّ مِنَ الرَّبِيعِ كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي نِسْبَةِ الشَّكِّ إِلَيْهِ شُبْهَةٌ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ كَذَلِكَ وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ غَيْرِ الرَّبِيعِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي قَتَادَةَ وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، قَالَ: وَالْوَاقِعُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ الْأُولَى أَيْ إِنَّهَا زَوْجُ ابْنِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَا شَكٍّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهَا: يَابْنَةَ أَخِي وَلَا يَحْسُنُ تَسْمِيَةُ الزَّوْجَةِ بِاسْمِ الْمَحَارِمِ.

(أَنَّهَا) أَيْ كَبْشَةُ (أَخْبَرَتْهَا) أَيْ حُمَيْدَةُ (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) الْأَنْصَارِيَّ اسْمُهُ الْحَارِثُ وَيُقَالُ عَمْرٌو وَيُقَالُ النُّعْمَانُ بْنُ رِبْعِيٍّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ الْمَدَنِيُّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَلَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ.

(دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ) أَيْ صَبَّتْ (لَهُ وَضُوءًا) أَيِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ.

(فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَمَالَ (لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ) مِنْهُ (قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوِ الْمُتَعَجِّبِ (فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَابْنَةَ أَخِي؟) فِي الصُّحْبَةِ لِأَنَّ أَبَاهَا صَحَابِيٌّ مِثْلُهُ وَسَلَمِيٌّ مِنْ قَبِيلَتِهِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ (قَالَتْ: فَقُلْتُ) لَهُ: (نَعَمْ) أَعْجَبُ (فَقَالَ:) لَا تَعْجَبِي ( «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» ) وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَضَبَطَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِفَتْحِ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: ٢٨] (سُورَةُ التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ٢٨) ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ عَلَى النَّسَائِيِّ ( «إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» ) أَيِ الَّذِينَ يُدَاخِلُونَكُمْ وَيُخَالِطُونَكُمْ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.

(أَوِ الطَّوَّافَاتِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ تَنْوِيعٌ أَيْ ذُكُورُهَا مِنْ ذُكُورِ مَنْ يَطُوفُ وَإِنَاثُهَا مِنَ الْإِنَاثِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ بِالْوَاوِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لِلْمُوَطَّأِ.

وَقَالَ الْبُونِيُّ: الطَّوَّافِينَ الْخَدَمَ وَالطَّوَّافَاتِ الْخَادِمَاتِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ} [الإنسان: ١٩] (سُورَةُ الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ١٩) فَالْهِرُّ فِي اخْتِلَاطِهِ كَبَعْضِ الْخَدَمِ.

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «الْهِرَّةُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ» " وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ هِيَ كَبَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ» " قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ قُرِئَ تُنَجِّسُ أَيْ بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ النُّونِ وَشَدِّ الْجِيمِ أَيْ مَا تَلْغُ فِيهِ لَصَحَّ مَعْنَاهُ وَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا

هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ حَسُنَ الْمَوْقِعُ أَيْ إِذَا كَانَتْ تَطُوفُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا يُخَفَّفُ الْأَمْرُ فِيمَا وَلَغَتْ فِيهِ، وَلِذَا صَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْعَفْوِ مَعَ تَيَقُّنِ نَجَاسَةِ فَمِهَا لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ. اهـ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَجَابَ وَدُعِيَ إِلَى دَارِ آخَرِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ كَلْبًا وَفِي دَارِ الْآخَرِ هِرَّةً وَالْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» ".

(قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا شَرِبَتْ مِنْهُ (إِلَّا أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ) فَإِنْ غَيَّرَتِ الْمَاءَ مُنِعَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ فِي إِنَاءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهُ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ»

ــ

٦٤ - ٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (رَأَيْتُ) أَيْ أَبْصَرْتُ (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (حَانَتْ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَرُبَتْ (صَلَاةُ الْعَصْرِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ رَاءٍ مَوْضِعٌ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الزَّوْرَاءَ مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ كَالْمَنَارَةِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاءِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاءُ نَفْسُهَا.

وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ أَوْ عِنْدَ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ» .

(فَالْتَمَسَ) أَيْ طَلَبَ (النَّاسُ وُضُوءًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ (فَلَمْ يَجِدُوهُ) أَيْ لَمْ يُصِيبُوا الْمَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَكَانَ فِي مَعْنَاهُ وَارْتَبَطَ بِهِ لِأَنَّهُ سَمَّى الْمَاءَ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يَقُومُ بِهِ الْوُضُوءُ اه، وَكَأَنَّهُ قَرَأَهُ بِضَمِّ الْوَاوِ.

(فَأُتِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوُضُوءٍ فِي إِنَاءٍ) وَفِي رِوَايَةٍ: «فَجَاءَ رَجُلٌ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءُ وَرْدٍ فَصَغُرَ أَنْ يَبْسُطَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ كَفَّهُ فَضَمَّ أَصَابِعَهُ» ، وَرَوَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مِقْدَارَ وُضُوءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.

وَلِأَبِي نُعَيْمٍ وَالْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ الْآتِي بِالْمَاءِ وَلَفْظُهُ: " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْطَلِقْ إِلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَتَيْتُهُ بِقَدَحِ مَاءٍ إِمَّا ثُلُثُهُ وَإِمَّا نِصْفُهُ» " الْحَدِيثَ وَفِيهِ: أَنَّهُ رَدَّهُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ إِلَيْهَا وَفِيهِ قَدْرُ مَا كَانَ فِيهِ أَوَّلًا.

( «فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ» ) الْيُمْنَى عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ.

(ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّئُونَ) وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ يَتَوَضَّئُوا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بِوَحْيٍ يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ نَبَعَ الْمَاءُ حَتَّى يَعُمَّ أَصْحَابَهُ الْوُضُوءُ.

( «قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ» ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا أَيْ يَخْرُجُ (مِنْ تَحْتِ) وَفِي رِوَايَةٍ: يَفُورُ مِنْ بَيْنِ (أَصَابِعِهِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ نَسْمَعْ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ عَظْمِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ

نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاهُ ; لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ.

(فَتَوَضَّأَ النَّاسُ) وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا كَمَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ كَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ، وَفِي مُسْلِمٍ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: " «أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَجَعَلَ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ " قَالَ أَيْ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا ثَلَاثَمِائَةٍ أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ» ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ثَلَاثُمِائَةٍ بِالْجَزْمِ دُونَ قَوْلِهِ: أَوْ زُهَاءَ بِضَمِّ الزَّايِ أَيْ مُقَارِبٌ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ إِذْ كَانُوا مَرَّةً ثَمَانِينَ أَوْ سَبْعِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثَمِائَةٍ أَوْ مَا قَارَبَهَا، فَهُمَا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: قَضِيَّتَانِ جَرَتَا فِي وَقْتَيْنِ حَضَرَهُمَا جَمِيعًا أَنَسٌ.

(حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: حَتَّى لِلتَّدْرِيجِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ أَيْ تَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّأَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ آخِرِهِمْ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَعِنْدَ بِمَعْنَى فِي لِأَنَّ عِنْدَ وَإِنْ كَانَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ لَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِمُطْلَقِ الظَّرْفِيَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ فِي آخِرِهِمْ.

وَقَالَ التَّيْمِيُّ: الْمَعْنَى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى وَصَلَتِ النَّوْبَةُ إِلَى الْآخِرِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِلَى وَهِيَ لُغَةٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا شَاذَّةٌ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ إِلَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عِنْدَ وَيَلْزَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا قَالَهُ التَّيْمِيُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْأَخِيرُ، لَكِنَّ مَا قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ إِلَى لَا تَدْخُلُ عَلَى عِنْدَ لَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي مِنْ إِذَا وَقَعَتْ بِمَعْنَى إِلَى، وَعَلَى تَوْجِيهِ النَّوَوِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ زَائِدَةٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَنْ كَانَ فِي مَائِهِ فَضْلَةٌ عَنْ وُضُوئِهِ، وَأَنَّ اغْتِرَافَ الْمُتَوَضِّئِ مِنَ الْمَاءِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ أَمْرُ نَدْبٍ لَا حَتْمٍ.

قَالَ عِيَاضٌ: نَبَعَ الْمَاءُ رَوَاهُ الثِّقَاتُ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِالصَّحَابَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِلِ وَمَجَامِعِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ عَلَى رَاوِي ذَلِكَ، فَهَذَا النَّوْعُ مُلْحَقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ تَكَرَّرَ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَوَرَدَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، قَالَ الْحَافِظُ: فَأَخَذَ الْقُرْطُبِيُّ كَلَامَ عِيَاضٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَحَدِيثُ نَبْعِ الْمَاءِ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَهُمْ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنْ أَبِي لَيْلَى وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَعَدُّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ أَيِ الْخَمْسَةُ لَيْسَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِمَا.

وَأَمَّا تَكْثِيرُ الْمَاءِ بِأَنْ لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَوْ تَفَلَ فِيهِ أَوْ أَمَرَ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَتِهِ، فَجَاءَ عَنْ عِمْرَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ

فِي الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَأَبِي قَتَادَةَ فِي مُسْلِمٍ وَأَنَسٍ فِي دَلَائِلِ الْبَيْهَقِيِّ، وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ اَلصُّدَائِيِّ عِنْدَهُ وَعَنْ بُرَّيْجٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ الصُّدَائِيِّ أَيْضًا، فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ قَارَبَهَا.

وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَإِنْ كَانَ شَطْرُ طُرُقِهِ أَفْرَادًا، وَبِالْجُمْلَةِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا رَدُّ قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ شَهِدَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ وَذَلِكَ لِطُولِ عُمُرِهِ وَطَلَبِ النَّاسِ عُلُوَّ السَّنَدِ، وَهَذَا يُنَادَى عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ وَالِاسْتِحْضَارِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابِ الَّذِي شَرَحَهُ انْتَهَى.

وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ

ــ

٤٢ - ٤٠

- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) لِأَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ، وَقَدْ كَانَ نَوْمُهُ خَفِيفًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَثْفِرًا سَادًّا مَخْرَجَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي قَالَتْ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ

ــ

٤٤ - ٤٢ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ) زَوْجَتِهِ (حُمَيْدَةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا يَحْيَى اللَّيْثِيَّ فَقَالَ: إِنَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عُمَرَ (بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ) كَذَا قَالَ يَحْيَى وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا يَقُولُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ كُلُّهُمُ ابْنَةُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، إِلَّا أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ حُمَيْدَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ رَافِعٍ نُسِبَ أَبَاهَا إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَحُمَيْدَةُ هَذِهِ امْرَأَةُ إِسْحَاقَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي امْرَأَتِي حُمَيْدَةُ وَتُكَنَّى أُمُّ يَحْيَى قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْ بِاسْمِ ابْنِهَا يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ وَهِيَ أَنْصَارِيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ مِنَ التَّابِعِيَّاتِ رَوَى لَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ (عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ (بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَهَا صُحْبَةٌ وَتَبِعَهُ الْمُسْتَغْفِرِيُّ (وَكَانَتْ تَحْتَ) عَبْدِ اللَّهِ (ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ التَّابِعِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: تَزَوَّجَهَا ثَابِتُ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكٍ: وَكَانَتِ امْرَأَةَ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةُ ابْنِهِ، وَوَقَعَ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ: وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَوْ أَبِي

قَتَادَةَ، الشَّكُّ مِنَ الرَّبِيعِ كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي نِسْبَةِ الشَّكِّ إِلَيْهِ شُبْهَةٌ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ الزَّعْفَرَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ كَذَلِكَ وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ غَيْرِ الرَّبِيعِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي قَتَادَةَ وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، قَالَ: وَالْوَاقِعُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ الْأُولَى أَيْ إِنَّهَا زَوْجُ ابْنِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَا شَكٍّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهَا: يَابْنَةَ أَخِي وَلَا يَحْسُنُ تَسْمِيَةُ الزَّوْجَةِ بِاسْمِ الْمَحَارِمِ.

(أَنَّهَا) أَيْ كَبْشَةُ (أَخْبَرَتْهَا) أَيْ حُمَيْدَةُ (أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) الْأَنْصَارِيَّ اسْمُهُ الْحَارِثُ وَيُقَالُ عَمْرٌو وَيُقَالُ النُّعْمَانُ بْنُ رِبْعِيٍّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ الْمَدَنِيُّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَلَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ.

(دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ) أَيْ صَبَّتْ (لَهُ وَضُوءًا) أَيِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ.

(فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَمَالَ (لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ) مِنْهُ (قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوِ الْمُتَعَجِّبِ (فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَابْنَةَ أَخِي؟) فِي الصُّحْبَةِ لِأَنَّ أَبَاهَا صَحَابِيٌّ مِثْلُهُ وَسَلَمِيٌّ مِنْ قَبِيلَتِهِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ (قَالَتْ: فَقُلْتُ) لَهُ: (نَعَمْ) أَعْجَبُ (فَقَالَ:) لَا تَعْجَبِي ( «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» ) وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَضَبَطَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِفَتْحِ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: ٢٨] (سُورَةُ التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ٢٨) ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ عَلَى النَّسَائِيِّ ( «إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» ) أَيِ الَّذِينَ يُدَاخِلُونَكُمْ وَيُخَالِطُونَكُمْ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.

(أَوِ الطَّوَّافَاتِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ تَنْوِيعٌ أَيْ ذُكُورُهَا مِنْ ذُكُورِ مَنْ يَطُوفُ وَإِنَاثُهَا مِنَ الْإِنَاثِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ بِالْوَاوِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لِلْمُوَطَّأِ.

وَقَالَ الْبُونِيُّ: الطَّوَّافِينَ الْخَدَمَ وَالطَّوَّافَاتِ الْخَادِمَاتِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ} [الإنسان: ١٩] (سُورَةُ الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ ١٩) فَالْهِرُّ فِي اخْتِلَاطِهِ كَبَعْضِ الْخَدَمِ.

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «الْهِرَّةُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ» " وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ هِيَ كَبَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ» " قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ قُرِئَ تُنَجِّسُ أَيْ بِفَوْقِيَّةٍ قَبْلَ النُّونِ وَشَدِّ الْجِيمِ أَيْ مَا تَلْغُ فِيهِ لَصَحَّ مَعْنَاهُ وَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا

هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ حَسُنَ الْمَوْقِعُ أَيْ إِذَا كَانَتْ تَطُوفُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا يُخَفَّفُ الْأَمْرُ فِيمَا وَلَغَتْ فِيهِ، وَلِذَا صَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْعَفْوِ مَعَ تَيَقُّنِ نَجَاسَةِ فَمِهَا لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُسَاعِدُهُ. اهـ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إِلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَجَابَ وَدُعِيَ إِلَى دَارِ آخَرِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ كَلْبًا وَفِي دَارِ الْآخَرِ هِرَّةً وَالْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» ".

(قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا شَرِبَتْ مِنْهُ (إِلَّا أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ) فَإِنْ غَيَّرَتِ الْمَاءَ مُنِعَ.

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ فِي إِنَاءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهُ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ»

ــ

٦٤ - ٦٢ - (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ (رَأَيْتُ) أَيْ أَبْصَرْتُ (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (حَانَتْ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَرُبَتْ (صَلَاةُ الْعَصْرِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ رَاءٍ مَوْضِعٌ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الزَّوْرَاءَ مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ كَالْمَنَارَةِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بِالتَّأْذِينِ عَلَى الزَّوْرَاءِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ بِالتَّأْذِينِ فِيهِ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ لَا أَنَّهُ الزَّوْرَاءُ نَفْسُهَا.

وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ أَوْ عِنْدَ بُيُوتِ الْمَدِينَةِ» .

(فَالْتَمَسَ) أَيْ طَلَبَ (النَّاسُ وُضُوءًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ (فَلَمْ يَجِدُوهُ) أَيْ لَمْ يُصِيبُوا الْمَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِيهِ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَكَانَ فِي مَعْنَاهُ وَارْتَبَطَ بِهِ لِأَنَّهُ سَمَّى الْمَاءَ وُضُوءًا لِأَنَّهُ يَقُومُ بِهِ الْوُضُوءُ اه، وَكَأَنَّهُ قَرَأَهُ بِضَمِّ الْوَاوِ.

(فَأُتِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوُضُوءٍ فِي إِنَاءٍ) وَفِي رِوَايَةٍ: «فَجَاءَ رَجُلٌ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءُ وَرْدٍ فَصَغُرَ أَنْ يَبْسُطَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ كَفَّهُ فَضَمَّ أَصَابِعَهُ» ، وَرَوَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مِقْدَارَ وُضُوءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.

وَلِأَبِي نُعَيْمٍ وَالْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ الْآتِي بِالْمَاءِ وَلَفْظُهُ: " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْطَلِقْ إِلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَتَيْتُهُ بِقَدَحِ مَاءٍ إِمَّا ثُلُثُهُ وَإِمَّا نِصْفُهُ» " الْحَدِيثَ وَفِيهِ: أَنَّهُ رَدَّهُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ إِلَيْهَا وَفِيهِ قَدْرُ مَا كَانَ فِيهِ أَوَّلًا.

( «فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ» ) الْيُمْنَى عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ.

(ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّئُونَ) وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ يَتَوَضَّئُوا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بِوَحْيٍ يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ نَبَعَ الْمَاءُ حَتَّى يَعُمَّ أَصْحَابَهُ الْوُضُوءُ.

( «قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ» ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا أَيْ يَخْرُجُ (مِنْ تَحْتِ) وَفِي رِوَايَةٍ: يَفُورُ مِنْ بَيْنِ (أَصَابِعِهِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ نَسْمَعْ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ عَظْمِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ.

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ

نَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ حَيْثُ ضَرَبَهُ مُوسَى بِالْعَصَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ الْمِيَاهُ ; لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ.

(فَتَوَضَّأَ النَّاسُ) وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا كَمَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ كَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ، وَفِي مُسْلِمٍ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: " «أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَجَعَلَ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ " قَالَ أَيْ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا ثَلَاثَمِائَةٍ أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ» ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ثَلَاثُمِائَةٍ بِالْجَزْمِ دُونَ قَوْلِهِ: أَوْ زُهَاءَ بِضَمِّ الزَّايِ أَيْ مُقَارِبٌ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ إِذْ كَانُوا مَرَّةً ثَمَانِينَ أَوْ سَبْعِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثَمِائَةٍ أَوْ مَا قَارَبَهَا، فَهُمَا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: قَضِيَّتَانِ جَرَتَا فِي وَقْتَيْنِ حَضَرَهُمَا جَمِيعًا أَنَسٌ.

(حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: حَتَّى لِلتَّدْرِيجِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ أَيْ تَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّأَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ آخِرِهِمْ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَعِنْدَ بِمَعْنَى فِي لِأَنَّ عِنْدَ وَإِنْ كَانَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ لَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِمُطْلَقِ الظَّرْفِيَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ فِي آخِرِهِمْ.

وَقَالَ التَّيْمِيُّ: الْمَعْنَى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى وَصَلَتِ النَّوْبَةُ إِلَى الْآخِرِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِلَى وَهِيَ لُغَةٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا شَاذَّةٌ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ إِلَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عِنْدَ وَيَلْزَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا قَالَهُ التَّيْمِيُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْأَخِيرُ، لَكِنَّ مَا قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ إِلَى لَا تَدْخُلُ عَلَى عِنْدَ لَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي مِنْ إِذَا وَقَعَتْ بِمَعْنَى إِلَى، وَعَلَى تَوْجِيهِ النَّوَوِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ زَائِدَةٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَنْ كَانَ فِي مَائِهِ فَضْلَةٌ عَنْ وُضُوئِهِ، وَأَنَّ اغْتِرَافَ الْمُتَوَضِّئِ مِنَ الْمَاءِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ أَمْرُ نَدْبٍ لَا حَتْمٍ.

قَالَ عِيَاضٌ: نَبَعَ الْمَاءُ رَوَاهُ الثِّقَاتُ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلَةٌ بِالصَّحَابَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ اجْتِمَاعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي الْمَحَافِلِ وَمَجَامِعِ الْعَسَاكِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارٌ عَلَى رَاوِي ذَلِكَ، فَهَذَا النَّوْعُ مُلْحَقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ تَكَرَّرَ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ فِي مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ، وَوَرَدَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، قَالَ الْحَافِظُ: فَأَخَذَ الْقُرْطُبِيُّ كَلَامَ عِيَاضٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَحَدِيثُ نَبْعِ الْمَاءِ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَهُمْ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَعَنْ أَبِي لَيْلَى وَالِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَعَدُّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ أَيِ الْخَمْسَةُ لَيْسَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِهِمَا.

وَأَمَّا تَكْثِيرُ الْمَاءِ بِأَنْ لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَوْ تَفَلَ فِيهِ أَوْ أَمَرَ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ كَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَتِهِ، فَجَاءَ عَنْ عِمْرَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ

فِي الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَأَبِي قَتَادَةَ فِي مُسْلِمٍ وَأَنَسٍ فِي دَلَائِلِ الْبَيْهَقِيِّ، وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ اَلصُّدَائِيِّ عِنْدَهُ وَعَنْ بُرَّيْجٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ الصُّدَائِيِّ أَيْضًا، فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى هَذَا بَلَغَ الْكَثْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ قَارَبَهَا.

وَأَمَّا مَنْ رَوَاهَا مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي فَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَإِنْ كَانَ شَطْرُ طُرُقِهِ أَفْرَادًا، وَبِالْجُمْلَةِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا رَدُّ قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ شَهِدَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ وَذَلِكَ لِطُولِ عُمُرِهِ وَطَلَبِ النَّاسِ عُلُوَّ السَّنَدِ، وَهَذَا يُنَادَى عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ وَالِاسْتِحْضَارِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابِ الَّذِي شَرَحَهُ انْتَهَى.

وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ فِي الْفَضَائِلِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله