سنة ثمان من الهجرة النبوية

الإسلام > سيرة > سنة ثمان من الهجرة النبوية

آخر تحديث 25 يوليو 2026 - 00:30

نص الحدث

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَصْلٌ فِي إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ قُدُومُهُمْ أَوَائِلَ سَنَةِ ثَمَانٍ، عَلَى مَا سَيَأْتِي

قَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا بَعْدَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُجَانِبًا

مُعَانِدًا حَضَرْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ أُحُدًا فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ الْخَنْدَقَ فَنَجَوْتُ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَمْ أُوضِعُ! وَاللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ مُحَمَّدٌ عَلَى قُرَيْشٍ. فَلَحِقْتُ بِمَالِي بِالْوَهْطِ، وَأَقْلَلْتُ مِنَ النَّاسِ - أَيْ مِنْ لِقَائِهِمْ - فَلَمَّا حَضَرَ الْحُدَيْبِيَةُ، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصُّلْحِ، وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ، جَعَلْتُ أَقُولُ: يَدْخُلُ مُحَمَّدٌ قَابِلًا مَكَّةَ بِأَصْحَابِهِ، مَا مَكَّةُ بِمَنْزِلٍ وَلَا الطَّائِفُ، وَلَا شَيْءَ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ. وَأَنَا بَعْدُ نَاءٍ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَى لَوْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا لَمْ أُسْلِمْ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَجَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قَوْمِي، وَكَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، وَيُقَدِّمُونَنِي فِيمَا نَابَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: كَيْفَ أَنَا فِيكُمْ؟ قَالُوا: ذُو رَأْيِنَا وَمِدْرَهُنَا فِي يُمْنِ نَقِيبَةٍ وَبَرَكَةِ أَمْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: تَعْلَمُونَ أَنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ أَمْرًا يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا. قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: نَلْحَقُ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونُ مَعَهُ، فَإِنْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَنَكُونُ تَحْتَ يَدِ النَّجَاشِيِّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ تَظْهَرْ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، قَالُوا: هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: قُلْتُ: فَاجْمَعُوا مَا نَهْدِيهِ لَهُ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ، فَجَمَعْنَا أَدَمًا كَثِيرًا، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَوَاللَّهِ إِنَّا

لِعِنْدَهُ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَعَثَهُ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ، يُزَوِّجُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَلَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ سَرَرْتُ قُرَيْشًا، وَكُنْتُ قَدْ أَجَزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ. فَدَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكِ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَهْدَيْتُ لَكَ أَدَمًا كَثِيرًا. ثُمَّ قَدَّمْتُهُ فَأَعْجَبَهُ، وَفَرَّقَ مِنْهُ شَيْئًا بَيْنَ بَطَارِقَتِهِ، وَأَمَرَ بِسَائِرِهِ فَأُدْخِلَ فِي مَوْضِعٍ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُحْتَفَظَ بِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ طِيبَ نَفْسِهِ قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ عَدُوٍّ لَنَا قَدْ وَتَرَنَا، وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا وَخِيَارَنَا، فَأَعْطِنِيهِ فَأَقْتُلَهُ. فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفِي ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ كَسَرَهُ، فَابْتَدَرَ مَنْخَرَايَ، فَجَعَلْتُ أَتَلَقَّى الدَّمَ بِثِيَابِي، فَأَصَابَنِي مِنَ الذُّلِّ مَا لَوِ انْشَقَّتْ بِيَ الْأَرْضُ دَخَلْتُ فِيهَا، فَرَقًا مِنْهُ. ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ مَا قُلْتُ مَا سَأَلَتُكَ. قَالَ: فَاسْتَحْيَا وَقَالَ: يَا عَمْرُو، تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ مَنْ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَالَّذِي كَانَ يَأْتِي عِيسَى لِتَقْتُلَهُ؟! قَالَ عَمْرُو: فَغَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: عَرَفَ هَذَا الْحَقَّ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ وَتُخَالِفُ أَنْتَ؟! ثُمَّ قُلْتُ: أَتَشْهَدُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ يَا عَمْرُو، فَأَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ،

وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قُلْتُ: أَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَعَا بِطَسْتٍ، فَغَسَلَ عَنِّي الدَّمَ وَكَسَانِي ثِيَابًا، وَكَانَتْ ثِيَابِي قَدِ امْتَلَأَتْ بِالدَّمِ فَأَلْقَيْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ عَلَى أَصْحَابِي، فَلَمَّا رَأَوْا كِسْوَةَ النَّجَاشِيِّ سُرُّوا بِذَلِكَ وَقَالُوا: هَلْ أَدْرَكْتَ مِنْ صَاحِبِكَ مَا أَرَدْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: كَرِهْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقُلْتُ: أَعُودُ إِلَيْهِ. فَقَالُوا: الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَفَارَقْتُهُمْ وَكَأَنِّي أَعْمِدُ لِحَاجَةٍ، فَعَمَدْتُ إِلَى مَوْضِعِ السُّفُنِ، فَأَجِدُ سَفِينَةً قَدْ شُحِنَتْ تُدْفَعُ. قَالَ: فَرَكِبْتُ مَعَهُمْ وَدَفَعُوهَا، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الشُّعَيْبَةِ، وَخَرَجْتُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَعِي نَفَقَةٌ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا، وَخَرَجْتُ أُرِيدَ الْمَدِينَةَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، ثُمَّ مَضَيْتُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْهَدَةِ، فَإِذَا رَجُلَانِ قَدْ سَبَقَانِي بِغَيْرِ كَثِيرٍ يُرِيدَانِ مَنْزِلًا، وَأَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِي الْخَيْمَةِ، وَالْآخَرُ يُمْسِكُ الرَّاحِلَتَيْنِ. قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: قُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدًا، دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَعْمٌ، وَاللَّهِ لَوْ أَقَمْتُ لَأُخِذَ بِرِقَابِنَا كَمَا يُؤْخَذُ بِرَقَبَةِ الضَّبُعِ فِي مَغَارَتِهَا. قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ أَرَدْتُ مُحَمَّدًا، وَأَرَدْتُ الْإِسْلَامَ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَرَحَّبَ بِي، فَنَزَلْنَا جَمِيعًا فِي الْمَنْزِلِ، ثُمَّ تُرَافَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا

الْمَدِينَةَ، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَجُلٍ لَقِينَاهُ بِبِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ يَصِيحُ: يَا رَبَاحُ، يَا رَبَاحُ، يَا رَبَاحُ فَتَفَاءَلْنَا بِقَوْلِهِ وَسُرِرْنَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: قَدْ أَعْطَتْ مَكَّةُ الْمُقَادَةَ بَعْدَ هَذَيْنِ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِينِي وَيَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَوَلَّى مُدْبِرًا إِلَى الْمَسْجِدِ سَرِيعًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَشَّرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقُدُومِنَا، فَكَانَ كَمَا ظَنَنْتُ، وَأَنَخْنَا بِالْحَرَّةِ، فَلَبِسْنَا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِنَا، ثُمَّ نُودِيَ بِالْعَصْرِ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ وَإِنَّ لِوَجْهِهِ تَهَلُّلًا، وَالْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ قَدْ سُرُّوا بِإِسْلَامِنَا، فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَايَعَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَبَايَعَ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَرْفَعَ طَرَفِي إِلَيْهِ حَيَاءً مِنْهُ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَمْرٍ حَزَبَهُ مُنْذُ أَسْلَمْنَا، وَلَقَدْ كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَكَانَ عُمَرُ عَلَى خَالِدٍ كَالْعَاتِبِ.

قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ شَيْخُ الْوَاقِدِيِّ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِيَزِيدَ بْنِ

أَبِي حَبِيبٍ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَاشِدٌ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ مَوْلَاهُ حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَ ذَلِكَ.

قُلْتُ: كَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ، عَنْ مَوْلَاهُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ فِيهِ. فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ. وَسِيَاقُ الْوَاقِدِيِّ أَبْسَطُ وَأَحْسَنُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ الْحَمِيدِ: فَقُلْتُ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: وَقَّتَ لَكَ مَتَى قَدِمَ عَمْرٌو وَخَالِدٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَبْلَ الْفَتْحِ. قُلْتُ: فَإِنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي أَنَّ عَمْرًا وَخَالِدًا وَعُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ قَدِمُوا لِهِلَالِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ.

وَسَيَأْتِي عِنْدَ وَفَاةِ عَمْرٍو مِنْ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مَا يَشْهَدُ لِسِيَاقِ إِسْلَامِهِ، وَكَيْفِيَّةِ حُسْنِ صُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ مَاتَ وَهُوَ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي مُدَّةِ مُبَاشَرَتِهِ الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ، عليه السلام، وَصِفَةُ مَوْتِهِ، صلى الله عليه وسلم.

طَرِيقُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِي مَا أَرَادَ مِنَ الْخَيْرِ، قَذَفَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ، وَحَضَرَنِي رُشْدِي، فَقُلْتُ: قَدْ شَهِدْتُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَيْسَ فِي مَوْطِنٍ أَشْهَدُهُ إِلَّا أَنْصَرِفُ وَأَنَا أَرَى فِي نَفْسِي أَنِّي مَوْضِعٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا سَيَظْهَرُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجْتُ فِي خَيْلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَصْحَابِهِ بَعُسْفَانَ، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ وَتَعَرَّضْتُ لَهُ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ أَمَامَنَا، فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا - وَكَانَتْ فِيهِ خِيَرَةٌ - فَاطَّلَعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الْهَمِّ بِهِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَوَقْعَ ذَلِكَ مِنَّا مَوْقِعًا، وَقُلْتُ: الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ فَاعْتَزَلَنَا وَعَدَلَ عَنْ سَنَنِ خَيْلِنَا، وَأَخَذَ ذَاتَ الْيَمِينِ، فَلَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةَ، وَدَافَعَتْهُ قُرَيْشٌ بِالرَّاحِ، قَلْتُ فِي نَفْسِي: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ أَيْنَ الْمَذْهَبُ؟ إِلَى

النَّجَاشِيِّ؟ فَقَدِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ آمِنُونَ، فَأَخْرُجُ إِلَى هِرَقْلَ؟ فَأَخْرُجُ مِنْ دِينِي إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ، فَأُقِيمُ فِي عَجَمٍ تَابِعًا، فَأُقِيمُ فِي دَارِي فِيمَنْ بَقِيَ؟ فَأَنَا فِي ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، فَتَغَيَّبْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، وَكَانَ أَخِي الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ! وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ جَهِلَهُ أَحَدٌ؟! وَقَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْكَ، وَقَالَ: «أَيْنَ خَالِدٌ؟» فَقُلْتُ: يَأْتِي اللَّهُ بِهِ. فَقَالَ: «مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَحَدَّهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ». فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، فَقَدْ فَاتَكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشِطْتُ لِلْخُرُوجِ، وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَسَرَّنِي سُؤَالُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِّي، وَأَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَةٍ مُجْدِبَةٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى بِلَادٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَلَمَّا أَنْ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قُلْتُ: لَأَذْكُرَنَّهَا لِأَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ: مَخْرَجُكَ الذى هَدَاكَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَالضِّيقُ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ. قَالَ: فَلَمَّا أَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: مَنْ أُصَاحِبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ،

فَقُلْتُ: يَا أَبَا وَهْبٍ، أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، إِنَّمَا نَحْنُ أَكَلَةُ رَأْسٍ، وَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ وَاتَّبَعْنَاهُ، فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ لَنَا شَرَفٌ. فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرِي مَا اتَّبَعْتُهُ أَبَدًا. فَافْتَرَقْنَا، وَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ قُتِلَ أَخُوهُ وَأَبُوهُ بِبَدْرٍ. فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، قَلْتُ: فَاكْتُمْ عَلَيَّ. قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ. فَخَرَجْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي، فَخَرَجْتُ بِهَا إِلَى أَنْ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لِي صَدِيقٌ، فَلَوْ ذَكَرْتُ لَهُ مَا أَرْجُو. ثُمَّ ذَكَرْتُ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُذَكِّرَهُ، ثُمَّ قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ وَأَنَا رَاحِلٌ مِنْ سَاعَتِي. فَذَكَرْتُ لَهُ مَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا نَحْنُ بِمَنْزِلَةِ ثَعْلَبٍ فِي جُحْرٍ، لَوْ صُبَّ فِيهِ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ لَخَرَجَ. وَقُلْتُ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قُلْتُ لِصَاحِبِي، فَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ، وَقَالَ: إِنِّي غَدَوْتُ الْيَوْمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْدُوَ، وَهَذِهِ رَاحِلَتِي بِفَخٍّ مُنَاخَةٍ. قَالَ: فَاتَّعَدْتُ أَنَا وَهُوَ يَأْجَجَ، إِنْ سَبَقَنِي أَقَامَ، وَإِنْ سَبَقْتُهُ أَقَمْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَدْلَجْنَا سَحَرًا، فَلَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ حَتَّى الْتَقَيْنَا بِيَأْجَجَ، فَغَدَوْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْهَدَةِ، فَنَجِدُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَا فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، فَقُلْنَا: وَبِكَ. فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟ فَقُلْنَا: وَمَا أَخْرَجَكَ. فَقَالَ: وَمَا أَخْرَجَكُمْ؟ قُلْنَا: الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ

مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي. فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَأَنَخْنَا بِظَهْرِ الْحَرَّةِ رِكَابَنَا، فَأُخْبِرَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسُرَّ بِنَا، فَلَبِسْتُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِي، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَقِيَنِي أَخِي، فَقَالَ: أَسْرِعْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُخْبِرَ بِكَ، فَسُرَّ بِقُدُومِكَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُكُمْ. فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: «تَعَالَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ عَلَيْكَ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهَا لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ». قَالَ خَالِدٌ: وَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ وَعَمْرٌو فَبَايَعَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَكَانَ قُدُومُنَا فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا حَزَبَهُ.

سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ إِلَى نَفَرٍ مِنْ هَوَازِنَ

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى جَمْعٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ وَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، حَتَّى صَبَّحَهُمْ غَارِّينَ، وَقَدْ أَوْعَزَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ لَا يُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ، فَأَصَابُوا نَعَمًا كَثِيرًا وَشَاءً، فَاسْتَاقُوا ذَلِكَ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، كُلَّ رَجُلٍ.

وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبْيًا أَيْضًا، وَأَنَّ الْأَمِيرَ اصْطَفَى مِنْهُ جَارِيَةً وَضِيئَةً، ثُمَّ قَدِمَ أَهْلُوهُمْ مُسْلِمِينَ، فَشَاوَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمِيرَهُمْ فِي رَدِّهِنَّ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَرَدُّوهُنَّ، وَخَيَّرَ الَّتِي عِنْدَهُ فَاخْتَارَتِ الْمُقَامَ عِنْدَهُ.

وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَكَانَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: فَأَصَبْنَا إِبِلًا كَثِيرًا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا بَعِيرًا. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِنَحْوِهِ.

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا نَعَمًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَنَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَسَمَ بَيْنِنَا غَنِيمَتَنَا، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ، وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالَّذِي أَعْطَانَا صَاحِبُنَا، وَلَا عَابَ عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، فَكَانَ لِكُلٍّ مِنَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِهِ.

سَرِيَّةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى بَنِي قُضَاعَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَعْبَ بْنَ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيَّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ مِنَ الشَّامِ، فَوَجَدُوا جَمْعًا مِنْ جَمْعِهِمْ كَثِيرًا، فَدَعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا، فَأَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ جَرِيحٌ فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا أَنْ بَرَدَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَحَامَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَهَمَّ بِالْبَعْثَةِ إِلَيْهِمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ سَارُوا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ.

بسم الله الرحمن الرحيم

كِتَابُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُلُوكِ الْآفَاقِ وَكَتْبِهِ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ، إِلَى اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ

ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، بَعْدَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْفَصْلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، بَعْدَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ بَدْءَ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَبَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، لِقَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ لِهِرَقْلَ حِينَ سَأَلَهُ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَقَالَ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي مَادَّ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَوَفَاتِهِ، عليه السلام وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ هَاهُنَا، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ مُحْتَمَلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ حَمَّادٍ الْمَعْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ.

وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: كُنَّا قَوْمًا تُجَّارًا، وَكَانَتِ الْحَرْبُ قَدْ حَصَرَتْنَا حَتَّى نَهَكَتْ أَمْوَالَنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ - هُدْنَةُ الْحُدَيْبِيَةِ - بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ نَأْمَنْ أَنْ وَجَدْنَا أَمْنًا، فَخَرَجْتُ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ مَعَ رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِمَكَّةَ امْرَأَةً وَلَا رَجُلًا إِلَّا وَقَدْ حَمَّلَنِي بِضَاعَةً، وَكَانَ وَجْهُ مَتْجَرِنَا مِنَ الشَّامِ غَزَّةَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَاهَا، وَذَلِكَ حِينَ ظَهَرَ قَيْصَرُ صَاحِبُ الرُّومِ عَلَى مَنْ كَانَ فِي بِلَادِهِ مِنَ الْفُرْسِ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ صَلِيبَهُ الْأَعْظَمَ، وَقَدْ كَانَ اسْتَلَبُوهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِحِمْصَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَخَرَجَ مِنْهَا يَمْشِي مُتَشَكِّرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ،

لِيُصَلِّيَ فِيهِ، تُبْسَطُ لَهُ الْبُسُطُ، وَتُطْرَحُ لَهُ عَلَيْهَا الرَّيَاحِينُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى إِيلِيَاءَ فَصَلَّى بِهَا، فَأَصْبَحَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَهُوَ مَهْمُومٌ، يُقَلِّبُ طَرَفَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ بِطَارِقَتُهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَقَدْ أَصْبَحْتَ مَهْمُومًا. فَقَالَ: أَجَلْ. فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: أُرِيتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلِكَ الْخِتَانِ ظَاهِرٌ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودَ، وَهُمْ تَحْتَ يَدَيْكَ وَفِي سُلْطَانِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُمْ، فَابْعَثْ فِي مَمْلَكَتِكَ كُلِّهَا، فَلَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ إِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَتَسْتَرِيحُ مِنْ هَذَا الْهَمِّ، فَإِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِمْ يُدَبِّرُونَهُ، إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ صَاحِبِ بُصْرَى بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ وَقَعَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ أَهْلِ الشَّاءِ وَالْإِبِلِ، يُحَدِّثُكَ عَنْ حَدَثٍ كَانَ بِبِلَادِهِ، فَاسْأَلْهُ عَنْهُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ، قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ مَا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي كَانَ فِي بِلَادِهِ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ، خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدِ اتَّبَعَهُ أَقْوَامٌ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمْ مَلَاحِمُ فِي مَوَاطِنَ، فَخَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ قَالَ: جَرِّدُوهُ. فَإِذَا هُوَ مَخْتُونٌ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي قَدْ أُرِيتُ، لَا مَا تَقُولُونَ، أَعْطِهِ ثَوْبَهُ، انْطَلِقْ لِشَأْنِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: قَلِّبْ لِيَ الشَّامَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، حَتَّى تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِ هَذَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَأْنِهِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللَّهِ إِنِّي وَأَصْحَابِي لَبِغَزَّةَ، إِذْ هَجَمَ عَلَيْنَا، فَسَأَلَنَا: مِمَّنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَسَاقَنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ رَجُلٍ قَطُّ أَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أَدْهَى مِنْ ذَلِكَ الْأَغْلَفِ - يُرِيدُ هِرَقْلَ - قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ:

أَيُّكُمْ أَمَسُّ بِهِ رَحِمًا؟ فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي. قَالَ: فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَمَرَ بِأَصْحَابِي، فَأَجْلَسَهُمْ خَلَفِي، وَقَالَ: إِنْ كَذَبَ فَرُدُّوا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَقَدْ عَرَفْتُ أَنِّي لَوْ كَذِبْتُ مَا رَدُّوا عَلَيَّ، وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً سَيِّدًا، أَتَكَرَّمُ وَأَسْتَحِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ أَدْنَى مَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْوُوهُ عَنِّي، ثُمَّ يَتَحَدَّثُوا بِهِ عَنِّي بِمَكَّةَ، فَلَمْ أَكْذِبْهُ. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِيكُمْ. فَزَهَّدْتُ لَهُ شَأْنَهُ، وَصَغَّرْتُ لَهُ أَمْرَهُ، فَوَاللَّهِ مَا الْتَفَتَ إِلَى ذَلِكَ مِنِّي، وَقَالَ لِي: أَخْبِرْنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِهِ. فَقُلْتُ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: مَحْضًا، مِنْ أَوْسَطِنَا نَسَبًا. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدٌ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَهُوَ يَتَشَبَّهُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ لَهُ مُلْكٌ فَاسْتَلَبْتُمُوهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَرُدُّوهُ عَلَيْهِ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَتْبَاعِهِ مَنْ هُمْ؟ فَقُلْتُ: الْأَحْدَاثُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَأَمَّا أَشْرَافُهُمْ وَذَوُو الْأَسْنَانِ فَلَا. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَمَّنْ يَصْحَبُهُ، أَيُحِبُّهُ وَيَلْزَمُهُ، أَمْ يَقْلِيهِ وَيُفَارِقُهُ؟ قُلْتُ: قَلَّ مَا صَحِبَهُ رَجُلٌ فَفَارَقَهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ فَقُلْتُ:

سِجَالٌ، يُدَالُ عَلَيْنَا وَنُدَالُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَغْدِرُ؟ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَغُرُّهُ بِهِ إِلَّا هِيَ، قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ، وَلَا نَأْمَنُ غَدْرَهُ فِيهَا. فَوَاللَّهِ مَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا مِنِّي. قَالَ: فَأَعَادَ عَلَيَّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: زَعَمْتَ أَنَّهُ مِنْ أَمْحَضِكُمْ نَسَبًا، وَكَذَلِكَ يَأْخُذُ اللَّهُ النَّبِيَّ إِذَا أَخَذَهُ، لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدٌ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ فَهُوَ يَتَشَبَّهُ بِهِ، فَقُلْتَ: لَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ لَهُ مُلْكٌ فَاسْتَلَبْتُمُوهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَرُدُّوا عَلَيْهِ مُلْكَهُ، فَقُلْتَ: لَا. وَسَأَلْتُكُ عَنْ أَتْبَاعِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمُ الْأَحْدَاثُ وَالْمَسَاكِينُ وَالضُّعَفَاءُ، وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَسَأَلْتُكَ عَمَّنْ يَتَّبِعُهُ، أَيُحِبُّهُ وَيَلْزَمُهُ، أَمْ يَقْلِيهِ وَيُفَارِقُهُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَصْحَبُهُ فَيُفَارِقُهُ، وَكَذَلِكَ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ، لَا تَدْخُلُ قَلْبًا فَتَخْرُجُ مِنْهُ، وَسَأَلْتُكَ كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهَا سِجَالٌ، يُدَالُ عَلَيْكُمْ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَكُونُ حَرْبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَهُمْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، فَلَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي، لَيَغْلِبَنَّ عَلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَغْسِلُ عَنْ قَدَمَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: الْحَقْ بِشَأْنِكَ، قَالَ: فَقُمْتُ وَأَنَا أَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيَّ عَلَى الْأُخْرَى، وَأَقُولُ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ

أَبِي كَبْشَةَ! أَصْبَحَ مُلُوكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُونَهُ فِي سُلْطَانِهِمْ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسْقُفٌّ مِنَ النَّصَارَى، قَدْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ قَالَ: قَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ عَلَى هِرَقْلَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْأَكَّارِينَ عَلَيْكَ قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ كِتَابُهُ وَقَرَأَهُ، أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ بَيْنَ فَخِذِهِ وَخَاصِرَتِهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ رُومِيَّةَ، كَانَ يَقْرَأُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ مَا يَقْرَأُ، يُخْبِرُهُ عَمَّا جَاءَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي يُنْتَظَرُ لَا شَكَّ فِيهِ، فَاتَّبِعْهُ. فَأَمَرَ بِعُظَمَاءِ الرُّومِ، فَجُمِعُوا لَهُ فِي دَسْكَرَةِ مُلْكِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُشْرِجَتْ عَلَيْهِمْ، وَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلِّيَّةٍ لَهُ وَهُوَ مِنْهُمْ خَائِفٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابُ أَحْمَدَ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ ذِكْرَهُ فِي كِتَابِنَا، نَعْرِفُهُ بِعَلَامَاتِهِ وَزَمَانِهِ، فَأَسْلِمُوا وَاتَّبِعُوهُ تَسْلَمْ لَكُمْ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتُكُمْ. فَنَخَرُوا

نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَابْتَدَرُوا أَبْوَابَ الدَّسْكَرَةِ فَوَجَدُوهَا مُغْلَقَةً دُونَهُمْ، فَخَافَهُمْ وَقَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. فَرَدُّوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، إِنِّي إِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَخْتَبِرُكُمْ بِهَا، لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَابَتُكُمْ فِي دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ مَا سَرَّنِي. فَوَقَعُوا لَهُ سُجَّدًا، ثُمَّ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ الدَّسْكَرَةِ فَخَرَجُوا.

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ قِصَّةَ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ هِرَقْلَ بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ، أَحْبَبْنَا أَنْ نُورِدَهَا بِسَنَدِهَا وَحُرُوفِهَا مِنَ «الصَّحِيحِ» لِيُعْلَمَ مَا بَيْنَ السِّيَاقَيْنِ مِنَ التَّبَايُنِ، وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْفَوَائِدِ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ قَبْلَ الْإِيمَانِ مِنْ «صَحِيحِهِ»: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مَنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِالتُّرْجُمَانِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. قَالَ: أَدْنَوْهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ يَأْثِرُوا عَنِّي كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ

قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَتَأَسَّى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتُ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ

وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي بَعَثَ بِهِ مَعَ دِحْيَةَ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آلِ عِمْرَانَ: ٦٤) قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ! إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ -

صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ - سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّامِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ، قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَلْيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أَتَى هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ. وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ، يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا لِهَذَا النَّبِيِّ. فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمْرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا

أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي «صَحِيحِهِ» بِأَلْفَاظٍ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا. وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ، إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُطَوَّلًا فِي أَوَّلِ شَرْحِنَا لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَذَكَرْنَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالنُّكَتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَبَلَغَ هِرَقْلَ شَأْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَا يُعْلَمُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ الْعَرَبِ الَّذِي بِالشَّامِ فِي مُلْكِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِرِجَالٍ مِنَ الْعَرَبِ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي كَنِيسَةِ إِيلِيَاءَ الَّتِي فِي جَوْفِهَا، فَقَالَ هِرَقْلُ: أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ لِتُخْبِرُونِي عَنْ هَذَا الَّذِي بِمَكَّةَ مَا أَمْرُهُ؟ قَالُوا: سَاحِرٌ كَذَّابٌ، وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ. قَالَ: فَأَخْبِرُونِي بِأَعْلَمِكُمْ بِهِ وَأَقْرَبِكُمْ مِنْهُ رَحِمًا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّهِ،

وَقَدْ قَاتَلَهُ. فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ ذَلِكَ، أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا عَنْهُ، ثُمَّ أَجْلَسَ أَبَا سُفْيَانَ فَاسْتَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ: هُوَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ هِرَقْلُ: إِنِّي لَا أُرِيدُ شَتْمَهُ، وَلَكِنْ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ مِنْ بَيْتِ قُرَيْشٍ. قَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ وَرَأْيُهُ؟ قَالَ: لَمْ نَعِبْ لَهُ عَقْلًا وَلَا رَأْيًا قَطُّ. قَالَ هِرَقْلُ: هَلْ كَانَ حَلَّافًا كَذَّابًا مُخَادِعًا فِي أَمْرِهِ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ كَذَلِكَ. قَالَ: لَعَلَّهُ يَطْلُبُ مُلْكًا أَوْ شَرَفًا كَانَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَبْلَهُ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَتَّبِعُهُ مِنْكُمْ هَلْ يَرْجِعُ إِلَيْكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ هِرَقْلُ: هَلْ يَغْدِرُ إِذَا عَاهَدَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يَغْدِرَ مُدَّتَهُ هَذِهِ. فَقَالَ هِرَقْلُ: وَمَا تَخَافُ مِنْ مُدَّتِهِ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمِي أَمَدُّوا حُلَفَاءَهُمْ عَلَى حُلَفَائِهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ هِرَقْلُ: إِنْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ بَدَأْتُمْ فَأَنْتُمْ أَغْدَرُ. فَغَضِبَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ: لَمْ يَغْلِبْنَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غَائِبٌ - وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ - ثُمَّ غَزَوْتُهُ مَرَّتَيْنِ فِي بُيُوتِهِمْ، نَبْقُرُ الْبُطُونَ، وَنُجَدِّعُ الْآذَانَ وَالْفُرُوجَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: أَكَاذِبًا تَرَاهُ أَمْ صَادِقًا؟ فَقَالَ: بَلْ هُوَ كَاذِبٌ. فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِيكُمْ نَبِيٌّ، فَلَا تَقْتُلُوهُ، فَإِنَّ أَفْعَلَ النَّاسِ لِذَلِكَ الْيَهُودُ. ثُمَّ رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ.

فَفِي هَذَا السِّيَاقِ غَرَابَةٌ، وَفِيهِ فَوَائِدُ لَيْسَتْ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَلَا الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ أَوْرَدَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي «مَغَازِيهِ» قَرِيبًا مِمَّا ذَكَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي «تَارِيخِهِ»: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا سَلَمَةُ، ثَنَا مُحَمَّدُ

بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، وَلَكِنِّي أَخَافُ الرُّومَ عَلَى نَفْسِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُهُ، فَاذْهَبْ إِلَى ضَغَاطِرَ الْأُسْقُفِّ، فَاذْكُرْ لَهُ أَمْرَ صَاحِبِكُمْ، فَهُوَ وَاللَّهِ فِي الرُّومِ أَعْظَمُ مِنِّي، وَأَجْوَزُ قَوْلًا عِنْدَهُمْ مِنِّي، فَانْظُرْ مَاذَا يَقُولُ لَكَ؟ قَالَ: فَجَاءَهُ دِحْيَةُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى هِرَقْلَ، وَبِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَقَالَ ضَغَاطِرُ: صَاحِبُكَ وَاللَّهِ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ نَعْرِفُهُ بِصِفَتِهِ، وَنَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا بِاسْمِهِ ثُمَّ دَخَلَ وَأَلْقَى ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ سُودًا، وَلَبِسَ ثِيَابًا بَيَاضًا، ثُمَّ أَخَذَ عَصَاهُ فَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ فِي الْكَنِيسَةِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، إِنَّهُ قَدْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنْ أَحْمَدَ، يَدْعُونَا فِيهِ إِلَى اللَّهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ أَحْمَدَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ. قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ دِحْيَةُ إِلَى هِرَقْلَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: إِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَضَغَاطِرُ وَاللَّهِ كَانَ أَعْظَمَ عِنْدَهُمْ، وَأَجْوَزَ قَوْلًا مِنِّي.

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى

قَيْصَرَ صَاحِبِ الرُّومِ بِكِتَابٍ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنُوا لِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَأُتِيَ قَيْصَرُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَلَى الْبَابِ رَجُلًا يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ. فَفَزِعُوا لِذَلِكَ، وَقَالَ: أَدْخِلْهُ. فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ بَطَارِقَتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى قَيْصَرَ صَاحِبِ الرُّومِ فَنَخَرَ ابْنُ أَخٍ لَهُ أَحْمَرُ أَزْرَقُ سَبِطٌ، فَقَالَ: لَا تَقْرَأِ الْكِتَابَ الْيَوْمَ، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ صَاحِبَ الرُّومِ، وَلَمْ يَكْتُبْ مَلِكَ الرُّومِ، قَالَ: فَقُرِئَ الْكِتَابُ حَتَّى فُرِغَ مِنْهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَبَعَثَ إِلَى الْأُسْقُفِّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِهِمْ، يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ وَعَنْ قَوْلِهِ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ الْأُسْقُفُّ: هُوَ وَاللَّهِ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ مُوسَى وَعِيسَى، الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ. قَالَ قَيْصَرُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ الْأُسْقُفُّ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي مُصَدِّقُهُ وَمُتَّبِعُهُ. فَقَالَ قَيْصَرُ: أَعْرِفُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ، إِنْ فَعَلْتُ ذَهَبَ مُلْكِي وَقَتَلَنِي الرُّومُ.

وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ هِرَقْلُ الْخُرُوجَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، لِمَا بَلَغَهُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ الرُّومَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، إِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ أُمُورًا، فَانْظُرُوا فِيمَا أَرَدْتُ بِهَا. قَالُوا: مَا هِيَ؟ قَالَ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، نَعْرِفُهُ بِصِفَتِهِ الَّتِي وُصِفَ

لَنَا، فَهَلُمَّ فَلْنَتَّبِعْهُ، فَتَسْلَمَ لَنَا دُنْيَانَا وَآخِرَتُنَا. فَقَالُوا: نَحْنُ نَكُونُ تَحْتَ أَيْدِي الْعَرَبِ، وَنَحْنُ أَعْظَمُ النَّاسِ مُلْكًا، وَأَكْثَرُهُمْ رِجَالًا، وَأَقْصَاهُمْ بَلَدًا؟! قَالَ: فَهَلُمَّ أُعْطِيهِ الْجِزْيَةَ كُلَّ سَنَةٍ، أَكْسِرُ عَنِّي شَوْكَتَهُ، وَأَسْتَرِيحُ مِنْ حَرْبِهِ بِمَا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ. قَالُوا: نَحْنُ نُعْطِي الْعَرَبَ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ بِخَرْجٍ يَأْخُذُونَهُ مِنَّا، وَنَحْنُ أَكْثَرُ النَّاسِ عَدَدًا، وَأَعْظَمُهُمْ مُلْكًا، وَأَمْنَعُهُمْ بَلَدًا؟! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ هَذَا أَبَدًا. قَالَ: فَهَلُمَّ فَلْأُصَالِحْهُ عَلَى أَنْ أُعْطِيَهُ أَرْضَ سُورِيَةَ، وَيَدَعَنِي وَأَرْضَ الشَّامِ - قَالَ: وَكَانَتْ أَرْضُ سُورِيَةَ، فِلَسْطِينَ، وَالْأُرْدُنَّ، وَدِمَشْقَ، وَحِمْصَ، وَمَا دُونَ الدَّرْبِ مِنْ أَرْضِ سُورِيَةَ، وَمَا كَانَ وَرَاءَ الدَّرْبِ عِنْدَهُمْ فَهُوَ الشَّامُ - فَقَالُوا: نَحْنُ نُعْطِيهِ أَرْضَ سُورِيَةَ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهَا سُرَّةُ الشَّامِ؟! لَا نَفْعَلُ هَذَا أَبَدًا. فَلَمَّا أَبَوْا عَلَيْهِ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَتَوَدُّنَّ أَنَّكُمْ قَدْ ظَفِرْتُمْ، إِذَا امْتَنَعْتُمْ مِنْهُ فِي مَدِينَتِكُمْ. قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ عَلَى بَغْلٍ لَهُ فَانْطَلَقَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الدَّرْبِ، اسْتَقْبَلَ أَرْضَ الشَّامِ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أَرْضَ سُورِيَةَ تَسْلِيمَ الْوَدَاعِ. ثُمَّ رَكَضَ حَتَّى دَخَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا قَبْلَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى ذَاتِ السَّلَاسِلِ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ فِي بَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قُضَاعَةَ - قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: بَنُو بَلِيٍّ أَخْوَالُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ - فَلَمَّا صَارَ إِلَى هُنَاكَ خَافَ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِ، فَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِدُّهُ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَانْتَدَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ، صلى الله عليه وسلم أَجْمَعِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عَمْرٍو قَالَ: أَنَا أَمِيرُكُمْ، وَأَنَا أَرْسَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْتَمِدُّهُ بِكُمْ. فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ أَنْتَ أَمِيرُ أَصْحَابِكَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرُ الْمُهَاجِرِينَ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا أَنْتُمْ مَدَدٌ أُمْدِدْتُهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الْخُلُقِ لَيِّنَ الشِّيمَةِ، قَالَ: تَعَلَّمْ يَا عَمْرُو أَنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ قَالَ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعَا وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَأُطِيعَنَّكَ.

فَسَلَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْإِمَارَةَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتْ مِنْ بَنِي بَلِيٍّ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ بِذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ يُقَالُ لَهُ: السَّلَاسِلُ. وَبِهِ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَخَافَ، بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِدُّهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ: «لَا تَخْتَلِفَا». فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، حَتَّى إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّمَا جِئْتَ مَدَدًا إِلَيَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيِّنًا سَهْلًا، هَيِّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَنْتَ مَدَدِي. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ لِي: «لَا تَخْتَلِفَا». وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: فَإِنِّي أَمِيرٌ عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي قَالَ: فَدُونَكَ. فَصَلَّى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالنَّاسِ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا آبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَصَارُوا خَمْسَمِائَةٍ، فَسَارُوا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِيٍّ وَدَوَّخَهَا، وَكُلَّمَا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ جَمْعٌ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِكَ تَفَرَّقُوا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَقْصَى بِلَادِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبِلْقَيْنَ، وَلَقِيَ فِي آخِرِ ذَلِكَ جَمْعًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَتَرَامُوا بِالنَّبْلِ، وَرُمِيَ يَوْمَئِذٍ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَأُصِيبَ ذِرَاعُهُ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَهَرَبُوا، وَأَعْجَزُوا هَرَبًا فِي الْبِلَادِ وَتَفَرَّقُوا، وَدَوَّخَ عَمْرٌو مَا هُنَاكَ، وَأَقَامَ أَيَّامًا لَا يَسْمَعُ لَهُمْ بِجَمْعٍ وَلَا مَكَانٍ صَارُوا فِيهِ، وَكَانَ يَبْعَثُ أَصْحَابَ الْخَيْلِ فَيَأْتُونَ بِالشَّاءِ وَالنَّعَمِ، فَكَانُوا يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنْ غَنَائِمُ تُقْسَمُ.

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ. قَالَ: فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

(النِّسَاءِ: ٢٩) فَضَحِكَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، قَالَ: فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، وَقَالَ فِيهِ: فَتَيَمَّمَ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ قَفَلُوا، احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ كَأَشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَرْدِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ؟ قَدْ وَاللَّهِ احْتَلَمْتُ، فَإِنِ اغْتَسَلْتُ مُتُّ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَتَيَمَّمَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَعَثَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ بَرِيدًا، قَالَ عَوْفٌ: فَقَدِمْتُ

عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّحَرِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقُلْتُ: عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «صَاحِبُ الْجَزُورِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «أَخْبِرْنِي». فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ مِنْ مَسِيرِنَا، وَمَا كَانَ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرٍو، وَمُطَاوَعَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ». قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ عَمْرًا صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ وَمَعَهُ مَاءٌ، لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرٌو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنِّي لَوِ اغْتَسَلْتُ لَمِتُّ، وَلَمْ أَجِدْ بَرْدًا قَطُّ مِثْلَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ شَيْئًا.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ وَهُمْ عَلَى جَزُورٍ قَدْ نَحَرُوهَا، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُعَضُّوهَا، وَكُنْتُ امْرَأً جَازِرًا، فَقُلْتُ

لَهُمْ: تُعْطُونِي مِنْهَا عَشِيرًا عَلَى أَنْ أُقَسِّمَهَا بَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ، فَجَزَّأْتُهَا مَكَانِي، وَأَخَذْتُ مِنْهَا جُزْءًا فَحَمَلْتُهُ إِلَى أَصْحَابِي، فَاطَّبَخْنَاهُ وَأَكَلْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: أَنَّى لَكَ هَذَا اللَّحْمُ يَا عَوْفُ؟ فَأَخْبَرْتُهُمَا فَقَالَا: لَا وَاللَّهِ مَا أَحْسَنْتَ حِينَ أَطْعَمْتَنَا هَذَا. ثُمَّ قَامَا يَتَقَيَّآنِ مَا فِي بُطُونِهِمَا مِنْهُ، فَلَمَّا أَنْ قَفَلَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ، كُنْتُ أَوَّلَ قَادِمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجِئْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَقَالَ: «أَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: «صَاحِبُ الْجَزُورِ؟» وَلَمْ يَزِدْنِي عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَلْ مُعْضَلٌ.

قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ هِدْمٍ، أَظُنُّهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَعَرَضْتُهُ عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَنِي عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: قَدْ تَعَجَّلْتَ أَجْرَكَ. وَلَمْ يَأْكُلْهُ. ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ، وَتَمَامُهُ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ

وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَحَدَّثْتُ نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا لِمَنْزِلَةٍ لِي عِنْدَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكِ. قَالَ: «فَأَبُوهَا» قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «عُمَرُ» قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ حَتَّى عَدَّدَ رَهْطًا، قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أَعُودُ أَسْأَلُ عَنْ هَذَا.

وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مِهْرَانَ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلٍّ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ» قُلْتُ: فَمِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا» قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» فَعَدَّ رِجَالًا. وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَمْرٌو: فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.

سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ

قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ. قَالَ جَابِرٌ: وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَتَوْا أَبَا عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِي، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلَ الظَّرِبِ. قَالَ: فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بِنَحْوِهِ.

وَهُوَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ

دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبْطَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشُ الْخَبْطِ. قَالَ: وَنَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلَاثًا، فَنَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ: وَأَلْقَى الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ. فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا، حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا وَصَلَحَتْ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الضِّلَعِ. فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ. دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السَرِيَّةِ كَانَتْ قَبْلَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالرَّجُلُ الَّذِي نَحَرَ لَهُمُ الْجَزَائِرَ هُوَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً. قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: كُنَّا نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا

نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبْطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا بِهِ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ. ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ، فَكُلُوا. قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفَدْرَ كَالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بِعِيرٍ مِنْهَا، فَمَرَّ تَحْتَهَا، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِّمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهِ تُطْعِمُونَا؟» قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَكَلَ مِنْهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ النُّفَيْلِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ الْمَكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، بِهِ.

قُلْتُ: وَمُقْتَضَى أَكْثَرِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ، أَنَّ هَذِهِ السَرِيَّةِ كَانَتْ قَبْلَ صُلْحِ

الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَكِنْ أَوْرَدْنَاهَا هَاهُنَا تَبَعًا لِلْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهَا بَعْدَ مُؤْتَةَ وَقَبْلَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَرِيَّةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ، ثَنَا أَبُو ظَبْيَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا سَلَفَ.

ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، عَلَيْنَا مَرَّةً أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، صلى الله عليه وسلم.

ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا مَوْتَ النَّجَاشِيِّ - صَاحِبِ الْحَبَشَةِ - عَلَى الْإِسْلَامِ، وَنَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَصَلَاتَهُ عَلَيْهِ، فَرَوَى مِنْ

طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى إِلَى النَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ.

وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ». فَصَلَّوْا عَلَى أَصْحَمَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَيْضًا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَوْتَ النَّجَاشِيِّ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِكَثِيرٍ، فَإِنَّ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّهُ لَمَّا كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ الْآفَاقِ، كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْمُسْلِمِ. وَزَعَمَ آخَرُونَ كَالْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ هُوَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ: «قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ أَوَاقِيَ مِنْ مِسْكٍ وَحُلَّةً، وَإِنِّي لَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ مَاتَ،

وَلَا أَرَى الْهَدِيَّةَ إِلَّا سَتُرَدُّ عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ - أَظُنُّهُ قَالَ - قَسَمْتُهَا بَيْنَكُنَّ» أَوْ «فَهِيَ لَكِ». قَالَ: فَكَانَ كَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَاتَ النَّجَاشِيُّ وَرُدَّتِ الْهَدِيَّةُ، فَلَمَّا رُدَّتْ عَلَيْهِ، أَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَوُقِيَّةً مِنْ ذَلِكَ الْمِسْكِ، وَأَعْطَى سَائِرَهُ أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَاهَا الْحُلَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِسْلَامِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ نَمُتْ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ وَقُتِلَ عَلَيْهِ الْإِخْوَةُ وَبَنُو الْعَمِّ. ثُمَّ ذَكَرَ عَدَاوَتَهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى حُنَيْنٍ وَهَمْ عَلَى دِينِهِمْ بَعْدُ. قَالَ: وَنَحْنُ نُرِيدُ إِنْ كَانَتْ دَائِرَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ أَنْ نُعِينَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُمْكِنَّا ذَلِكَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْجِعْرَانَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لِعَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ إِنْ شَعَرْتُ إِلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:» أَنُضَيْرُ «. قُلْتُ: لَبَّيْكَ. قَالَ:» هَذَا خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِمَّا حَالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ «. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ سَرِيعًا، فَقَالَ:» قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ مَا كُنْتَ فِيهِ تُوضِعُ «. قُلْتُ: قَدْ أَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى شَيْئًا، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» اللَّهُمَّ زِدْهُ ثَبَاتًا «. قَالَ النُّضَيْرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنَّ قَلْبِي حَجَرٌ ثَبَاتًا فِي الدِّينِ وَتَبْصِرَةً بِالْحَقِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاهُ " ..

عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا بَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ. الْمَعْنَى. قَالَا: ثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟

قَالَ: حِجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ مِرَارٍ; عُمْرَتُهُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَعُمْرَتُهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَتُهُ مَعَ حِجَّتِهِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ ثَنَا دَاوُدُ، يَعْنِي الْعَطَّارَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ عُمَرٍ; عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَالثَّالِثَةُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَالرَّابِعَةُ الَّتِي مَعَ حِجَّتِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ عُمَرٍ اللَّاتِي وَقَعْنَ

فِي ذِي الْقَعْدَةِ مَا عَدَا عُمْرَتَهُ مَعَ حِجَّتِهِ، فَإِنَّهَا وَقَعَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ الْحِجَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْإِحْرَامِ بِهِنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ; لَأَنَّهُ صُدَّ عَنْهَا، وَلَمْ يَفْعَلْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ نَافِعٌ وَمَوْلَاهُ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرَانِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ فِيمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ. قَالَ: وَأَصَابَ عُمَرُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ. قَالَ: فَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سَبْيِ حُنَيْنٍ فَجَعَلُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، انْظُرْ مَا هَذَا؟ قَالَ: مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّبْيِ. قَالَ: اذْهَبْ فَأَرْسِلِ الْجَارِيَتَيْنِ قَالَ نَافِعٌ: وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَلَوِ اعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ صلى الله عليه وسلم، بِهِ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَقَالَ: لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ مَوْلَاهُ نَافِعٍ فِي إِنْكَارِهِمَا عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَطْبَقَ النَّقَلَةُ مِمَّنْ عَدَاهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمُغَازِي وَالسِّيَرِ كُلُّهُمْ.

وَهَذَا أَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ ..

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: سَأَلَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ابْنَ عُمَرَ: فِي أَيِّ شَهْرٍ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فِي رَجَبٍ. فَسَمِعَتْنَا عَائِشَةُ، فَسَأَلَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَقَدْ شَهِدَهَا، وَمَا اعْتَمَرَ قَطُّ إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ نَحْوَهُ.

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: مَرَّتَيْنِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا بِحِجَّةِ الْوَدَاعِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا مُفَضَّلٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ مُسْتَنِدٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَأُنَاسٌ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: بِدْعَةٌ. فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ. فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ مَنْصُورٍ بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا رَوْحٌ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُخَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا حِينَ أَمْسَى مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا يَقْضِي عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي بَطْنِ سَرِفٍ، حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ بِسَرِفٍ. قَالَ مُخَرِّشٌ: فَلِذَلِكَ خَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ

يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ ثَابِتَةٌ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ وَلَا دَفْعُهُ، وَمَنْ نَفَاهَا لَا حُجَّةَ مَعَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ أَثْبَتَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ هُمْ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَقَسْمِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ.

وَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي «مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ» قَائِلًا: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الطَّائِفِ نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ فَقَسَمَ بِهَا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ، مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ

مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ، قَالَ:» أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ «. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَطَاءٍ كِلَاهُمَا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ بِهِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ أَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ وَدَخَلَ فِي الْعُمْرَةِ مِنْ كُدَى.

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُوسَى أَبُو سَلَمَةَ ثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَمَشَوْا أَرْبَعًا، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ

آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخْتَصَرًا.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِشْقَصٍ أَوْ قَالَ: رَأَيْتُهُ يُقَصِّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ عِنْدَ الْمَرْوَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي» الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ بِهِ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الْمَرْوَةِ ..

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَذَلِكَ أَنَّ عُمْرَةَ

الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى مَكَّةَ فِيهَا، بَلْ صُدَّ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَمَّا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيَانَ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ حِينَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَلْ خَرَجُوا مِنْهَا، وَتَغَيَّبُوا عَنْهَا مُدَّةَ مُقَامِهِ صلى الله عليه وسلم بِهَا تِلْكَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ، وَعُمْرَتُهُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ هَذَا التَّقْصِيرَ الَّذِي تَعَاطَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صلى الله عليه وسلم، مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الْمَرْوَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ كَمَا قُلْنَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صلى الله عليه وسلم: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا، وَأَمَرَ بِبَقَايَا الْفَيْءِ فَحُبِسَ بِمَجَنَّةَ بِنَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ.

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا اسْتَبْقَى بَعْضَ الْمَغْنَمِ لِيَتَأَلَّفَ بِهِ مَنْ يَلْقَاهُ مِنَ الْأَعْرَابِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عُمْرَتِهِ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَخَلَّفَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُفَقِّهُ النَّاسَ فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ.

وَذَكَرَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَلَّفَ مُعَاذًا مَعَ عَتَّابٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى هَوَازِنَ، ثُمَّ خَلَّفَهُمَا بِهَا حِينَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَبَلَغَنِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا اسْتَعْمَلَ

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ رَزَقَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، فَقَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَجَاعَ اللَّهُ كَبِدَ مَنْ جَاعَ عَلَى دِرْهَمٍ، فَقَدْ رَزَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِرْهَمًا كُلَّ يَوْمٍ، فَلَيْسَتْ بِي حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي بَقِيَّةِ ذِي الْقَعْدَةِ، أَوْ فِي أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ قَدِمَهَا لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدِينِيُّ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَجَّ النَّاسُ ذَلِكَ الْعَامَ عَلَى مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ عَلَيْهِ، وَحَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ تِلْكَ السَّنَةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ. قَالَ: وَأَقَامَ أَهْلُ الطَّائِفِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ فِي طَائِفِهِمْ مَا بَيْنَ ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ.

إِسْلَامُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، صلى الله عليه وسلم، وَأَبُوهُ هُوَ صَاحِبُ إِحْدَى الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ، الشَّاعِرُ ابْنُ الشَّاعِرِ، وَذِكْرُ قَصِيدَتِهِ الَّتِي سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ: بَانَتْ سُعَادُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مُنْصَرَفِهِ عَنِ الطَّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى إِلَى أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ، وَأَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ; ابْنُ الزِّبَعْرَى وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ هَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حَاجَةٌ، فَطِرْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أُحُدًا جَاءَهُ تَائِبًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إِلَى نَجَائِكَ مِنَ الْأَرْضِ. وَكَانَ كَعْبٌ قَدْ قَالَ:

أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً … فَوَيْحَكَ مِمَّا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا

فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ … عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا

عَلَى خُلُقٍ لَمْ أُلْفِ يَوْمًا أَبًا لَهُ … عَلَيْهِ وَمَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَبًا لَكَا

فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بِآسِفٍ … وَلَا قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ لَعًا لَكَا

سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً … فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ:

مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً … فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ بِالْخَيْفِ هَلْ لَكَا

شَرِبْتَ مَعَ الْمَأْمُونِ كَأْسًا رَوِيَّةً … فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا

وَخَالَفْتَ أَسْبَابَ الْهُدَى وَاتَّبَعْتَهُ … عَلَى أَيِّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكَا

عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمَّا وَلَا أَبًا … عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا

فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بِآسِفٍ … وَلَا قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ لَعًا لَكَا

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ بِهَا إِلَى بُجَيْرٍ فَلَمَّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْشَدَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا سَمِعَ: سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ «صَدَقَ وَإِنَّهُ لَكَذُوبٌ، أَنَا الْمَأْمُونُ». وَلَمَّا سَمِعَ: عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ. قَالَ: «أَجَلْ لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمَّهُ». قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ

بُجَيْرٌ إِلَى كَعْبٍ يَقُولُ لَهُ:

مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ فِي الَّتِي … تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطْلًا وَهِيَ أَحْزَمُ

إِلَى اللَّهِ لَا الْعُزَّى وَلَا اللَّاتِ وَحْدَهُ … فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وَتَسْلَمُ

لَدَى يَوْمٍ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ … مِنَ النَّاسِ إِلَّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ

فَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ … وَدِينُ أَبِي سُلْمَى عَلَيَّ مُحَرَّمُ

قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبًا الْكُتَّابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرْجَفَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوِّهُ، وَقَالُوا: هُوَ مَقْتُولٌ. فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدًّا قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوِّهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ - كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ - مِنْ جُهَيْنَةَ، كَمَا ذُكِرَ لِي، فَغَدَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَشَارَ لَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، فَقُمْ إِلَيْهِ فَاسْتَأْمِنْهُ. فَذُكِرَ لِي أَنَّهُ قَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْكَ تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إِنْ جِئْتُكَ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ». فَقَالَ: إِذًا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ

الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا» قَالَ: فَغَضِبَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ لِمَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُمْ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي قَالَ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ

وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إِذْ بَرَزَتْ … إِلَّا أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ … كَأَنَّهُ مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ

شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ … صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهْوَ مَشْمُولُ

تَنْفِي الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ … مِنْ صَوْبِ غَادِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ

فَيَا لَهَا خُلَّةٌ لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ … بِوَعْدِهَا أَوْ لَوَ انَّ النُّصْحَ مَقْبُولُ

لَكِنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا … فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِخْلَافٌ وَتَبْدِيلُ

فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا … كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا الْغُولُ

وَمَا تُمَسِّكُ بِالْعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ … إِلَّا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ

فَلَا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَتْ … إِنَّ الْأَمَانِيَّ وَالْأَحْلَامَ تَضْلِيلُ

كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا … وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الْأَبَاطِيلُ

أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ يَعْجَلْنَ فِي أَبَدٍ … وَمَا لَهُنَّ إِخَالُ الدَّهْرَ تَعْجِيلُ

أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ لَا يُبَلِّغُهَا … إِلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ

وَلَنْ يُبَلِّغَهَا إِلَّا عُذَافِرَةٌ … فِيهَا عَلَى الْأَيْنِ إِرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ

مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ … عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ

تَرْمِي النِّجَادَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ لَهِقٍ … إِذَا تَوَقَّدَتِ الْحِزَّانُ وَالْمِيلُ

ضَخْمٌ مُقَلَّدُهَا فَعْمٌ مُقَيَّدُهَا … فِي خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الْفَحْلِ تَفْضِيلُ

حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجَّنَةٍ … وَعَمُّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ

يَمْشِي الْقُرَادُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُزْلِقُهُ … مِنْهَا لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ

عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ عَنْ عُرُضٍ … مِرْفَقُهَا عَنْ بَنَاتِ الزَّوْرِ مَفْتُولُ

قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا … عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ

كَأَنَّ مَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا … مِنْ خَطْمِهَا وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ

تُمِرُّ مِثْلَ عَسِيبِ النَّخْلِ ذَا خُصَلٍ … فِي غَارِزٍ لَمْ تَخَوَّنْهُ الْأَحَالِيلُ

تَهْوِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لَاهِيَةٌ … ذَوَابِلٍ وَقْعُهُنَّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ

سُمْرِ الْعُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَى زِيَمًا … لَمْ يَقِهِنَّ رُءُوسَ الْأُكْمِ تَنْعِيلُ

يَوْمًا يَظَلُّ بِهِ الْحِرْبَاءُ مُرْتَبِئًا … كَأَنَّ ضَاحِيَهُ بِالشَّمْسِ مَمْلُولُ

وَقَالَ لِلْقَوْمِ حَادِيهُمْ وَقَدْ جَعَلَتْ … وُرْقُ الْجَنَادَبِ يَرْكُضْنَ الْحَصَا قِيلُوا

كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا وَقَدْ عَرِقَتْ … وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالْقُورِ الْعَسَاقِيلُ

أَوْبُ يَدَيْ فَاقِدٍ شَمْطَاءَ مُعْوِلَةٍ … قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ

نَوَّاحَةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ لَيْسَ لَهَا … لَمَّا نَعَى بِكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ

تَفْرِي اللَّبَانَ بِكَفَّيْهَا وَمِدْرَعُهَا … مُشَقَّقٌ عَنْ تَرَاقِيهَا رَعَابِيلُ

تَسْعَى الْغُوَاةُ جَنَابَيْهَا وَقَوْلُهُمُ … إِنَّكَ يَابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ

وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ … لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ

فَقُلْتُ خَلُّوا سَبِيلِي لَا أَبًا لَكُمُ … فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ

كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ … يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ

نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي .... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ

مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ … الْقُرْآنِ فِيهِ مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ

لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ … أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ

لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ … أَرَى وَأَسْمَعُ مَا قَدْ يَسْمَعُ الْفِيلُ

لَظَلَّ تُرْعَدُ مِنْ وَجْدٍ بَوَادِرُهُ … إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تَنْوِيلُ

حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي مَا أُنَازِعُهُ … فِي كَفِّ ذِي نَقَمَاتٍ قَوْلُهُ الْقِيلُ

فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ … وَقِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْئُولُ

مِنْ ضَيْغَمٍ بِضَرَاءِ الْأَرْضِ مَخْدَرُهُ … فِي بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ

يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا … لَحْمٌ مِنَ النَّاسِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ

إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلُّ لَهُ … أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إِلَّا وَهْوَ مَفْلُولُ

مِنْهُ تَظَلُّ حَمِيرُ الْوَحْشِ نَافِرَةً … وَلَا تَمْشِي بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ

وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ … مُضَرَّجُ الْبَزِّ وَالدِّرْسَانِ مَأَكُولُ

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ … مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ … بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا

زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ … عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ

يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ … ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ

شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ … مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ

بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ … كَأَنَّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ

لَيْسُوا مَفَارِيحَ إِنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمُ … قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا

لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمُ … وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ

هَكَذَا أَوْرَدَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا.

وَقَدْ رَوَاهَا الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَسَدِيُّ بِهَمْدَانَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيٌّ ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ ذِي الرُّقَيْبَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَرَجَ كَعْبٌ وَبُجَيْرٌ ابْنَا زُهَيْرٍ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعَزَّافِ، فَقَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ: اثْبُتْ فِي هَذَا الْمَكَانِ حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْمَعُ مَا يَقُولُ. فَثَبَتَ كَعْبٌ وَخَرَجَ بُجَيْرٌ فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ:

أَلَّا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً … عَلَى أَيِّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكَا

عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا … عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا

سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسِ رَوِيَّةٍ … وَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا

فَلَمَّا بَلَغَتِ الْأَبْيَاتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْدَرَ دَمَهُ، وَقَالَ: «مَنْ لَقِيَ كَعْبًا فَلْيَقْتُلْهُ». فَكَتَبَ بِذَلِكَ بُجَيْرًا إِلَى أَخِيهِ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: النَّجَاءَ وَمَا أَرَاكَ تَنْفَلِتُ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَسْقَطَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَأَسْلِمْ وَأَقْبِلْ. قَالَ: فَأَسْلَمَ كَعْبٌ وَقَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَصْحَابِهِ كَالْمَائِدَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ، مُتَحَلِّقُونَ مَعَهُ حَلْقَةً خَلْفَ حَلْقَةٍ، يَلْتَفِتُ إِلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً فَيُحَدِّثُهُمْ، وَإِلَى هَؤُلَاءِ مَرَّةً فَيُحَدِّثُهُمْ. قَالَ كَعْبٌ: فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَعَرَفْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالصِّفَةِ، فَتَخَطَّيْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، الْأَمَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «وَمَنْ أَنْتَ؟» قُلْتُ: كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: «الَّذِي يَقُولُ». ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: «كَيْفَ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ:.

سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ … وَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُورُ مِنْهَا وَعَلَّكَا

قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا قُلْتُ هَكَذَا. قَالَ: «فَكَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ:

سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ … وَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَأْمُونٌ وَاللَّهِ». ثُمَّ أَنْشَدَهُ الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا، وَهِيَ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ:

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ عِنْدَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ

وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الرَّمْزِ لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِنْشَادُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ صلى الله عليه وسلم. وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ «الِاسْتِيعَابِ» أَنَّ كَعْبًا لَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ … مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي … وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ

قَالَ: فَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَنْ مَعَهُ أَنِ اسْمَعُوا. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي «مَغَازِيهِ»، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قُلْتُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ بُرْدَتَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ

الْقَصِيدَةَ. وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الصَّرْصَرِيُّ فِي بَعْضِ مَدَائِحِهِ. وَهَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْغَابَةِ» قَالَ: وَهِيَ الْبُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الْخُلَفَاءِ.

قُلْتُ: وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ لَمَّا قَالَ: بَانَتْ سُعَادُ: «وَمَنْ سُعَادُ؟» قَالَ: زَوْجَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «لَمْ تَبِنْ». وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهَّمَ أَنَّ بِإِسْلَامِهِ تَبِينُ امْرَأَتُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْبَيْنُونَةَ الْحِسِّيَّةَ لَا الْحُكْمِيَّةَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: فَلَمَّا قَالَ كَعْبٌ - يَعْنِي فِي قَصِيدَتِهِ -: إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ. وَإِنَّمَا يُرِيدُنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ; لِمَا كَانَ صَاحِبُنَا صَنَعَ بِهِ، وَخَصَّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ بِمِدْحَتِهِ; غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ، وَيَذْكُرُ بَلَاءَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَوْضِعَهُمْ مِنَ الْيُمْنِ:

مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ … فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ

وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ … إِنَّ الْخِيَارَ هُمُ بَنُو الْأَخْيَارِ

الْمُكْرِهِينَ السَّمْهَرِيَّ بِأَذْرُعٍ … كَسَوَالِفِ الِهِنْدِيِّ غَيْرِ قِصَارِ

وَالنَّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ … كَالْجَمْرِ غَيْرِ كَلِيلَةِ الْإِبْصَارِ

وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ … لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وَكِرَارِ

وَالْقَائِدِينَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ … بِالْمَشْرَفِيِّ وَبِالْقَنَا الْخَطَّارِ

يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكًا لَهُمْ … بِدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الْكُفَّارِ

دَرِبُوا كَمَا دَرِبَتْ بِبَطْنِ خَفِيَّةٍ … غُلْبُ الرِّقَابِ مِنَ الْأُسُودِ ضَوَارِي

وَإِذَا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إِلَيْهِمُ … أَصْبَحْتَ عِنْدَ مَعَاقِلِ الْأَغْفَارِ

ضَرَبُوا عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً … دَانَتْ لِوَقْعَتِهَا جَمِيعُ نِزَارِ

لَوْ يَعْلَمُ الْأَقْوَامُ عِلْمِيَ كُلَّهُ … فِيهِمْ لَصَدَّقَنِي الَّذِينَ أُمَارِي

قَوْمٌ إِذَا خَوَتِ النُّجُومُ فَإِنَّهُمْ … لِلطَّارِقِينَ النَّازِلِينَ مَقَارِي

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ بَانَتْ سُعَادُ: لَوْلَا ذَكَرْتَ الْأَنْصَارَ بِخَيْرٍ، فَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ فَقَالَ كَعْبٌ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهِيَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ أَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ حَدَّثَنِي مَعْنُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْقَصُ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ فَذَكَرَهُ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ صلى الله عليه وسلم، فِي كِتَابِ «الِاسْتِيعَابِ فِي

مَعْرِفَةِ الْأَصْحَابِ» بَعْدَ مَا أَوْرَدَ طَرَفًا مِنْ تَرْجَمَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ كَانَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ شَاعِرًا مُجَوِّدًا كَثِيرَ الشِّعْرِ مُقَدَّمًا فِي طَبَقَتِهِ هُوَ وَأَخُوهُ بُجَيْرٌ وَكَعْبٌ أَشْعَرُهُمَا، وَأَبُوهُمَا زُهَيْرٌ فَوْقَهُمَا، وَمِمَّا يُسْتَجَادُ مِنْ شِعْرِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ:

لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي … سَعْيُ الْفَتَى وَهْوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ

يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا … فَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ

وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ … لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ

ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَشْعَارًا كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهَا وَلَمْ يُؤَرِّخْ وَفَاتَهُ، وَكَذَا لَمْ يُؤَرِّخْهَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ «الْغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ» وَلَكِنْ حَكَى أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِسَنَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَمِمَّا أَجَادَ فِيهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

تَجْرِي بِهِ النَّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا … بِالْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جَلَّى لَيْلَةَ الظُّلَمِ

فَفِي عِطَافَيْهِ أَوْ أَثَنَاءِ بُرْدَتِهِ … مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ دِينٍ وَمِنْ كَرَمِ

فَصْلٌ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَوَادِثِ الْمَشْهُورَةِ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَالْوَفَيَاتِ.

فَكَانَ فِي جُمَادَى مِنْهَا وَقْعَةُ مُؤْتَةَ وَفِي رَمَضَانَ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ وَبَعْدَهَا فِي شَوَّالٍ غَزْوَةُ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، وَبَعْدَهَا كَانَ حِصَارُ الطَّائِفِ ثُمَّ كَانَتْ عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي سُفْرَتِهِ هَذِهِ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعَمْرٍو ابْنَيِ الْجُلَنْدِيِّ مِنَ الْأَزْدِ، وَأُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْ مَجُوسِ بَلَدِهِمَا وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ. قَالَ: وَفِيهَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَفَاطِمَةَ بِنْتَ الضِّحَاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم فَفَارَقَهَا، وَقِيلَ: بَلْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَفَارَقَهَا. قَالَ: وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، فَاشْتَدَّتْ غَيْرَةُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا حِينَ رُزِقَتْ وَلَدًا ذَكَرًا، وَكَانَتْ قَابِلَتُهَا فِيهِ سُلْمَى مُوَلَّاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَتْ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَأَخْبَرَتْهُ فَذَهَبَ فَبَشَّرَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُ مَمْلُوكًا، وَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ

الْمُنْذِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خِدَاشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ. وَكَانَتْ فِيهَا وَفَاةُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الشُّهَدَاءِ فِي هَذِهِ الْوَقَائِعِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا هَدْمَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَتِ الْعُزَّى تُعْبَدُ فِيهِ بِنَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْهَا.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا كَانَ هَدْمُ سُوَاعٍ الَّذِي كَانَتْ تَعْبُدُهُ هُذَيْلٌ بِرُهَاطٍ، هَدَمَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَجِدْ فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا. وَفِيهَا هُدِمَ مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ أَوَسُهَا وَخَزْرَجُهَا يُعَظِّمُونَهُ، هَدَمَهُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا فَصْلًا مُفِيدًا مَبْسُوطًا فِي تَفْسِيرِ «سُورَةِ النَّجْمِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النَّجْمِ: ١٩، ٢٠].

قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ قِصَّةَ تَخْرِيبِ خَثْعَمٍ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَتْ تَعْبُدُهُ وَيُسَمُّونَهُ الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ مُضَاهِيَةً لِلْكَعْبَةِ الَّتِي بِمَكَّةَ، وَيُسَمُّونَ الَّتِي بِمَكَّةَ الْكَعْبَةَ الشَّامِيَّةَ، وَلِتِلْكَ الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ.

فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى. فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ. قَالَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لَخَثْعَمٍ وَبَجِيلَةَ، فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ - يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ. قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا فِي النَّارِ وَكَسَرَهَا. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَاهُنَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ: لَتَكْسَرَنَّهَا وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ. ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ يُكَنَّى أَبَا أَرْطَأَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ بِنَحْوِهِ.

سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي رَجَبٍ مِنْهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التَّوْبَةِ: ٢٨، ٢٩) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُمْنَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ قَالَتْ قُرَيْشٌ: لَيَنْقَطِعَنَّ عَنَّا الْمَتَاجِرُ وَالْأَسْوَاقُ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَلَيَذْهَبَنَّ مَا كُنَّا نُصِيبُ مِنْهَا. فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

قُلْتُ: فَعَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قِتَالِ الرُّومِ; لَأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ; لِقُرْبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التَّوْبَةِ: ١٢٣) فَلَمَّا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى غَزْوِ الرُّومِ عَامَ تَبُوكَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَضِيقٍ مِنَ الْحَالِ، جَلَّى لِلنَّاسِ أَمْرَهَا وَدَعَا مَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَعْرَابِ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَوْعَبَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كَمَا سَيَأْتِي، قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ، فَعَاتَبَ اللَّهُ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ، وَلَامَهُمْ وَوَبَّخَهُمْ وَقَرَّعَهُمْ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ، وَفَضَحَهُمْ أَشَدَّ الْفَضِيحَةِ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا يُتْلَى وَبَيَّنَ أَمْرَهُمْ فِي سُورَةِ «بَرَاءَةَ» كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي «التَّفْسِيرِ» وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَقَالَ تَعَالَى: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ثُمَّ الْآيَاتِ بَعْدَهَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ. وَقِيلَ: لَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى

رَجَبٍ - يَعْنِي مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ - ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ. فَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كَلٌّ يُحَدِّثُ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يُحَدِّثُ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بَعْضٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَحِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ، فَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ فِي الْحَالِ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَلَّ مَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلَّا كَنَّى عَنْهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ، لِبُعْدِ الْمَشَقَّةِ وَشِدَّةِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ ذَلِكَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدِ بَنِي سَلِمَةَ: «يَا جَدُّ هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِنِّي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنَّهُ مَا رَجُلٌ بِأَشَدَّ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «قَدْ أَذِنْتُ لَكَ». فَفِي الْجَدِّ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (التَّوْبَةِ: ٤٩) وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ. زَهَادَةً فِي الْجِهَادِ وَشَكًّا فِي الْحَقِّ وَإِرْجَافًا بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ «وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ

أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (التَّوْبَةِ: ٨١، ٨٢).

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ سُوَيْلِمٍ الْيَهُودِيِّ - وَكَانَ بَيْتُهُ عِنْدَ جَاسُومَ - يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بَيْتَ سُوَيْلِمٍ فَفَعَلَ طَلْحَةُ فَاقْتَحَمَ الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَاقْتَحَمَ أَصْحَابُهُ فَأَفْلَتُوا، فَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي ذَلِكَ:

كَادَتْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَارُ مُحَمَّدٍ … يَشِيطُ بِهَا الضَّحَّاكُ وَابْنُ أُبَيْرِقِ

وَظَلْتُ وَقَدْ طَبَّقْتُ كَبْسَ سُوَيْلِمٍ … أَنُوءُ عَلَى رِجْلِي كَسِيرًا وَمِرْفَقِي

سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا … أَخَافُ وَمَنْ تَشْمَلْ بِهِ النَّارُ يُحْرَقِ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَدَّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ وَالِانْكِمَاشِ، وَحَضَّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النَّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَمَلَ رِجَالٌ

مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ عُثْمَانَ أَنْفَقَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنِّي عَنْهُ رَاضٍ» ..

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثنا ضَمْرَةُ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ حِينَ جَهَّزَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَيْشَ الْعُسْرَةِ. قَالَ: فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ ابْنُ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِعٍ عَنْ ضَمْرَةَ بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي «مُسْنَدِ» أَبِيهِ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنِي سَكَنُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ عَنْ فَرْقَدٍ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ

بْنُ عَفَّانَ: عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ مِرْقَاةً مِنَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ حَثَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: عَلَيَّ مِائَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا يُحَرِّكُهَا، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الصَّمَدِ يَدَهُ، كَالْمُتَعَجِّبِ: «مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذَا» وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ سَكَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلًى لِآلِ عُثْمَانَ بِهِ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ سَكَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِهِ. وَقَالَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنَّهُ الْتَزَمَ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانُ بَعْدَهَا» أَوْ قَالَ: «بَعْدَ الْيَوْمِ».

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ

ذِكْرُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ وَنُزُولِ سُورَةِ «بَرَاءَةَ».

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ ذِكْرِهِ وُفُودَ أَهْلِ الطَّائِفِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا. قَالَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَقِيَّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ; لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَأَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجِّهِمْ لَمْ يُصَدُّوا بَعْدُ عَنِ الْبَيْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ إِلَى أَمَدٍ، فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ صلى الله عليه وسلم، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَصَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.

ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ إِسْحَاقَ يَتَكَلَّمُ عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي «التَّفْسِيرِ» وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عَلِيًّا صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ; لِيَكُونَ مَعَهُ، وَيَتَوَلَّى عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ إِبْلَاغَ الْبَرَاءَةِ إِلَى

الْمُشْرِكِينَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم; لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمِّهِ مِنْ عَصَبَتِهِ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ «بَرَاءَةُ» عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ صلى الله عليه وسلم، لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ بَعَثْتَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ: «لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي». ثُمَّ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «اخْرُجْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ صَدِرَ» بَرَاءَةَ «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ إِذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إِلَى مُدَّتِهِ». فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَضْبَاءِ حَتَّى أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ. ثُمَّ مَضَيَا فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَالْعَرَبُ إِذْ ذَاكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْحَجِّ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالَّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَجَّلَ النَّاسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أَذَّنَ فِيهِمْ; لِيَرْجِعْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَأْمَنِهِمْ وَبِلَادِهِمْ، ثُمَّ لَا عَهْدَ لِمُشْرِكٍ وَلَا ذِمَّةَ إِلَّا أَحَدٍ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ، فَهُوَ لَهُ إِلَى مُدَّتِهِ، فَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ثُمَّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ صلى الله عليه وسلم، بِالنَّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ صلى الله عليه وسلم، بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ..

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ، بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَلِيٍّ فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِ «بَرَاءَةَ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِ «بَرَاءَةَ» أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ..

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى. لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: الْأَكْبَرُ. مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ: الْحَجُّ الْأَصْغَرُ. فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ

حَجَّةِ الْوَدَاعِ - الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُشْرِكٌ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ بِهِ نَحْوَهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُنَادِي: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فَإِنَّ أَجَلَهُ - أَوْ أَمَدَهُ - إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحُجُّ هَذَا الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ. قَالَ: فَكُنْتُ أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ لَكِنْ فِيهِ نَكَارَةٌ مِنْ جِهَةِ قَوْلِ الرَّاوِي: إِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ذَاهِبُونَ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ إِلَى أَمَدِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَمَدٌ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَهُ تَأْجِيلُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَنْ لَهُ أَمَدٌ يَتَنَاهَى إِلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ التَّأْجِيلِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْأَوَّلِ فَيَكُونَ أَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُؤَجَّلُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ; لِأَنَّهُ أَوْلَى مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثنا حَمَّادٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بِ «بَرَاءَةَ» مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ قَالَ: «لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي». فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ لُوَيْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ حَنَشٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَرْدَفَ أَبَا بَكْرٍ بَعَلِيٍّ فَأَخَذَ مِنْهُ الْكِتَابَ بِالْجُحْفَةِ، رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ جِبْرِيلُ جَاءَنِي فَقَالَ: لَا يُؤَدِّي عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ». وَهَذَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَمَتْنُهُ فِيهِ نَكَارَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ - رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ - قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًا: بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ؟ - يَوْمَ بَعْثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ - قَالَ: بِأَرْبَعٍ; لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَلَا

يَحُجُّ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ عَنْ عَلِيٍّ بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْلٍ وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ عَلِيٍّ.

قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو صَخْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيَّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الصَّهْبَاءِ الْبَكْرِيَّ وَهُوَ يَقُولُ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَنِي مَعَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ «بَرَاءَةَ» حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: قُمْ

يَا عَلِيُّ فَأَدِّ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُمْتُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ «بَرَاءَةَ»، ثُمَّ صَدَرْنَا فَأَتَيْنَا مِنًى، فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ، وَنَحَرْتُ الْبَدَنَةَ ثُمَّ حَلَقْتُ رَأْسِي، وَعَلِمْتُ أَنَّ أَهْلَ الْجَمْعِ لَمْ يَكُونُوا حُضُورًا كُلُّهُمْ خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ عَرَفَةَ، فَطَفِقْتُ أَتَتَبَّعُ بِهَا الْفَسَاطِيطَ أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ إِخَالُ حَسِبْتُمْ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، أَلَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ فِي «التَّفْسِيرِ». وَذَكَرْنَا أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَقَدْ كَانَ خَرَجَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بِخَمْسِ بَدَنَاتٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعِشْرِينَ بَدَنَةً، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ فَلَحِقَهُ بِالْعَرْجِ فَنَادَى بِ «بَرَاءَةَ» أَمَامَ الْمَوْسِمِ ..

فَصْلٌ (الْأُمُورُ الْحَادِثَةُ سَنَةَ تِسْعٍ).

كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي فِي سَنَةِ تِسْعٍ - مِنَ الْأُمُورِ الْحَادِثَةِ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي

رَجَبٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا مَاتَ النَّجَاشِيُّ صَاحِبُ الْحَبَشَةِ وَنَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّاسِ. وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا - أَيْ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - تُوُفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَغَسَّلَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: غَسَّلَهَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ أُمُّ عَطِيَّةَ.

قُلْتُ: وَهَذَا ثَابِتٌ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّهُ، عليه السلام، لَمَّا صَلَّى عَلَيْهَا وَأَرَادَ دَفْنَهَا قَالَ: «لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ قَارَفَ اللَّيْلَةَ أَهْلَهُ». فَامْتَنَعَ زَوْجُهَا عُثْمَانُ لِذَلِكَ، وَدَفَنَهَا أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ مَنْ كَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِمَّنْ يَتَبَرَّعُ بِالْحَفْرِ وَالدَّفْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي طَلْحَةَ وَمَنْ شَابَهَهُمْ فَقَالَ: «لَا يَدْخُلُ قَبْرَهَا إِلَّا مَنْ لَمْ يُقَارِفْ أَهْلَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ». إِذْ يَبْعُدُ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، هَذَا بَعِيدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهَا صَالَحَ مَلِكَ أَيْلَةَ وَأَهْلَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ وَصَاحِبَ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوَاضِعِهِ. وَفِيهَا هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي بَنَاهُ جَمَاعَةُ الْمُنَافِقِينَ صُورَةَ مَسْجِدٍ، وَهُوَ دَارُ حَرْبٍ فِي الْبَاطِنِ فَأَمَرَ بِهِ، عليه السلام،

فَحُرِّقَ. وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ فَصَالَحُوا عَنْ قَوْمِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ، وَكُسِّرَتِ اللَّاتُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي أَوَاخِرِهَا، وَقَبْلَهُ بِأَشْهُرٍ تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيُّ - أَوِ الْمُزَنِيُّ - وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ، وَفِيهَا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ صلى الله عليه وسلم، بِالنَّاسِ عَنْ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ فِي ذَلِكَ، وَفِيهَا كَانَ قَدُومُ عَامَّةِ وُفُودِ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى سَنَةُ تِسْعٍ سَنَةَ الْوُفُودِ، وَهَا نَحْنُ نَعْقِدُ لِذَلِكَ كِتَابًا بِرَأْسِهِ اقْتِدَاءً بِالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.

كِتَابُ الْوُفُودِ الْوَارِدِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ، ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُسَمَّى سَنَةَ الْوُفُودِ - قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَرَبَّصُ بِإِسْلَامِهَا أَمْرَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ; لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وَهَادِيَهُمْ، وَأَهْلَ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَادَةَ الْعَرَبِ، لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي نَصَبَتِ الْحَرْبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخِلَافَهُ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا الْإِسْلَامُ، عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ - كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم أَفْوَاجًا، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (النَّصْرِ: ١ - ٣) أَيْ فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا أَظْهَرَ مِنْ دِينِكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ

الْفَتْحَ فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا، قَالَ: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ».

قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ الْوَاقِدِيُّ وَالْبُخَارِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَهُمْ، مِنَ الْوُفُودِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ تَارِيخَ قُدُومِهِمْ عَلَى سَنَةِ تِسْعٍ، بَلْ وَعَلَى فَتْحِ مَكَّةَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى (الْحَدِيدِ: ١٠). وَتُقَدَّمَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». فَيَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ السَّابِقِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوَافِدِينَ عَلَى زَمَنِ الْفَتْحِ مِمَّنْ يُعَدُّ وُفُودُهُ هِجْرَةً، وَبَيْنَ اللَّاحِقِ لَهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ مِمَّنْ وَعَدَهُ اللَّهُ خَيْرًا وَحُسْنًى، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَالسَّابِقِ لَهُ فِي الزَّمَانِ وَالْفَضِيلَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِإِيرَادِ الْوُفُودِ قَدْ تَرَكُوا فِيمَا أَوْرَدُوهُ أَشْيَاءَ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَنَحْنُ نُورِدُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ مَا ذَكَرُوهُ، وَنُنَبِّهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذْكُرُ مَا وَقَعَ لَنَا مِمَّا أَهْمَلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ

أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مُضَرَ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ، فَجَعَلَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْهِجْرَةَ فِي دَارِهِمْ وَقَالَ: «أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، فَارْجِعُوا إِلَى أَمْوَالِكُمْ». فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مِنْ مُزَيْنَةَ خُزَاعِيُّ بْنُ عَبْدِ نُهْمٍ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِسْلَامِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَجِدْهُمْ كَمَا ظَنَّ فِيهِمْ، فَتَأَخَّرُوا عَنْهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يُعَرِّضَ بِخُزَاعِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَهْجُوَهُ، فَذَكَرَ أَبْيَاتًا، فَلَمَّا بَلَغَتْ خُزَاعِيًّا شَكَى ذَلِكَ إِلَى قَوْمِهِ، فَحَمُوا لَهُ، وَأَسْلَمُوا مَعَهُ، وَقَدِمَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِوَاءَ مُزَيْنَةَ - وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ أَلْفًا - إِلَى خُزَاعِيٍّ هَذَا. قَالَ: وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ ذِي الْبِجَادَيْنِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ صلى الله عليه وسلم: بَابُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي صَخْرَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَرُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ

ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (الْحُجُرَاتِ: ١) حَتَّى انْقَضَتْ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِأَلْفَاظٍ أُخَرَ، قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي «التَّفْسِيرِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الْآيَةَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وُفُودُ الْعَرَبِ، قَدِمَ عَلَيْهِ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التَّمِيمِيُّ فِي أَشْرَافِ بَنِي تَمِيمٍ، مِنْهُمْ; الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَالْحَبْحَابُ بْنُ يَزِيدَ وَنُعَيْمُ بْنُ يَزِيدَ وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَخُو بَنِي سَعْدٍ، فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وعُيَيْنَةُ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتْحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، فَلَمَّا قَدِمَ

وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ كَانَا مَعَهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ; أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ. فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا. قَالَ: «قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ». فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنُّ وَهُوَ أَهْلُهُ، الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرُهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النَّاسِ؟ أَلَسْنَا بِرُءُوسِ النَّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ؟ فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيُعَدِّدْ مِثْلَ مَا عَدَّدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ، وَلَكِنْ نَسْتَحِي مِنَ الْإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ، أَقُولُ هَذَا لَأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا. ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: «قُمْ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ». فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ قَضَى فِيهِنَّ أَمْرُهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ أَحْسَابًا، وَأَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعَالًا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ إِجَابَةً

وَاسْتَجَابَ لِلَّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ:

نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا … مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ

وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمْ … عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزِّ يُتَّبَعُ

وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا … مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ

بِمَا تَرَى النَّاسُ تَأْتِينَا سُرَاتُهُمْ … مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوِيًّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ

فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرْوِمَتِنَا … لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا

فَمَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ … إِلَّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ

فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ نَعْرِفُهُ … فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ

إِنَّا أَبَيْنَا وَلَمْ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ … إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ حَسَّانُ: فَجَاءَنِي رَسُولُهُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ

بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَقُولُ:

مَنَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا … عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ

مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا … بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ بَاغٍ وَظَالِمِ

بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزُّهُ وَثَرَاؤُهُ … بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ

هَلِ الْمَجْدُ إِلَّا السُّؤْدُدُ الْعَوْدُ وَالنَّدَى … وَجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ

قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ فَقَالَ مَا قَالَ، عَرَضْتُ فِي قَوْلِهِ، وَقُلْتُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ الزِّبْرِقَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: «قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبِ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ». فَقَالَ حَسَّانُ:

إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ … قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ

يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ … تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلَّ الْخَيْرِ يَصْطَنِعُ

قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمْ … أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا

سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ … إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ

إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ … فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ

لَا يَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمْ … عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا

إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمُ … أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا

أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ … لَا يَطْمَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمْ طَمَعُ

لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ … وَلَا يَمَسُّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ

إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ … كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ

نَسْمُوا إِذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا … إِذَا الزَّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا

لَا يَفْخَرُونَ إِذَا نَالُوا عَدُوَّهُمُ … وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ وَلَا هُلُعُ

كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ … أُسْدٌ بِحَلْيَةَ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ

خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَوْا عَفْوًا إِذَا غَضِبُوا … وَلَا يَكُنْ هَمُّكَ الْأَمْرَ الَّذِي مَنَعُوا

فَإِنَّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ … شَرًّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ وَالسَّلَعُ

أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ … إِذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ

أَهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ … فِيمَا أُحِبُّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ

فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ … إِنْ جَدَّ فِي النَّاسِ جَدُّ الْقَوْلُ أَوْ شَمَعُوا

وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَّ الزِّبْرِقَانَ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ قَامَ فَقَالَ:

أَتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْلَمُ النَّاسُ فَضْلَنَا … إِذَا اخْتَلَفُوا عِنْدَ احْتِضَارِ الْمَوَاسِمِ

بِأَنَّا فُرُوعُ النَّاسِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ … وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كَدَارِمِ

وَأَنَّا نَذُودُ الْمُعْلِمِينَ إِذَا انْتَخَوْا … وَنَضْرِبُ رَأْسَ الْأَصْيَدِ الْمُتَفَاقِمِ

وَأَنَّ لَنَا الْمِرْبَاعَ فِي كُلِّ غَارَةٍ … نُغِيرُ بِنَجْدٍ أَوْ بِأَرْضِ الْأَعَاجِمِ

قَالَ: فَقَامَ حَسَّانُ فَأَجَابَهُ فَقَالَ:

هَلِ الْمَجْدُ إِلَّا السُّؤْدُدُ الْعَوْدُ وَالنَّدَى … وَجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ

نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ مُحَمَّدًا … عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ

بِحَيٍّ حَرِيدٍ أَصْلُهُ وَثَرَاؤُهُ … بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ

نَصَرْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ دِيَارِنَا … بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ بَاغٍ وَظَالِمِ

جَعَلْنَا بَنِينَا دُونَهُ وَبَنَاتِنَا … وَطِبْنَا لَهُ نَفْسًا بِفَيْءِ الْمَغَانِمِ

وَنَحْنُ ضَرَبْنَا النَّاسَ حَتَّى تَتَابَعُوا … عَلَى دِينِهِ بِالْمُرْهَفَاتِ الصَّوَارِمِ

وَنَحْنُ وَلَدْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عَظِيمَهَا … وَلَدْنَا نَبِيَّ الْخَيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمِ

بَنِي دَارِمٍ لَا تَفْخَرُوا إِنَّ فَخْرَكُمْ … يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ

هَبِلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُمُ … لَنَا خَوَلٌ مِنْ بَيْنِ ظِئْرٍ وَخَادِمِ

فَإِنْ كُنْتُمُ جِئْتُمْ لِحَقْنِ دِمَائِكُمْ … وَأَمْوَالِكُمْ أَنْ تُقْسَمُوا فِي الْمَقَاسِمِ

فُلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وَأَسْلِمُوا … وَلَا تَلْبَسُوا زِيًّا كَزِيِّ الْأَعَاجِمِ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي إِنَّ هَذَا لَمُؤَتًّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ قَدْ خَلَّفَهُ الْقَوْمُ فِي رِحَالِهِمْ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَكَانَ يَبْغُضُ عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنَّا فِي رِحَالِنَا، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ. وَأَزْرَى بِهِ. فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ قَيْسًا قَالَ ذَلِكَ يَهْجُوهُ:

ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الْهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي … عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبِ

سُدْنَاكُمْ سُؤْدُدًا رَهْوًا وَسُؤْدُدُكُمْ … بَادٍ نَوَاجِذُهُ مُقْعٍ عَلَى الذَّنْبِ

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ فَأَمَّا هَذَا فَلَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْهُ». وَأَرَاهُ كَانَ قَدْ عَرَفَ قَيْسًا. قَالَ: فَقَالَ: مُطَاعٌ فِي أَدْنَيْهِ، شَدِيدُ الْعَارِضَةِ، مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ. فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: قَدْ قَالَ مَا قَالَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِمَّا قَالَ. قَالَ: فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا زَمِرَ الْمُرُوءَةِ، ضَيِّقَ الْعَطَنِ، أَحْمَقَ الْأَبِ، لَئِيمَ الْخَالِ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ صَدَقْتُ فِيهِمَا جَمِيعًا; أَرْضَانِي فَقُلْتُ بِأَحْسَنِ مَا أَعْلَمُ فِيهِ، وَأَسْخَطَنِي فَقُلْتُ بِأَسْوَءَ مَا أَعْلَمُ فِيهِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا». وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ كَامِلُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَّافُ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ مَحْفُوظٍ عَنْ أَبِي الْمُقَوِّمِ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ

الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ التَّمِيمِيُّونَ، فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ، وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ، وَآخُذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ: إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ، مَانِعٌ لِجَانِبِهِ، مُطَاعٌ فِي أَدْنَيْهِ. فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْرَ مَا قَالَ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ: أَنَا أَحْسُدُكَ؟! فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَلَئِيمُ الْخَالِ، حَدِيثُ الْمَالِ، أَحْمَقُ الْوَالِدِ، مُضَيَّعٌ فِي الْعَشِيرَةِ. وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا، وَمَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا، وَلَكِنِّي رِجْلٌ إِذَا رَضِيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى جَمِيعًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ جِدًّا.

وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ سَبَبَ قُدُومِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُ كَانُوا قَدْ شَهَرُوا السِّلَاحَ عَلَى خُزَاعَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ فِي خَمْسِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَنْصَارِيٌّ وَلَا مُهَاجِرِيٌّ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا، فَقَدِمَ رُؤَسَاؤُهُمْ بِسَبَبِ أُسَرَائِهِمْ، وَيُقَالُ: قَدِمَ مِنْهُمْ تِسْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا فِي ذَلِكَ، مِنْهُمْ; عُطَارِدٌ وَالزِّبْرِقَانُ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَقَيْسُ بْنُ

الْحَارِثِ وَنُعَيْمُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَرَبَاحُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَقَدْ أَذَّنَ بِلَالٌ الظُّهْرَ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَعَجِلَ هَؤُلَاءِ، فَنَادَوْهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ خَطِيبَهُمْ وَشَاعِرَهُمْ، وَأَنَّهُ، عليه السلام، أَجَازَهُمْ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةٍ وَنَشًّا، إِلَّا عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ فَإِنَّمَا أُعْطِيَ خَمْسَ أَوَاقٍ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَذَمِّي شَيْنٌ. فَقَالَ: ذَاكَ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ مُتَّصِلٌ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وقَتَادَةَ مُرْسَلًا عَنْهُمَا، وَقَدْ وَقَعَ تَسْمِيَةُ هَذَا الرَّجُلِ; فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثنا وُهَيْبٌ ثنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَنَّهُ نَادَى رَسُولَ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله