سنة سبع من الهجرة النبوية

الإسلام > سيرة > سنة سبع من الهجرة النبوية

آخر تحديث 25 يوليو 2026 - 00:30

نص الحدث

بسم الله الرحمن الرحيم

سَنَةُ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ غَزْوَةُ خَيْبَرَ فِي أَوَّلِهَا

قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فِي قَوْلِهِ: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (الْفَتْحِ: ١٨) قَالَ: خَيْبَرَ

وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ عِشْرِينَ يَوْمًا، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ الَّتِي وَعَدَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا. وَحَكَى مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ افْتِتَاحَ خَيْبَرَ فِي سَنَةِ سِتٍّ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ كَمَا قَدَّمْنَا.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ، حِينَ رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، ذَا الْحِجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ إِلَى خَيْبَرَ

وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ قَالَا: انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى سَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ، فَنَزَلَ بِالرَّجِيعِ؛ - وَادٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وغَطَفَانَ - فَتَخَوَّفَ أَنْ تُمِدَّهُمْ غَطَفَانُ، فَبَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ فَغَدَا إِلَيْهِمْ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ، فِي خُرُوجِهِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ افْتِتَاحُ خَيْبَرَ فِي عَقِبِ الْمُحَرَّمِ، وَقَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ صَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نُمَيْلَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا خُثَيْمٌ،

يَعْنِي ابْنَ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ - يَعْنِي الْغَطَفَانِيَّ - عَلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِ كهيعص (مَرْيَمَ: ١). وَفِي الثَّانِيَةِ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (الْمُطَفِّفِينَ: ١) فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَيْلٌ لِفُلَانٍ، إِذَا اكْتَالَ اكْتَالَ بِالْوَافِي، وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنَّاقِصِ. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى زَوَّدَنَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ، وَقَدِ افْتَتَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ. قَالَ: فَكَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالُوا: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ. فَذَكَرَهُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى خَيْبَرَ، سَلَكَ عَلَى عِصْرٍ، فَبُنِيَ لَهُ فِيهَا مَسْجِدٌ، ثُمَّ عَلَى الصَّهْبَاءِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِجَيْشِهِ حَتَّى نَزَلَ بِهِ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: الرَّجِيعُ. فَنَزَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ؛ لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُمِدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ - وَكَانُوا لَهُمْ مُظَاهِرِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

فَبَلَغَنِي أَنَّ غَطَفَانَ لَمَّا سَمِعُوا بِذَلِكَ جَمَعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا لِيُظَاهِرُوا الْيَهُودَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا سَارُوا مَنْقَلَةً، سَمِعُوا خَلْفَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ حِسًّا، ظَنُّوا، أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَالَفُوا إِلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَأَقَامُوا فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ خَيْبَرَ

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرٍ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ، وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ، صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ، فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرٍ: يَا عَامِرُ، أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ؟ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ، يَقُولُ:

لَاهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اتَّقَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا

وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟» قَالُوا: عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ. قَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ. فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟» قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. قَالَ: «عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟» قَالُوا: لَحْمُ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَنُهْرِيقُهُا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: «أَوْ ذَاكَ». فَلَمَّا تَصَافَّ النَّاسُ، كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ، فَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ

بِيَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ؟» قُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ - وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ - إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ.

وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَغَيْرِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، بِهِ نَحْوَهُ. وَيُرْوَى:» نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ «.

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيُرْوَى:» قَلَّ عَرَبِيٌّ مُشَابِهًا مِثْلَهُ «. وَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ نَكِرَةٍ، وَهُوَ سَائِغٌ؛ إِذَا دَلَّتْ عَلَى تَصْحِيحِ مَعْنًى، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:» فَصَلَّى وَرَاءَهُ رَجُلٌ قِيَامًا «.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي مَسِيرِهِ إِلَى خَيْبَرَ لِعَامِرِ بْنِ

الْأَكْوَعِ، وَهُوَ عَمُّ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ:» انْزِلْ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، فَخُذْ لَنَا مِنْ هَنَاتِكَ «قَالَ: فَنَزَلَ يَرْتَجِزُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

إِنَّا إِذَا قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا … وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» يَرْحَمُكَ رَبُّكَ «. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ. فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ شَهِيدًا ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ قَتْلِهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُعَتِّبِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَأَنَا فِيهِمْ:» قِفُوا «. ثُمَّ قَالَ:» اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ «وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا وَأَشْرَفْنَا عَلَيْهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنَّاسِ:» قِفُوا «. فَوَقَفَ النَّاسُ، فَقَالَ:» اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَشَرِّ أَهْلِهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا، فَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، وَرَكِبْتُ خَلَفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَقْبَلَنَا عُمَّالُ خَيْبَرَ غَادِينَ، قَدْ خَرَجُوا بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْجَيْشَ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ

وَالْخَمِيسُ مَعَهُ. فَأَدْبَرُوا هُرَّابًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ «. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِمِثْلِهِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا، وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يَقْرَبْهُمْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَلَمَّا أَصْبَحْ خَرَجَتِ الْيَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَبَّحْنَا خَيْبَرَ بُكْرَةً، فَخَرَجَ أَهْلُهَا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا بَصُرُوا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: مُحَمَّدٌ

وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». قَالَ: فَأَصَبْنَا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ، فَوَجَدَهُمْ حِينَ خَرَجُوا إِلَى زَرْعِهِمْ وَمَعَهُمْ مَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَمَعَهُ الْجَيْشُ، نَكَصُوا فَرَجَعُوا إِلَى حِصْنِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ» الصَّحِيحَيْنِ «.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ قَرِيبًا مِنْ خَيْبَرَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ قَالَ:» اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ «. فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ، فَقَتَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَكَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَأَنْتَ قُلْتَ لِأَنَسٍ: مَا أَصْدَقَهَا؟ فَحَرَّكَ ثَابِتٌ رَأْسَهُ تَصْدِيقًا لَهُ. تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ النَّهْيَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ مِنْ

طُرُقٍ تُذْكَرُ فِي كِتَابِ» الْأَحْكَامِ «.

وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَنْبَأَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الْأَبْيَوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ الْمُلَائِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتَّبِعُ الْجَنَائِزَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَالنَّضِيرِ عَلَى حِمَارٍ، وَيَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِرَسَنِ لِيفٍ، وَتَحْتَهُ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ، عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِمٍ، وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ الْمُلَائِيُّ الْأَعْوَرُ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا

نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ، وَهُوَ يُضَعَّفُ.

قُلْتُ: وَالَّذِي ثَبَتَ فِي» الصَّحِيحِ «عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْرَى فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، حَتَّى انْحَسَرَ الْإِزَارُ، عَنْ فَخِذِهِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى فَرَسٍ، لَا عَلَى حِمَارٍ. وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ - إِنْ كَانَ صَحِيحًا - مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَكِبَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَهُوَ مُحَاصِرُهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: نَظَرَ أَنَسٌ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرَأَى طَيَالِسَةً، فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ السَّاعَةَ يَهُودُ خَيْبَرَ

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِدًا فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟! فَلَحِقَ بِهِ، فَلَمَّا بِتْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي فُتِحَتْ خَيْبَرُ قَالَ:» لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا - أَوْ: لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا - رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يُفْتَحُ عَلَيْهِ «. فَنَحْنُ نَرْجُوهَا. فَقِيلَ: هَذَا عَلِيٌّ. فَأَعْطَاهُ، فَفُتِحَ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمٍ، بِهِ.

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ» لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ «. قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ؛ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا؟ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ:» أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ «. فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرِأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟

فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:» انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمُرُ النَّعَمِ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ والنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ، بِهِ.

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» والْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ». قَالَ عُمَرُ: فَمَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. فَدَعَا عَلِيًّا فَبَعَثَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَقَاتِلْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا تَلْتَفِتْ». قَالَ عَلِيٌّ: عَلَى مَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ لَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، وَحُجَينُ بْنُ الْمُثَنَّى

قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ الْعِجْلِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ الرَّايَةَ فَهَزَّهَا، ثُمَّ قَالَ:» مَنْ يَأْخُذُهَا بِحَقِّهَا؟ «فَجَاءَ فُلَانٌ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ:» أَمِطْ «. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ:» أَمِطْ «. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:» وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ، لَأُعْطِيَنَّهَا رَجُلًا لَا يَفِرُّ، هَاكَ يَا عَلِيُّ «. فَانْطَلَقَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ وَفَدَكَ، وَجَاءَ بِعَجْوَتِهِمَا، وَقَدِيدِهِمَا. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ - وَيُقَالُ: ابْنُ عُصَمَ - هَذَا يُكَنَّى بِأَبِي عَلْوَانَ الْعِجْلِيِّ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْيَمَامَةِ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَيْخٌ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَانَ فِي» الثِّقَاتِ «، وَقَالَ: يُخْطِئُ كَثِيرًا. وَذَكَرَهُ فِي» الضُّعَفَاءِ «، وَقَالَ: يُحَدِّثُ عَنِ الْأَثْبَاتِ مِمَّا لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الثِّقَاتِ، حَتَّى يَسْبِقَ إِلَى الْقَلْبِ أَنَّهَا مَوْهُومَةٌ أَوْ مَوْضُوعَةٌ.

وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ

بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَقَاتَلَ ثُمَّ رَجَعَ، وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ، وَقَدْ جَهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ عُمَرَ صلى الله عليه وسلم، فَقَاتَلَ ثُمَّ رَجَعَ، وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ «. قَالَ سَلَمَةُ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:» خُذِ الرَّايَةَ وَامْضِ بِهَا، حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ «. فَخَرَجَ بِهَا وَاللَّهِ يَأْنِحُ، يُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً، وَإِنَّا لَخَلْفَهُ نَتَّبِعُ أَثَرَهُ، حَتَّى رَكَزَ رَايَتَهُ فِي رَضْمٍ مِنْ حِجَارَةٍ تَحْتَ الْحِصْنِ، فَاطَّلَعَ يَهُودِيٌّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: عَلَيْتُمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى. فَمَا رَجَعَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ، أَنْبَأَنَا الْأَصَمُّ، أَنْبَأَنَا الْعُطَارِدِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: لَمَّا

كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَقُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» لَأَدْفَعَنَّ لِوَائِي غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ «. فَبِتْنَا طَيِّبَةً نُفُوسُنَا أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْغَدَاةِ، ثُمَّ دَعَا بِاللِّوَاءِ وَقَامَ قَائِمًا، فَمَا مِنَّا مِنْ رَجُلٍ لَهُ مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، حَتَّى تَطَاوَلْتُ أَنَا لَهَا، وَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ لِمَنْزِلَةٍ كَانَتْ لِي مِنْهُ، فَدَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: فَمَسَحَهَا، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ فَفُتِحَ لَهُ. فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ مَرْحَبٍ. قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ أَوَّلُ حُصُونِ خَيْبَرَ فَتْحًا حِصْنَ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ رَحًى مِنْهُ فَقَتَلَتْهُ.

ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَزْدِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةِ، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، فَلَمَّا نَزَلَ خَيْبَرَ أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَذَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ

نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ رَجَعَ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:» لَأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَأْخُذُهَا عَنْوَةً «. وَلَيْسَ ثَمَّ عَلِيٌّ، فَتَطَاوَلَتْ لَهَا قُرَيْشٌ، وَرَجَا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ ذَلِكَ، فَأَصْبَحَ، وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا، وَهُوَ أَرْمَدُ قَدْ عَصَبَ عَيْنَهُ بِشُقَّةِ بُرْدٍ قِطْرِيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» مَا لَكَ؟ «قَالَ: رَمِدْتُ بَعْدَكَ. قَالَ:» ادْنُ مِنِّي «فَتَفَلَ فِي عَيْنِهِ، فَمَا وَجِعَهَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَنَهَضَ بِهَا، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ أُرْجُوَانَ حَمْرَاءُ، قَدْ أُخْرِجَ خَمْلُهَا، فَأَتَى مَدِينَةَ خَيْبَرَ وَخَرَجَ مَرْحَبٌ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ يَمَانِيٌّ، وَحَجَرٌ قَدْ ثَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكٍ سِلَاحِي بَطَلٌ مُجَرَّبُ

إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبْ … وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلَةِ الْمُغَلَّبِ

فَقَالَ عَلِيٌّ صلى الله عليه وسلم:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ … كَلَيْثِ غَابَاتٍ شَدِيدِ الْقَسْوَرَهْ

أَكِيلُكُمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ، فَبَدَرَهُ عَلِيٌّ بِضَرْبَةٍ، فَقَدَّ الْحَجَرَ وَالْمِغْفَرَ وَرَأْسَهُ، وَوَقَعَ فِي الْأَضْرَاسِ، وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ.

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قِصَّةَ بَعْثِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ بَعْثِ عَلِيٍّ، فَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ. وَفِي سِيَاقِهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالتَّشَيُّعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ والْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، وَذَكَرَ فِيهِ رُجُوعَهُمْ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي فَزَارَةَ. قَالَ: فَلَمْ نَمْكُثْ إِلَّا ثَلَاثًا، حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ. قَالَ:

وَخَرَجَ عَامِرٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ:

وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا … فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا

وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» مَنْ هَذَا الْقَائِلُ؟ «فَقَالُوا: عَامِرٌ. فَقَالَ:» غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ «. قَالَ: وَمَا خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطُّ أَحَدًا بِهِ إِلَّا اسْتُشْهِدَ. فَقَالَ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ: لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فَقَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ

قَالَ: فَبَرَزَ لَهُ عَامِرٌ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقُولُ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ

قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، فَذَهَبَ يُسَفِّلُ لَهُ، فَرَجَعَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ وَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ

عَامِرٍ؛ قَتَلَ نَفْسَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ:» مَا لَكَ؟ «فَقُلْتُ: قَالُوا: إِنَّ عَامِرًا بَطَلَ عَمَلُهُ. فَقَالَ:» مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ «فَقُلْتُ: نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ:» كَذَبَ أُولَئِكَ، بَلْ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ «قَالَ: وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلِيٍّ، صلى الله عليه وسلم، يَدْعُوهُ وَهُوَ أَرْمَدُ، وَقَالَ:» لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ. قَالَ: فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَيْنِهِ فَبَرَأَ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَبَرَزَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَقُولُ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ

قَالَ: فَبَرَزَ لَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ … كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ

أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

قَالَ: فَضَرَبَ مَرْحَبًا فَفَلَقَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الْفَتْحُ. هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، لَعَنَهُ اللَّهُ.

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْأَشْقَرُ، حَدَّثَنِي ابْنُ

قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا قَتَلْتُ مَرْحَبًا جِئْتُ بِرَأْسِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ.

وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ مِنْ حِصْنِ خَيْبَرَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ

أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ … إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَحَرَّبُ

إِنَّ حِمَايَ لِلْحِمَى لَا يُقْرَبُ

قَالَ: فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي كَعْبُ … مُفْرِّجُ الْغَمَّا جَرِيءٌ صُلْبُ

إِذْ شُبَّتِ الْحَرْبُ تَلَتْهَا الْحَرْبُ … مَعِي حُسَامٌ كَالْعَقِيقِ عَضْبُ

يَطَأْكُمُو حَتَّى يَذِلَّ الصَّعْبُ … نُعْطِي الْجَزَاءَ أَوْ يَفِيءَ النَّهْبُ

بِكَفِّ مَاضٍ لَيْسَ فِيهِ عَتْبُ

قَالَ: وَجَعَلَ مَرْحَبٌ - وَهُوَ ابْنُ حِمْيَرَ - يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» مَنْ لِهَذَا؟ «فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالْأَمْسِ. فَقَالَ:» قُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ «. قَالَ: فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحَبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ عُمْرِيَّةٌ، مِنْ شَجَرِ الْعُشَرِ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلُوذُ مِنْ صَاحِبِهِ بِهَا، كُلَّمَا لَاذَ بِهَا أَحَدُهُمَا اقْتَطَعَ صَاحِبُهُ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا، حَتَّى

بَرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرَّجُلِ الْقَائِمِ، مَا فِيهَا فَنَنٌ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَهُ فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فَعَضَّتْ بِهِ فَأَمْسَكَتْهُ، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِنَحْوِهِ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا ارْتَجَزَ حِينَ ضَرَبَهُ وَقَالَ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَاضِ … حُلْوٌ إِذَا شِئْتُ وَسُمٌّ قَاضِ

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُحَمَّدًا قَطَعَ رِجْلَيْ مَرْحَبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَجْهِزْ عَلَيَّ. فَقَالَ: لَا، ذُقِ الْمَوْتَ كَمَا ذَاقَهُ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ. فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ وَقَطَعَ رَأْسُهُ، فَاخْتَصَمَا فِي سَلَبِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَيْفَهُ وَرُمْحَهُ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ. قَالَ: وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَى سَيْفِهِ:

هَذَا سَيْفُ مَرْحَبْ … مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ

ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَخَا مَرْحَبٍ، وَهُوَ يَاسِرٌ، خَرَجَ بَعْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ:

هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَزَعَمَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّ الزُّبَيْرَ خَرَجَ لَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَقْتُلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ:» بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ «. فَالْتَقَيَا فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ. قَالَ: فَكَانَ الزُّبَيْرُ إِذَا قِيلَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ سَيْفُكَ يَوْمَئِذٍ لَصَارِمًا. يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ صَارِمًا، وَلَكِنِّي أَكْرَهْتُهُ.

وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرَايَتِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ يَهَودَ، فَطَرَحَ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابَ الْحِصْنِ، فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ مَعِي - سَبْعَةٌ أَنَا ثَامِنُهُمْ - نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَقْلِبَهُ. وَفِي هَذَا الْخَبَرِ جَهَالَةٌ وَانْقِطَاعٌ ظَاهِرٌ.

وَلَكِنْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُطَّلِبِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ الْبَابَ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتَّى صَعِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَافْتَتَحُوهَا وَأَنَّهُ جُرِّبَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَحْمِلْهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، عَنْ جَابِرٍ: ثُمَّ

اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَكَانَ جَهْدَهُمْ أَنْ أَعَادُوا الْبَابَ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُ حَتَّى السَّاعَةِ.

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: الْتَقَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَاقْتَتَلُوا، فَمَالَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. قَالَ:» إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ «فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَأَتَّبِعَنَّهُ، فَإِذَا أَسْرَعَ وَأَبْطَأَ كُنْتُ مَعَهُ. حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَجَاءَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ:» وَمَا ذَاكَ؟ «فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ:» إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ

الْجَنَّةِ - فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ - وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ - فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ - وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا خَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ، حَتَّى كَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ: «قُمْ يَا فُلَانُ، فَأَذِّنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ.

وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قِصَّةَ الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ؛ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ وَالشَّهَادَةَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَا: وَجَاءَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَسْوَدُ، مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ، كَانَ فِي غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ قَدْ أَخَذُوا السِّلَاحَ سَأَلَهُمْ قَالَ: مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ

بِغَنَمِهِ حَتَّى عَمَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِلَى مَا تَدْعُو؟ قَالَ:» أَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ؛ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا تَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ «. قَالَ: فَقَالَ الْعَبْدُ: فَمَاذَا يَكُونُ لِي إِنْ شَهِدْتُ بِذَلِكَ وَآمَنْتُ بِاللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» الْجَنَّةُ إِنْ مِتَّ عَلَى ذَلِكَ «. فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْغَنَمَ عِنْدِي أَمَانَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» أَخْرِجْهَا مِنْ عَسْكَرِنَا وَارْمِهَا بِالْحَصْبَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ «. فَفَعَلَ فَرَجَعَتِ الْغَنَمُ إِلَى سَيِّدِهَا، فَعَرَفَ الْيَهُودِيُّ أَنَّ غُلَامَهُ قَدْ أَسْلَمَ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَعَظَ النَّاسَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِعْطَائِهِ الرَّايَةَ عَلِيًّا، وَدُنُوِّهِ مِنْ حِصْنِ الْيَهُودِ وَقَتْلِهِ مَرْحَبًا، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، فَاحْتَمَلَهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَأُدْخِلَ فِي الْفُسْطَاطِ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اطَّلَعَ فِي الْفُسْطَاطِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:» لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ هَذَا الْعَبْدَ وَسَاقَهُ إِلَى خَيْرٍ، قَدْ كَانَ الْإِسْلَامُ مِنْ نَفْسِهِ حَقًّا، وَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْحَوَرِ الْعِينِ «.

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فَخَرَجَتْ سَرِيَّةٌ، فَأَخَذُوا إِنْسَانًا مَعَهُ غَنَمٌ يَرْعَاهَا، فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ فِيهِ: قُتِلَ شَهِيدًا وَمَا سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً.

ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْوَدُ اللَّوْنِ، قَبِيحُ الْوَجْهِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، لَا مَالَ لِي، فَإِنْ قَاتَلْتُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أُقْتَلَ، أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ:» نَعَمْ «. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ:» لَقَدْ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَكَ الطَّيِّبَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَكَثَّرَ مَالَكَ «وَقَالَ:» لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ يَتَنَازَعَانِ جُبَّتَهُ عَنْهُ؛ يَدْخُلَانِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَجُبَّتِهِ.

ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، فَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ. فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَسَمَهُ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا

قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ»: جِمَاعُ أَبْوَابِ السَّرَايَا الَّتِي تُذْكَرُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَقَبْلَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ تَارِيخُ بَعْضِهَا لَيْسَ بِالْوَاضِحِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي. سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا، فَغَزَوْنَا بَنِيَ فَزَارَةَ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَاءِ، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَشَنَنَّا الْغَارَةَ، فَقَتَلْنَا عَلَى الْمَاءِ مَنْ قَتَلْنَا. قَالَ سَلَمَةُ: ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِ مِنَ الذُّرِّيَةِ وَالنِّسَاءِ، نَحْوَ الْجَبَلِ وَأَنَا أَعْدُو فِي آثَارِهِمْ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ حَتَّى أَتَيْتُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ فَزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمِ، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ. قَالَ: فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ بِنْتَهَا. قَالَ: فَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ بِتُّ فَلَمْ

أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا. قَالَ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السُّوقِ، فَقَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ» قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَرَكَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السُّوقِ فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ، لِلَّهِ أَبُوكَ». قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. وَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي أَيْدِيهِمْ أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهِ.

سَرِيَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى تُرْبَةٍ مِنْ أَرْضِ هَوَازِنَ، وَرَاءَ مَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ

ثُمَّ أَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، صلى الله عليه وسلم، فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا، وَمَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، وَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُونَ النَّهَارَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بِلَادِهِمْ هَرَبُوا مِنْهُمْ،

وَكَرَّ عُمَرُ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي قِتَالِ خَثْعَمٍ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْمُرْنِي إِلَّا بِقِتَالِ هَوَازِنَ فِي أَرْضِهِمْ.

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ إِلَى يُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ

ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، إِلَى يُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ، حَتَّى أَتَوْهُ بِخَيْبَرَ، وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِيَغْزُوَهُ بِهِمْ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَسْتَعْمِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى تَبِعَهُمْ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَدِيفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغُوا قَرْقَرَةَ ثِبَارَ، وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ، نَدِمَ يُسَيْرُ بْنُ رِزَامٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى سَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَزَجَرَ بِعَيْرَهُ، ثُمَّ اقْتَحَمَ يَسُوقُ بِالْقَوْمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنَ مِنْ يُسَيْرٍ، ضَرَبَ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا،

وَاقْتَحَمَ يُسَيْرٌ وَفِي يَدِهِ مِخْرَشٌ مِنْ شَوْحَطٍ، فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَشَجَّهُ شَجَّةً مَأْمُومَةً، وَانْكَفَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَدِيفِهِ فَقَتَلَهُ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الْيَهُودِ أَعْجَزَهُمْ شَدًّا، وَلَمْ يُصَبْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، وَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَجَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَلَمْ تَقِحْ وَلَمْ تُؤْذِهِ حَتَّى مَاتَ.

سَرِيَّةٌ أُخْرَى مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ

رَوَى مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى بَنِي مُرَّةَ فِي أَرْضِ فَدَكَ، فَاسْتَاقَ نَعَمَهُمْ، فَقَاتَلُوهُ وَقَتَلُوا عَامَّةَ مَنْ مَعَهُ، وَصَبَرَ هُوَ يَوْمَئِذٍ صَبْرًا عَظِيمًا، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى فَدَكَ، فَبَاتَ بِهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَأَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ، وَكَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقْتَلَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِمِرْدَاسِ بْنِ نَهِيكٍ حَلِيفِ بَنِي مُرَّةَ، وَقَوْلُهُ حِينَ عَلَاهُ بِالسَّيْفِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَامُوهُ عَلَى

ذَلِكَ حَتَّى سُقِطَ فِي يَدِهِ وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ، فَأَصَابَ مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ حَلِيفًا لَهُمْ مِنَ الْحُرَقَةِ، قَالَ: فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُهُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - يَعْنِي مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ - فَلَمَّا شَهَرْنَا عَلَيْهِ السِّلَاحَ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «يَا أُسَامَةُ، مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنَ الْقَتْلِ. قَالَ: «فَمَنْ لَكَ يَا أُسَامَةُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا زَالَ يُرَدِّدُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّ مَا مَضَى مِنْ إِسْلَامِي لَمْ يَكُنْ، وَأَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ وَلَمْ أَقْتُلْهُ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُعْطِي اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَقْتُلُ رَجُلًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَبَدًا. فَقَالَ: «بَعْدِي يَا أُسَامَةُ». فَقُلْتُ: بَعَدَكَ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ. قَالَ: فَصَبَّحْنَاهُمْ، وَكَانَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِذَا أَقْبَلَ الْقَوْمُ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ

عَلَيْنَا، وَإِذَا أَدْبَرُوا كَانَ حَامِيَتَهُمْ. قَالَ: فَغَشَيْتُهُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا تُغَشَّيْنَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ وَقَتَلْتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ. قَالَ: فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ بِهِ نَحْوَهُ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ، كَلْبَ لَيْثٍ، إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، وَكُنْتُ فِي سَرِيَّتِهِ، فَمَضَيْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَدِيدِ، لَقِينَا الْحَارِثَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيَّ، فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا جِئْتُ لِأُسْلِمَ. فَقَالَ لَهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ لِتُسْلِمَ، فَلَا يَضُرُّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ. قَالَ: فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا وَخَلَّفَ عَلَيْهِ رُوَيْجِلًا أَسْوَدَ كَانَ مَعَنَا، وَقَالَ: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ نَازَعَكَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ. وَمَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ، فَنَزَلْنَا عَشِيَّةً بَعْدِ الْعَصْرِ، فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي إِلَيْهِ، فَعَمَدْتُ إِلَى تَلٍّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ

رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَّلِّ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنِّي لَأَرَى سَوَادًا عَلَى هَذَا التَّلِّ مَا رَأَيْتُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الْكِلَابُ اجْتَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ؟ فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ نَبْلِي. فَنَاوَلَتْهُ، فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فِي جَبِينِي - أَوْ قَالَ: فِي جَنْبِي - فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي بِالْآخَرِ فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَابْتَغِي سَهْمَيَّ فَخُذِيهِمَا، لَا تَمْضُغُهُمَا عَلَيَّ الْكِلَابُ.

قَالَ: فَأَمْهَلْنَا، حَتَّى إِذَا رَاحَتْ رَوَايِحُهُمْ، وَحَتَّى احْتَلَبُوا وَعَطَّنُوا وَسَكَنُوا، وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، وَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ بِهِ، وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ إِلَى قَوْمِهِمْ بِقُرْبِنَا. قَالَ: وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتَّى نَمُرَّ بِالْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَتَانَا صَرِيخُ النَّاسِ، فَجَاءَنَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قُدَيْدٍ، بَعَثَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ مَاءً، مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا وَلَا حَالًا، وَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ وُقُوفًا يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا، مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَجِدُّ بِهَا أَوْ نَحْدُوهَا - شَكَّ

النُّفَيْلِيُّ - فَذَهَبْنَا سِرَاعًا حَتَّى أَسْنَدْنَا بِهَا فِي الْمَسْلَكِ، ثُمَّ حَدِرْنَا عَنْهُ حَتَّى أَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بِمَا فِي أَيْدِينَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ. وَالصَّوَابُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ، وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ سَرِيَّةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا إِلَى نَاحِيَةِ خَيْبَرَ، فَلَقُوا جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ، وَغَنِمُوا نَعَمًا كَثِيرًا، وَكَانَ بَعْثُهُ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ بِإِشَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَدَلِيلُهُ حُسَيْلُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ دَلِيلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ.

سَرِيَّةُ أَبِي حَدْرَدٍ إِلَى الْغَابَةِ

قَالَ يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ قِصَّةِ أَبِي حَدْرَدٍ

وَغَزْوَتِهِ إِلَى الْغَابَةِ مَا حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي حَدْرَدٍ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَأَصْدَقْتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي فَقَالَ: «كَمْ أَصْدَقْتَ؟» فَقُلْتُ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَهَا مِنْ وَادٍ مَا زَادَ، وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُكَ بِهِ». فَلَبِثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، أَوْ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ. فِي بَطْنٍ عَظِيمٍ مِنْ جُشَمَ، حَتَّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِالْغَابَةِ، يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ قَيْسًا عَلَى مُحَارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ ذَا اسْمٍ وَشَرَفٍ فِي جُشَمَ. قَالَ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ وَعِلْمٍ». وَقَدَّمَ لَنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا، فَوَاللَّهِ مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا، حَتَّى دَعَمَهَا الرِّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ، حَتَّى اسْتَقَلَّتْ وَمَا كَادَتْ، وَقَالَ: «تَبَلَّغُوا عَلَى هَذِهِ» فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلَاحُنَا مِنَ النَّبْلِ وَالسُّيُوفِ، حَتَّى إِذَا جِئْنَا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ، وَأَمَرْتُ صَاحِبَيَّ فَكَمَنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ، وَقُلْتُ لَهُمَا: إِذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبَّرْتُ وَشَدَدْتُ فِي الْعَسْكَرِ فَكَبِّرَا وَشُدَّا مَعِي. فَوَاللَّهِ إِنَّا لَكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أَنْ نَرَى غِرَّةً أَوْ نَرَى شَيْئًا، وَقَدْ غَشِيَنَا اللَّيْلُ حَتَّى ذَهَبَتَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرَّحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ وَتَخَوَّفُوا عَلَيْهِ، فَقَامَ صَاحِبُهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَخَذَ

سَيْفَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَتَيَقَّنَنَّ أَمْرَ رَاعِينَا، وَلَقَدْ أَصَابَهُ شَرٌّ. فَقَالَ نَفَرٌ مِمَّنْ مَعَهُ: وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُ، نَحْنُ نَكْفِيكَ. فَقَالَ: لَا يَذْهَبُ إِلَّا أَنَا. قَالُوا: فَنَحْنُ مَعَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَتْبَعُنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ. وَخَرَجَ حَتَّى يَمُرَّ بِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي نَفَحْتُهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعْتُهُ فِي فُؤَادِهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمَ، فَوَثَبْتُ إِلَيْهِ فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدَتُ نَاحِيَةَ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرْتُ، وَشَدَّ صَاحِبَايَ وَكَبَّرَا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا النِّجَاءُ مِمَنْ كَانَ فِيهِ، عِنْدَكَ عِنْدَكَ، بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَاسْتَقْنَا إِبِلًا عَظِيمَةً وَغَنَمًا كَثِيرَةً، فَجِئْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَجِئْتُ بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي، فَأَعْطَانِي مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فِي صَدَاقِي، فَجَمَعْتُ إِلَيَّ أَهْلِي.

السَرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى إِضَمٍ فِي نَفَرٍ

مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمٍ، مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ، وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ فَقَتَلَهُ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذَ بِعِيرَهُ وَمُتَيِّعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَنَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النِّسَاءِ: ٩٤) وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ ضُمَيْرَةَ بْنِ سَعْدٍ الضَّمْرِيَّ يُحَدِّثُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، قَالَ

- وَكَانَا شَهِدَا حُنَيْنًا - قَالَ: فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَقَامَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَعَدَ فِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيِّ، وَهُوَ سَيِّدُ قَيْسٍ، وَجَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ يَرُدُّ عَنْ مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةٍ وَهُوَ سَيِّدُ خِنْدِفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِقَوْمِ عَامِرٍ: «هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنَّا الْآنَ خَمْسِينَ بَعِيرًا وَخَمْسِينَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟» فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ وَاللَّهِ لَا أَدَعُهُ حَتَّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنَ الْحُزْنِ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ مُكَيْتِلٍ. وَهُوَ قَصْدٌ مِنَ الرِّجَالِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَجِدُ لِهَذَا الْقَتِيلِ مَثَلًا فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا كَغَنَمٍ وَرَدَتْ فَرُمِيَتْ أُولَاهَا فَنَفَرَتْ أُخْرَاهَا، اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا خَمْسِينَ بَعِيرًا الْآنَ وَخَمْسِينَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟» فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى رَضُوا بِالدِّيَةِ، فَقَالَ قَوْمُ مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ: ائْتُوا بِهِ حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ طُوَالٌ ضَرْبَ اللَّحْمِ، فِي حُلَّةٍ قَدْ تَهَيَّأَ فِيهَا لِلْقَتْلِ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمٍ». قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَامَ وَإِنَّهُ لَيَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِطَرَفٍ ثَوْبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: زَعَمَ قَوْمُهُ

أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ، فَذَكَرَ بَعْضَهُ. وَالصَّوَابُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَجَدَهُ، بِنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَقْبَلُوا الدِّيَةَ حَتَّى قَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَخَلَا بِهِمْ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ، سَأَلَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتِيلًا تَتْرُكُونَهُ لِيُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَمَنَعْتُمُوهُ إِيَّاهُ، أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَغْضَبَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِهِ، أَوْ يَلْعَنَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَلْعَنَكُمُ اللَّهُ بِلَعْنَتِهِ لَكُمْ، وَاللَّهِ لَتُسْلِمُنَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ لَآتِيَنَّ بِخَمْسِينَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْقَتِيلَ كَافِرٌ مَا صَلَّى قَطُّ، فَلَأَطُلَّنَّ دَمَهُ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، أَخَذُوا الدِّيَةَ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مُعْضَلٌ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يَتَّهِمُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ مُحَلِّمًا لَمَّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، عليه السلام، قَالَ لَهُ: «أَمَّنْتَهُ بِاللَّهِ ثُمَّ قَتَلْتَهُ؟!» ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِ. قَالَ الْحَسَنُ: فَوَاللَّهِ مَا مَكَثَ مُحَلِّمٌ إِلَّا سَبْعًا حَتَّى مَاتَ، فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ دَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ دَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَرَضَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَارَةِ حَتَّى وَارَوْهُ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إِنَّ الْأَرْضَ لَتَطَّابَقُ عَلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ فِي حُرْمِ مَا بَيْنَكُمْ بِمَا أَرَاكُمْ مِنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ مَبْعَثًا، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ - وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حِنَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَرَمَاهُ مُحَلِّمٌ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَكَلَّمَ فِيهِ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سُنَّ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدًا. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَذُوقَ نِسَاؤُهُ مِنَ الثُّكْلِ مَا ذَاقَ نِسَائِي. فَجَاءَ مُحَلِّمٌ فِي بُرْدَيْنِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:» لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ «.

فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَمَا مَضَتْ لَهُ سَابِعَةٌ حَتَّى مَاتَ، فَدَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:» إِنَّ الْأَرْضَ تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ صَاحِبِكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ مِنْ حُرْمَتِكُمْ «. ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ، فَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَنَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الْآيَةَ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ، وَلَا عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِنَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ: وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الْآيَةَ.

قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَعْنَاهَا فِي» التَّفْسِيرِ " بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ

ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى سَرِيَّةٍ، بَعَثَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا. قَالَ: فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا. فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَادْخُلُوهَا. قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي» الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي» التَّفْسِيرِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

فَصْلٌ سَرِيَّةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ

ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا سَرِيَّةَ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، رَجَعَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ، فَبَعَثَ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيَّ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، فَخَرَجَ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَانَ عَيْنُ بَنِي سُلَيْمٍ مَعَهُ، فَلَمَّا فَصَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ، خَرَجَ الْعَيْنُ إِلَى قَوْمِهِ، فَحَذَّرَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ، فَجَمَعُوا جَمْعًا كَثِيرًا، وَجَاءَهُمُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَالْقَوْمُ مُعِدُّونَ، فَلَمَّا أَنْ رَآهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَأَوْا جَمْعَهُمْ، دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُمْ، وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ، فَرَمَوْهُمْ سَاعَةً، وَجَعَلَتِ الْأَمْدَادُ تَأْتِي، حَتَّى أَحْدَقُوا بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَقَاتَلَ الْقَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قُتِلَ عَامَّتُهُمْ، وَأُصِيبَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ بِجِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَتَحَامَلَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده