الإسلام > فتاوى > اداب > نحن أربعة أصدقاء ملتزمون حديثاً، لكن يصيبنا الفتور بسرعة، ونحن نعد م…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
الحمد لله وحده،
والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن الذي حثت عليه النصوص الشرعية في مواطن كثيرة عند اقتراف الذنوب إنما هو التوبة والاستغفار وعمل الصالحات،
يقول الله -سبحانه وتعالى-: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون" [آل عمران:١٣٥] ،
وقال تعالى: "للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار" [آل عمران:١٥-١٧] وقال تعالى: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" [الأنفال:٣٣] ،
وقال تعالى: "إن الحسنات يذهبن السيئات" [هود:١١٤] . وعن علي -رضي الله عنه- قال: (إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به وإذا حدثني رجل من أصحابه - رضي الله عنهم- استحلفته فإذا حلف لي صدقته،
وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر - رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " [آل عمران:١٣٥] . أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود (١٥٢١) وابن ماجة وصححه ابن حبان.
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قال الله -تعالى-: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالى،
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي, يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي (٣٥٤٠) .
وعن أبى سعيد الخدرى -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم, فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" ،
أخرجه أحمد (١٠٨٥١) وأبو يعلى في مسنده (١٣٩٩) والحاكم في المستدرك (٧٦٧٢) وقال: صحيح الإسناد.
وأخرج الإمام أحمد (١٣٠٨١) عن أنس -رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: "والذي نفسي بيده أو قال والذي نفس محمد بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله -عز وجل- لغفر لكم والذي نفس محمد بيده أو والذي نفسي بيده لو لم تخطئوا لجاء الله -عز وجل- بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم" .
وقال حذيفة -رضي الله عنه-: "كنت رجلا ذرب اللسان على أهلي قلت يا رسول الله قد خشيت أن يدخلني لساني النار،
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فأين أنت من الاستغفار؟
إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"؛
رواه أحمد (٢٢٨٢٩) ،
وابن ماجة (٣٨١٧) .
والنصوص في تقرير هذا أكثر من أن تحصر.
أما ما ذكره السائل من عقوبة المسلم نفسه لمنعها من اقتراف السيئات أو التكفير عنها فلا يظهر المنع منه؛
فإن جنسه وارد عن بعض السلف , لكن بشرط أن يكون بأمر مباح،
أو مشروع في الجملة،
وغير مطرد في كل الأحوال حتى لا يزهد في ما دعت إليه النصوص السابقة،
وذلك لأن بعض الأنفس تحتاج أحيانا إلى تأديب كما يؤدب الصبيان ونحوهم.
ولعل مما يمكن أن يستأنس به في هذا المقام ما يأتي:
١- ما جاء في صلح الحديبية عندما ناقش عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النبي -صلى الله عليه وسلم - عن الصلح،
وفيه قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-: فأتيت نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: ألست نبي الله حقا قال: "بلى" قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: "بلى" قلت: فلم نعطي الدنية في دينناإذاً؟
قال: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: "بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام" قال قلت: لا قال: "فإنك آتيه ومطوف به" قال: فأتيت أبا بكر - رضي الله عنه - فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟
قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟
قال: أيها الرجل إنه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به قال الزهري: قال عمر - رضي الله عنه -: فعملت لذلك أعمالا ...
أخرجه البخاري (٢٧٣١ -٢٧٣٢) ،،
وموطن الشاهد منه قوله رضي الله عنه: (فعملت لذلك أعمالا) ،
قال الحافظ ابن حجر: " المراد به الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء،
وقد ورد عن عمر - رضي الله عنه - التصريح بمراده بقوله: أعمالا،
ففي رواية ابن إسحاق وكان عمر- رضي الله عنه- يقول: (ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به) ،
وعند الواقدي من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: عمر- رضي الله عنه- لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا" فتح الباري (٥/٣٤٦) .
٢- ما جاء في صحيح البخاري (٦٠٧٥) وغيره من حديث عائشة -رضي الله عنها- لما خاصمت عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - فنذرت أنها لا تكلمه أبدا،
ثم إنه دخل عليها بعد ذلك وطفق يناشدها ويبكي،
وطفقت تبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد،
فلم يزل بها حتى كلمته،
ثم أعتقت عن نذرها ذلك أربعين رقبة،
ثم كانت تذكر نذرها ذلك بعدما أعتقت أربعين رقبة فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.
فهنا رأت عائشة -رضي الله عنها- التكفير بهذا القدر مع أن الواجب في هذه الحال كفارة يمين.
٣- ما جاء في الأوسط للطبراني (٢/٣٣٥) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتغل فأخر المغرب حتى طلع نجمان،
فأعتق رقبتين لتأخيره المغرب حتى طلع النجمان.
٤- ما جاء في سير أعلام النبلاء (٩/٢٢٣-٢٢٨) عن ابن أبي حاتم قال حدثنا أبي حدثنا حرملة سمعت ابن وهب يقول نذرت أني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوما فأجهدني فكنت أغتاب وأصوم،
فنويت أني كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم فمن حب الدراهم تركت الغيبة.
قال الذهبي هكذا والله كان العلماء،
وهذا هو ثمرة العلم النافع "وقد قال الذهبي في أول ترجمته: " عبد الله بن وهب بن مسلم الإمام شيخ الإسلام أبو محمد الفهري مولاهم المصري الحافظ.
فهنا نجد الإمام الذهبي على جلالة قدره لم ينكر هذا الفعل على ابن وهب،
مع أنه نص في محل سؤال السائل،
بل عده من فضائله وحسناته.
٥- وفي سير أعلام النبلاء (٦/٣٦٦) : عن ابن عون أن أمه نادته
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.