الإسلام > فتاوى > عقيدة > معنى طلب النبي -صلى الله عليه وسلم- من أمته أن يدعوا له؟ وما الذي يح…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة: ٣١] .
وَقَد كَانَ النَبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحَقّقُ هَذَا التَّوْحِيدَ لأُمَّتِهِ ويحْسِمُ عَنْهُم مَوَادَّ الشِّرْكِ؛
إذ هَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِنَا لَا إلَهَ إلا اللهُ،
فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ لِكَمَالِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ،
وَالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ،
وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ،
حَتَّى قَالَ لَهُم: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ،
وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ شَاءَ مُحَمدٌ" ،
وَقَالَ لَهُ رَجُل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْت،
فَقَالَ: "أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟
بَل مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ" ،
وَقَالَ: "مَن كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أَو لِيَصْمُتْ" [١/ ١٢١ - ١٣٦]
* * *
(الله الذي خلق السَّبَبَ)
١٨٥ - الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ،
وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ،
وَالْإِعْرَاضُ عَن الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَرْعِ.
* * *
(معنى طَلَب النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- من أُمَّتِهِ أَنْ يَدْعُوا لَهُ؟
وما الذي يحل ويحرم من سؤال الناس؟)
١٨٦ - مُحَمَّد -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ سَيِّدُ الشُّفَعَاءِ وَلَهُ شَفَاعَاتٌ يَختَصُّ بِهَا -وَمَعَ هَذَا- فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّنَ فَقُولُوا
مِثْل مَا يَقُولُ ثمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛
فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛
فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْد مِن عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ كُونَ ذَلِكَ الْعَبْدَ،
فَمَن سَأَل اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
وَقَد قَالَ لِعُمَر لَمَّا أرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ وَوَدَّعَهُ: "يَا أَخِي لَا تَنْسَنِي مِن دُعَائِك " .
فَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَد طَلَبَ مِن أُمَّتِهِ أنْ يَدْعُوا لَهُ،
وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن بَابِ سُؤَالِهِمْ؛
بَل أمْرُهُ بِذَلِكَ لَهُم كَأَمْرِهِ لَهُم بِسَائِرِ الطَّاعَاتِ الَّتِي يُثَابُونَ عَلَيْهَا،
مَعَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُل مَا يَعْمَلُونَهُ؛
فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَن دَعَا إلَى هُدًى كانَ لَهُ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَن اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أجُورِهِمْ شَيْئًا" .
وَهُوَ دَاعِي الْأمَّةِ إلَى كُلِّ هُدًى،
فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُلِّ مَا اتبعُوهُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّوْا عَلَيْهِ فَإِن اللهَ يُصَلِّي عَلَى أَحَدِهِمْ عَشْرًا،
وَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ،
مَعَ مَا يَسْتَجِيبُهُ مِن دُعَائِهِمْ لَهُ،
فَذَلِكَ الدُّعَاءُ قَد أعْطَاهُم اللهُ أَجْرَهُم عَلَيْهِ،
وَصَارَ مَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِن النَّفْعِ نِعْمَةً مِن اللهِ عَلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَ اللهَ لَمْ يَأمُرْ مَخْلُوقًا أنْ يَسْألَ مَخْلُوقًا إلا مَا كَانَ مَصْلَحَةً لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ إمَّا وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ.
وَإِن كَانَ قَصْدُهُ مَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ،
أَو مَصْلَحَتَهُ وَمَصْلَحَةَ الْمَأمُورِ: فَهَذَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ قَصْدُهُ حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِن غَيْرِ قَصْدِ مِنْهُ لِانتِفَاعِ الْمَأمُورِ: فَهَذَا
مِن نَفْسِهِ أَتَى،
وَمِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ لَا يَأْمُرُ اللهُ بِهِ قَطُّ؛
بَل قَد نَهَى عَنْهُ؛
إذ هَذَا سُؤَالٌ مَحْضٌ لِلْمَخْلُوقِ مِن غَيْرِ قَصْدِهِ لِنَفْعِهِ وَلَا لِمَصْلَحَتِهِ،
وَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَنَرْغَبَ إلَيْهِ،
ويأْمُرُنَا أَنْ نُحْسِنَ إلَى عِبَادِهِ،
وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا،
فَلَمْ يَقْصِد الرَّغْبَةَ إلَى اللهِ وَدُعَائِهِ،
وَهُوَ الصَّلَاةُ،
وَلَا قَصَدَ الْإِحْسَانَ إلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ.
وَإِن كَانَ الْعَبْدُ قَد لَا يَأْثَمُ بِمِثْل هَذَا السُّؤَالِ،
لَكِنْ فَرْقٌ مَا بَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ وَمَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ،
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَاب: "أَنَّهُم لَا يسترقون" ،
وَإِن كَانَ الِاسْتِرْقَاءُ جَائِزًا؟
[١/ ١٣٢ - ١٣٤]
١٨٧ - أَحَادِيث النَّهْيِ عَن مَسْاَلَةِ النَّاسِ الْأَمْوَالَ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلةُ إلَأ لِثَلَاَثةٍ" .
فَأَمَّا سُؤَالُ مَا يَسُوغُ مِثْلُهُ مِن الْعِلْمِ: فَلَيْسَ مِن هَذَا الْبَابِ؛
لِأَنَّ الْمُخْبِرَ لَا يَنْقُصُ الْجَوَابُ مِن عِلْمِهِ بَل يَزْدَادُ بِالْجَوَابِ،
وَالسَّائِلُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ،
قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "هَلَّا سَأَلوا إذ لَمْ يَعْلَمُوا؟
" ،
وَلَكِنْ مِن الْمَسَائِلِ مَا يُنْهَى عَنْهُ،
كمَا قَالَ تَعَالَى:
{لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ}
[المائدة: ١٠١] ،
وَكَنَهْيِهِ عَن أُغْلُوطَاتِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا سُؤَالُهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ: فَقَد قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِعُمَرِ: "لَا تَنْسَنَا مِن دُعَائِك" ،
وَقَالَ: "إذَا سَمِعْتُم الْمُؤَذِّنَ: فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُولُ ثُمَّ صلُّوا عَلَي فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْد مِن عِبَادِ اللهِ وَأرْجُو أَنْ أكُونَ أنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ،
فَمَن سَأَلَ اللهَ لي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .
وَقَد يُقَالُ فِي هَذَا: هُوَ طَلَبَ مِن الْأمَّةِ الدُّعَاءَ لَهُ لِأَنَّهُم إذَا دَعَوْا لَهُ حَصَلَ لَهُم مِن الْأَجْرِ أَكْثَرُ مِمَّا لَو كَانَ الدُّعَاءُ لِأَنْفُسِهِمْ،
كَمَا قَالَ لِلَّذِي قَالَ: أَجْعَل صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟
فَقَالَ: "إذًا يَكْفِيكَ اللهُ مَا أَهَمَّكَ مِن أَمْرِ دُنْيَاك وَآخِرَتِكَ" .
فَطَلَبُهُ مِنْهُم الدُّعَاءَ لَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ كَسَائِرِ أمْرِهِ إيَّاهُم بِمَا أُمِرَ بِهِ،
وَذَلِكَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ؛
فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِن رَجُلٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ بِدَعْوَة إلا وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا،
كُلَّمَا دَعَا دَعْوَةً قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَك مِثْلُهُ" .
وَقَوْلُ السَّائِلِ: أَجْعَلُ لَك مِن صَلَاتِي؟
يَعْنِي مِن دُعَائِي؛
فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ هِيَ الدّعَاءُ قَالَ تَعَالَى:
{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}
[التوبة: ١٠٣] .
فَيَكُونُ مَقْصُودُ السَّائِلِ: إنَّ لِي دُعَاءً أدْعُو بِهِ أَسْتَجْلِبُ بِهِ الْخَيْرَ وَأَسْتَدْفِعُ بِهِ الشَّرَّ،
فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِن الدُّعَاءِ؟
قَالَ: "مَا شِئْت" فَلَمَّا انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: أَجْعَلُ لَك صَلَاتي كُلَّهَا؟
قَالَ: "إذًا تُكْفَى هَمَّك وَيُغْفَرُ ذَنْبُك" .
وَهَذَا غَايَةُ مَا يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ مِن جَلْبِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ؛
فَإِنَّ
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.