الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 18 الكهف > الآيات ٩٦-٩٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةوالله أعلم بصّحته.
ويَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ: قبيلان من بني آدم، لكنَّهم ينقسمون أنواعاً كثيرةً، اختلف الناس في عددها، واختلف في إفسادهم الذي وصَفُوهم به، فقيل: أكْلُ بَني آدم، وقالت فرقة: إفسادهم: هو الظُّلْم والغَشْم وسائرُ وجوه الإِفساد المعلومِ من البَشَر، وهذا أظهر الأقوال، وقولهم: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً: استفهامٌ على جهة حُسْن الأدبِ، «والخْرجُ» :
المُجْبَى، وهو الخراج، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «١» «خَرَاجاً» ، وروي في أمر يأجوج ومأجوج أنَّ أرزاقهم هِيَ من التِّنِّينِ يُمْطَرُونَ به، ونحو هذا مما لم يَصِحَّ، وروي أيضاً أنَّ الذَّكَر منهم لا يَمُوتُ حتى يولَدَ له ألْفٌ والأنثى كذلك، وروي أنهم يتسافَدُونَ في الطُّرُق كالبهائِمِ، وأخبارُهُم تضيقُ بها الصُّحُف، فاختصرْتُ ذلك لعَدَمِ صحَّته.
ت: والذي يصحُّ من ذلك كثْرَةُ عددهم على الجُمْلة، على ما هو معلوم من حديثِ: «أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ» وغيره من الأحاديث.
وقوله: مَا مَكَّنِّي/ فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ المعنى: قال لهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بسطه اللَّه لي من القُدْرة والمُلْك خَيْرٌ من خَرَاجكم، ولكن أعينوني بُقَّوة الأبدان، وهذا من تأييد اللَّه تعالى له، فإِنه تهَدَّى في هذه المحاورة إِلى الأنفع الأَنْزَه، فإِنَّ القوم لو جمعوا له الخَرَاجَ الذي هو المالُ، لم يُعِنْهُ منهم أحدٌ، ولَوَكَّلُوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوّة أجمل به.
وقوله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ...
الآية: قرأ حمزة «٢» وغيره: «ائْتُوني» بمعنى «جيئوني» ، وقرأ نافع وغيره: «آتوني» بمعنى «أعْطُوني» ، وهذا كله إِنما هو استدعاء
المناولة، وإِعمالُ القوَّة «والزُّبَر» جمع زُبْرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرَصَفَه وبنَاه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان، وقوله: قالَ انْفُخُوا ...
إلى آخر الآية، معناه: أنه كان يأمر بوَضْع طاقة من الزُّبَر والحجارةِ، ثم يوقد عليها حَتَّى تحمَى ثم يؤتَى بالنُّحَاس المُذَاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلافِ في «القِطْر» ، فيفرغه على تلك الطاقة المنضَّدة، فإِذا التأم واشتدَّ، استأنَفَ رَصْفَ طاقةٍ أخرى إلى أن استوَى العَمَلُ، وقال أكثر المفسِّرين: «القِطْر» : النُّحَاس المُذَابُ، ويؤيِّد هذا ما روي أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي رَأَيْتُ سَدَّ يُأْجُوجُ ومَأْجُوجَ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأْيْتَهُ؟
قَالَ:
رَأَيْتُهُ كَالبُرُدِ المُحَبَّر طَريقَةٌ صَفْرَاءُ، وَطَرِيقَةٌ حمراء، وطريقة سوداء، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «قد رأيته» «١» ويَظْهَرُوهُ ومعناه: يعلونه بُصعُودٍ فيه ومنه قوله في «الموطّإ» ، و «الشمس في حجرِتها قَبْل أَنْ تَظْهَرَ» ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لبُعْد عَرْضه وقوَّته، ولا سبِيلَ سَوى هذين: إما ارتقاءٌ، وإِما نَقْب، وروي أن في طُولَه ما بَيْنَ طرفَيِ الجبلَيْنِ مِائَة فَرْسَخِ، وفي عَرْضه خمسينَ فرسخاً، وروي غير هذا مما لم نَقِفْ على صحَّته، فاختصرناه، إِذ لا غاية للتخرُّص وقوله في الآية انْفُخُوا يريد بالأَكْيَار.
وقوله: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ...
الآية: القائل ذو القرنين، وأشار ب هذا إِلى الرَّدْمِ والقوةِ عليه، والانتفاعِ به، والوعدُ يحتملُ أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به وقْتَ خروجِ يأجُوجَ ومأجوج، وقرأ «٢» نافع وغيره: «دَكًّا» مصدر «دَكَّ يَدُكُ» ، إِذا هدم ورض، ونَاقةٌ دَكَّاء لا سَنَام لها، والضمير في تَرَكْنا للَّه عزَّ وجلَّ.
وقوله: يَوْمَئِذٍ يحتمل أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به يَوْمَ كمالِ السَّدِّ، والضميرُ في قوله: بَعْضَهُمْ على هذا ليأجوجَ ومأجُوجَ، واستعارة المَوْج لهم عبارةٌ عن الحَيْرة، وتردُّدِ بعضهم في بَعْضٍ، كالمُوَلَّهينَ مِنْ هَمٍّ وخوفٍ ونحوه، فشبَّههم بموجِ البَحْر الذي يضطرب بعضُه في بعض.
وقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ...
إلى آخر الآية: يعني به يومَ القيامة بلا احتمال