تفسير سورة آل عمران الآيات ٨٦-٨٩ عند الثعالبي

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 3 آل عمران > الآيات ٨٦-٨٩

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٦ أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٨٨ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٨٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ...

الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟

فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ «١» ، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ «٢» ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا «٣» به، ورجَّحه الطبري «٤» .

وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ «٥» .

قال ع «٦» : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه.

وقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن.

قال الفَخْر «٧» : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل.

اهـ.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ...

الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك «١» .

قال ع «٢» : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم.

وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت «٣» به.

قال ع «٤» : فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه «٥» ، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره:

المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم «٦» .

قال ع «٧» : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً [آل عمران: ٨٦] ، فأخبر عنهم أنَّه لا

تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج «١» : المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.

قال ع «٢» : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/.

وقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ...

الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.

قال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: «مِنْ» : للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ:

«بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» «٣» اهـ.

قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له» «٤» اهـ من «الإحياء» .

قال ع «١» : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به «٢» .

قال الفَخْر «٣» : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ.

اهـ.

وقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.

وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها.

وقال الفَخْر «٤» : قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون.

اهـ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله