الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 6 الأنعام > الآيات ٣٢-٣٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةمن عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ» قَالُوا: وَمَا ندامته يا رسول الله؟
قال:
«إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مُسِيئاً نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ» خرجه الترمذي «١» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ.
ومن قال: إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ.
وقال الطبري «٢» وغيره: هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً: أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ.
قال: فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ.
وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال: فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ.
قلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها.
قال مكي: وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امرئ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ: أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا.
ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ: أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يسوءك، فو الله إنك لأنت الذي تراد بهذا» .
انتهى.
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)
وقوله سبحانه: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية.
هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تقضى.
وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩] وهو المقصود بها.
قال عبد الحق في «العاقبة» : اعلم- رحمك الله- أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ/ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّىءَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون.
انتهى.
وقوله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ ...
الآية: نَعْلَمُ إذا كانت من اللَّه- تعالى- تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال.
قلت: ونحو هذا لأبي «١» حَيَّانَ قال: وعبر هنا بالمُضَارِعِ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان يعطي ويمنع.
انتهى.
وقرأ نافع «٢» وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ.
وقرأ الباقون: «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لا يكذّبونك» «٣» - بتشديد