تفسير سورة الأعراف الآيات ١٤٢-١٤٥ عند الثعالبي

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 7 الأعراف > الآيات ١٤٢-١٤٥

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٤٢ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٤٣ قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٤ وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ١٤٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ.

انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «١» ، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ.

ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ...

الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ...

الآية.

وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)

وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «٢» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم

الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «١» ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ...

الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه صلّى الله عليه وسلّم ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم

قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] «١» ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً.

انتهى.

قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «٢» .

قال ع «٣» : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع «٤» : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «٥» .

قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: ٩١] ، وهو واضح.

انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] تَكْراراً، والأصل عدمه.

انتهى من «المغني» .

وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين.

قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها.

قال ع «١» : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي:

مِنْ قومه قاله ابن عباس «٢» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «٣» .

وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله