الإسلام > القرآن > تفسير > السمرقندي > سورة 53 النجم > الآيات ٢٨-٣٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقال عز وجل: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني: ليس لهم حجة على مقالتهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن يعني: على غير يقين وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يعني: لا يمنعهم من عذاب الله شيئا فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعني: اترك من أعرض عن القرآن، ولا يؤمن به.
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: لم يرد بعلمه الدار الآخرة، إنما يريد به منفعة الدنيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني: غاية علمهم الحياة الدنيا.
ويقال: ذلك منتهى علمهم، لا يعلمون من أمر الآخرة شيئاً، وهذا كقوله: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.
ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو أعلم بمن ترك طريق الهدى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى يعني: من تمسك بدين الإسلام، ومعناه: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، ولا تعاقبهم، فإن الله عليم بعقوبة المشركين، وبثواب المؤمنين، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا يعني: ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا، وعملوا المعاصي وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى يعني: ويثيب الذين آمنوا، وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم.
ثم نعت المحسنين فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ قرأ حمزة والكسائي: كبير الإثم والفحش بلفظ الوحدان، والمراد به: الجنس.
والباقون: كَبائِرَ الْإِثْمِ بلفظ الجماعة.
قال بعضهم: كَبائِرَ الْإِثْمِ يعني: الشرك بالله، وَالْفَواحِشَ يعني: المعاصي.
وقال بعضهم: كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ بمعنى واحد، لأن كل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة فاحشة.
وروي عن النبيّ أنه قال «الْكَبَائِرُ أَرْبَعَةٌ: الشِّرْكُ بِالله، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» .
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر سبعة.
فبلغ ذلك إلى عبد الله بن عباس، فقال: هي إلى السبعين أقرب.
ويقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.
وقيل: كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة، كما روي عن بعضهم أنه قال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
قال: إِلَّا اللَّمَمَ وقال بعضهم: اللَّمَمَ هو الصغائر من الذنوب.
يعني: إذا اجتنبت الكبائر، يغفر الله صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، وهو كقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: 31] قال مقاتل: نزلت في شأن نبهان التمار، وذلك أن امرأة أتت لتشتري التمر، فقال لها: ادخلي الحانوت، فعانقها، وقبلها، فقالت المرأة: خنت أخاك ولم تصب حاجتك، فندم، وذهب إلى رسول الله .
وروى مسروق عن ابن مسعود: قال زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك الفرج، أو يكذبه.
فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمماً.
وقال عكرمة: اللَّمَمَ النظر، وحديث النفس، ونحو ذلك.
وروى طاوس، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي أنه قال: «إن الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى.
فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ نَظَرُ النَّاظِرِ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى، وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .
وقال عبد الله بن الزبير: اللَّمَمَ القبلة، واللمس باليد.
وقال بعضهم: اللَّمَمَ كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه.
وروى منصور، عن مجاهد قال: في قوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو الرجل يذنب الذنب، ثم ينزع عنه.
وروي عن أبي هريرة: قال: اللَّمَمَ النكاح.
وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال: صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية.
يقول الله تعالى في كتابه وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 23] .
وروي عن الحسن أنه قال: اللَّمَمَ هو أن يصيب النظرة من المرأة، والشربة من الخمر.
ثم ينزع عنه.
وروي عن مجاهد أنه قال: الذي يلم بالذنب، ثم يدعه.
وقد قال الشاعر: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ...
وَأيّ عَبْدِ للَّه لا أَلَمَّا وقال بعضهم: إِلَّا اللَّمَمَ ومعناه: ولا اللمم.
ومعناه: أن تجتنبوا صغائر الذنوب، وكبائرها، كما قال القائل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير، والعيش.
يعني: ولا اليعافير، ولا العيس.
وروي عن رسول الله أنه قال: «إيَّاكُمْ وَالمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ» .
وسئل زيد بن ثابت عن قوله: إِلَّا اللَّمَمَ قال: حرم الله الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وما بطن.
ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يعني: واسع الفضل، غافر الذنوب للذين يتوبون.
ويقال: معناه رحمته واسعة على الذين يجتنبون الكبائر.
ثم قال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ هو أعلم بحالكم منكم إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني: إذ هو خلقكم مّنَ الأرض.
يعني: خلق آدم من تراب، وأنتم من ذريته.
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ يعني: كنتم صغاراً فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ كان هو أعلم بحالكم منكم في ذلك كله، فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ يعني: لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب، ولا تمدحوها.
ويقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا يمدح بعضكم بعضاً.
وروي عن النبي أنه قال: «إذا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» .
والمدح على ثلاثة أوجه: أوله أن يمدحه في وجهه، فهو الذي نهي عنه.
والثاني: أن يمدحه بغير حضرته، ويعلم أنه يبلغه، فهو أيضاً منهي عنه.
والثالث: أن يمدحه في حال غيبته، وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه، ويمدحه بما هو فيه، فلا بأس بهذا.
ويقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا تطهروا أنفسكم من العيوب.
وهذا كما قال النبي : «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَاحِلَةً» .
بِمَنِ اتَّقى يعني: من يستحق المدح، ومن لا يستحق المدح.
<div class="verse-tafsir"