تفسير الكشاف سورة النازعات

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة النازعات

تفسيرُ سورةِ النازعات كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 15 دقيقة قراءة

تفسير سورة النازعات كاملةً (جار الله الزمخشري)

وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقًۭا ١ وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطًۭا ٢ وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحًۭا ٣ فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقًۭا ٤ فَٱلْمُدَبِّرَٰتِ أَمْرًۭا ٥ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧ قُلُوبٌۭ يَوْمَئِذٍۢ وَاجِفَةٌ ٨ أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌۭ ٩ يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَافِرَةِ ١٠ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا نَّخِرَةًۭ ١١ قَالُوا۟ تِلْكَ إِذًۭا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌۭ ١٢ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ ١٣ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي تخريجها.

من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم ﴿ غَرْقاً ﴾ إغراقاً في النزع، أي: تنزعها من أقاصى الأجساد من أناملها وأظفارها أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها؛ لأنها عراب.

والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك: (ثور ناشط) إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها، لأنها من أسبابه.

أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب.

وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً من علم الحساب.

وقيل النازعات أيدي الغزاة، أو أنفسهم تنزع القسيّ بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف، وهو (لتبعثن) لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة.

و ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ منصوب بهذا المضمر.

و ﴿ الراجفة ﴾ الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى: وصفت بما يحدث بحدوثها ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية.

ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [النمل: 72] ، أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها، وهي رادفة لهم لاقترابها.

وقيل (الراجفة) الأرض والجبال، من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال ﴾ [المزمل: 14] والرادفة: السماء والكواكب؛ لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك.

فإن قلت: ما محل تتبعها؟

قلت: الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة.

فإن قلت: كيف جعلت ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ ظرفاً للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟

قلت: المعنى لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى.

ودلّ على ذلك أنّ قوله: ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ جعل حالاً عن الراجفة.

ويجوز أن ينتصب ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ بما دلّ عليه ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أي يوم ترجف وجفت القلوب ﴿ وَاجِفَةٌ ﴾ شديدة الاضطراب، والوجيب والوجيف: أخوان ﴿ خاشعة ﴾ ذليلة.

فإن قلت: كيف جاز الابتدء بالنكرة؟

قلت: ﴿ قُلُوبٍ ﴾ مرفوعة بالابتداء و ﴿ وَاجِفَةٌ ﴾ صفتها، و ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبرها فهو كقوله: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ﴾ [البقرة: 221] ، فإن قلت: كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟

قلت: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ ﴿ فِى الحافرة ﴾ في الحالة الأولى، يعنون: الحياة بعد الموت.

فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟

قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقه التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفراً، كما قيل: حفرت أسنانه حفراً: إذا أثر الأكال في أسناخها.

والخط المحفور في الصخر.

وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية، أي: منسوبة إلى الحفر والرضا، أو كقولهم: نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي طريقته وحالته الأولى.

قال: أَحَافِرَةٌ عَلَى صلَعٍ وَشَيْبٍ ** مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ سَفَهٍ وَعَارٍ يريد: أرجوعاً إلى حافرة؟

وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى: وهي الصفقة وقرأ أبو حيوة ﴿ في الحفرة ﴾ والحفرة بمعنى: المحفورة.

يقال: حفرت أسنانه فحفرت حفراً، وهي حفرة؛ وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة.

يقال: (نخر) العظم فهو نخر وناخر، كقولك طمع فهو طمع وطامع؛ وفعل أبلغ من فاعل؛ وقد قرئ بهما: وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير.

و ﴿ إِذاً ﴾ منصوب بمحذوف، تقديره: أئذاكنا عظاماً نرد ونبعث ﴿ كَرَّةٌ خاسرة ﴾ منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها.

والمعنى: أنها إن صحت فنحن إداً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم فإن قلت بم تعلق قوله ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة ﴾ قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة؛ يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية ﴿ فَإِذَا هُم ﴾ أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتاً في جوفها، من قولهم: زجر البعير، إذا صاح عليه.

والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأنّ السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها: نائمة.

قال الأشعث بن قيس: وَسَاهِرَةٍ يُضْحِى السَّرابُ مُجَلَّلاً ** لأَقْطَارِهَا قَدْ جُبْتُهَا مُتَلَثِّمَا أو لأنّ سالكها لا ينام خوف الهلكة.

وعن قتادة: فإذا هم في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥ إِذْ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ١٦ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ١٩ فَأَرَىٰهُ ٱلْـَٔايَةَ ٱلْكُبْرَىٰ ٢٠ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ٢٢ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣ فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ ٢٤ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱلْأُولَىٰٓ ٢٥ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰٓ ٢٦

﴿ اذهب ﴾ على إرادة القول.

وفي قراءة عبد الله ﴿ أن اذهب ﴾ لأنّ في النداء معنى القول.

هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؛ كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه ﴿ إلى أَن تزكى ﴾ إلى أن تتطهر من الشرك، وقرأ أهل المدينة ﴿ تزكى ﴾ بالإدغام ﴿ وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ ﴾ وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه ﴿ فتخشى ﴾ لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ [فاطر: 28] أي العلماء به؛ وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله: أتى منه كل خير.

ومن أمن: اجترأ على كل شرّ.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً ﴾ [طه: 44] ، ﴿ الأية الكبرى ﴾ قلب العصا حية لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها؛ لأنه كان يتقيها بيده، فقيل له: أدخل يدك في جيبك، أو أرادهما جميعاً، إلا أنه جعلهما واحدة؛ لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها ﴿ فَكَذَّبَ ﴾ بموسى والآية الكبرى، وسماهما ساحراً وسحراً ﴿ وعصى ﴾ الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر، وأنّ الطاعة قد وجبت عليه ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى ﴾ أي لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً، يسعى: يسرع في مشيته.

قال الحسن كان رجلاً طياشاً خفيفاً.

أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وأريد: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع ﴿ أَدْبَرَ ﴾ موضع: أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال ﴿ فَحَشَرَ ﴾ فجمع السحرة، كقوله: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي المدائن حاشرين ﴾ [الشعراء: 53] .

﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه.

أو أمر منادياً في الناس بذلك.

وقيل قام فيهم خطيباً فقال تلك العظيمة.

وعن ابن عباس: كلمته الأولى: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى ﴾ [القصص: 38] والآخرة: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [النازعات: 34] .

﴿ نَكَالَ ﴾ هو مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله؛ كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم.

يعني الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة.

وعن ابن عباس: نكال كلمتيه الآخرة، وهي قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ والأولى وهي قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى ﴾ [القصص: 28] ، وقيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة.

وقيل عشرون.

<div class="verse-tafsir"

ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا ٢٧ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩ وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا ٣١ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا ٣٢ مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ ٣٣

الخطاب لمنكرى البعث، يعني ﴿ أَءَنتُمْ ﴾ أصعب ﴿ خَلْقاً ﴾ وإنشاء ﴿ أَمِ السمآء ﴾ ثم بين كيف خلقها فقال ﴿ بناها ﴾ ثم بين البناء فقال ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا ﴾ أي جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور.

أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان.

غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه.

ويقال أيضاً: أغطش الليل، كما يقال أظلم ﴿ وَأَخْرَجَ ضحاها ﴾ وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] ، يريد وضوئها.

وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها؛ وأضيف الليل والشمس إلى السماء، لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها ﴿ مَاءهَا ﴾ عيونها المتفجرة بالماء ﴿ ومرعاها ﴾ ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعى.

ونصب الأرض والجبال بإضمار ﴿ دحا ﴾ و ﴿ أرسى ﴾ وهو الإضمار على شريطة التفسير.

وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء.

فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى ﴿ دحاها ﴾ بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لابد منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب؛ وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها.

والثاني: أن يكون ﴿ وأَخْرَجَ ﴾ حالاً بإضمار (قد) كقوله: ﴿ أَوْ جَاؤكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ [النساء: 90] وأراد بمرعاها: ما يأكل الناس والأنعام.

واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: ﴿ نَرتعُ وَنَلْعَبُ ﴾ [يوسف: 12] وقرئ: ﴿ نرتع ﴾ من الرعى؛ ولهذا قيل: دلّ اللَّه سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح، لأنه من الماء ﴿ متاعا لَّكُمْ ﴾ فعل ذلك تمتيعاً لكم ﴿ ولأنعامكم ﴾ لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ ٣٤ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦

﴿ الطآمة ﴾ الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب.

وفي أمثالهم: جرى الوادي فطمَّ على القرى، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة.

وقيل: هي النفخة الثانية.

وقيل: الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ﴾ بدل من إذا جاءت، يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، كقوله: ﴿ أحصاه الله وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6] ، و ﴿ مَا ﴾ في ﴿ مَا سعى ﴾ موصولة، أو مصدرية ﴿ وَبُرّزَتِ ﴾ أظهرت وقرأ أبو نهيك ﴿ وبرزت ﴾ ﴿ لِمَن يرى ﴾ للرائين جميعاً، أي: لكل أحد، يعني: أنها تظهر إظهاراً بينا مكشوفاً، يراها أهل الساهرة كلهم، كقوله: قد بين الصبح لذي عينين، يريد: لكل من له بصر؛ وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد وقرأ ابن مسعود ﴿ لمن رأى ﴾ وقرأ عكرمة ﴿ لمن ترى ﴾ والضمير للجحيم، كقوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [الفرقان: 12] وقيل: لمن ترى يا محمد.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧ وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ٣٨ فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ٣٩

﴿ فَأَمَّا ﴾ جواب ﴿ فَإِذَا ﴾ أي: فإذا جاءت الطاقة فإنّ الأمر كذلك والمعنى: فإنّ الجحيم مأواه، كما تقول للرجل: غض الطرف، تريد: طرفك، وليس الألف واللام بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أنّ الطاغى هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره: تركت الإضافة؛ ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف للتعريف، لأنهما معروفان، و ﴿ هِىَ ﴾ فصل أو مبتدأ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ٤٠ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ٤١

﴿ وَنَهَى النفس ﴾ الأمارة بالسوء ﴿ عَنِ الهوى ﴾ المردي وهو اتباع الشهوات وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير.

وقيل: الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أحد، ووقى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ٤٢ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَىٰهَآ ٤٣ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا ٤٥ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا ٤٦

﴿ أَيَّانَ مرساها ﴾ متى إرساؤها، أي إقامتها، أرادوا: متى يقيمها الله ويثبتها ويكونها؟

وقيل أيان منتهاها ومستقرّها، كما أنّ مرسى السفينة مستقرّها، حيث تنتهي إليه ﴿ فِيمَ أَنتَ ﴾ في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به، يعني: ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء.

وعن عائشة رضي الله عنها: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت، فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها.

والمعنى: أنهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها، ثم قال ﴿ إلى رَبّكَ منتهاها ﴾ أي منتهى علمها لم يؤت علمها أحداً من خلقه.

وقيل: ﴿ فِيمَ ﴾ إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال، ثم قيل: أنت من ذكراها، أي: إرسالك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها، فكفاهم بذلك دليلا على دنوّها ومشارقها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها ﴾ أي: لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون من إنذارك لطفاله في الخشية منها.

وقرئ ﴿ منذر ﴾ بالتنوين، وهو الأصل؛ والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال؛ فإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة؛ كقولك: هو منذر زيد أمس، أي: كأنهم لم يلبثوا في الدنيا، وقيل: في القبور ﴿ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها ﴾ فإن قلت: كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟

قلت: لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد.

فإن قلت: فهلا قيل: إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟

قلت: الدلالة على أن مدّة لبثهم كأنها لم تبلغ يوماً كاملاً، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه؛ فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته، فهو كقوله: ﴿ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ ﴾ [الأحقاف: 35] .

عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة» .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله