الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآيات ٦٠-٦٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ...
﴾ الآية.
ذكر في القصة: أن رجلين تنازعا: أحدهما منافق، والآخر يهودي، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد ، فاختصما إلى نبي الله ، فقضى لليهودي على المنافق، فلما خرجا قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب نختصم إليه، فأقبل معه اليهودي إلى عمر - - فقال اليهودي: يا عمر، إنا اختصمنا إلى محمد فقضى لي عليه، فزعم أنه لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه يرضى بقضائك، فاقض بيننا، فقال عمر - - للمنافق: كذلك؟
قال: نعم، فقال: رويدكما أخرج إليكما، فدخل عمر - - البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج فضرب [به] عنق المنافق، فأنزل الله - -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ ﴾ .
والطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف.
وقيل: ﴿ ٱلطَّاغُوتِ ﴾ : هو اسم الكاهن.
وقيل: ﴿ ٱلطَّاغُوتِ ﴾ : الكافر.
والطاغوت: هو كل معبود دون الله - - وعلى هذا التأويل خرج قوله - وتعالى -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ أي: جاء أهل النفاق يحلفون بالله: أنه لم يرد بالتحكم إلى ذلك إلا إحساناً وتوفيقاً.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ؛ وذلك أن قوله - وتعالى -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ ﴾ قصدوا أن يتحاكموا ولم يتحاكموا بعد، فأخبرهم رسول الله بذلك؛ فعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ أي: أمروا أن يكفروا بالطاغوت؛ كقوله - -: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ أي: يزين لهم الشيطان ليضلوا ضلالا بعيداً؛ أي: لا يعودون إلى الهدى أبداً، فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك، فكذلك كان، وهو في موضع الإياس عن الهدى.
وقيل: بعيداً عن الحق.
وقيل: طويلا، وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ ﴾ .
أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول وسنته - ﴿ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ .
والصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف.
وقال الكسائي: يقرأ: "يَصِدُّونَ" بكسر الصاد، و"يصدون" بضم الصاد.
وفي حرف حفصة: "وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل الله رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً".
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ .
يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر - - لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا ﴿ إِحْسَٰناً ﴾ أي: تخفيفاً وتيسيراً عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ إلى الخير والصواب.
وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
ويحتمل قوله - -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ الآية في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه سلم فيعتذرون كما ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 94]؛ لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعاً منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت [النكبة و] الدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - : ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا كان دأبهم وعادتهم أبداً.
وقوله - -: ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إلا تخفيفاً وتيسيراً عليك.
وقيل: قالوا: تحاكمنا إليه على أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك.
وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا - رحمهم الله - والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق والخلاف غير ما حلفوا، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، ولا تعاقبهم في هذه المرة، ﴿ وَقُل لَّهُمْ ﴾ : إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم.
ويحتمل: أن يكون على الوعيد، أي: لا تعاقبهم؛ فإن الله - عز وجل - هو معاقبهم.
وقوله - -: ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ .
قيل: أي: تخفيفاً وتيسيراً عليك، على أنه إن وفق للصواب وإلا رجعنا إليك؛ إحساناً وتوفيقاً؛ لما لعل التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام.
وقيل: ﴿ إِحْسَٰناً ﴾ : يحسنون إلينا ويبروننا بفضول أموالهم.
وقيل: ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ : بفضول أموالهم.
وقيل: ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ : أي: صواباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ .
قيل: أوعدهم وعيداً؛ حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون.
وقيل: ألزمهم الحجة في ذلك وأبلغها إليهم؛ حتى إذا عادوا عاقبتهم.
<div class="verse-tafsir"