الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 75 القيامة > الآيات ٢٦-٤٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة﴿ كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ﴾ يَعْنِي بُلُوغَ الرُّوحِ عِنْدَ مَوْتِهِ إلى التَّراقِي، وهي أعْلى الصَّدْرِ، واحِدُها تَرْقُوَةٌ.
﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ أهْلُهُ: مَن راقٍ يَرْقِيهِ بِالرُّقى وأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَن طَبِيبٌ شافٍ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ، قالَ الشّاعِرُ: هَلْ لِلْفَتى مِن بَناتِ الدَّهْرِ مِن واقِي أمْ هَلْ لَهُ مِن حِمامِ المَوْتِ مِن راقِي الثّالِثُ: قالَ المَلائِكَةُ: مَن راقٍ يَرْقى بِرُوحِهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ أيْ تَيَقَّنَ أنَّهُ مُفارِقٌ الدُّنْيا.
﴿ والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اتِّصالُ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الشِّدَّةُ بِالشِّدَّةِ والبَلاءُ بِالبَلاءِ، وهو شِدَّةُ كَرْبِ المَوْتِ بِشِدَّةِ هَوْلِ المَطْلَعِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ أنَسٍ الهُذَلِيِّ أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا.
الثّالِثُ: التَفَّتْ ساقاهُ عِنْدَ المَوْتِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التِفافَ السّاقِ بِالسّاقِ عِنْدَ المِيثاقِ، قالَ الحَسَنُ: ماتَتْ رِجْلاهُ فَلَمْ تَحْمِلاهُ وقَدْ كانَ عَلَيْهِما جَوّالًا.
الرّابِعُ: أنَّهُ اجْتَمَعَ أمْرانِ شَدِيدانِ عَلَيْهِ: النّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ، والمَلائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُنْطَلَقُ، قالَهُ خارِجَةُ.
الثّانِي: المُسْتَقَرُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى ﴾ هَذا في أبِي جَهْلٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا صَدَّقَ بِكِتابِ اللَّهِ ولا صَلّى لِلَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: فَلا صَدَّقَ بِالرِّسالَةِ ولا آمَنَ بِالمُرْسَلِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَلا آمَنَ بِقَلْبِهِ ولا عَمَلَ بِبَدَنِهِ.
﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبَ الرَّسُولَ وتَوَلّى عَنِ المُرْسَلِ.
الثّانِي: كَذَّبَ بِالقُرْآنِ وتَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ.
﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى ﴾ يَعْنِي أبا جَهْلٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَخْتالُ في نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وهي مِشْيَةُ بَنِي مَخْزُومٍ.
الثّالِثُ: أنْ يَلْوِيَ مَطاهُ، والمَطا: الظَّهْرُ، وجاءَ النَّهْيُ عَنْ مِشْيَةِ المُطَيْطاءِ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ يُلْقِي يَدَيْهِ مَعَ الكَفَّيْنِ في مَشْيِهِ.
﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ حَكى الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «أنَّ النَّبِيَّ لَقِيَ أبا جَهْلٍ بِبَطْحاءِ مَكَّةَ وهو يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، فَدَفَعَ في صَدْرِهِ وهَمَزَهُ بِيَدِهِ وقالَ: ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: إلَيْكَ عَنِّي أوْعِدْنِي يا ابْنَ أبِي كَبْشَةَ ما تَسْتَطِيعُ أنْتَ ولا رَبُّكَ الَّذِي أرْسَلَكَ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولِيَكَ الشَّرُّ، قالَ قَتادَةُ، وهَذا وعِيدٌ عَلى وعِيدٍ.
الثّانِي: ويْلٌ لَكَ، قالَتِ الخَنْساءُ هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأوْلى لِنَفْسِيَ أوْلى لَها.
∗∗∗ سَأحْمِلُ نَفْسِي عَلى آلَةٍ ∗∗∗ فَإمّا عَلَيْها وإمّا لَها.
الآلَةُ: الحالَةُ، والآلَةُ: السَّرِيرُ أيْضًا الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ المَوْتى.
﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَهَلْ لا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: يَظُنُّ ألّا يُبْعَثَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مُلْغًى لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: عَبَثٌ لا يُحاسَبُ ولا يُعاقَبُ، قالَ الشّاعِرُ: فَأُقْسِمُ بِاَللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ ∗∗∗ ما تَرَكَ اللَّهُ شَيْئًا سُدى ﴿ ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى يُمْنى يُراقُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنى لِإراقَةِ الدِّماءِ فِيها.
الثّانِي: بِمَعْنى يَنْشَأُ ويَخْلُقُ، ومِنهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ فاسْلُكْ طَرِيقَكَ تَمْشِي غَيْرَ مُخْتَشِعٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي.
الثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى يَشْتَرِكُ أيِ اشْتِراكُ ماءِ الرَّجُلِ بِماءِ المَرْأةِ.
﴿ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ النُّطْفَةِ عَلَقَةً.
﴿ فَخَلَقَ فَسَوّى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: خَلَقَ مِنَ الأرْحامِ قَبْلَ الوِلادَةِ وسَوّى بَعْدَها عِنْدَ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ وتَمامِ الحَرَكَةِ.
الثّانِي: خَلَقَ الأجْسامَ وسَوّاها لِلْأفْعالِ، فَجَعَلَ لِكُلِّ جارِحَةٍ عَمَلًا، واَللَّهُ أعْلَمُ.