تفسير الماوردي سورة الضحى

الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة الضحى

تفسيرُ سورةِ الضحى كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

تفسير سورة الضحى كاملةً (أبو الحسن الماوردي)

وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلًّۭا فَهَدَىٰ ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ ٨ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١

سُورَةُ الضُّحى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والضُّحى ﴾ هو قَسَمٌ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أوَّلُ ساعَةٍ مِنَ النَّهارِ إذا تَرَحَّلَتِ الشَّمْسُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ صَدْرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو طُلُوعُ الشَّمْسِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الرّابِعُ: هو ضَوْءُ النَّهارِ في اليَوْمِ كُلِّهِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ ضَحى فُلانٌ الشَّمْسَ، إذا ظَهَرَ لَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، والِاشْتِقاقُ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسى.

﴿ واللَّيْلِ إذا سَجى ﴾ وهو قَسَمٌ ثانٍ، وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا أقْبَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: إذا اسْتَوى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: إذا ذَهَبَ، قالَهُ ابْنُ حَنْطَلَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: إذا سَكَنَ الخَلْقُ فِيهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ سَجى البَحْرُ إذا سَكَنَ، وقالَ الرّاجِزُ يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجِ وطُرُقٌ مِثْلُ مِلاءِ النَّسّاجِ ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَرَوى الأسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رُمِيَ بِحَجَرٍ في إصْبَعِهِ فَدَمِيَتْ، فَقالَ هَلْ أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ قالَ فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقُومُ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ يا مُحَمَّدُ ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ » ورَوى هُشامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «أبْطَأ جِبْرِيلُ عَنِ النَّبِيِّ  فَجَزِعَ لِذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، قالَتْ عائِشَةُ: فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: إنّا نَرى رَبَّكَ قَدْ قَلاكَ، مِمّا رَأوْا مِن جَزَعِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ »، ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ جِبْرِيلَ لَبِثَ عَنِ النَّبِيِّ  اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ ودَّعَ مُحَمَّدًا رَبُّهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾ وفي ﴿ وَدَّعَكَ ﴾ قِراءَتانِ: أحَدُهُما: قِراءَةُ الجُمْهُورِ ودَّعَكَ، بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْناها: ما انْقَطَعَ الوَحْيُ عَنْكَ تَوْدِيعًا لَكَ.

والثّانِيَةُ: بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْناها: ما تَرَكَكَ إعْراضًا عَنْكَ.

﴿ وَما قَلى ﴾ أيْ ما أبْغَضَكَ، قالَ الأخْطَلُ: المَهْدِيّاتُ لِمَن هَوِينَ نَسِيئَةً ∗∗∗ والمُحْسِناتُ لِمَن قَلَيْنَ مَقِيلًا ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «عُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ما هو مَفْتُوحٌ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ الآيَةَ» .

وفي قَوْلِهِ ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِمّا أعْجَبَكَ في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: أنَّ مَآلَكَ في مَرْجِعِكَ إلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِمّا أعْطاكَ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُعْطِيكَ مِنَ النَّصْرِ في الدُّنْيا، وما يُرْضِيكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ.

الثّانِي: يُعْطِيكَ المَنزِلَةَ في الآخِرَةِ، وما يُرْضِيكَ مِنَ الكَرامَةِ.

﴿ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ﴾ واليَتِيمُ بِمَوْتِ الأبِ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقَدَ أبَوَيْهِ وهو صَغِيرٌ، فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ، ثُمَّ ماتَ فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ يُتْمَ الأُبُوَّةِ بِمَوْتِ مَن فَقَدَهُ مِن أبَوَيْهِ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَآوى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلَ لَكَ مَأْوًى لِتَرْبِيَتِكَ، وقَيِّمًا يَحْنُو عَلَيْكَ ويَكْفُلُكَ وهو أبُو طالِبٍ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ وعَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أيْ جَعَلَ لَكَ مَأْوى نَفْسِكَ، وأغْناكَ عَنْ كَفالَةِ أبِي طالِبٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِاليَتِيمِ الَّذِي لا مَثِيلَ لَهُ ولا نَظِيرَ، مِن قَوْلِهِمْ دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ، إذا لَمْ يَكُنْ لَها مَثِيلٌ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ فَآوى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَآواكَ إلى نَفْسِهِ واخْتَصَّكَ بِرِسالَتِهِ.

الثّانِي: أنْ جَعْلَكَ مَأْوى الأيْتامِ بَعْدَ أنْ كُنْتَ يَتِيمًا، وكَفِيلَ الأنامِ بَعْدَ أنْ كُنْتَ مَكْفُولًا، تَذْكِيرًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وجَدَكَ لا تَعْرِفُ الحَقَّ فَهَداكَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ووَجَدَكَ ضالًّا عَنِ النُّبُوَّةِ فَهَداكَ إلَيْها، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّالِثُ: ووَجَدَ قَوْمَكَ في ضَلالٍ فَهَداكَ إلى إرْشادِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

الرّابِعُ: ووَجَدَكَ ضالًّا عَنِ الهِجْرَةِ فَهَداكَ إلَيْها.

الخامِسُ: ووَجَدَكَ ناسِيًا فَأذْكَرَكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ السّادِسُ: ووَجَدَكَ طالِبًا القِبْلَةَ فَهَداكَ إلَيْها، ويَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى الطَّلَبِ، لِأنَّ الضّالَّ طالِبٌ.

السّابِعُ: ووَجَدَكَ مُتَحَيِّرًا في بَيانِ مَن نَزَلَ عَلَيْكَ فَهَداكَ إلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى التَّحَيُّرِ، لِأنَّ الضّالَّ مُتَحَيِّرٌ.

الثّامِنُ: ووَجَدَكَ ضائِعًا في قَوْمِكَ فَهَداكَ إلَيْهِ، ويَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى الضَّياعِ، لِأنَّ الضّالَّ ضائِعٌ.

التّاسِعُ: ووَجَدَكَ مُحِبًّا لِلْهِدايَةِ فَهَداكَ إلَيْها، ويَكُونُ الضَّلالُ بِمَعْنى المَحَبَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ ﴾ أيْ في مَحَبَّتِكَ، قالَ الشّاعِرُ هَذا الضَّلالُ أشابَ مِنِّي المِفْرَقا ∗∗∗ والعارِضَيْنِ ولَمْ أكُنْ مُتَحَقِّقا ∗∗∗ عَجَبًا لِعَزَّةَ في اخْتِيارِ قَطِيعَتِي ∗∗∗ بَعُدَ الضَّلالُ فَحَبْلُها قَدْ أخْلَقا وَقَرَأ الحَسَنُ: ووَجَدَكَ ضالٌّ فَهُدِيَ، أيْ وجَدَكَ الضّالُّ فاهْتَدى بِكَ، ﴿ وَوَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وجَدَكَ ذا عِيالٍ فَكَفاكَ، قالَهُ الأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ اللَّهُ أنْزَلَ في الكِتابِ فَرِيضَةً ∗∗∗ لِابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ العائِلِ الثّانِي: فَقِيرًا فَيَسَّرَ لَكَ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ: وما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتّى يَعِيلُ ايْ مَتى يَفْتَقِرُ.

الثّالِثُ: أيْ وجَدَكَ فَقِيرًا مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، فَأغْناكَ بِها.

الرّابِعُ: ووَجَدَكَ العائِلُ الفَقِيرُ فَأغْناهُ اللَّهُ بِكَ، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ بِصَوْتِهِ الأعْلى ثَلاثَ مَرّاتٍ: (يَمُنُّ رَبِّي عَلَيَّ وهو أهْلُ المَنِّ)» ﴿ فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلا تُحَقِّرْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَلا تَظْلِمْ، رَواهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: فَلا تَسْتَذِلَّ، حَكاهُ ابْنُ سَلامٍ.

الرّابِعُ: فَلا تَمْنَعُهُ حَقَّهُ الَّذِي في يَدِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: ما قالَهُ قَتادَةُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كالأبِ الرَّحِيمِ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَلا تَكْهَرْ، قالَهُ أبُو الحَجّاجِ: الكَهْرُ الزَّجْرُ.

رَوى أبُو عُمْرانَ الجُونِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ  قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقالَ: (إنْ أرَدْتَ أنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فامْسَحْ رَأْسَ اليَتِيمِ وأطْعِمِ المِسْكِينَ)» ﴿ وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴾ في رَدِّهِ إنْ مَنَعْتَهُ، ورُدَّهُ بِرَحْمَةٍ ولِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: السّائِلُ عَنِ الدِّينِ فَلا تَنْهَرْهُ بِالغِلْظَةِ والجَفْوَةِ، وأجِبْهُ بِرِفْقٍ ولِينٍ، قالَهُ سُفْيانُ.

﴿ وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ في هَذِهِ النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَحَدِّثْ أيِ ادْعُ قَوْمَكَ.

الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: فَحَدِّثْ أيْ فَبَلِّغَ أُمَّتَكَ.

الثّالِثُ: ما أصابَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ الحَسَنُ.

(فَحَدِّثْ) فِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِن إخْوانِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: فَحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ، ونَدَبَ إلى ذَلِكَ لِيَكُونَ ذِكْرُها شُكْرًا.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله