الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 8 الأنفال > الآيات ٣٣-٣٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أولِياءَهُ إنْ أولِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها بِمَكَّةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ كُلُّها بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا مَضى، وقالَ ابْنُ أبْزى: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ عِنْدَ خُرُوجِ النَبِيِّ عن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما لَهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً ونَبِيُّها بَيْنَ أظْهُرِها، فَما كانَ لِيُعَذِّبَ هَذِهِ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ لَدَيْهِ أعْظَمُ، قالَ -أراهُ عن أبِي زَيْدٍ-: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "ما كانَ اللهُ لَيُعَذِّبَهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ.
واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ أبْزى، وأبُو مالِكٍ، والضَحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "مُعَذِّبَهُمْ" يَعُودُ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ" عائِدُ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْفَعُ في صَدْرٍ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَمِيرُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: أنْ يُقالَ: الضَمِيرانِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُنْيا، وعَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُنْيا أمَنَتَيْنِ، كَوْنَ الرَسُولِ مَعَ الناسِ، والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ: الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ إنْ لَوْ كانَتْ، فالمَعْنى: وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ، ثُمَّ حَسُنَ الزَجْرُ والتَوْقِيفُ -بَعْدَ هَذا- بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ .
وقالَ الزَجّاجُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادِ بِهِ: مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ وفِيهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وحَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ذُرِّيَّةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ، فَنُسِبَ الِاسْتِغْفارُ إلَيْهِمْ، إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهُمْ، وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ ولَمْ يَنْسِبْهُ.
وفِي الطَبَرِيِّ عن فِرْقَةٍ أنَّ مَعْنى ﴿ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ : يُصَلُّونَ، وعن أُخْرى: يُسْلِمُونَ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَتَقارَبُ مَعَ قَوْلِ قَتادَةَ.
وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا، فَتَقْدِيرُهُ: وما يُعْلِمُهم أو يُدْرِيهِمْ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُوجِبُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا، والظاهِرُ في قَوْلِهِ: "وَما" أنَّها اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ والسُؤالِ، وهَذا أفْصَحُ في القَوْلِ وأقْطَعُ لَهم في الحُجَّةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً ويَكُونَ القَوْلُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ لَهم ألّا يُعَذَّبُوا وهم يَصُدُّونَ.
وقَوْلُهُ: وهم يَصُدُّونَ عَلى التَأْوِيلَيْنِ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ مَعْناهُ: يَمْنَعُونَ غَيْرَهُمْ، فَهو مُتَعَدٍّ كَما قالَ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗...............
وقَدْ تَجِيءُ "صَدَّ" غَيْرَ مُتَعَدٍّ، كَما أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: صَدَّتْ خُلَيْدَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا ∗∗∗ ∗∗∗.................
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أولِياؤُهُ ﴾ عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ ، أو عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، كُلُّ ذَلِكَ جَيِّدٌ، رُوِيَ الأخِيرُ عَنِ الحَسَنِ، والضَمِيرُ الآخَرُ تابِعٌ لِلْأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا بِأولِيائِهِ، بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أولِياؤُهُ، وقَوْلُهُ: ( أكْثَرَهم ) ونَحْنُ نَجِدُ كُلَّهم بِهَذِهِ الصِفَةِ، لَفْظٌ خارِجٌ إمّا عَلى أنْ تَقُولَ: إنَّهُ لَفْظُ خُصُوصٍ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: "قُلْ مَن يَقُولُ ذَلِكَ"، وهم يُرِيدُونَ: لا يَقُولُهُ أحَدٌ.
وإمّا أنْ تَقُولَ: إنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ( أكْثَرَهم ) أنْ يَعْلَمَ ويَشْعُرَ أنَّ بَيْنَهم وفي خِلالِهِمْ قَوْمًا قَدْ جَنَحُوا إلى الإيمانِ ووَقَعَ لَهم عِلْمٌ وإنْ كانَ ظاهِرُهُمُ الكُفْرُ فاسْتَثارَهم مِنَ الجَمِيعِ بِقَوْلِهِ: ( أكْثَرَهم )، وكَذَلِكَ كانَتْ حالُ مَكَّةَ وأهْلِها، فَقَدْ كانَ فِيهِمُ العَبّاسُ، وأُمُّ الفَضْلِ وغَيْرُهُما.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ: قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ﴾ ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ.
<div class="verse-tafsir"