الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 98 البينة > الآيات ٦-٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ حُكْم اللهِ في هَذِهِ الآيَةُ بِتَخْلِيدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ -وَهم عَبَدَةُ الأوثانِ- في النارِ، وبِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ، و"البَريَّةُ" جَمِيعُ الخَلْقِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَرَّأهُمْ، أيْ أوجَدَهم بَعْدَ العَدَمِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ: "البَرِيئَةُ" بِالهَمْزِ مَن "بَرَّأ"، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "البَرِّيَّةُ" بِشَدِّ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلى التَسْهِيلِ، والقِياسُ الهَمْزُ إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَرَكَ هَمَزَهُ كالنَبِيِّ والذُرِّيَّةِ، وقَرَأ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: البَرِّيَّةُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَرى وهو التُرابُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً وغَلَطًا، غَيْرَ مَرْضى.
و ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ شُرُوطٌ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، ومَن آمَنَ بِنَبِيِّهِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "خَيْرٌ"، وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ مَكَّةَ: "خِيارٌ" بِألِفٍ، ورُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ ﴾ ثُمَّ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "أنْتَ يا عَلِيُّ وشِيعَتُكَ"،» ذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ، وفّى الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ : يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، فَقالَ لَهُ: "ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ.» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُكْنى جَنّاتٍ، أو دُخُولُ جَنّاتٍ، و"العَدْنُ" الإقامَةُ والدَوامُ، عَدَنَ بِالمَوْضِعِ: أقامَ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِأنَّهُ رَأسٌ ثابِتٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، أيْ وسَطُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، فَرِضاهُ عنهم هو ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رَحْمَتِهِ وغُفْرانِهِ، ورِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِجَمِيعِ ما قَسَّمَ لَهم مِن جَمِيعِ الأرْزاقِ والأقْدارِ، وقالَ بَعْضُ الصالِحِينَ: رِضى العِبادِ عَنِ اللهِ تَعالى رِضاهم بِما يَرُدُّ مِن أحْكامِهِ، ورِضاهُ عنهم أنَّ تَوْفِيقَهم لِلرِّضا عنهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: الرِضا عَنِ اللهِ تَعالى خُرُوجُ الكَراهِيَةِ مِنَ القَلْبِ حَتّى لا يَكُونَ إلّا فَرَحٌ وسُرُورٌ، وقالَ سَرِيُّ السَقَطِيُّ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَرْضى عنكَ؟
وقِيلَ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَرِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِعَمِ، ورِضاهُ عنهم هو ما رُوِيَ مِن «أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ بِما أعْطَيْتُكُمْ؟" فَيَقُولُونَ نَعَمْ رَبَّنا، وكَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ؟
فَيَقُولُ: "أفَلا أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن كُلِّ ما أعْطَيْتُكُمْ؟
رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"،» وخَصَّ تَعالى اللهَ بِالذِكْرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لِأنَّها رَأْسُ كُلِّ بَرَكَةٍ، الناهِيَةُ عَنِ المَعاصِي، الآمِرَةُ بِالمَعْرُوفِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [لَمْ يَكُنْ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.